ملهاة

بدأ الأمر بشكل لامريح.

حينما ذهب س.ن إلى عمله في المكتبة العامة، لاحظ، وهو واقفٌ في محطة الباص المقابلة لشقته الأرضية، أنه محط اهتمام ما. لم يُعر انتباها لذلك، إنه لا يحب الالتفات في الشارع، حيث الكثير من الأشياء التي تثير تشتتا مزعجا، حسب رأيه. ولذا تفوته اللحظات الطارئة في الحياة اليومية، وهي خسارة أعلن تصالحه معها منذ زمن. ولكنه أحس أن شيئا مختلفا هذه المرة، إنه يبدو بشكل ما متورطا في ذلك الأمر الطارئ. دون أن يلتفت، يشكر حظه على الجريدة التي يمسكها وتمنحه فرصة ادعاء عدم اكتراث، بدأ يعيد التفكير: هل قمت بشيء يستحق أن أكون أمرا طارئا؟ هل أنا عاري؟ استرق نظرة على جسده، مهندمٌ بلاجاذبية كموظف حكومي صغير. هل أنا نتن؟ استنشق بحذر فشمّ رائحة الكولونيا الرخيصة. لم يبدو الأمر منطقيا. علامات تغضن طارئة على وجهه. لم يحدث شيء كهذا الشذوذ من قبل. أطراف أصابعه الممسكة بالجريدة تنطبع بعرق لزج في الورق الجاف. يتزايد إحساس التورط الطارئ. تمنى لو أن لديه مرآة يستطيع توجيهها إلى الخلف ليرى ما الذي يحدث. طوى الجريدة بكل ما يمكن من هدوء لكي لا يحطم ادعاء لامبالاته، وأخرج جواله، وجه شاشته المطفأة أمامه وكأنه يتصفح، فرأى في انعكاسه الأسود مجموعة أشخاص ينتظرون الباص، ولكنهم يحدّقون فيه، بطريقة متعمدة، محددة، مخصصة. أدخل جواله بجمود، خط عرق في ظهره، نغزات كهربائية في فروة رأسه، نظرة زائغة إلى المدى الغبشي. لن يلتفت. وصل الباص فركبه، وهنا ازداد الأمر غرابة. جلس في الزاوية – إذ لم يجد مكانا يناسب اختباءً مؤقتا – محتضنا كتبا – استعارها من المكتبة – كتعويذة، وإذا بالجميع يحملقون فيه، عدا عدة أشخاص أظهروا لامبالاة ناعسة. أعين وحدقات، واضحة ومخصصة وجلية. فكر أنها ليست نتيجة أمر طارئ. بذهول فاغر، ألقى نظراته في الامتداد الضيق دون وعي، يطفح عرقا، بينما يراقبه الآخرون بصمت منهك. أخيرا، همس أحدهم وهو يُعرض عنه “هذا ممل” وأغلق عينيه وحاول النوم. البقية ظلوا يشاهدون بذات الملل. أحس بإفرازات الارتباك تطفح في كل مكان، تجمعت بحة صمغية في حلقه، كتمها لئلا يُحدث أي حركة لافتة، صراع محتدم في مضيق الحلق. لم يستطع السيطرة أكثر من هذا. خرج سعال خاطف فجأة. تحرك الحشد حركة متفاجئة، رجل بجانبه لهث بإثارة منعشة كشأن تلك التي تعقب لحظة خمول. ترقبوا بمزيد من التنبه، بينما طأطأ هو رأسه بانهزام في الأرضية، وغرق فيما يشبه إرهاصات إغماء متكررة بلا قفلة إغماء مخلّصة.

