دوستويفسكي

1

كتب الجملة الأخيرة من قصة الليالي البيضاء .

زفر بيأس، استند بثقله على ظهر الكرسي، حاول الاسترخاء دون جدوى . يراقب وهج الضوء الخامل يختلج في الجدار بخمول كئيب، يسمع حفيف شجرة الصنوبر الجنائزي خارج نافذته، تهتز ظلالُ أغصانها في انعكاس ضوء مصباح الزيت الفاتر . أحس بما يشبه النوم، أغلق عينيه، وفجأة، كُسر الباب ودخل رجل يختفي وراء الظلال الشبحي، اقترب عدة خطوات بنظرة زائغة إذ يكشف الضوء وجهه، ويلمع انعكاسه في الساطور الذي يحمله . لقد كان راسكولنيكوف . تصلب دوستويفسكي في مكانه، يحدقان في بعضهما بذهول شاحب . لم يكن يعرف من هو راسكولنيكوف بعد . قال الأخير بعنف مكبوت يصِرّ بين أسنانه:

– إذاً ها أنت أخيرا . لماذا ؟!

ولكن دوستويفسكي لم يرد . ظل يحدق متحجرا دون وعي في الرجل الدخيل . صرخ راسكولنيكوف:

– أنت هو . أليس كذلك ؟! نعم أنت . إنه أنت!

هتف فيودور أخيرا بصوت مكتوم:

– ما الذي أنا؟!

تلمع جبين راسكولنيكوف في انعكاس مصباح الزيت، فيبدو كشبح برأس دون جسد . بدا وكأنه يهم بقول شيء ما ولكنه صرف النظر عن ذلك، دمدم بحقد متحجر:

– إنك لا تستحق . 

انقضّ بالساطور في حركة واحدة نحوه، قفز دوستويفسكي إلى الجدار فأخطأه الساطور وكسر مصباح الزيت . غرقت الغرفة في الظلام . إلتصق دوستويفسكي في الجدار، يتنفس بقوة مضطربة، يُقلب بصره في الظلمة الكالحة فلا يرى إلا سوادا ثقيلا كالحبر وخطوطَ ضوء نحيل يتسرب من النافذة الصغيرة مثل أعواد القصب . يسمع صوت خطوات راسكولنيكوف الذي أخذ يضحك بخفوت هستيري هجين، يتردد مع نغمِ حفيفِ حركته وخطواته . الأصوات تكتسب مزيدا من العمق الإيحائي في الظلام، دبدبة الأنفاس تُسمع بوضوح شبحي . يكرر راسكولنيكوف همهمته الهامسة، ترتفع وتيرة ضحكه، يصمت، يواصل التحرك، يضحك، يصمت، يهسّ بفحيح حيواني غريب . زحف دوستويفسكي على الجدار ببطء، لقد نسي خريطة شقته تماما، لا يستطيع أن يتذكر أين يقف بالضبط . فجأة اختفى أثر راسكولنيكوف، لم يعد يضحك، لم يعد يتحرك، لم يعد يهس بفحيحه الكابوسي . “ربما خرج” قال دوستويفسكي لنفسه بعد دقائق من الصمت، “ربما انتهى الحلم” . ظل ملتصقا في الجدار باستعداد متوثب، ينتظر أي إشارة لعودة الدخيل المجنون . تحسس الطاولة التي وقف بجانبها، تلقف شمعة وأشعلها بصعوبة . حملها أمامه مثل تعويذة، أخذ يمدها في كل الاتجاهات المظلمة ليرى إن كان له أثر، حتى مر سريعا على شبح جسد في الزاوية، أعاد الشمعة إلى المكان فرأى راسكولنيكوف يلتصق بالزاوية منكمشا مثل جثة في تابوت، يقبض بالساطور على صدره وتلوح في وجهه تكشيرة رجل يهم بأن يعطس . حملق فيه بذهول متحجر، همس بصوت لا يكاد يسمع “أي مجنون أنت ؟!”

انقض راسكولنيكوف فجأة من الزاوية فقفز دوستويفسكي بعيدا، سمع صوت الفأس يصطدم بقوة في الأرض . سقطت الشمعة من يده، ظل يزحف على الأرض هاربا حتى التصق في طرف السرير، وأخذ يحملق في الظلمة مرتعبا وهو يكتم نفسه ويسمع أنفاس راسكولنيكوف تتردد بفحيح مثل ذئب مجروح . داهم دوستويفسكي شعورُ غضب مفاجئ يفور في ساعديه ورأسه، الغضب من غريزة الضعف والخوف الذي يحس بهما . ظل يتطلع بغيظٍ مرتعش في الظلمة بحثا عن أثر لعدوّه، دون جدوى . لقد اختفى تماما، “ربما هو منكمش في زاوية أخرى لعينة” أسرّ دوستويفسكي لنفسه بنقمة حاقدة . فكر في أن ينهض من جديد، ولكنه أحس بحرارة جسد تتسرب من يمينه، التفت منكمشا فدمدم راسكولنيكوف بغرابة احتفالية وهو على وشك الانقضاض، ولكن بدا وكأن قدما خفية حبلت له فسقط، سمع فيودور صوت السقطة بجانبه وبالساطور يُقذف بعيدا . تلقف حصاة كان يرفد بها سريره وهوى بها على راسكولنيكوف، يضرب الجسد الذي يترنح تحته في الظلمة بصرخات مكتومة “إنك تستحق أن تموت يا فيودور دوستويفسكي فلماذا لا تموت” ولكن فيودور لم يكن ينصت لشيء، ظل يضرب الجسد في كل موضع يصادف يده حتى خمد جثة لزجة دون أن يتوقف، يضرب بعنف هستيري بينما تغطي يدَه أنسجةُ وأليافُ الأحشاء الصمغية . توقف منهارا منهكا، ظل يتنفس بعنف . قام أخيرا، أشعل مصباح زيت آخر، فرأى جثة راسكولنيكوف تغرق في دم متخثر وحفر عميقة . أحس بدوار في رأسه، كاد أن يسقط لولا أنه اتكأ على الطاولة بصعوبة .

بعد ساعة من الجلوس على حافة سريره وسط صمت مطبق يتخلله عواء حيوان بعيد، يُحدق في الجثة التي تبهت حمرتها، سمع صوت ضربات قوية على الباب، أنصت مروعا إلى صوت سفدريجايلوف يهتف:

– فيودور . افتح . إنه أنا .

ولكن دوستويفسكي لم يرد، تطرف عيناه بقوة ويتلفت في إحساس محموم من التورط، يكاد يجزم أن ما يحدث الآن حلم سيفيق منه سريعا . عاد سفدريجايلوف ليهتف:

– إفتح . إنني أعرف كل شيء . هيا افتح بسرعة .

خيط دمٍ تشنج في عروقه مع فكرة “يعرف كل شيء” . اتجه مترددا إلى الباب، فتحه فاندفع سفدريجايلوف إلى الدهليز المظلم دون أن يلتفت إلى صاحبه، وقف فوق الجثة بنظرة متحجرة:

– واللعنة ..

