أزمة فيليب مارلو

فيليب مارلو

.

.

جلس المحقق الخاص فيليب مارلو في أكثر الأماكن المنزوية والمظلمة في قاعة السينما، قد خرج لتوه من قسم الشرطة بعد تحقيق خضع له بتهمة إيوائه لصديق له متهم بجريمة قتل .. يوم طويل .. ولأنه لا يريد العودة إلى شقته، فقد قرر دخول قاعة السينما ومشاهدة فيلم ما، أي فيلم ..

التتر يبدأ بجملة: فيلم “الوداع الطويل” لروبرت ألتمان، وبطولة إليوت جولدمان .. “لاشيء يقول وداعا مثل رصاصة” .. هز رأسه متفقا بإنهاك ساخر، وأشعل سيجارة مستغلا الظلام والانزواء، وبدأ يغرق في خمول العتمة اللذيذ، لدرجة أنه لم ينتبه لبداية الفيلم .. رفع رأسه أخيرا، فرأى نفسه في شاشة السينما، يجلس في شقته وهو يحادث قطته ويبحث عن طعام لها .. لقد حدث مثل هذا المشهد في البارحة، بالضبط .. تصلب في مكانه على طرف الكرسي، تتعلق السيجارة على حافة فمه، يحملق بذهول لاوعي فيه .. “ما الذي يحدث بحق الجحيم؟!” همس بقلة وضوح .. كان هو، لازال في الشاشة، يبحث عن قطته اللعينة .. تلفّت حوله، القاعة لم تمتلئ، ولكن الجميع منغمس في متابعة الفيلم .. راجع نفسه بسرعة فلم يجد في ذكرياته ما يدعم أن يكون قد أصيب فجأة بالجنون، ولم يتذكر أنه تعاطى عقارا يسبب ما يكفي من الهلوسة ليحدث شيئا كهذا، ولذا ما يحدث يحدث فعلا .. قام بتصلب متخشب، وقف بقلة وعي يحدق حوله في العتمة، حتى صرخ من ورائه رجل “أنت أيها اللعين، اجلس دعنا نشاهد الفيلم” التفت للرجل، الظلمة تمنعه من رؤيته، الظلمة تمنعه من ملاحظة اي شيء عدا نفسه في الشاشة، الموقف يزداد غرابة، فتات سيجارته اللامدخنة يتساقط، وهي لازالت على حافة فمه، حيث وقف متصلبا بلا حركة .. فجأة، وكما هي دائما حالات الفجأة في الحياة، تحدث بدون مقدمات، بدت القاعة في العتمة مكتظة أكثر، وعلت همهمة الأنفاس أكثر، وتحول الفيلم في الشاشة إلى جوان دارك بوجهها الصامت الحجري، وفرقة موسيقية تعزف الساوند تراك على حافة الشاشة .. وفي غمرة ذهوله المعلق، سمع صوتا من أقصى القاعة يهتف “إنه هنا، الواقف هناك” فيهمس رجل آخر غاضبا “لا ترفع صوتك، سيسمعنا ويهرب كما يحدث دائما” التفت فيليب مارلو فرأى اثنان يتجهان نحوه، قفز فوق الكراسي المتراصة، ووطئ رؤوس عدد من الجالسين عليها، حتى وصل إلى الرواق، وهرب وسط همهمات من يفرحون دائما بأحداث خارجة عن السياق .. خرج من الباب الخلفي، ركض في شوارع لوس أنجلوس، عدا أنها ليست لوس أنجلوس، إنها مدينة مكسيكية صغيرة على الحدود، تتفرع في شوارع معتمة ضيقة “نوارية”، حيث يسير هانك كوينلان المحقق ضخم الجثة بجانب مساعديه، يقضم لوح شوكلاتة بلذة رتيبة ويتبع جرسَ نغمٍ رقيق للبيانولا، أوقف مارلو وهو يتفوّه بنبرة عداء