في المكتبة، أحس أنه يتنفس من جديد. إنه الموظف الوحيد هناك. لا أحد يرتادها، لا أحد يقرأ، شكر الله على ذلك. جلس في مكتبه الصغير في المكتبة الصغيرة، تم تقليصها تدريجيا حتى تحولت إلى غرفة واسعة، يحس بعرقه يتيبس ببرودة ثلجية لذيذة. رائحة الكتب قوية جدا تنضح بذلك العبق اللطيف لشيء عتيق، لشيءٍ خارجٍ عن السياق، وهو ما جعله يشعر بارتياح متزايد. إنه لا يقرأ، ولكنه يحب اقتناء الكتب، إنها تريحه، تُشعره أن في العالم مسارات ممتدة غير المسار الواقعي الفيزيائي، الذي لا يحبه كثيرا، ولذا يعامل الكتب بجدية وجود حقيقي، بجدية مسار مواز للمسار الفيزيائي الواقعي. نسي بالتدريج ما حدث، لم يحاول تبريره، لقد فهم منذ زمن أن لا جدوى في التبرير، ولذا هو لا يقرأ. يجلس معطيا ظهره لنافذة واسعة تُطل على فناء مدرسة ثانوية ملاصقة. استدار ليستنشق قليلا من الشمس، فرأى حشد المراهقين الجالسين في الساحة أثناء الفسحة يحدقون فيه، ليس جميعهم، ولكن أكثرهم، مشتتون بخمول جمهور بليد. تصلب في جلوسه، إنه ليس أمرا طارئا إذاً، إنه أمر دائم، ليس متجددا، وإنما مستمرا. من المسؤول عن هذا؟ لا جدوى في أن تسأل لماذا، ولكن من؟. قام بحذر وخرج عن إطار النافذة ووقف بجانبها، يترقب. سمع همهمات اعتراض. مراهق اقترب من النافذة، التصق بها، فرآه على الجانب، هتف للآخرين “إنه هنا” أقبل البعض بفضول، وبقي الكثيرون بقلة اهتمام. وقفوا يحدقون فيه بينما وقف هو منتصبا بتعبير من الرفض. حروفٌ كثيرة تغتسل في فمه بعشوائية، ماذا يجدر به أن يختار؟ صرخ بحدة مضحكة “اذهبوا” ابتسامات رضى على أوجه المراهقين، يترقبون المزيد. صرخ بوضوح أكثر “اذهبوا” تهدلت ملامحهم إذا توقعوا شيئا آخر فيما يبدو، شيئا جديدا يقود إلى شيء أكثر جِـدّة وهكذا إلخ. هتف صوت فخم من الساحة، يبدو أنه مدرس “ما الذي يقوله؟” فقال طالب عند النافذة “اذهبوا” “إلى أين؟” “لا أعلم” فاعترض المدرس بتذمر “لماذا لا يعود إلى الكرسي حيث يُمكن للجميع رؤيته؟” “لا أعلم” تطلع الواقفون فيه بنظرة تساؤل، اعترض بحركة جسد رافضة شاخصة، ولكنه لم يجد بدا من أن يعبر عنها كلاميا بعد برهة من التحديق المطالِب بأجوبة “لست مجبرا على العودة إلى الكرسي” فقال الطالب بنبرة تأكيد بديهيات واضحة “إنه كرسيك، وإنه عند النافذة”. ظل واقفا باعتراض، تمنى لو أنه لازال يحتفظ بالجريدة لكي يدعي قراءتها، حاول أن يفكر في عمل يجب أن ينجزه هنا ليكون عذرا جيدا، ولكن كل شيء مُـنجز. كل الأشياء تجره إلى أن يعود إلى كرسيه، كما هو معتاد. عاد بخطوات بطيئة ناقمة. تراجع الحشد عند النافذة واختلطوا بالجميع في الساحة. أحدثت العودة فضولا لدى الجميع ما لبث أن خفت، فأعرض الكثيرون وظل البقية يراقبونه. لم يكن يفكر، لا جدوى – كما أثبتت الحالة له مرة أخرى – من التفكير. بعد نهاية الفسحة، خَلَت الساحة، ولكنه لم يلتفت، رفض أن يلتفت. عاد إلى أعماله كما كان مخططا، وهي أعمال ادعائية كان قد فرضها ليثبت أن لديه عملا. قبل الظهيرة دخل المكتبة أحد، وهو ما لا يحدث أبدا، لم يزر المكتبة أحد من قبل. وقف أمام طاولته، وأخذ يحملق فيه بترقب فارغ، على هيئته مظهر شخص لاشيء أفضل عنده ليفعله. ولأن س.ن فهم أنه ليس هنا من أجل الكتب، أو غرض عملي آخر، فلم يقل شيئا، وظل جالسا على طاولته يستقبل نظرات الآخر، الذي بعد مدة من الزمن سأله بتعطش “ألا تفعل شيئا مثيرا للاهتمام؟ أي شيء، إنني لست صعب الإرضاء” أطرق س.ن لحظة وهو يشعر بشيء من النعاس “لا”. استدار الرجل مدمدما “يا له من وقت مضاع”.

