عَشاوَة

 

منذ أيام، أشاهد مقطع فيديو، أغنيةٌ قديمة جدا. في الخلفية، وراء المغني والراقصين في الشارع: شكلٌ وسط الحشد، الكومبارس. إمرأة. لا، فتاة. أجلس طويلا أمام الصورة المثبتة. ضوءُ نهار يرحل، سوادُ ليل ثقيل يحلّ، وأنا لازلت أجلس، أحدق. من هي؟ وجهٌ ضائع، ماضٍ مألوف، صورةُ حدس مفقود، انعكاس رسمة حوافيّة متخيلة؟ صديقةٌ، أختٌ، أمٌّ، غريبةٌ، أنا؟ … الأيام تتحرك، ولكنني لا أحس بها، الضوء والعتمة فقط، متوقفان في تثاقل الصورة المكررة … من هي؟ … رأسي يؤلمني. أهرب إلى الشوارع في الليل، أسير فقط، دون أن أكون هناك، جسدي يتحرك، ولكنني في مكان آخر. هل أنا أسير أصلا؟ يجب ألا أثق كليا في حواسي … سحيقة، قادمة من بُعد غابر. أراها في العتمة المحايدة لعينيّ المغلقتين، ولذا لا أنام، أجلس وأشاهد، أو أغلق عينيّ وأشاهد. تظهر في المقطع لوهلة عابرة فقط، تبتسم، تقف وسط ستة أشخاص. الألوان السيئة حمّرت شفتيها، قامتها منتصبة، ملامحها بهتت في غور البُعد الغبشيّ عن الواجهة، البُعد المرعب لشيء يتربص في خلفية مغشّاة. من هي؟

حصلتُ على اسمها من محقق خاص. “هل هي جدتك أم ماذا؟” لم أرد، حملقت طويلا في الاسم، خفيفٌ جدا، أربعة أحرف فقط. لم يعني شيئا، ولكن الأسماء لا تعني شيئا أبدا. الرجل الذي صوّر الأغنية ميت، المغني ميت، الزمان قديم، قديم جدا لا يمكن استدعاؤه.

تقفّيت آثار حياتها … غموض. إنطوائية. بقايا جامدة … أناسٌ يسألون بحيرة “هل أنت متأكد أنها عاشت هنا من قبل؟” آخرون يقولون بتشوّش “ربما عرفتها، ولكن ذاكرتي غير جديرة بالثقة” .. شخص ما أخبرني أخيرا بشك “لا أعرف عنها سوى أن حفيدا لها يعيش هناك”

اتصلت عليه. رجلٌ وحيد يهيئ لنهاية لم تأتِ بعد. “متسكعٌ بين قطارين” كما يقول. تلاقينا في بيته. غرفةٌ فارعة واسعة، جدرانٌ رمادية، نوافذة كبيرة، فارغةٌ تماما باستثناء أريكة طويلة في المنتصف. المكان مفرغٌ لرحيل مؤجل. زجاج النافذة الشفاف سمح لضوء النهار الشاحب أن يتسلل في هالة مصفرّة. شعرتُ أنني أغرق في شعاع كثيف مطفأ. الغرفة لم تكن حية … “لقد كانت امرأة لطيفة، جدتي” قال وهو يعرض صورة لها على شاطئ، مبتسمة، قميصٌ أحمر، شمس غاربة، بحرٌ هادئ، تعرجات على سطح الصورة العتيقة، قديمة جدا. حدّقتُ طويلا، هالة الغرفة المصفرة تتلاشى إذ أنسلُّ منها لأنغمر في الصورة. “هل عرفتَها يوما؟” صوته الحائر يبدو بعيدا، مكمما في غَور ممدود. أهمسُ منهكا بشيء من الخيبة “لا” … الليل يتسلل متنكرا في الظلال، يُبعثر الأشلاء المتريثة للنهار، يتخثر ببطء، يطلي الهواء برثاثة رطبة، بينما نجلس في صمت ناعس، نُكفَّن تدريجيا بالظلال المسودّة. خطوط ضوء أبيض من الشارع الأخرس تُقلّم سطح الأشياء. حركة طفيفة بجانبي، الشيخ يتكئ بزفرة مكممة. صوتٌ هامس “أعرف أناسا كثر، لدي صور، رسائل، ذكريات” صمت، ثم بشيء من السخرية “جميعها سوف ….” إطراقةٌ لا تُدرَك. مدفونٌ في السواد، أحسستُ وكأنني في قبر، مكانُ الهمسات المتقطعة والذكريات المُنطفئة والسكون الأبدي. هذا الموقف بدا سرمديا، استمراريةُ توقف بلا نهاية قطعية. قلتُ “هل هي لديك؟” سأل “ماذا؟” “تلك الصور والرسائل والذكريات؟” بدا أكثر بُعدا “امممم، أظن، ربما، لستُ متأكدا” وقف وترنح مبتعدا، هيئته بدت مجوّفة الحواف. عاد بمصباح وصندوق. صور، رسائل، ذكريات. جميعهم لديهم صندوق عتيق صغير، مليء بالبقايا. صورٌ لها ولآخرين، مدارس وشوارع وبيوت وشواطئ وصحاري، أوجه، رتل هائل من الأوجه. رسائلُ حب وإرشادات ووداعات وتواصل وحنين … كله بدا مألوفا … من هؤلاء؟ … أو لأكون أكثر دقة: من أنا؟ … أعطاني الصندوق “إحتفظ به. لا حاجة لأشياء ميتة” احتفظتُ به، وأضفت إليه شريط الأغنية القديمة. عندما يسألني أحد عنه، وهو ما لا يحدث أبدا، إذ أنني لم أعد أعرف أحدا، أقول “هؤلاء هم عائلتي” … لكل صورة ورسالة، هنالك قصة. الناس يصدقونها … أنا أصدقها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s