التفت إلى دوستويفسكي الذي وقف جانبه كمنوم مغناطيسي.

– إنك تقتل مثل وغد متوحش .

أحس دوستويفسكي بلحظة انفصال لاواعية، الغرفة بدت تزداد اختناقا ورطوبة، مصباح الزيت الشحيح يسمح لكل شيء أن يكون له ظل، الأرضية المضاءة بالضوء الأصفر تخططها ظلال جسديهما وظلال الأشياء الأخرى، كخطوط أشباح ببُعدين ثنائيين . جثا سفدريجايلوف عند الجثة وأردف وهو يومئ ببرود:

– هيا، يجب أن نعمل بسرعة .

ولكن دوستويفسكي قال وكأنه انتبه للتو:

– كيف عرفت ؟!

سأل سفدريجايلوف وهو يأخذ الساطور ويخلع جاكيتته:

– عرفتُ ماذا ؟

– أنه هنا .

– لقد أتى يبحث عنك . إنه يبحث عنك منذ أيام .

– ماذا يريد مني ؟!

– لا أعلم . إنه فتى مضطرب كنت أعرف أخته .

توقف فجأة ورفع رأسه في نظرة استذكار ملحّة:

– كان اسمها أفدوتيا.

ركز على وهج الضوء المنعكس في الجدار، وتذكر حينما كانت تعِـظه في حديقة قصر زوجته ماريا بتروفنا، شفتاها المختلجتان تنفض غبار ذاكرته الثقيلة . استفاق من نوستالجيته ببرود لامبالٍ فعاد ليقول:

– لقد قتل مرابية وأختها قبل مدة بنفس هذا الساطور .

لوّح به بابتسامة خبيثة بينما يختبئ جزء من وجهه في الظل:

– تخيل: كاتب شاب يلقى مصرعه على يد مجرم . إنه مشروع رواية جيدة، يجب أن تفكر في ذلك . هيا، أمسك قدمه .

اقترب دوستويفسكي ممتثلا لأوامر صاحبه وكأنه لازال في حالة تنويم مغناطيسي . قال:

– ماذا ستفعل ؟!

– سنقطّع الجثة .

انتفض فيودور واقفا:

– هل جُننت ؟!

ظل سفدريجايلوف يرمق صاحبه صامتا، وكأنه يترقب منه أن يصمت ويجثو بجانبه مرة أخرى. وحينما لم يفعل، وقف بخمول ونظرة مثقلة في كسل عدائي:

– هل تمزح معي ؟! لماذا تكرر دائما هذه الاعتراضات الشكلية ؟! لقد قتلت رجلا، لقد أحدثت ثقوبا في جثته، لقد قتلته مثل حيوان لعين، والآن تُبدي اعتراضا أخلاقيا على تقطيعه أجزاء يسهل حملها وإلقاؤها ؟!

انكمش فيودور بنظرةِ مقاومة تحاول ألا تنكسر بضعف . يحملق في صاحبه الذي يتوهج في ضوء مصباح الزيت مثل شبح عملاق . قال مصرا بارتباك:

– المعذرة إذا كنت لا أجد هذا أمرا مستساغا .

مال سفدريجايلوف إلى جانبه قليلا، وكأنه يتأمل شيئا ببرود فاتر . ظل يحدق بنظرات من نقمة غامضة:

– إنني بدأت أشعر بشيء من السأم تجاه كل هذا . الشعور الشيلري السامي الذي تبديه تجاه كل شيء، وكأنك أرفع من الجميع . هل تعرف من أنت؟! ماذا فعلت؟!

بدا في الظلمة المخططة بالضوء وكأن شبحا يتحدث في هدأة سكونية موحشة، أكمل في نبرة صوت منهكة لا تريد الجدال:

– هل تذكر ماذا فعلنا ؟!

اختلجت قسمات وجه فيودور برعب خاضع . طأطأ رأسه نحو الأرض الحجرية بخطوط الضوء التي تشبه القصب، يتذكر وجه فتاة فتية، وسط حقل قمح في ريف بعيد، تبكي بين السنابل المتأرجحة مع الريح، وتضم يديها على صدرها الصغير في حالة خضوع تام . قال سفدريجايلوف بنبرة قاطعة:

– إذاً .. أنت تذكر .

ولكن دوستويفسكي ظل صامتا في انشداه مبهوت نحو صاحبه الشبحي . أكمل سفدريجايلوف:

– والآن . أمسك قدمه .

ظن فيودور أكثر من مرة أنه سيهوي في إغماءة لا إفاقة منها . شعر ببداية الحمى تغلي في فروة رأسه . مع كل قطعة جسد ممزقة أمسكها أحس وكأنه يفقد جزءا من وعيه . حشر سفدريجايلوف القطع في ثلاث شنط كبيرة . قال لصاحبه وهو يضغط رأس راسكولنيكوف ليدخل في الشنطة:

– أترك الغرفة، سأسلمها لصاحبها . وابحث عن غرفة أخرى .

ولكن دوستويفسكي ظل يحدق بوجوم شارد في بقعة الدم الباهتة . قال ذاهلا:

– لقد كدت أن أموت الليلة ..

رفع رأسه لسفدريجايلوف ..

– لقد شعرت به، الموت، لقد كان يزحف على أطراف جلدي ..

قال صاحبه المنشغل في ترتيب الشنط:

– ولكنك لم تمت .

ظل يحدق في بقعة الدم . انتبه لما قاله راسكولنيكوف وهو يضربه، وكأنه يسمعه للتو “إنك تستحق أن تموت يا فيودور دوستويفسكي، فلماذا لا تموت” .

.
.
.

2

– أنا لست غوغول .

– إذاً من أنت ؟!

– أنا ؟!

حدق نيكولاي في الفراغ بشيء من الحيرة المتورطة . قال كيفما اتفق:

– ربما أدق تعبير أستخدمه هو أنني نسخة من غوغول .

كان دوستويفسكي قد قابله في مكان ما في سان بطرسبرغ، أثناء مراهقته . لحق به دون أن يجد الجرأة لمبادرته . راقبه يتنقل بين الأزقة، يحدق في الشخوص والأماكن برتابة مملة . لم يبدو مثيرا للاهتمام، لاشيء يربط بينه وبين الرجل الذي يكتب . دخل مكتبة صغيرة، وحينما خرج كان قد انضم إليه بلزاك . ظل يلاحقهما، يتنقلان ببطء متبطل في الشوارع، حتى دخلا مكتبة أخرى وخرجا برفقة ديكنز . جلس الثلاثة على رصيف بحر البلطيق يشتركان في طبق من الذرة المطبوخة، بدا وكأنهم يتحدثون عن أشياء لا تثير اهتمامهم . تفرقوا، وجلس غوغول وحيدا في حانة رخيصة .

– ولكنك غوغول . إنني أعرف شكلك جيدا .

