بلادة الكارثة

في عمق الصحراء بعيدا عن حمص صادفنا سيارة عالقة في طين متحجر، فيها جثث بدأت تتفسخ. هناك شيء قاتم وغير مريح في تلك الصورة. الطفلان في المرتبة الخلفية مستلقيان وكأنهما نائمان بجلد شاحب وشفاه متشققة وبطن منتفخ. بجانبهما علبة أقراص، وكانت فارغة. في المرتبة الأمامية الرجل الممسك بالمسدس والمرأة في كرسي الراكب وعلى رأسيهما ثقبا رصاصتين ومجرى دم متيبس على وجهيهما. الأبواب من الخارج عليها خدوشٌ طويلة وعميقة، ربما آثار مخالب ذئاب. لاحظت بعد أن اقتربت قليلا فردة حذاء كبيرة نوعا ما في المرتبة الخلفية، لابد أنها تعود لمراهق ربما، ليس هنا، فتاة أو ولد، لا أعلم، وفي الأسفل بقعة قيء متعفن. وقفتُ مع الجنود الثلاثة. الظهيرة الغائمة جعلت الألوان باهتة. كل شيء شاحب، ولكنه ساطع أيضا، عارف؟ المكان لا حياة فيه. هذه الجثث قد جعلت المكان المحيط بهم مثلهم، ميت. أحدهم كسر الصمت الناعس بملاحظة لامبالية “تشبه اللي كانت في الفوازير، شو اسمها؟”. وبعد أقل من نصف ساعة، كانت هناك أربعة قبور بجانب السيارة. لقد كنا بارعين جدا في حَفر القبور.

————

لم تستوعب اسمه جيدا في أول الأمر. تجلس على سرير فندق الماريوت أمام التلفاز، في سياتل، بعد عودتها من مؤتمر طبي. تشتاق إلى نيويورك، إلى الجفاف، إلى الشمس. “الفيديو الذي تم نشره يُظهر عملية قطع رأس الصحفي”. الاسم يرِد مرة أخرى، ترفع عينيها عن الجوال، تحدق في الفراغ بنظرة متفحصة، وتتذكر الاسم جيدا الآن. إنه صديقها الحميم، أثناء دراستها في جامعة كورنيل، قبل عشرين سنة. صورةٌ من المقطع تؤكد ملامحه، وإن كانت أكثر نضجا وتصحرا الآن، يجثو حليق الرأس، يلبس قميصا وسروالا برتقاليا، برأس محلوق في صحراء مقفرة، أمام رجل ملثم يمسك سكينا. لم تره منذ عشرين سنة تقريبا، لم تفكر فيه في أي منها. الخبر اتجه إلى حفلة رقص في السفارة الفرنسية سيحضره هولاند، ولكنها ظلت جامدة عدة لحظات، تحدق في الشاشة بفتور لا وعي فيه. تنتبه ببطء، تفتح اللابتوب، وتبحث عن الخبر. إنه هو، إنها متأكدة الآن. مقطع الفيديو متوفر، أمامها، كل ما يتطلبه الأمر ضغطة زر فقط. تحدق فيه بوجوم وتورط. تُـبعد اللابتوب، تخرج من الغرفة. في رأسها فراغ حاد ينبض بألم. الأشياء سريعة، أسرع من أن يتم استيعابها مباشرة، ومن بطنها يرتفع غثيان ثقيل. تسير على امتداد المحيط، عند رصيف ميناء 62 على طريق ألاسكن. الزرقة الباهتة اللامتناهية تهدّئها. غيم كثيف، لا أثر للشمس. ستمطر حتما، إنها تمطر دائما في هذا الجحيم الرطب. فكرت في أن تهرب، ولكن لماذا؟ إنها لا تعرفه حقا، إنها لم تعرفه منذ زمن طويل. وأيضا أين ستهرب؟ لا جدوى، كل الطرق ستؤدي إلى هناك. عادت إلى الشقة، فتحت اللابتوب، وضغطت زر تشغيل المقطع. إنها قادرة على تحمل الدم، تكرر ذلك، إنه جزء من وظيفتها. ولكنها ترتعد الآن. عدة لحظات، التهديدات التي تشملها، طعم الرمل في فمها، حرارة الشمس فوق رأسها. ثم السكين، النحر. الدم، الانفصال، الرأس، اللحم، العروق. بحركة بطيئة، يكاد يكون مخططا لها بلاانفعالية: غطت فمها بيدها، ودون صوت، ودون حركة، امتلأت عيناها بالدموع، وتدفقت بهدوء مقنن. مرت دقيقة وهي على هذه الحالة. رفعت يدها عن فمها، وهي ترتعش قليلا. الماء توقف في عينيها، ولكنه يغبش رؤيتها، لم تمسحه، اتكأت على كرسيها، ولم تتحرك لأكثر من نصف ساعة، دون فكرة واحدة واضحة، تحس في كل لحظة منها أنه سيغمى عليها. في جلدها انقباض غريب، وكأن كل لمسة كان قد لمسها ذلك الرجل مقطوع الرأس الآن عادت إلى السطح، تتكهرب وترتعش.

