انطفاء

 

علامات ضيق طفيف على وجهه، وهو ما يحدث نادرا. يترقب لحظة انكشاف ذاتي، أن يقرر أفضل طريقة للانتحار. ولكنه يتلاشى من نفسه إلى منطقة شرود هلامية، لا خيوط يُمسك بها ليعود، وهو ما يحدث دائما. قرر منذ أيام. ولكن وقت. انتظارٌ لامجدٍ. أونٌ مبدّد. وجد عفشه الذي يتكون من مطرح ودافور ومقلاة وتلفاز خارج غرفته في عمارة قديمة في البطحاء. توفيت والدته التي اعتادت أن تعطيه جزءا مما تأخذه من أبنائها – إخوته من أمه – قبل أيام. قرر قبل ذلك كله. انتظارٌ لامجد. معلّق. أوجهٌ تتكلف. كلمات. بكاء. إكتظاظ. أيادٍ متعرقة. أخذ سيارة أخيه من أمه في خامس أيام العزاء، هرب بها إلى الطريق نحو جدة. حاول أخوه الاتصال به، ولكن فيصل باع جواله الذي اشترته له أمه في محل يديره عامل هندي، في المجمعة. صحن أرز يفوح برائحة بهارات قوية. وقف. أخذ الهندي يقلب الجوال باستغراب بين يديه. رائحة الطعام والبلاستيك والأغلفة والجِدّة، لمعان الضوء الأبيض في الزجاج، ثنيّة في زاوية كرتون على الطاولة. تفاصيل. أصواتُ حركة مكممة تأتي من الشارع المليء بالمحلات والمارة. يغرق في الأصوات المكممة في الخلفية بينما يبتعد عن الأصوات المحيطة به، يخرج من المشهد الذي هو فيه إلى المشهد الأبعد الذي يحيط بمشهده. انتبه ببطء للهندي الذي عرض عليه 500 ريال على الجوال. إنه نظيف جدا وكأنه لم يستخدم ولكنه قديم، قال مبررا. موافق. قبلها بسرعة. وقف قليلا يتأمل صف المحلات والحركة الرتيبة التي تحدث أمامها. تراجع أخيرا إلى سيارة أخيه. يريد رؤية بحر. الطريق إلى جدة فارغ. عيناه مسمرتان في الامتداد الإسفلتي. لوح الرصاص المنمنم. صفير الهواء يضرب الألمونيوم. الشخوص المرسومة في السيارات، حوافٌّ مفرغة. وقت. أوْن متمطٍّ. ليل. ظلمة مدكّنة بندف غبار. أحس بألم في بطنه، تذكر أنه لم يأكل منذ مدة طويلة. وقف عند محطة في منتصف الليل، أكل في السوبرماركت ساندوتشة مغلفة. منكمش في زاوية. هيئة حيوانية متلصصة. يراقب الحركة، ولكن شيئا لم يتحرك. أزيز. رائحة بلاستيك وقراطيس ومعقمات وسيراميك. سطوعُ انعكاس الضوء على سطح كل شيء. أشياء، جمادات، مرتبة، مصففة، مرصوفة، هامدة. لا حركة. أزيز. هل تريد شيئا مع السندوتشة؟ يسأله البائع اليمني بفضول، يهز فيصل رأسه مطرقا. أزيز، تلفت حوله، ثمة ما يناديه. أزيزُ برادات المشروبات. حملق فيها. ززززز. غمغم موازيا. ثمة صوت ينادي من هناك. تفتُّـت محيط المشهد المادي عدا الصوت. فتور. انكفاء. انفصال. يغمغم سسسسس تنتنتنتن. واجهتُها وجهٌ محدق، أزيزها نُطق. محادثة. شفند دن دن موش همم. هل قلت شيئا؟ سأل العامل اليمني الذي يراقب بحذر. التفت فيصل ذاهلا، أشار للبرادة بحركة طفيفة من رأسه. زززز. تطلع العامل فيها، يبحث عن الشيء المشار إليه، ولكن لاشيء. ظل يراقب بحذر أكثر هيئة التلصص الحيوانية، حتى أنهى فيصل سندوتشته محملقا في البرادة. الصوت في الليل يسافر، شخص أخبره بذلك، يقف وسط مساحة المحطة الشاسعة، مركونة في عمق الصحراء. صفيرٌ خافت من مكان بعيد، حفيف هواء، عامل يجلس عند اسطوانات البنزين، ينتظر برثاثة. ولكن لا أحد. الطريق المظلم، يمسح أثر الوقت والمسافة. جدار غبار، نُتف ميكروسكوبية، طويلة إلى ارتفاع لامحدد. تضربُ أضواءُ السيارات المعاكسة فيه فيسطع شفافا. وقف. راقب النُّتف المتلاصقة تزحف ببطء مُوقَـد، جاءت من الحافة اليمنى، من مكان ما في العمق الصحراوي المظلم. التفت إليه، حملق فيه ليقرأه، ولكنه متغط بالعتمة. سار الجدار حتى الحافة اليسرى، ثم اختفى في العمق الصحراوي الآخر. حدق طويلا في نقطة الظلام حيث اختفى. انعدام رؤية، صفير، تغضُّن هواء. إعياءُ المراقبة المخدر. ارتخاء الحضور. الغموض المنوم للظلمة. نام في السيارة. أفاق فجرا. تظهر الشمس في الأفق، حريقٌ في غيم زبدي. يستكمل السير. امتداد الاسفلت الخطي وصفير الهواء في الألمونيوم والشخوص الحوافية المرسومة في السيارات. في جدة، وجد البحر. ذهب إلى ناحية نائية منه، حيث تستقر قوارب صيد عتيقة. جلس على صخرة عند حافة الشاطئ. يحدق. وقت. أوْن متمطٍّ. خمود. هامش. مؤقت. رجيع السيارات الخاطفة في الشارع خلفه. مدٌّ يتحرك إلى الحافة، يرتطم بالرمل، يتفتت، بقعٌ من الماء تنفصل، تتشلّى على الشاطئ، تتطيّن، تموت. ينحسر إلى الخلف، يغيب في كتلة الماء المتموج. يسطع في البُعد، يقتبس من السماء، يتشكل بالريح. انطفاء التعبير، التنوع، الهوية. ماء، لا أكثر. الشمس ترتقي بسطوع. تخبو ببطء. البحر لا يمل. رائحة الرمل. الغيم. الشرود. ورق شجر بعيد. رذاذ. هَيْـف. أصواتٌ مكممة من بُعد ما. تحرك مرتان في جلسته، أحس بنغزات كهربائية في ظهره. قام أخيرا، تلفّت حوله. خواء. رأى رجلا يجلس على حافة الشاطئ، يربط خيوط شبكة صيد مهترئة. سار حتى وقف أمامه. إنتبه الرجل، رفع رأسه محدقا بانتظار واجم. هنا مدة طويلة تعيش؟ هز الرجل رأسه بحذر من يفك شفرة رموز غريبة، نعم. أين؟. في غرفة الطوب البعيدة هناك، وأشار بسبابته إلى البُعد، ولكن فيصل لم يلتفت. خطوطُ تعرج نحاسية في وجه الرجل، سُمرة كَلَح زمنية. لقد ذهبتُ الصيد مرة، صغير جدا. راقب البحر وكأنه يحاول استرجاع الذكرى البعيدة. اممممممم. راقبه الصياد لحظة، يحاول استراق السمع. اممممممم. لم يفهم، فتر فضوله فعاد يشد شبكته. لستَ من هنا على ما أظن؟ انتبه فيصل بوهن. لستُ هنا. تقصد لستُ من هنا. لستُ هنا. أطرقا لحظة، يعمل الصياد على شبكته معرضا بلامبالاة، يقف فيصل بجانبه محدقا في البحر. وشوشة المد والجزر. رائحة الغروب الصفراء. البحر لم هاه بصر قديم همنت. هاه؟. لم أرى البحر قبل، أول مرة بحر، وعدتني أمي إلى البحر، ولكنها لا. رفع الصياد رأسه بخفة لامبالية، كنت تقول أنك ذهبت للصيد من قبل. تطلع فيصل في الرجل بجمود، وكأنه يحاول أن يسترجع فكرة ما، ولكنه لم يقل شيئا. امممممم. صَـمْت. أبعد نقطة