هزّ كتفيه بشيء من الحيرة . قال بما يشبه الاعتذار:

– لا أعلم بماذا أخبرك . ولكنني لست هو . أعني أنني هو، ولكن ليس بالكامل .

ولكن دوستويفسكي لم يفهم . قال بحيرة:

– هل تعني أن هنالك عدة نسخ من غوغول .

– طبعا .

– ولكن هذا مستحيل .

– أنا لستُ هنا لأبرر . أن تكون كاتبا عظيما فأنت عبارة عن آلاف من الانطباعات والصور المختلفة، غوغول الحقيقي – إن جازت تسميته بذلك – يضيع في زحام الاحتمالات . هل تعرف من هو غوغول الحقيقي؟!

– لقد كنت أظنه أنت .

– بالضبط . جميع نسخ غوغول تدّعي أنها غوغول الحقيقي . ولكن كيف نثبت ذلك قطعيا ؟! لا يمكن .

لم يقتنع دوستويفسكي . خرج وهو يجزم قاطعا أن غوغول اللعين يتلاعب به .

.
.
.

3

ظل يقطع أزقة سان بطرسبرغ الغائرة في الضباب والسخام والرماد، الشوارع المبللة ببقية مطر صيفي قذر، روائح الليل العفن كفرج عاهرة رخيصة . إنه لم يقف منذ ساعات . إنه يغلي، يتضرم في نخاع عظمه . يرى صورا تتقافز بمونتاجية عبثية في خياله، الطفلة في الحقل، راسكولنيكوف، سفدريجايلوف عاري الصدر، رأس راسكولنيكوف المشوه، الطفلة في الحقل، يداها المضمومتان إلى صدرها، سفدريجايلوف يضحك بين السنابل، تكشيرة راسكولنيكوف في الزاوية، الطفلة في الحقل، سفدريجايلوف في الحقل، الحقل، السنابل، الدم، الظلام، السخام، المطر القذر . جلس في خمارة صغيرة في زاوية متوشحة بالظل . “أنت تستحق أن تموت فلماذا لا تموت” . تترد برنين باهت، تعيد تكرار نفسها كخلفية للصور المونتاجية، الخليط العبثي في غليان رأسه المحموم . قرر أنه لن يخبر سفدريجايلوف بمكانه، سيهجر صاحبه الغامض إلى الأبد . خرج يترنح من جديد في الأزقة، يسير مطأطئ الرأس بين الشخوص التي تبدو مثل أشباح بلا ملامح، مثل حواف مجوفة مرسومة بالرصاص . دخل خمارة أخرى، خسر جزءا من ماله في لعبة بوكر، لعب دورا ثانيا، وثالثا، لم يشعر بشيء أقوى من أن يخسر، أن يرى ما يملكه يذهب لغيره، ألمُ فقد الشيء، ألمُ الخسارة كان الوحيد الذي جعله ينسى ولو للحظات معدودة . الألم . شرب كثيرا حتى انتفخ بطنه، ولكنه لم يسكر بعد، أو أنه سكر محتفظا بمستوى من مستويات الوعي الوقح الذي يرفض النوم، لازال الخليط المشوه من الأصوات والصور يتردد في رأسه . أخذ يسير في شارع ممتد يبدو لا نهاية له، تنتفض في أطرافه رعدة حمى باردة، تتعثر قدماه في الرصيف الخشبي وسط الظلام، حتى وصل إلى فندق “آندرينوبل”، المبنى الخشبي المسودّ مع تعاقب السنوات . المكان مشبوهٌ لم تبقى فيه غير غرفة صغيرة مثل جحر جانب السلم، بسرير قذر وجدران بألواح خشبية مفككة ونافذة معلقة قريبا من السقف مثل نافذة سجن . الجو الخانق والريح المزمجرة في الخارج والفئران التي تخدش أركان الغرفة ورائحة العفن التي تشبه الجلود المتعرقة . تَـكوَّم تحت اللحاف القذر، الريح تضرب في النافذة، المطر يتساقط على الحد الخشبي بنغم كابوسي، الظلام الظلالي يواصل ابتلاع ضوء القمر الباهت . لم يتمكن من النوم . جلس على حد السرير، العبق الخانق للغرفة يكاد يطوق رقبته، صوت المطر ورائحته الرطبة وهسيس الفئران القارضة تحتل حواسه بعنف وقح . خرج إلى الدهليز، سار في الرواق المظلم المكدس بأثاث قديم، يبدو المكان صالحا لكابوس لعين . ارتاع فجأة من ملاحظة عينين بشريتين تلمعان في زاوية مظلمة بين خزانة مهملة وباب خشبي . اقترب مترددا فإذا به يرى طفلة لم تتجاوز الخامسة، تبكي وترتجف من البرد، كان وجودها هنا نشازا مثيرا للرعب . جلس أمامها واستجوبها، فعلم أنها هربت من والدتها التي كانت ستضربها لأنها كسرت طبقا ثمينا . حملها إلى غرفته، وضعها في سريره وأخذ يخلع ملابسها المبللة بالبرد والبكاء . أحس برجفة غريبة تسري في جسده، قال في نفسه أنها الحمى حتما وليست شيئا آخر . دثّرها تحت غطائه وجلس بجانب السرير، تسري بين جلده وعظمه ارتعاشة برد ناقمة، يحدق بما يشبه التكريس الهوسي بالطفلة التي تبدو خروجا عن سياق ما . اقترب من السرير، رفع الغطاء فرأى وجهها قد استرد عافيته، بل بدا فيه تعبير غريب من النضج في خديها المتوهجين وشفتيها الحمراوتين . تراجع خطوة إلى الخلف، أخذ يحدق في النافذة المعلقة، يسمع صوت ارتطام المطر الكئيب بالحواف، يشعر وكأنه ليس موجودا في المكان الذي هو فيه . لاحظ بزاوية عينه الطفلة تختلج، إقترب منها، أهداب عينيها السوداء تختلج وترتعش وكأنها تنفتح عن نظرة ماكرة ليست نظرة طفل، وكأنها تتظاهر بالنوم، شفتاها تختلجان في محاولة كظم ضحكة تفجرت فجأة بصراحة وقحة، بتحد واستفزاز خليع لم يبقى فيه شيء من طفولة . بدا وجهها الطفولي المنفرج المحمرّ وجهَ عهر وانحلال، وجه مومس ناضجة تحترف البغاء . جلست بهدوء على السرير، تطلعت فيه بنظرة عنيفة حادة تحترق برجس وشهوة متهتكة . همس دوستويفسكي بانشداه ذاهل:

– كيف ؟! أفي هذه السن ؟! أفي الخامسة من العمر ؟!

ولكنها مدت وجهها المتقد بحرارة متوهجة الحمرة، وقد سقطت على جبينها خصل شعر مبللة بالعرق، وبسطت إليه ذراعيها . دمدم دوستويفسكي مروعا:

– يا للملعونة ..