سافر “إلى أين تظن أنك تذهب؟!” قال أحد المساعدين باستذكاء محققي الثلاثينيات الميلادية السريع “إنه يبدو متهما يركض كالمتهم ويتحرك كالمتهم، ربما سرق أحدا” ورد آخر “أو قتل أحدا” وأضاف ثالث “أو اغتصب أحدا” واستدرك رابع “أو اختطف أحدا”، اقترب هانك خطوتان بثقته الحيوانية وهو يقول بصوته الأجش مختتما سلسلة الاتهامات “أو فعل ذلك كله”، استشعر مارلو أنه سينقض عليه فاستدار ولاذ بالهرب، سمع أصوات طلق نار تخطف بجانبه ولكنه ظل يركض، يخترق أزقة “النوار” ويسمع البانيولا يختفي، حتى خرج له من زاوية مبنى يُفضي إلى زقاق مظلم رجل وامرأة، اعترضا طريقه بينما قال الرجل بدهشة سعيدة مفتعلة “فيليب، ابني” وقف مارلو يحملق بدهشة في الرجل والمرأة التي قالت “لا أصدق عيناي، إنه فيليب، ابني، لقد اشتقنا إليك، لماذا لم نعد نراك كثيرا” يبتسمان بأوتوماتيكية آلية وكانهما ممثلان رديئان يقرآن نصا رديئا، تتطلع مارلو فيهما متوثبا بتوتر، وسيجارته لازالت معلقة على حافة فمه .. قال الأب بابتسامته الواسعة “إذاً، هل تريد أن نذهب إلى البيت، إلى غرفتك القديمة” فقال فيليب بهدوء “أبي ميت، وأمي كذلك” ثم استدرك بلامبالاة “أظن، لست أذكر” الرجل لازال على ابتسامته البلهاء الواسعة، ولكنه بدا متورطا، قال كيفما اتفق “لقد وجدنا المسيح وبث الحياة فينا” ظل مارلو واقفا بتصلب، حتى انقض ودفعهما، ركل الرجل في خصيتيه ولكم المرأة في فكها، وأخذ يركض هاربا بسرعة .. أخرجت المرأة بازوكة من شنطتها الصغيرة، ووجهتها إلى مارلو الذي يركض ملتفتا برعب وهو يصرخ “ماذا تفعلين يا بنت المنيوكة من أين أتيت بالبازوكة” فصرخت وهي تطلق القذيفة الأولى “أعيدك إلى مكانك أيها الكلب” ولكن القذيفة سقطت قريبة منه، فتناثر من حوله طوقٌ من الأتربة والرماد مثل فقاعة كبيرة، وحينما خرج منها كان يركض على حافة خندق حربي في سهوب مثخنة بالدخان والرماد، تعثر في حافته وسقط فيه ليرى جنودا يُـفسحون الطريق للكولونيل داكس، يسير بتصلب حربي وكأنه لا يرى شيئا أمامه، ولذا اصطدم بمارلو الذي يتلفت بشرود ذاهل حوله، وسقط الاثنان أرضا، قام الكولونيل وهو يصرخ “أيها الأحمق، ألا ترى أنني أسير بطريقة عسكرية في كادر الصورة المواجه لي لأضفي إلهاما جديا بموقف التركيز المصيري” فقام مارلو بصعوبة وسيجارته لازالت عالقة على حافة فمه ويلوح في نظراته جزع ذاهل، انتبه كيرك دوغلاس لهيئته المدنية فقال “أين بذلتك العسكرية؟! أي جندي هذا؟! أي فيلم لعين نصور هنا؟! ستانلي، ستانلي التبن” ولكن مارلو لاذ بالهرب قبل أن يقبض عليه جنود الكومبارس، خرج من الخندق المحتفر وإذا به على شاطئ بحر، أخذ يركض دون أن يصادف أحدا وهو يتلفت بارتباك، يبحث عن