في الفضاء هي مجرة إم إي سي إس صفر ستة أربعة سبعة شَرطة جاي دي حيث لاشيء بعدها. تطلع الصياد بجمود، ينتظر تتمة ما، وحينما لم تأتي عاد إلى شبكته. مرت عدة دقائق في فتور رخيم. وشوشة المد والجزر. رائحة الشفق البعيد. الرمل. الماء. استدار فيصل، سار ببطء على الحافة. الرمل البارد يغرس قدميه، يراقب آثار خطواته المحفورة. وقف، حدق في الشمس تسقط ببطء، تغرق في البحر، تُبقبق بفقاعات أشعة حمراء، ثم تنطفئ. عاد إلى السيارة. ليل المدينة عامر بالضوء، تحسست عيناه منه. خرج إلى الطرق الفرعية، مزيد من العتمة. فكر أنه يريد رؤية جبل طويل. خرج من جدة واتجه في الطريق إلى مكة. أحس بألم جديد في بطنه، توقف وأكل ساندوتشة مغلفة في السوبرماركت. تلصص الزوايا وانعدام الحركة. أزيز برادات المشروبات. رائحة بلاستيك ومعقمات وسيراميك. في مساحة المحطة وسط الصحراء. الصفير والحفيف والعامل الرث بين الاسطوانات. ترقَّبَ في الطريق جدران تراب جديدة، ولكن لاشيء. حواف الطريق المظلمة نائمة. لم يكمل السير، أضواء السيارات المقابلة تزعج عينيه. وقف، لم ينم. تطلع في امتدادات الظلمة في الحافة، الفوهة السوداء المعمقة بفراغ العمق. فمُ كهف وقف أمامه ذات زمن، يمتصه، يبتلعه بغموض عدميته. خرج عن الإسفلت واخترق، يسير في الصحراء الجبلية، يرتقي الصخور ويطؤ الحُـفر. تتكدس الرؤية بانعدامها. تتكالب نُدف الغشاوة السوداء، يُخرج يده من النافذة، تتنحى على راحته، نُدفٌ صغيرة جدا، محسوسة، ملموسة، مادية. خيط زرقة في الأفق. وقف منهكا. كتلة سواد تتكتل في عينيه. يراقب الأفق. الشمس تصعد ببطء، توقظ الرؤية من عدمها. ضوء، انكشاف، وضوح. كل شيء متجرد، حاسر، عاري. امتعاضٌ منهك كئيب. رأى بيتا قديما منعزلا في القُرب. رجل يجلس على عتبته، ممسكا ببندقية. وقف أمامه ونزل. ماذا تريد؟ صرخ الرجل وقد قام من مكانه ممسكا ببندقيته. لم يفهم السؤال، لم يرد. ماذا تريد قلت لك؟ رفع كتفه معوَجًّا بحيرة، أريد أجلس قليل، تعبان. هل أنت معهم؟. من؟. لا تتذاكى، هل أنت معهم؟ سأطلق النار عليك دون تردد. تلفت فيصل بفتور في المكان، صحراء، لاشيء يلفت امتداد البصر، لا أحد. هنا وحدك أنت؟. رفع الرجل بندقيته دون أن يوجهها، ألا تفهم؟ إنني سأقتلك لو لم تخبرني من أنت. دوارُ إعياء واهن، إرهاق ليلة من اليقظة. وضع يده في جيبه بأوتوماتيكية، أخرج بطاقة أحواله فرفع الرجل البندقية أكثر. هنا أنظر أنا. لست مهتما برؤية بطاقتك يا أحمق. دوار. ولكن اسمي، اسمي. لا يهمني اسمك، من أنت؟. إنهاكٌ يُجلِّد السطح بالصقيع. كل عصب مرتخ، متهدل، موقوف.  ف ف ف ف ف. ماذا تقول؟. أن يجلس. قدماه، عيناه، فمه، إنكماش معلق. ف ف في ص ص. كفاك غمغمة، هل أنت معهم؟ أخبرني. دُوار أشد. أطرق مطئطئا في الأرض. الرمل. لطخة الضوء. حجر. مع، من، هم، أنا، هذا. نغزة انطفاء فوق حاجبيه. فقط أنا متعب أنا ممت هامنننمتعبممم. لست مهتما بما أنت عليه وما أنت فيه وبما تغمغم، من أنت؟. ممسكا ببطاقته، منتهية الصلاحية منذ مدة، عليها صورة كئيبة له. أنا فيصل. مترنح في وقوفه. عيناه في الأرض، مغلقتان إلا قليلا. قدماه متململتان بثقل. ظلال الفجر الغائم، الضوء الشفيف للمساحة الشاسعة، يسطع في زاوية عينه المنهكة. إبتعد الآن، هيا. صرخ الرجل وقد اقترب خطوة. خطوطٌ حمراء تتكهرب في بصره. ينفصل أكثر. جفنتل بسربجاكلبرلا زززز ماماماما. بس، صرخ الرجل بغيظ. سواد الحدقة يتقلص، مدى الرؤية ينكمش، ينغلق، يتقبض، يغيض، يتغشى. بإنهاك: أبعد نقطة في الفضاء هي مجرة إم إي سي إس صفر ستة أربعة سبعة شَرطة جاي دي حيث لاشيء بعدها. وقف الرجل مصدوما، هاه؟ ما دخل هذا؟ تحرك في مكانه بمزيد من الغضب. ألا تسمع؟ ألا تعرف من أنت؟ سوائلٌ لزجة في فروة الرأس، ضوء المساحة الجليدية يحتدّ، رغوة لمعان واهن. صوت صفير النفَس المحتقن، ليس إلا. أقسم لك أنني سأطلق. الآن يقف قريبا من فيصل، يحملق فيه. يكتشف ببط، محدقا في عينيه وسحنته. إنك أحمق فعلا، مجنون. أنزل بندقيته، اقترب بامتعاض نزق. لا وقت لدينا للمجانين. دفع فيصل في كتفه. تراجع خطوة ولكنه تسمر. أثر اللمسة فوق جلده. عيناه في الأرض، منغلقتان أكثر. دفعه الرجل ثانية. ثالثة. ملعون أبوك تحرك، يالله. قبض عليه ليدفعه كتلة واحدة. متصلب، مركوز. منكمش من إطباق الاحتواء الحسي. حمى جسده بذراعيه. الرجل يدفع، يطوق. تحرك فيصل، أمسك بالبندقية. تصارعا. صوت طلقة. الرجل يتراجع إلى الخلف. يقف بنظرة ذهول. يهوي. سقط على بطنه، وجهه منكفئ على الرمل، أصوات فحيح متحشرجة وتمتمة مكبوتة. بخير أنت؟ سأل فيصل وهو يقترب. طبعا أنا لست بخير يا كلب، لقد أطلقت النار علي. يتهدّل أكثر. يتأمل بخمود متدرج. المساحة الشاسعة تنبسط أكثر، تتجلّد أكثر، القشعريرة في مطلق رؤيتها المضاء. ليس هكذا، همس الرجل. لم ينتبه فيصل، غارق في المساحة، يمتصه انمحاصها الساطع. يتنفس بفتور مغشّى بالخَوَر. وسن، سِنة، خُبُوّ، انفلات. ايهاماهياتواكاكاهااااا. شيء يحدث ليعطيه تلميحا. ولكن لاشيء. بقعة الدم التي بدأت تخرج من تحت الرجل، تنقع في التراب، لم تكن تبقى على السطح، تذوب كلون. يُحدق فيها بصمت. صفير غامض من مكان بعيد، حفيف هواء حاد. حمرةٌ طينية. ينفصل أكثر عن حضوره. ينام. بقعة الدم تتوقف، دائرة كبيرة من اللون. الرجل بلا صوت. فيصل يمسك بالبندقية. نائم. وضعها بجانب الرجل، عينان بازغتان، فم مفغور. تلفت متفصيا، مبتورا، منحلا، منفكا، منطفئا. باب البيت المفتوح معتم، يمتصه. ترنح إليه، دخل، ضوء داكن في ظل المكان الثقيل. سجادة متسخة عتيقة، أثاثٌ قليل ولكن متلاصق، رائحة طعام. اتجه إلى ما بدا غرفة جلوس، ارتمى على كنبة مهترئة تفوح منها رائحة بخور. نام. نام طويلا. أفاق بعد وقت ما، الشمس وراء سحب. تردد في وقوفه. تلفاز، طاولة، نافذة تنتصف الجدار، دميةُ فتاة بلا رأس، ترمس. عيناه صمغيتان، عركهما. اتجه