ورفع يده ليضربها، ولكنه استيقظ من نومه في تلك اللحظة، غارقا في عرق يطفح به اللحاف المهترئ، ويحس بفأر يسير على حافة قدمه . قفز من السرير فسقط، وقف بدوار لاوعي فيه، يتطلع حوله في الغرفة المظلمة بضوء النافذة المعلقة ودبدبة المطر في حوافها . خرج من الفندق محموما يغلي بعرق حار ورؤية مغبشة .

.
.
.

4

الزمن قفزات مونتاجية سريعة . يجلس في الحانة، لا يذكر كيف أتى إليها، تنقع في عفن خرب، غلالة ظلال كالحة تتنفس في الهواء المريض . لا يوجد غير أربعة، اثنان يجلسان على طاولة الورق، رجل خلف البار، فتى يتقوقع في زاوية بزجاجة كونياك . جلس دوستويفسكي مع الرجلين، لعبا عدة أدوار من البوكر، لا أحد يتحدث، صمتٌ مطبق شبحي، لا أحد يعرف اسم الآخر، مجرد خشخشة الورق تحفّ في رتابة الوقت الثقيل . أحدهما قال فجأة:

– اسمي مارميلادوف ..

حدقا فيه بوجوم، يلوح في قسماته ضعفُ ألمٍ غامض، يتطلع نحوهما بشيء من التوسل، وكأنه يطلب من أحد ما أن يتحدث، أن يمنحه بذلك إذنا ليروي ما يبدو أنه يجثم على صدره . ولكن الاثنان ظلا صامتان بطأطأة متحجرة . وزع مارميلادوف الأوراق مدمدما بحدة:

– هكذا إذاً .. كالأموات .

كان من الضباط الذين شاركوا في ثورة الديسمبريين وتم نفيه إلى سيبيريا وتجريده من حقوق النبالة والامتيازات السياسية والقذف به إلى أقصى الهامش . عاد من النفي بعد قرار العفو الذي أصدره ألكسندر الثاني بعد ثلاثين سنة وهو لا يملك أدنى قيمة لوجوده، بل أنه لم يجد أحدا يتذكره . يسكر محدقا بعينيه الضامرتين تحت حاجبيه الكثيفين في بياضهما، ويحاول أن يتذكر زمنا كان فيه للحياة طعم ما، قيمة ما . فهذا كل ما يفعله منذ عودته، الحلم بالماضي، لأنه لا يملك جرأة ليحلم بالمستقبل، فلا وجود للمستقبل ..

تراهن الثلاثة بكل شيء، وخسروا كل شيء، لم يبقى ما يستطيعون الرهان به . ولكنهم يريدون اللعب، لا يريدون الخروج من الحانة، في الخارج حياة معلقة لا يريدون العودة إليها . تجحظ أعينهم بسكر ثقيل، ويفوح عفن متخضب في الهواء، وتحوم حبيبات الدخان في انعكاس الضوء الأصفر الشاحب كغشاوة مضببة . يتكئ دوستويفسكي بمرفقيه على الطاولة، يوازن نفسه بصعوبة، يلوح على مظهره ألمٌ متشرد لا ضغينة فيه . قال مارميلادوف:

– سنتراهن بقصة . من يفوز يستطيع قول ما يريد، وسيستمع الاثنان بإنصات .

قال الثاني بغضب مفاجئ:

– إنك تريد هذا منذ البداية، تريد أن تخبرنا بقصتك، لا أحد يريد سماع قصتك، لا أحد يريد سماع شيء هنا يأتي من الخارج، إنه مكان مقدس بالأسرار ..

ضرب مارميلادوف باندفاع صاخب على الطاولة دون أن ينطق بحرف، لم يكن في حاجة ليقول شيئا، وجهه يكتفي بذلك، تلوح عليه تكشيرة بكاء صبياني غاضب مكتوم تُـشتت جمود الموقف المتبلد . قال بعنف متحدي:

– لماذا لا تريد ؟! هل أنت خائف ؟! هل تظن أن أسرارك مهمة لدرجة أنها غير قابلة للمشاركة ؟! أو أن خطيئتك شيء مقدس لا يجب الكشف عنه ؟!

يراقب دوستويفسكي بصمت منكمش لامبالي . ربما لن يكون سيئا أن يخبر الجميع بما فعل، أن يعترف أمام سكرانين يشترك معهما في احتقار عميق للذات . وزعوا الأوراق . فاز الثاني رغم أنه حاول أن يخسر، لعن وتململ في مكانه ساخطا، تطلع فيه مارميلادوف بحقد من يملك امتيازا يبحث عنه منذ زمن . تلكأ بتردد خاشع، وكأنه يبحث عن شيء ما ينقذه، إشارة ما تخبره أنه ليس مجبرا على الاعتراف، ولكن لاشيء . يفكر أن قدره الذي جنبه صباح هذا اليوم ألم الاعتراف للكاهن في الكنيسة حينما وجد غرفة الاعتراف فارغة؛ قد اتخذ قراره أخيرا بأن يكون اعترافه أمام سكرانين حقيرين، أن يسلبه قدسية التطهير كعقاب مضاعف له . ولذا بدأ يسرد قصته بانفصال مرتبك، كان رجلا هامشيا في الأربعين من عمره يدعى شاتوف، يعمل في مناجم الفحم، تزوج في الخامسة والثلاثين من امرأة حبلت منه، وتوفيت هي وطفلها أثناء عملية الولادة بعد أن انفصمت المشيمة فسببت نزيفا حادا، دم غير متجلط يسيل كالماء، يتدفق من فرج زوجته كثيفا، بينما يقف هو، عاجزا مكبلا في قيد ضعفه الحقير . يحلم كثيرا بالدم، ذلك الدم الذي يشبه الماء في رقته، يحلم أنه يغرق فيه، يحلم أنه ينهمر مطرا عليه، يراه في يقظته أحيانا، يغطي أرض غرفته الضيقة القذرة، يتسرب من حواف السقف ليصبغ الجدران، يُذكره دائما بعجزه المثير للشفقة . مر ذات يوم بحريق هائل شبّ في مستودع مهجور، وقف بجانب جمهور يترقب حضور المساعدة، ينصتون بعجز أحمق لصرخات فتى من الداخل، متشبث بنافذة الدور الثاني . رأى الدماء تسيل من حواف السور الهائل للمبنى، تنحدر على الجدران المتقشعة صبغتها، تتدفق نحو الأرض، تزحف نحوه، تلاصق قدماه، أحس بدوار في رأسه، صعقة كهربائية تضرب أعصابه، قفز من مكانه، اخترق النار والدخان واللظى، وأنقذ الفتى، شاب صبغ الرماد وجهه، يحترق جسده بحرارة لاذعة، وينتفض خوفا وهو يبتعد عن لحظته الأخيرة . شكره وهو معلق في نقالة مهترئة، وقف ليتلقى تصفيق المتجمهرين، البطل الذي سرق حياة من الموت الذي لا يعترف بالتفاهم والمساومة . بكى كثيرا في غرفته الحقيرة، نحيب يتقطع في حلقه، يفور طفوليا في لعابه وصراخ نشيجه وانكماش وجهه . يفكر أحيانا في الفتى الذي أنقذه، يقف فجأة أثناء العمل في المنجم، ويحدق بعيدا في فراغ ما، يتساءل ما الذي يعنيه أن تنقذ حياة، أن تكون مؤثرا لدرجة أن تتحدى الموت، أعظم الملوك في الأرض . أصيب بما يشبه الهوس تجاه الفتى، يرى صورته في كل مكان . بحث عن اسمه، لحقه ذات يوم، مجرد مراهق بثياب متسخة، ينتمي لعصابة ما . صعلوك حقير، يسرق ويسكر بل ويقتل أحيانا . جلس في زاوية حانة ما يراقبه، يبعثر أموالا سرقها من محل لبيع الكتب بعد أن أدمى الرجل الذي يبيع فيه، يشرب ويصرخ ويعربد ويرقص، بينما يجلس شاتوف في زاوية تتوشح بالظلال، يراقب انتصار الموت الذي كان محقا بأن يهاجم هذا الفتى، يراقب انعكاس نفسه تعود إلى ما كانت: مجرد رجل عاجز بلا قيمة . ثم يدرك أنه أخس من ذلك، إنه رجل أطلق روحا شريرة في الحياة، إنه أنقذ كابوسا ينشر شره في كل مكان . ولذا اشترى مسدسا من رجل يعمل معه في مناجم الفحم، لا أحد يشكك في شاتوف، الرجل الذي خسر زوجته وابنه ورمى بحياته في فورة النار، ولكن صاحبه سأله بدافع الفضول “ماذا ستفعل به؟!” يغطيهما رماد المناجم المتفحم، تكاد تختفي ملامحهما في ظلمة الوجه، يقبض شاتوف على المسدس الملفوف في خرقة بيضاء نظيفة، يقول وهو يتجه إلى الخارج “سأصلح ما أفسدته” . قتل الفتى في زقاق ضيق يمتلئ بحافيات النفاية وشجيرات الصنوبر الوارفة ..