عاد إلى البيت وهو محط مراقبة حثيثة. فكر في اقتناء جريدة أو كتاب ليتصنع لاكتراثا مقنعا، ولكن ما الفائدة؟ إن ما يحدث يحدث ولا سبيل للادعاء والتمثيل.

في شقته المتموضعة في الدور الأرضي، شعر أخيرا أنه أكثر ارتياحا، إنه هنا على الأقل يستطيع السيطرة على الموقف، رفضُه من الممكن أن يكتسب صيغةَ عمليةٍ حاسمة. ولذا حينما وقف عند النافذة المقابلة لمحطة انتظار الباص، ورأى أن الحشد الواقف هناك على الطرف الآخر يراقبه، قرر بتردد إغلاق الستارة. وقف لحظة يستوعب لذة غلق المنافذ، حيث لاشيء يمكن أن يلج هنا، استنشق ارتياحا ناعما، واتجه إلى المطبخ لتجهيز غدائه. سمع صوت طرقات على النافذة. لم يفهم، لا أحد من قبل ضرب نافذته، الجميع يأتي من الباب، رغم أن أحدا لم يأتي منذ مدة طويلة من الباب. فكر أنه لابد أمر طارئ، أو أن له – وهذا سبب له انقباضا – علاقة بالحشد. اتجه ببطء ناقم، أشرع الستارة فظهر رجل يقف بنظرة باسمة، قال متمتما بخجل “المعذرة، ولكننا لا نستطيع المشاهدة” أحس س.ن أنه في موضع مساءلة منطقية، فهم فعلا لايستطيعون المشاهدة، وهو مسؤول عن هذه اللاقدرة على المشاهدة، مطالبٌ بتقديم إجابة دقيقة تبرر وجهة نظره “ولكن لا حاجة لكم بالمشاهدة” قال بشيء من التوتر الصبياني. “هيا” قال الرجل بنبرة لوم مهان “لا تكن أنانيا هكذا. يقتلنا الملل في هذا الانتظار” أطرق س.ن متلعثما بانهزام، لقد كُشفت خدعته، لا جدوى من العناد. وحينما أدرك الرجل نجاعة تدخله تراجع وهو يتمتم “شكرا لك” تابعه يعود مسرعا الى المجموعة المنتظرة على حافة الطريق، ويقف ليشكل صف الأعين التي تتابعه. نكس رأسه، فكر أن يغلق الستارة وليموتوا، ما شأنه، ولكنه أدرك أنه لا يستطيع، إنه واجهةٌ ما يجب استقبال ما تنتجه. من وضعه في هذا الوضع؟ لم يعلم. ترك الستارة واتجه الى المطبخ. أمسك طبق بيض وعلبة تونة مخايرا بينهما. أحس بهمهماتهم، راقبهم بزاوية عينه، يتجادلون، فيما يبدو، حول ما يجب أن يختاره. تردد أكثر. فكر أن من الأصعب الاختيار وأنت مراقَب، ولكنه يجعلك أيضا تفكر في المسألة بشكل يهيء لك اختيارا أفضل، أو أن هذا ما ستظنه إذ تخطئ في إضفاء أهمية على التفكير وتتقبل نتائجه بثقة خطيرة. أحس بصداع، اختار علبة التونة بتردد وراقب بزاوية عينه. هز جمعٌ منهم رؤوسهم عاموديا في رضى، وهز الآخرون رؤوسهم أفقيا في اعتراض. زفر بنقمة وهو يفك العلبة. تشتت حينها الحشد بعد وصول الباص. فكر مجبِـرا نفسه على الرجاء أن كل شيء سيعود إلى طبيعته الآن، ولكنه علم أن ذلك لن يحدث. أقبل حشد جديد ينتظر الباص الجديد، وواصلوا مراقبته. فكر أن يجلس في كرسيه المفضل في الزاوية، ولكنهم حينها لن يتمكنوا من رؤيته. أي لعنة هذه، دمدم بغضب. حملق فيهم، يتطلعون فيه بترقب. بدأ شعور بمسؤولية ما يسيطر على س.ن بغموض. نقل على مضض كرسيه من مكانه المفضل إلى الواجهة وأخذ يأكل. بين كل فينة وأخرى يلتفت بزاوية عينه مدعيا اللاكتراث نفسه ليراقب ما الذي يحدث. كان ثمة أشخاص يتوقفون في الشارع أحيانا، ينضمون إلى حشد محطة الباص الشغّال نهارا وليلا، يراقبونه.