إلى المطبخ. قدرٌ صغير فيه مرق بارد لم يطبخ، جزر وبامياء وبازلاء. أكله بيده. يتيقظ أكثر. صفيرٌ خافت من النافذة الصغيرة، ضوء شاحب يضيء ثلاجة، خزانات صغيرة، حوض مجلى ستيليّ. وقف في الصالة، تطلع في الدَّرَج، إغراء الإفضاء إلى ما لا يظهر في الصورة. صعد إلى الدور الثاني. ثلاث غرف، آثار ملابس نسائية في إحداها، عباءة معلقة، روج مفتوح، حمالة صدر. صفير منعدم، شذا عطر رخيص. لمس العباءة المعلقة بطرف يده، ناعمة، شمها، رائحة جسد باهتة. وقف وقتا ما، يوزع حواسه في المكان. نزل، خرج من البيت، الرجل في مكانه، وقف حول دائرة الدم، لم تكبر، كما تركها. ركب السيارة ومضى. عاد إلى الطريق الإسفلتي. في مكة رأى جبالا عالية جدا. وقف عند أحدها، رفع رأسه بقوة فلم يستطع رؤية قمة الجبل. سأل شيخا يبيع المساويك على الرصيف هل أستطيع الصعود إلى قمة الجبل؟ رفع الشيخ رأسه باستغراب إلى القمة وكأنه لم يعلم أن للجبل العالي قمة أصلا. لماذا؟. فكر فيصل لماذا؟ قال لا أعلم. حدق فيه الشيخ بخمول، هل تريد شراء مسواك؟. لا. إذاً لا أعرف كيف تصل إلى القمة. أطرق فيصل بحيرة، طيب خلاص سأشتري. لماذا لا تأخذ رزمة؟ يبدو أنك رجل اجتماعي يحب تقديم الهدايا. سأشتري رزمة. اشترى فدله الرجل على الطريق، مسار يصعد به إلى حافة رفيعة، ليس إلى القمة، لأن القمة عالية جدا، مشكوك في وجودها. يتفصد عرقٌ حار على صدغيه، يصعد الطريق الصخري. وقف عند حافة رفيعة. رأى المدينة بأكملها. أسطح. فجوات. طرق وديانية مخددة. رؤوس. حركة. نتوءاتُ قُنن في البُـعد. أحس مقيدا، خدرُ المراقبة المنوّم. وقف على الشفا الحاد، حملق في الهاوية. دفع خطوته قليلا. نصفُ قدمه في الهواء. تصاعد هدير في صدره. انفرج فمه. لا هواء يدخل إلى أنفه. ساقية عرق اجترحت مضيقها على وجهه. قطرات بول على فخذه. قشعريرة حكّة في جلده. سُعار. رعشات سكينية مشفرة. رفع رأسه عن الهاوية، سطوع حارق لشمس ظهيرة، بانورامية الرؤوس الحجرية للمنازل. تراجع خطوة إلى الوراء. مطأطئا. ينقع في عرق طافح. وضع راحة يده على فمه، شفط هواء كثيفا من أنفه، حبسه لحظة، ابتلعه. تدلّت يده عن فمه. شفتان متهدلتان. نظرة كابية. رأس مُجبّه. جذعٌ محدودب. وقف طويلا. لم يتحرك شعرة. لا يحدق، لا ينتبه، لا يحضر. وقت. كثير من الوقت. فجوةُ أوْن مخددة بلا عمق. تنحدر الشمس، ترقّ، تصفر. هل أنت بخير؟ رجلٌ مر بالحافة يسأله. ولكنه لا يجيب. يقترب الرجل، يجانبه، صفحة وجهه منحّسة بصفرة عرق ناقع، شحوب لاحركة طويلة. نغزه بطرف سبابته. هيه أنت. رمش فيصل، التفت ببطء رث. حملق في الرجل. أنت بخير؟ إطراقة طويلة. شفتان متشققتان، فم دبق بصمغ لعابي. أبعد نقطة في الكون هي مجرة إم إي سي إس صفر ستة أربعة سبعة شَرطة جاي دي حيث لاشيء بعدها. نبرة سؤال في قفلة الجملة. حدقا في بعضهما لحظة. أبعد بُعد مُكتشف، أما الفضاء فيتمدد أبديا ولن يتوقف، همس الرجل بحذر مترقب. أشاح فيصل بفتور خائب. أخبَـرَني أن بعد لاشيء. من؟. هو. إنه مخطئ إذاً. رفع رأسه، تطلع في الشمس الغاربة، ضخمة، على مستوى الجبل، ألسنةُ تورد حبرية تنصهر من حوافها. مدّ يده، يختبر إن كانت قريبة فعلا لدرجة أن يمسكها. ولكن، هواءٌ ليس إلا. استدار. تجاوز الرجل. أنت بخير؟ ولكن فيصل لم يرد. عاد إلى السيارة، مركونة على رصيف مشاة. أفواجُ مارة، أفواج هيئات، أفواج حواف رسومية بلا ملامح. همهمات، وضعيات، حركات. خرج جنوبا. الباحة 220 كيلو، تقول اللوحة. الظلام يبتلع المسافة والوقت. نام. رأى صورا خليطة، وشيجة، متشابكة. ألوان زيتية مائعة، سائخة. أوجه، قَسَمات، ملامح، خطوط. أفاق فجرا. الزرقة المتمطية في الأفق، باهتة. وجم يحدق فيها، تكبر، تحمرّ، تصفرّ، تمهّد الشمس. استكمل الطريق. ولج مدخلا إلى قرية بلا اسم. سار طويلا في طريق زراعي. رائحة يقظة فتية. صفرة منوّمة تنطبع على سطح الأشياء. يسير ببطء شديد. عصافير، حفيف، رطوبة آثار الندى. صوت وشوشة غامض من بُعد. أوقف السيارة، أنصت لحظة. نزل. مشى. وقف قُبالة سور بولكّ صغير. صوتُ رش يتصاعد. إرتقاه، جلس على حافته. حقلٌ منبسط الخضرة، تقطعه رشاشات محورية، عامود معلق بأرجل كثيرة يملؤ عرضُه محور البصر. في الشرق خلفه، تُطل الشمس، حمراء، ناقعة، لطيفة، تضيء نُدف الماء المنهمرة. نُتفٌ شفافة، براقة، لماعة، مرآتية. قشرةُ نصوعٍ كريستالية. الزرع طويل، يغطي سيقان عاملَين واقفين في آخر الحقل. ذرات رذاذ الماء المرتطم بالزرع تتكوم، تمتزج، تتقبّض، تُـكوّن هالةَ لألأة نقية تبخر من الأرض. وَمْضٌ صِرف، منقّى، زجاجي، يُزغلل طُهره المفرط. راقب الماء والشمس، يتعاكسان في صعود وانخفاض. وقت. أريجُ عشب مخضل، فغْوة أشجار لامرئية، رمقُ تُلاوة فجر. انطفأت الرشاشات. هالةُ الرذاذ تقاوم التبخر والذوبان، تتناقص، تتفتت، تنتهي. بقي فوق السور. الشمس تصعد أكثر، تُحرق، تسطو، تغلو. نزل، عاد إلى السيارة. قطع الطريق الزراعي حتى خرج إلى الرئيسي. أحس بألم في بطنه. وقف عند محطة على مدخل الباحة. في البوفيه الصغير، لم يكن ثمة سوى طاولة واحدة، يجلس عليها عاملان ملطخان بالقار والتراب، يأكلان. وقف بسندوتشته في الزاوية، منزويا، هيئة حيوانية متلصصة. أكثرُ العاملَين انبساطا، يتلألأ من وجهه المسودّ بريق أسنانه، أفسح له كرسيا، دعاه بابتسامة ودية لامتحرجة. رفض، أصرّ العامل، في وجهه الكالح أُلفة مغرية. جلس بتردد. بادره العامل بصعوبة، ينطق كل حرف بدقة، وكأنه يوازن خيوط قنبلة: رانجي، بنقال، إسفلت، تشهر. ضحك وهو يهز رأسه دعوة لمشاركته. ابتسم فيصل. العامل الآخر خامل أكثر، يأكل جامدا، لامباليا. أأأأأ أنت؟