أطرق شاتوف أخيرا . كان رجل البار والفتى بزجاجة الكونياك قد اقتربا بفضول ذاهل من الطاولة . أكمل بوجوم متحجر:

– إنه ليس عجزا أننا لا نستطيع إنقاذ أحد من الموت، ولكن لأن الموت يعرف لماذا يقتل هذا ولماذا ينقذ هذا، يجب أن نثق فيه ..

أطرق بصمت موحش، هدأة سكونية شبحية، يقطعها هسيس الباعوض الذي يحوم حول الفانوس المريض، وطقطقة خطوات خيل يمر خارج الحانة على الرصيف . قفز دوستويفسكي فجأة من مكانه، تصلب محدقا بذهول مذعور في الجميع، ثم تقهقر هاربا إلى الخارج، يترنح في سكر هذياني، يغرق في ظلمة الأزقة المبتلة بقذارة مطر الخريف . في زاوية من شارع س صادف امرأة تضرب ابنها وهي تصرخ فيه بهستيريا “أين خبأت السكر؟! تكلم” حتى أحدثت شقا واسعا في هامة رأسه خرجت منه حِلق متخثرة من الدم، اقترب دوستويفسكي منها فلاذت بالهرب، وضع يديه على الطفل ليحمله فتفتت نُدفا صغيرة من الفحم . استدار مضطربا يترنح في الزقاق الضيق، يركض هاربا من شيء لا يعرفه بعينين زائغتين . صادف في شارع وراء الميناء مطرا ينهمر قويا في الظلام، يتجمع كنهر بين البيوت التي تلمع في أضواء الصواعق الكهربائية، يطفو سابحا وهو يقاوم الغرق وسط صرخات تعلو من جهات كثيرة، يصطدم بجثث الفئران والقطط النافقة وجيف أموات تفزرت من الأرض التي حفرها الماء، حتى خرج من الشارع مبللا يغلي بحرارة أحشائه المحرورة . في شارع فندق آندرينوبل صادف الفتاة الصغيرة التي رآها في الحلم، تركض خلفه وهي تناديه بنبرة متهتكة لا تكاد تُفهم، ظل يركض بعنف دون أن يتمكن من الهرب، الطفلة تبدو خلفه دائما وكأنها ملتصقة به، التفت أخيرا بوقفة متوثبة، عواميد الضوء تنطفئ في كدرة الضباب الكثيف، وجه الطفلة التي تبتسم ابتسامة انتصار خبيثة يعلوه سُخام الشارع القذر . انقض على حلقها، أخذ يضغط عليه بقوة، يتحجر الدم في وجهها المزرقّ في حمرة فاقعة، ينضغط في هامتها حتى انفجر عِـرق في جبينها بصديد أصفر . قفز هاربا . يركض ردحا من الزمن، يصطدم بالجدران والشخوص وكتل الضباب .

فقد القدرة على تمييز الطرق والمسارات والأماكن، كل شيء صار متداخلا كمتاهة . استحل غرفة مهجورة في خرابة قديمة بلا سقف . انكفأ في زاوية تحت ضوء القمر وهو يحترق من الداخل، يكاد يشعر بفقاعات الغليان تبقبق في هامة رأسه، تقرض الفئران أطراف أصابعه وتزحف نحوه أصوات البشر التي تبدو منبثقة من الأرض . يهذي مزمجرا باعتراضات محمومة في ألم عنيف، ثم يعتذر باكيا وهو يتكوم داخل جسده، متقوقعا في الزاوية كقطعة صخرة من السقف المنهار . أحدث جروحا في يده بحدّ حصاة مسنونة، ظل يصرخ لأيام قضاها وحيدا هناك، حتى تراجعت فورة الحمى من رأسه . أنفق بقية ما لديه من المال في رهانات خاسرة، بدا وكأنه يستمتع برؤية نفسه يتألم حينما يفقد ما لديه من مال، حينما يسرق من المارة وحينما يُـذل نفسه ليستدين ممن كان يعرفه، وكأنه يجد لذة في فقدانه قدرة السيطرة على نفسه، كنوع من العقاب المازوشي لذاته . يغضب من شعوره باللذة تجاه ألمه، ولا يفهم لماذا يشعر به، لماذا لازال يُحدث جروحا في ساعده، ولماذا يهدر كل شيء يملكه . الصباحات التي تهاجم سكره الثقيل، حيث يسطو شعاع الشروق على عينيه الغائرتين، ويفضح جيوبه الفارغة من كل شيء . الشوارع الهامدة بجانب بحر البلطيق الموغل في زرقته، حيث يسير محدقا في الحركة الرتيبة للحياة المكررة، الصيادون والبناؤون وعمال الميناء، يحملق في البُعد المحتقن بالبؤس والعرق والقذارة، النقمة الحارقة التي تتآكل بجحيمية صارخة في أعماقه، ماذا فعلت بحياتك التي نجوت بها ؟! صلي لحظك، صلي له .

– الألم عدوُّ الوصف، ولهذا يكتفي الكثيرون بالبكاء، لأنهم لا يملكون شيئا يصفون به ما حدث، فيختلقون أصواتا عشوائية . الكاتب هو شخص يترجم البكاء .