أي علامة تكشف له شيئا من الوضوح، لمح رجلين يجلسان بعيدا، اقترب منهما، الرجل الذي أولاه ظهره يلبس لباسا عسكريا عليه صليب، الرجل الآخر المقابل له يلبس رداء أسودا طويلا يغطي كل شيء عدا وجهه ويستعد لنقل بيدق شطرنج، حينما لمح مارلو قام من مكانه وهو يؤشر بسبابته بطريقة مسرحية “إنني أعرفك، ثمة قرار يقضي بالقضاء عليك، توقف” ولكن مارلو استدار حينها بطريقة خرقاء وكاد أن يتعثر في صخرة صغيرة، يركض مطلقا يديه وهو يلتفت للرجل المرعب الذي يركض وراءه بردائه الفضفاض التوراتيّ ويصرخ “توقف، ألا تعرف من أنا، أمسكوه، أمسكوا الزق الحقير إنه يهرب” فلمح جماعة تلحقه من الجهة اليمنى، يتقدمهم رجل بقبعة صغيرة يركض بمحاذاته وهو يصرخ مزمجرا “تتجرأ بالدخول في لوكيشن تصوير فلمي؟! هل تعرف من أنا؟! أنا الوجه الثقافي للسويد منذ ستريندبرغ، أنا أكثر شهرة من فرقة أبا، قف أيها الحشرة” ولكنه ظل يركض حتى تعثر في حفرة كبيرة، وحينما خرج منها كان في مقبرة واسعة في عز الظهيرة، يقف عند حافة فراغ مدوّر يحتل جهاته الثلاث رجال كاوبوي يستعدون لسحب مسدساتهم، وتخرج من مكان لعين موسيقى صاخبة ترج المكان، انتبهوا لمارلو الواقف في الجهة الرابعة، إلتفت له توكو، تطلع فيه بنظرة ازدرائه الحقيرة المميزة ثم قال “ماذا تريد يا خنزير؟!”، صمتٌ شبحي في المكان، صرخ توكو ملوحا بيده “هيا اغرب من هنا لا مكان للخنازير” ولكن مارلو لم يتحرك، يقف بشك مرتبك، إلى أن قال الأشقر ذو الرداء الكاروهاتي والسيجار الصغير والصوت المتحشرج “هنالك نوعان من الأشخاص في هذا العالم، نوع يطلق الرصاص، ونوع يلوذ بالهرب” الثقة الموتيّة في صوت الرجل دفعت مارلو ليتراجع ببطء وهو يرفع يداه في تعبير عن الاستسلام، حتى استدار وأخذ يركض مبتعدا عن موسيقى إنيو موريكوني اللعينة وطلقات الرصاص التي أعقبت ذلك، وظل يركض في المكان المقفر، حتى غطت الشمسَ غيوم كثيفة، ومر بحقول قمح وهضاب خضراء واخترق تضاريس تختلف في كل تفصيل، حتى وجد نفسه في مكان ريفي، قشرة من الضباب الأبيض تغطي الأشجار، ونساء يقفن بغرابة أوتوماتيكية دون حركة في المكان، وكأنها صورة فوتوغرافية تحتوي جاذبية مغناطيسية .. وقف يحدق بذهول متحجر، وسيجارته اللعينة لازالت عالقة على حافة فمه .. أحس بيد رجل على كتفه فالتفت متوثبا، ولكن الرجل كان يبتسم بدعة لطيفة لا عداء فيها، همس بصوت رقيق “هل تعرفني؟!” ولكن مارلو لم يجب، فقال الرجل “أنا تاركوفيسكي” ثم سأل بصوته الحالم وكأنه يريد أن يفهم فعلا “لماذا تهرب يا مارلو؟!” ودون أن يفسح مجالا له أكمل وهو يتطلع في الفراغ بنظرة شاعرية “إنني أعرف لماذا تهرب، لماذا يهرب الجميع، إنه العلوق في تيه اللحظة المتشظية بحضور