، سأل رانجي. استفسر فيصل بملامح وجهه ولقمة متوقفة في فمه. أأأأأ أنت، نيم. تطلع بلافهم مطبق. أشار رانجي أخيرا بيده ليتناسي الموضوع. نيم فك ولّي خلّي. واصل الأكل، منفعلا في كرسيه، يقل تفحما. توقف، أخرج صورا من جيبه، تلفت بحذر درامي، مدّ إحداها إليه، فتاة متمايلة بصدر مكشوف تحكّ حلمة ثديها بطرف سبابتها. ابتسامة جشع متلألئة في وجه رانجي الفحمي، يهز رأسه مترقبا. أطرق فيصل ذاهلا، قرب وجهه من الصورة، في فمه لقمة كبيرة توقَّف مضغها. صدر كبير، حلمتان بارزتان، فتاة سمراء. تراجع بجمود متورط. هاه؟ هتف رانجي بحماس مكبوت، ارتبك فيصل مشدوها، جاراه أخيرا بابتسامة مشوهة باللقمة العالقة الكبيرة، فرفع رانجي يديه بقهقهة قَـفْلة رضى أخيرة. أعاد الصورة، قضم من سندوتشته، ابتلع بسرعة، مد رأسه على الطاولة من جديد، تلفت بذات الحذر الدرامي، همس بقلق: هير نو جيرلز، بيج بروبلم، كوف، لهية، باي رقبة. انتعشت ابتسامة اعتيادية مسحت سحنة القلق المفاجئ. أنت، سوّي؟ هاه؟. لم يفهم فيصل. تلفت رانجي بحذر درامي أكثر، أنشأ بيديه إشارة: الأصبع الوسطى تلج وتخرج تباعا في دائرة مكونة من السبابة والإبهام. هاه؟ هاه؟ يهتف بابتسامة تهيئ لقهقهة قوية. ابتسم فيصل، لم يفهم، ولكنه ضحك، هز رأسه إيجابا فضرب رانجي الطاولة بحماس وهتف كبير الله كبير الله. ازدرد الثلاثة آخر لقمة. لحقهم فيصل إلى مكان عملهم، يسفلتون فراغا بين المطعم والسوبرماركت، وينجرُون خشبا لصنع شيء لم يتضح بعد. ستة عمال. ذاب رانجي في حشد الكلام والأحرف والصوت المتدفقة بسهولة لامقطّعة. لا إشارات. ذرات النشارة والفحم تمتزج، تتقبّض، تكوّن هالة شحوب رمادي، يطلي الأوجه والهيئات وراءه. هلام أشخاص، حوافّ. سحنة شحوب رمادي تطلي وجهه. عاد إلى السيارة. سار. دخل الباحة. مركبات، هيئات، بنايات، صور. وقف على حافة طريق، نزل، جلس على الرصيف. أصوات السيارات القادمة من بُعد متدرج، خط قلم، بداية باهت/ قوي كثيف/ باهت متوقف. خيط، سرب، ثَـول، قطيع. أحرف، متلاصقة، مفككة. جُمل ألومنيومية، تنهمر، تتدفق، تستمر. يحملق، يراقب. الشمس تغلي ظهرا، العرق يتقشر على جلده. ركب السيارة، غفى لحظة. لم يرى شيئا. خرج من الباحة. طريق وعر، صور قفرية. أوقفته نقطة تفتيش وادي ولف حول بلجرشي. تم احتجازه، سألوه، ولكنه لم يُجب. ظل يجلس مطأطئا، صخريا. ربما هو أصم؟ يقول شرطي لزميله. لا أظن، إنه فقط يتغابى، ربما متأثر بالأفلام ويريد ادعاء الجنون. ليس ادعاء، أنظر إليه، إنه مجنون فعلا. هل أنت مجنون؟ ولكنه لا يرد. نام في التوقيف عدة ليال. جلس عليه دخيل جديد لم يره منزويا في الزاوية. حسبتك بطانية. اقتادوه إلى سجن ما. لماذا أنت هنا؟ سأله سجين يقف متكئا على الجدار. التفت إليه، تأمله لحظة. سيقتلونني. نطقها بابتسامة ذاهلة لا تُرى، جعلت السائل يصرف اهتمامه بحذر عدائي. ولكنه خرج بعد يومين، صباحا. تنازل أخوه عن قضية السرقة. أركبه بجانبه. لولا ذكرى أمي لخليتك تتعفن هناك. التفت فيصل ذاهلا. والرجل؟. أي رجل؟ صرخ أخوه. ولكنه أشاح وجهه إلى الأمام. شيء من الحركة المتتابعة يحدث حوله. الخروج من الباحة، تعبئة البنزين، التشييك على الكفرات، إغلاقٌ وفتح مكرر لباب، التفافات، توقف ومُضِي. يحدق أمامه. في الزجاج خيط تراب في نقطة انفصال بين المسّاحتين، ضغط أخوه زر المساحات فرشّ الماء، ولكن الخط الترابي لا يصل إليه الماء أو الرِّيَش السوداء الثقيلة. في الطريق إلى الرياض لم ينطق أي منهما بكلمة. شاهد على الحافة الصحراوية رؤوس رمال. أودية. جمال. جبال. غرف رعيٍ مهجورة. راقب السيارات القليلة التي تمر، رجال ونساء وأطفال، شيء من الحركة في بعضها، كثير من الصمت المنهك في أكثرها. الشمس وراء سحاب منقط، راقبها تختفي وتظهر. نعس لحظة، أفاق في محطة، أمام مسجد. سمع صوتا يكبر بين لحظة وأخرى. راقب الشخوص التي تتحرك في المساحة الواسعة. هيئاتٌ حوافية بلا ملامح. السوبرماركت. المطعم. البوفيه. التسجيلات. لا صوت عدى صفير صمت حاد. راقب الشمس وراء غيمة، تكسو المكان بظل شفاف. قطرات مطر مشتتة، انقطعت بسرعة دون أثر. أغلق عينيه، إدعى النوم، حتى نام. أفاق أمام بيت والدته.

بعد أيام من الأحاديث المكتومة التي سمعها حوله، عاد إلى غرفته القديمة في البطحاء. قام إخوته بتسديد ديونه، وصرف أجر شهري يبلغ 500 ريال مع التكفل بتسديد الإيجار الذي لا يتجاوز 5 آلاف ريال سنويا.

عاش 10 سنوات. لا يخرج إلا نادرا. يجلس أمام النافذة، يراقب. حركة لامنقطعة. ملامح مسطحة جليدية في تدفقها المكرر. لاهيئات، لاحواف، لافردية، مجرد حشد، رؤوس أقلام متداخلة. ألوان باهتة. عامل البقالة يترك الأكياس عند الباب، يأخذ المال من تحت الباب. كنبةٌ في زاوية الغرفة، هيئة حيوانية لامتلصصة، منطفئة، تبتلعها العتمة التي تبتلع الوقت والمسافة.

اقتنى قطة بالتدريج. يضع لها جزءا من طعامه عند باب الشقة، تأكله وتجلس هناك طوال اليوم. لم يرها سوى عدة مرات صادفها وهو يفتح الباب. اختفت القطة ذات يوم، ولكنه واصل وضع صحون الطعام البلاستيكية فوق بعضها، حتى تراكمت وتدخل محل العقار، وأدى ذلك إلى زيارة من أخيه الذي فاجأه فراغ الشقة وانعدام رائحتها.

صار يخرج أحيانا. يتمشى في أزقة المحلات، يقف ليراقب البضائع والحركة. يحلق لحيته بمكينة اشتراها أخوه له. الملامح تستعيد حضورها في فردية رتيبة. يصاحب عاملا باكستانيا في محل مفروشات. يشرب الشاي معه عصرا، في صمت مراقب. يزوده أحيانا بأخبار لا أهمية لها. قنبلة جديد في بغداد، موت كثير. يهز فيصل رأسه، يصمتان. يحدقان.

شابَ أكثر، بدأه صلع في الجبين. تساقطت عدة أسنان أمامية بسبب الإهمال.

فاحت ذات يوم رائحة عفونة من غرفته، وبعد الاتصال على الشرطة تم اكتشاف جثته. وفاة طبيعية كما حدد الطبيب، سكتة قلبية. دُفن ظهرا في المقبرة، يبعد عن والدته 140 قبرا. بحث إخوته في محتويات شقته فلم يجدوا شيئا يستحق الاحتفاظ به. سرير، كنبة، كرسي، صندوق حلاو فيه صورة فتاة عارية الصدر، كتاب بلغة بنجابية، تلفاز عطلان، دافور.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s