قال ذلك لرجل يُدعى جوريانتشيكوف سكر معه ذات يوم . بكى معه، رقص معه، سار معه .. أخبره بمن كان:

– لقد كنت كاتبا محترما ..

ولكنه لم يزد على ذلك . الريح تئزّ بجانب البحر الموغل في سواده، تحتك في عواميد الضوء المنطفئة فوقهما وحركة الماء المتموج بثقل رخيم . يتكئان على صفيحة شحن حمراء وسط أزقة الميناء . ترقب دوستويفسكي صاحبه غارقا في نشوة خمرة رخيصة ومشاركة وجدانية ستختفي مع الصباحات الكالحة، الألم المزدوج بالغبطة في مشاركة أحد ما بألمك، أحد لا يملك القدرة على أن يحاكمك باعتباره موبوء بالخطيئة مثلك . أكمل جوريانتشيكوف وهو يتطلع ببرود متحجر:

– لقد قتلتها . لقد أطلقت رصاصة في بطنها . راقبتها تموت ببطء . راقبتها وهو تنكمش وتنتفض وتتحشرج وتبكي وتعتذر وتصلي .

ثمة ألم عتيق رث في وجهه لا يمكن أن يوصف، ألم أزلي كان منذ أن كان كل شيء، يمنعه من البكاء، يمنعه من اختلاق أي ردة فعل ما . فهم دوستويفسكي الآن لماذا كان جوريانتشيكوف يرفض تناول الطعام، يمص رقائق الدجاج بلذة هائجة، ثم يرميها دون أن يبتلعها وهو يتطلع فيها بألم ناقم . تابعه دوستويفسكي محدقا بينما يسير إيفان مترنحا في الطريق، يخترق ضباب الخريف على ميناء البلطيق، ويختفي ..

سار في شوارع المدينة الغارقة في زرقة الفجر السخامية . إنه يفهم الألم الآن، أكثر من أي وقت آخر . الألم هو المنقذ، التطهير، لا يجب ان تهرب منه، بل يجب أن تتحد معه، يجب أن تكافئ ضعفك وانهيارك بالألم .

عاد إلى غرفته التي لم يأتها منذ أشهر . وقف في وسطها، تنبض في ضوء شاحب للنهار الخريفي الكئيب، يتسلل من نافذة صغيرة أقرب إلى السقف، تشبه نوافذ السجون . جلس على مكتبه، وبدأ يكتب .

إنه يستمتع بالألم الذي تمر به شخصياته، بالأسى الجنوني الذي تتعرض له، يكتبه بطريقة متطرفة، ينكف الجرح وكأنه يغرس يده فيه بقسوة لامبالية، يستخرج كل الدم والأحشاء والألياف والأعصاب، وحينما لا يبقى شيء: ينهي المشهد

.
.
.

5

المرة الأولى التي شك فيها دوستويفسكي أنه ليس دوستويفسكي فعلا وإنما نسخة من دوستويفسكي كما ادعى غوغول ذات مرة، كان ذلك حينما رأى رجلا يُشبهه تماما يخرج من مطعم وسط بطرسبورغ . لحقه بإحساس حاد من الترقب، يلاحظ كل حركة يقوم بها . وقف الرجل عند محطة البريد، عرّف نفسه للموظف:

– رسالة باسم فيودور ميخايلوفتش دوستويفسكي .

حينها أدرك أن المسألة تتجاوز الشبه . ظل يلاحقه عدة أيام، يسكن في غرفة حقيرة في مبنى قديم، يزوره بين فترة وأخرى رجل غامض يُقدّم نفسه على أنه بطرس ستيفانوفيتش .

في الليلة التي همّ فيها دوستويفسكي بمواجهة نظيره، رأى بطرس ستيفانوفيتش يخرج مضطربا من المبنى، ويركض في امتداد الزقاق . دخل دوستويفسكي بحذر، صعد السلم الضيق المظلم، ولج باب الشقة المفتوح على مصراعيه، واتجه منه إلى الغرفة الصغيرة على الجانب الأيمن . وحينها رأى دوستويفسكي على الأرض، غارقا في دمائه، وفي يده مسدس لاتزال سبطانته تنفث دخانا ثقيلا .

هرب من المكان وهو يتذكر غوغول ويلعنه .

.
.
.

6

قرأ ذات يوم خبر انتحار سفدريجايلوف عند مبنى رجال الإطفاء الذي يعلوه برج . تذكر صاحبه القديم، لعنه بوجوم أخرس، ثم ودعه بصمت جنائزي . حينما كتب “رسائل من العالم السفلي” كان يفكر فيه، ويفكر في راسكولنيكوف ويفكر في نفسه وفي شاتوف ومارميلادوف وجوريانتشيكوف، كان يتردى في ورطة وجوده الذي يزداد تعفنا كجرح متقيح، هواجس الحياة المهدرة التي لا يستحقها، صرخات التطهير التي تطالبه بمزيد من الألم، بمزيد من المهانة في سرقة مال زوجته ماريا ديميتريفنا والمقامرة به، بمزيد من الشراب والغضب والنقمة والاستسلام . ماتت ماريا، وظل يكتب، وظل يتردى .

حضر جنازة سفدريجايلوف تحت مطر ديسمبر الفاتر، ثلاثة أشخاص فقط يقفون أمام الضريح . لم يقف معهم، ظل يراقبهم حتى تفرقوا جميعا . استعاد جريمته وهو يتطلع في قبر صاحبه، استعاد صورة راسكولنيكوف، الشاب المتعلم ذو المستقبل اللامع الذي يقتل عجوزا مرابية وأختها . ظل يتساءل طوال اليوم وهو يلفّ أزقة سان بطرسبورغ: لماذا ؟! لا أحد يقوم بمثل هذا الفعل عبثا، إلا إذا كان شغوفا بالقتل، أو ربما هو في حاجة للمال، ولكن هل هذا يكفي لأن تقتل؟! هذا ما يجب أن تجيب عليه الرواية، كيف تتولد الجريمة من الحاجة، ليس الحاجة فقط، ولكن من القناعة بأن القتل شيء خارجٌ عن السببية، سلوكٌ نابع من فكرة ما، فكرة غامضة بالتفوق أو الصلاحية أو الانسياق . كيف يرتبط الضمير بالحالة الذهنية للفرد . فكر أنها بالفعل مشروع رواية عظيمة . ولذا قرر كتابتها . تطارده مع كل كلمة يكتبها كوابيس تلك الليلة . أحرق ما كتبه في لحظة هلوسة سكرى، ثم ندم على ذلك فأخرج المخطوطة من الرماد، لم تحترق بالكامل . إنه يريد أن يكتب راسكولنيكوف، إنه يريد أن يكتب سفدريجايلوف، إنه مدين بذلك، إنه يريد أن يتألم وهو يكتب، إنه يستحق أن يتألم وأن ينقل الألم لكل شيء وشخص يمر به .