حل المساء، وهو أكثر صعوبة. لم يعتد كثيرا على الخروج في الأمسيات، إنها تحتاج مزيدا من الحضور الذهني الاستعراضي كما كان يزعم، حيث أن الليل وقتُ الفرد المخصص لأن يعيد تقديم نفسه كشخص، بينما النهار يخلط الفردَ في جملة الحشود الحراكية نحو عمل أو شغل أو إنجاز، ولأنه يكره الظهور كفرد مُبرَز فلم يكن يحب الظهور. ولكن ما الفائدة، فكر اليوم، من الهرب من البروز الذي لحقه إلى بيته؟ التفت حينها بشكل كامل إلى النافذة، لم يعد يلتفت فقط بطرف عينه، فرأى الحشود المشتتة كما هي، تتبدل وتتشكل لتمارس تحديقة شبيهة لا تتغير تحمل قدرا من الملل المنهك. شعر أنه مطالب بفعل ما، هل يصحّ أن يجلس هكذا دائما بجمود مرتخ؟ هل هو مطالب بالقيام بحركة أو نشاط أو تبديل من نوع ما؟ دمدم على مضض، وقف بحيرة وتردد. الحشد ينتبه أكثر، يترقب حدوثا من نوع ما. تطلع في أرجاء شقته، لاشيء جدير بأن يُستخدم لفعل ما. أخذ مزهرية على طاولة التلفاز، نقلها إلى طاولة القهوة الصغيرة. تفاعل بعضٌ من الحشد بصورة رتيبة، وأبدى الأكثر خيبة أمل واضحة. رفع ذراعيه محتجا “ماذا؟ لاشيء أكثر حدة من هذا يُمكن أن يحدث” عاد للجلوس مقررا ألا يُجبَـر على اتخاذ خطوة أكثر قوة.