معلق بين الحياد المفكك في صورة الكادر اللاموجود” ثم تقدم خطوتان في الفراغ وكأنه نسي مارلو وانشغل بمسرحية توثيق خيالاته نحو جمهور لا وجود له “إنه القلق الكامن في عقدة التنقل بين محطات السفر المتأرجح في دوامة السقوط بين الوعي واللاوعي” انسحب مارلو بنظرة رعب صامت وتركه ينغمس في اعترافاته للفراغ، واستكمل ركضه في الريف، يخترق الضباب الذي يتكاثف أكثر من حوله، يحتقن كالغيمة الحليبية، حتى خرج منه وإذا به يقف في مدينة إنتاجية في هوليوود، تضج بالحركة في ذروة النهار .. وتجمع أمامه فجأة جدار من المتوثبين يتزعمهم رجل طويل، بدا أنهم يستعدون للانقضاض عليه، تراجع مارلو عدة خطوات فتقدموا عدة خطوات، يتحركون كلهم بما فيهم مارلو كما يتحرك حارس المرمى أثناء تسديدة ركلة جزاء، وكأن جميعهم ينتظرون من أحدهم أن يتخذ الخطوة الأولى ويقفز، فيكتفون بحركات التمويه هذه .. قال الطويل بنبرة صداقة مفتعلة “اسمع، أنا تيم روبنز، وأمثل دور منتج سينمائي يرتكب جريمة قتل لشعوره بالضغط والضياع، إنني أفهمك” فقال مارلو بعصبية “أنت لا تفهمني، لا شيء من هذا يحدث” .. دخل جدار المتجمهرين رجل أشيب بلحية مشذبة، قال بحماس أبوي وهو ينخرط في نفس حركة حارس المرمى التمويهية “مارلو، إنه أنا، ألا تذكرني؟!” فقال مارلو بغضب حانق “إنني لا أذكرك، إنني لا أعرف أحدا، ما الذي يحدث، أي مخدرات هذه التي استخدمتُها البارحة” ولكن روبرت إلتمان عاد ليقول بحماس “أرجوك يجب أن تقف عن الهرب، لقد كلفتنا أموالا طائلة وأوقعتنا في أزمات تختلط بمعيار الزمن الأفقي حيث يتداخل كل مسار زمني في بعضه” صمت ثم استدرك صارخا “هل ترى ما تفعله؟! إنك تجعلني أتحدث مثل تاركوفيسكي، أرجوك، كفاك هربا، توقف” ولكنهم ظلوا يموهون تجاه بعضهم، حتى تجرأ شاب في أقصى اليسار وانقضّ على مارلو، فتملص منه واستطاع أن يهرب من الفراغ الذي خلفه في الجدار، وأخذ يركض، يلحقه الآخرون الذين يدعون الواقفين إلى الانضمام إليهم، حتى صار هنالك جيش كامل يلحق بمارلو إلى أن خرج من مدينة الانتاج، واختبأ في زقاق مظلم فتجاوزه الجميع، وحينما خرج كان في مدخل شقته القديمة، زفر بعمق لا يكاد يصدق أن كل شيء انتهى أخيرا .. دخل وألقى بنفسه أشعثا أغبرا على السرير، وهو يشعر بدوار لعين، وحينما أفاق في الصباح بدا كل ما حدث حلما، لدرجة أنه لم يتذكر شيئا منه .. ثم انشغل بالبحث عن طعام لقطته الجائعة ومقابلة صديقه وحالته الغامضة والقبض عليه للتحقيق معه بخصوص مقتل عشيقة ذلك الصديق ثم الخروج من الشرطة ودخول قاعة السينما بإنهاك لامبالي، ثم مشاهدته لنفسه وهو يبحث عن طعام لقطته الجائعة .


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s