.
.
.

7

بعد سنوات طويلة، زوجته آنا غريغوريفنا التي نقل إليها دوستويفسكي ما يكفي من الألم فطوّعته وهزمته وأعادت تأهيله، سألته بنبرتها الحادة الفضولية:

– إذاً . هل راسكولنيكوف شخصية حقيقية ؟

كانا يسيران على ضفاف نهر نيفا في آخر الربيع، محفوفا بما بقي من غابات الصنوبر وشجر التنوب . شمس العصر الصفراء تطفو في المكان بأثر نوستالجي غامض . تذكر دوستويفسكي مشهد الغرفة المحتقنة بالرطوبة والظلال، تتناقض مع نعومة المكان الذي يسير فيه . ابتسم بهدوء حزين كرجل ناضج تجاوز مشقة ترحال طويل، ثم قال:

– طبعا . أنا .

التصقت آنا به أكثر وهي تبتسم بسخرية . قالت:

– إذاً أنت قتلت المرابية وأختها ؟

– وبصقتُ على وجه المسؤول في ستافروجين، ونفيت إلى سبيريا في جوريانتشيكوف، وانتحرت من أجل الثورة في كيريليوف، وأصبت بالصرع في الأمير ميشكين . بل وكنت ماريا أيضا .

– إذاً أنت مريض يا فيودور ميخالوفيتش . أنت تحتلك أشباح رواياتك . تحتاج إلى كاهن يخلّصك .

– ليست تحتلني . بل هي أنا .

– إنك تبالغ .

مرّا بجانب رجل يمسك قطعة لحم أمام كلب، وفي كل مرة يحاول الكلب أن يلتقطها يرفع الرجل اللحمة ضاحكا . وقف دوستويفسكي، قال بنبرة حادة:

– هلاّ كففت عن هذا وأعطيته اللحمة اللعينة .

رفع الرجل رأسه بعداء استباقي، ولكنه تعرف على دوستويفسكي فورا فحملق مندهشا، ثم رمى اللحمة أمام الكلب بامتثال معتذر . أكمل دوستويفسكي طريقه وهو يقول:

– أليس كافيا أن يكون الكلب مجبرا على معاشرة أمثاله، فهو أيضا مجبر على أن يخضع لألاعيبه .

ابتسمت آنا وهي تحدق في زوجها بشعور غامض من الألفة . تأملت جانب وجهه المتحجر . قالت:

– يستحيل أن تكون أنت راسكولنيكوف وستافروجين وجوريانتشيكوف وكيرليوف . بل وحتى ميشكين . لا يمكن .

– ليس مهما ما تظنين، أو ما أظنه . هل تظنين أن أحدا سيعرف فعلا من أنا ؟!

– أنا التي ستخبرهم من أنت .

– وسيفعل غيرك، ولكن هذا لا يهم . سأظل الذي أكتبه . سأظل راسكولنيكوف وستافروجين وجوريانتشيكوف وكيريليوف وميشكين وماريا وشاتوف .

أطرق بوجوم وقد انتبه أنه تجنب ذكر سفدريجايلوف . ولكنه أكمل ببرود وهو يتطلع في الشمس الغاربة:

– ما حدث لدوستويفسكي الحقيقي ليس مهما . ما حدث لدوستويفسكي الذي هو كل هؤلاء هو ما سيبقى راسخا، خالدا . هذا هو الأمر المرعب في أن تكون كاتبا: ما تكتبه يصير أنت، وليس العكس .

.
.
.

8

حينما انتهى من كتابة رواية الإخوة كرامازوف، قرر دوستويفسكي أنها ستكون الجزء الأول من ملحمة كبيرة، ولكنه في نفس الوقت أبدى شكا غامضا تجاه إمكانية إنجازها، بل أنه بدا أكثر إنهاكا من أن يصدق كذبته . وحينها، بدأ يشعر بالموت . كان أمرا غريبا لا يستطيع أن يشرحه، تسأله آنا التي حفظت ملامح وجهه جيدا:

– هل أنت بخير ؟!

ولكنه لا يجيب، يحدق في فراغ النافذة نحو حديقة المنزل . لا يكاد يسمع صوتا غير صوت راسكولنيكوف الذي لم يسمعه منذ سنوات، يتردد بفحيحه الجريح في الظلمة . لقد شعر بما شعر به في تلك اللحظة وسط غرفته القديمة، حينما أحس بالموت قريبا منه، يسمع أنفاسه تتسرب إليه من جهة ما . لقد أحس بالموت، وقال لآنا فجأة:

– إنني سأموت قريبا .

رفعت رأسها بقلة اكتراث، قالت بثقتها الصارمة:

– كفاك وسوسة . إنك لن تموت .

ظل يصحو صباح كل يوم، يجلس على الشرفة محدقا في المدى، يترقب رسما يتشكل فجأة في البُعد، يقترب، تتضح ملامح وجهه أكثر، لا يمكن تحديد جنسه أو هويته، يقف أمامه، يقول بصوت غريب “دوستويفسكي؟” فيرد بترقب ونظرة مستسلمة “نعم، أنا هو” يومئ الرسم الغامض برأسه، ثم يقول “نحتاج للذهاب الآن” فيقوم من الشرفة، ويضع على الطاولة محتويات جيوبه، يفرّغ نفسه من كل ما كان، ويسير بجانبه وهو يقاوم الالتفات في نظرة أخيرة إلى البيت . ولكن هذا لم يحدث، لم يقترب أحد من الشرفة . قابل الموت في زقاق وسط الحي القديم في سان بطرسبرغ، بعد أن ذهب ليقابل صديقا قديما . وجده أمامه حينما خرج من المحل، رجلٌ بملامح وجه باردة على الرصيف المقابل، تكاد تكون رقيقة، يلبس جاكيتة بيضاء وبنطالا أسود، يقف وقد وضع يديه في جيبه بخمول، لم يبدو شبيها بالموت كما يُخيّل لكائن أرضي يرى في الموت وحشا ماورائيا . تصلب دوستويفسكي في مكانه، عرفه مباشرة من بين كل الزحام والجلبة . اتجه نحوه يقطع الشارع المرصوف بالحجر، يمر من بين العربات والمارة وبائعي القماش والمتشردين، حتى وقف أمامه . يحدقان في بعضهما بشيء من التورط، وكأن كلاهما ينتظر الآخر أن يبادر . قال دوستويفسكي أخيرا ببرود كئيب:

– هل ثمة وقت لكأس أخيرة ؟

هزّ الموت رأسه . ومضيا في صمت بين الزحام إلى حانة في الزاوية .

مر الوقت كما لم يعهده دوستويفسكي من قبل . سريع في حركته الخارجية كانتقال بين الساعة والساعة، وبطيء في عمقه كحركة داخلية بين اثنين يشربان في حانة . تحدثا عن أشياء كثيرة، كان دوستويفسكي مترددا، خشي أن يكشف له الموت عن أشياء جديدة قد تُسقط المفاهيم التي وصل إلى الاقتناع بها منذ أمد بعيد، ولكنه في نفس الوقت، أراد أن يعرف الكثير من الأشياء . تشجع أخيرا وعدّل جلسته ثم قال:

– أريد أن أسألك سؤالا .