كان قد اضطر طوال اليوم أن يجلس في ملابس تليق بالخارج عوضا عن الارتياح في قميصه البيتي، إذ لم يكن لائقا مع كل هذه الأعين الغريبة أن يأخذ راحته. حينما أراد النوم كان مقتنعا أن هذه المراقبة سيتم تعليقها، تعرى عدا سروال صغير كما كان يفعل، وأسدل الستائر إذ لم يكن قادرا على النوم في حضور أي لطخة ضوء صغيرة. ولكنه سمع طرقا مشابها لما قبله على النافذة. غطى جسده بكامله وتقوقع داخل اللحاف، مقررا ألا يرضخ. اختفى القرع، ولكنه ظل يتقلب في سريره، لم يتمكن النوم، ثمة قلق غريب من أنه يفوّت القيام بشيء مهم، شيء لا يُمكن تجاوزه. قام بانكسار كئيب، لبس قميصا يخبئه للمناسبات، وأشرع الستارة ليرى مجموعة متفرقة من المارة والواقفين في وقت متأخر من الليل يرمقون نافذته. لم ينم جيدا، فكر أنه من الصعب النوم في ظل مراقبة حثيثة كهذه، حيث أن النوم حسب رأيه حالة انفصال لاواع، لا يمكن ان يتحقق بكل هذا الحضور المكثف للوعي. ولكنه نام بصعوبة، وفي الصباح خاض يوما مكررا لما قبله، وظل يخوض أياما مكررة طوال الأسبوع.

في اجتماع آخر الشهر مع مديره، رئيس المكتبات الصغيرة في المنطقة، كان الأخير قد لاحظ الحشد الصغير المشتت بخمول عند النافذة خلف مكتبه، ولاحظ امتعاض س.ن المربِـك في عدم وضوحه، إذ اكتسب مع مرور الوقت تعبيرا أوتوماتيكيا غير مقنع، ولكنه كان كافيا لإقناع المدير – غير المطلع بما يكفي ليفهم أنه امتعاض أوتوماتيكي – مما جعله يقرر إسدال الستارة. جلس س.ن ينصت لتعليمات المدير حول خطة تطويرية – لن تنفذ، كما يعرف كلاهما، ولكن الواجب يحتم التخطيط لها شهريا – وهو يشعر بانقباض مزعج في أعصابه، مشدودة بحبل قوي، النافذة أمامه بستارة بيضاء شفيفة، حواف الشخوص الواقفة مثل رسوم شبحية تستدرج عرقه. قاطع مديره “أنا آسف، ولكن ماذا عنهم؟” وأشار مشوَّشا للحشد الذي كان يقف عند النافذة. التفت المدير “ولكنك كنت معترضا على وجودهم” “لم أكن معترضا وإنما ممتعض” “إذاً أنت لا ترفض؟” “هل أستطيع أن أرفض؟” “ربما يجب أن تحاول” هز س.ن رأسه ببطء “لا جدوى”. استسلم المدير بحيرة لامبالية، وأشرع الستارة.

في صباح العطلة التالي، ومدفوعا بذلك الحس الغامض بالمسؤولية، الذي يفرض نفسه كحقيقة مع مرور الوقت، قرر س.ن أن يبادر الواقفين مبكرا عند محطة الباص قبالة شقته بتحول ما. فتح النافذة على مصراعيها، وبدأ يقرأ شعرا بصوت مرتبك في الأول، إذ أنه لم يستخدم صوته لغرض غير التواصل الكلامي، أن ترفع نبرة الصوت لغرض آخر غير التواصل – كالخطابة والغناء والبكاء والزعيق – كانت شيئا جديدا بالنسبة له، وهو ما شعر به في فمه المغتسل بالحروف المتدفقة، التي تزداد سرعة وانسيابا. وحينما توقف، ممتلئا بالشعور الفخم لهذا الانمساخ الصوتي، رفع رأسه – الذي كان مطأطأ بتركيز حاد في الكتاب – نحو الحشد الذي بدا راضيا بأكمله، وقابله بتصفيق ملأ الشارع. شعر وكأن جلده يتقشر من نشوة غامضة كادت أن ترعبه، ولكنه رعب جيد كما أحس، حتى أن عينه ترطبت قليلا، ليس تأثرا وإنما مفاجأة، أن يكون شعور كهذا موجود وهو لم يعرفه من قبل.