أومأ الموت ببرود لامبالي .

أطرق دوستويفسكي بتردد ثم قال:

– هل كنتَ موجودا حينما قتلتُ راسكولنيكوف ؟!

– نعم

– هل كنتَ هناك لي ؟!

– نعم .

– لماذا لم أمت إذاً ؟!

هز الموت كتفيه بثقل:

– الحقيقة أنني لا أتذكر جيدا لماذا . 

فكر دوستويفسكي قليلا بحيرة، وكأنه لم يسمع الإجابة . لم يكن قد سكر رغم كل ما شرباه، بدا وكأنه يتحرر من فيزيولوجية جسده تدريجيا، يتنفس بشكل مختلف، يرى بشكل مختلف، يتحرك بشكل مختلف . قال وكأنه يسأل:

– لأنني كان يجب أن أكفر عما اقترفت ؟!

– وماذا اقترفت ؟!

طأطأ دوستويفسكي رأسه بانكسار ناقم ..

– أنت تعلم ماذا . أرجوك لا تعاملني كأحمق .

بدا وكأن الموت لا يعلم فعلا عم يتحدث، ولكنه قال كيفما اتفق:

– طيب . وماذا فعلت لتكفر عما اقترفت ؟

فكر دوستويفسكي بعمق . ثمة أكثر من إجابة، ولكن لا واحدة منها تبدو مقنعة، ليس له على الأقل . قال بخيبة أمل:

– لاشيء .

– وماذا كنتَ تظن أنه سيحدث إن أنت كفرت عن ذلك ؟

– لا أعلم .

– أنا أعلم: لاشيء .

حملق دوستويفسكي بشيء من الشك وعدم الفهم . اتكأ الموت على الطاولة بمزيد من الجدية التي لا تخلو من الملل، وكأنه يريد إنهاء الموضوع سريعا . قال:

– الخطيئة سمة كونية، إنها ليست فعلا فرديا . هل تظن أن ثمة أحد ما بريء ؟

رد بشيء من الحرارة:

– نعم .

– لا . حتى لو كنت بريئا، فلست بريئا فعلا .

أطرق دوستويفسكي مرتبكا، فضاء الحانة المحتقن بالجفاف والظل والضوء الخافت يتكدس حوله . قال وهو يشعر برعدة تسري في جسده:

– ماذا تقول ؟!

– لا أحد بريء .. هل تعلم كم شخصا مات لتحيا؟ ربما يكون جدك الثلاثين بدويا يقطع الطريق في سبأ ويقتل النساء والأطفال . ربما يكون جدك العشرين ممن رمى البيض على يسوع أثناء مروره للصلب . ربما يكون جدك الثاني عشر ممن قاتل في حروب الفايكنج وأهلك خلقا كثيرا . ربما يكون جدك الثامن معارضا لحكام هرمز مما جعله يساعد البرتغاليين على دخولها والفتك بمن فيها مقابل الأمان والمال …  أنت لست وجودا أحاديا انبثق فجأة من العدم يا فيودور، ولكنك متورط في سلسلة طويلة من الأسباب والمسببات . ولذا لا تقل أنك بريء أو لست بريئا كوجود فردي مستقل، لأنه لا أحد بريء . تريد أن تكون بريئا؟ أفرغ رصاصة في جمجمتك، أعلن اعتراضك على قبول حياة أتتك وأنت لا تعرف كيف أتتك، وعلى حساب من بالضبط .

أحس دوستويفسكي بألم في صدغيه . طاف بنظراته في المكان، وكأنه يبحث عن شيء ما . استند على ظهر كرسيه باستسلام . قال بهدوء نبرة يائسة:

– أنا لا أفهم .

– بل أنت تفهم ..

فرفع رأسه بإصرار متوسل لا عداء فيه:

– بل أنا لا افهم ..

قال الموت مسايرا:

– ما الذي لا تفهمه ؟

تقدم دوستويفسكي في جلسته وكأنه على وشك أن يهمس بسر خطير:

– لماذا أنا ؟!

– لماذا أنت ماذا ؟

قال وكأنه يتوسل إجابة ما:

– لماذا لم أمت في تلك الليلة ؟! لقد قال لي “إنك تستحق أن تموت فلماذا لا تموت” . لماذا لم أمت ؟!

ولكن الموت أطرق بما يشبه الاستسلام، وكأنه يقول بسأم “هذا الأرضيّ لن يفهم شيئا مما أقول” . دلق مزيدا من الفودكا ومد الكأس . كان في وجهه تعبير نقي عن طمأنينة لامبالية، حملق فيه فيودور بعينيه المحتقنتين ووجهه المنتقع بالحيرة المترقبة . تلقف الكأس بخضوع، قال الموت برقة متآخية وهو يرفع كأسه:

– إنك تموت يا فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي . لتمت بسلام .

أطرقا بهدوء ناعم بينما تخبو حركة المكان . لم يعد ثمة شيء سوى مصباح الزيت يلف حولهما بؤرة ضوء باهت، وظلالا تمسح ما يقطن خارجهما، وكأنهما يغرقان في هوة وسط الواقع، ويختفيان بها . لاحظ دوستويفسكي المكان بحنين رثائي غامض، ابتسم مطأطئا رأسه، تذكر أنه تخيل تجربة الموت دائما كشيء مرعب مخيف، ولكنها الآن تبدو أكثر شاعرية من كل شيء . لم يعد يُسمع صوت في الحانة سوى أنفاسهما، وفي الخارج حفيف رداء الليل الذي يسحب قدميه للرحيل . دلق الموت شرابا جديدا، شرباه دفعة واحدة . تنقع حرارة الجرعة في رطوبة المكان المنومة، تستحث حنينا مريضا من الذاكرة . قال دوستويفسكي:

– هل أستطيع توديع عائلتي ؟

– لا .. سأمنحك إلى الفجر، إنه قريب جدا، وحينها سنخرج .

أطرقا لحظة بوجوم . قال الموت:

– هل تريد أن تختار مكانا معينا ؟

فكر دوستويفسكي بعمق خامل، تذكر سفدريجايلوف فهمس:

– نعم . عند مبنى رجال الإطفاء الذي يعلوه برج . هل تعرفه ؟

– طبعا .

خرجا في زرقة الفجر النقية، تلمع مثل الكريستال، تنهمر على أوجه البيوت الجانبية ومسطحات بحر البلطيق المتموج . يتنفس الكون في نعاس يقظته الفتية على شكل تمطّ في السرير وهمهمة امرأة ناعسة وأصوات أكواب تغسل ورائحة شاي يغلي وحرارة نار تشتعل بعد انطفاء ليل طويل . سارا على رصيف الميناء ببرود رتيب، كصاحبين قديمين يتجهان إلى وداع لا عودة فيه .


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s