احتمال 1

أن يستيقظ س.ن من نومه، ببيجامة حريرية مزركشة بخطوط بيضاء، أنيقة وفارهة. النافذة مشرعة تماما. يقابل حشد الصباح المشتت بابتسامة ناعسة، ولكنها راضية ومتمرسة. يختار اليوم كتاب خطابة لعرض الصباح المعتاد عند نافذة الصالة. الشقة منظمة بحدة جذابة، مرتبة بأثاث وديكورات عصرية. يحلق ذقنه بعناية، يلبس ثيابا أنيقة. يسير في الطريق إلى العمل، لا يحمل جريدة وإنما كتاب يتمظهر بقراءته. يقوم بحركات ونكات ولفتات استعراضية للحشد المتبدل الذي يقابله. في المكتبة يبدأ جدولَ نشاطات يغلب عليها طابعُ دعوةٍ للفُرجة: الادعاء بانغماس بحثيّ في الكتب، محاكاة مقاطع من روايات ومسرحيات، استعمال مصطلحات منتقاة في حوارات مخططة بمظهر ارتجالي مع الجمهور. يعود إلى المنزل. يتغدى أمام النافذة، يختار طعامه بعناية ويأكل بأناقة حذرة. يلبس قميصا كتانيا أنيقا يناسب أمسية داخلية وصحبة خارجية. أنشطة أخرى في المنزل تكتسب ذات الطابع الكرنفالي الدعويّ. يلبس أخيرا بيجامته الحريرية المزركشة وينام على سريره المقابل لنافذة غرفة النوم المشرعة بالكامل.

احتمال 2

أن يستيفظ س.ن من نومه، ببيجامة قطنية باهتة اللون. النافذة مشرعة قليلا، يقابل حشد الصباح المشتت بنظرة خمود لامبالية تعبر عن عداء تم استهلاكه. يتجنب عرض الصباح القرائي، ولكنه يؤديه لاحقا بتهاون متراخ. الشقة يغلب عليها هالة رمادية من غبار ورثاثة وعتاقة. يلبس ثيابا عليها مسحة بِـلى وتفسخ لوني باهت. لا يجد غالبا رغبة في أن يحلق، ولكنه يفعل ذلك أخيرا. يسير في الطريق إلى العمل، مطأطئا بخمول مستسلم، يعُـدّ قطع البلاط المتنوع، لا يرفع رأسه أكثر من الحاجة، صوتٌ بين الحين والآخر يباغته “هيا افعل”، يتجنب قدر ما تسمح به الحالة، ولكنه يقوم أخيرا بفعل ما: حركة، التفاتة، كلمة، شيء ضئيل لم يُختر بعناية كافية، ولا يتم تقبله غالبا إلا في نطاق ضيق. يجلس في دورة حمام المكتبة طويلا، يختار مواضع خبيئة، ولكنه يعود دائما بتورط إلى حيث النافذة المطلة على المدرسة والزوار الناعسون في القاعة الصغيرة، حيث يقف بمظهرِ المعترف بذنبٍ يعجز عن تبريره، ويتكلف فعلا ما من شأنه أن يصالح به الموقف، ولكن غالبا بجدوى ضئيلة جدا. يعود إلى المنزل، يأكل الغداء المختار بعشوائية – حساء بائت، خبز وجبن، تفاحة – ماشيا، يستغل لحظات مروره بالظل ليبتلع أكثر. يجلس غالبا دون حراك يستحق لفت الانتباه، يدفعه ثقل الموقف أخيرا إلى المحاولة، ولكن غالبا بجدوى ضئيلة جدا أيضا. يلبس بيجامته القطنية وينام أمام نافذة غرفته المشرعة جزئيا، حيث وضع السرير ليكون وجهه مغطى بظل الستارة، غير أن ضوء الشارع يخدعه أحيانا فيتحول ليظلل قدميه ويضيء وجهه.

Advertisements

2 thoughts on “ملهاة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s