ما حدث بعد ذلك كان ضبابيا، ذو طبيعة بانتوميمية. المطار، الطائرة، الأوجه، الإيماءات. نيويورك من الأعلى، تمثال الحرية، نهر الهَـدسُن، الميناء، شاطئ منهاتن، إمباير ستايت، برج الحرية في جراند زيرو، سنترل بارك. صور جامدة، مثل رسومات، تلوح في الأسفل بجمود يثير النعاس. لم تنطق بكلمة منذ مدة طويلة الآن، في فمها رائحة كريهة. الأماكن تبدو عَـرَضية وهي تسير خلالها، تنسحب إلى محيط هامشي من حولها، فكأنها تسير في دائرة كبيرة مفرغة. إلى الآن لا أفكار واضحة، عدا واحدة ربما، وهي أنها ليست معتادة على تجارب غريبة كهذه، أغلب ما يدور في رأسها صور وأحاسيس، متداخلة ومبهمة. شقتها الجديدة في الدور التاسع، في ميدتاون مانهاتن. النافذتان المشرعتان تملآن المكان بضوء نثاري في الهواء مثل النشارة. حملقت في المكان الواسع اللامؤثث عدا ثلاث أريكات وكأنها لم تكن هنا منذ سنوات. أطلقت حقيبتها وارتمت على الأريكة وغرقت في هذا النثار النهاري، حتى نامت. رأت حلما خارج السياق، لا علاقة له بالموقف، مستفزٌّ في استقلاله اللامبالي. ملعب كرة قدم في مكان ما، وبالونات، وجماهير، وهتاف، ونشوة انتصار. كان حلما سعيدا في الحقيقة، وهو ما أغضبها.

لم تذهب إلى الحانة التي اعتادت الذهاب إليها أحيانا، ويحضر لها بعض أصدقائها، على شارع برادوي عند تايم سكوير. سارت إلى حانة أبعد على نفس الطريق صادفتها وهي تمشي. لا أوجه مألوفة هذه الليلة. شربت كثيرا، ولكنها لم تسكر، إنها لا تسكر أبدا. تجلس متكومة عند طاولة في الزاوية، مظهرها المحدودب فوق كأسها لا يغري أحدا بالاقتراب منها. في أصوات شاردة، اثنان تحديدا، يأتي ذكر الصحفي الذي قُـطع رأسه. تحاول ألا تنصت، ولكن الصوت متطفل حسي، يفرض نفسه. كان له فك عريض، كانت تحب أن تلمسه، العظم الناتئ يوحي لها برجولة، بنوع من الفتوة والجدية. تحاول أن تهمل كيف كان وغدا، كيف ترك الجامعة، كيف عامل الجميع بوقاحة ولامبالاة. لا عواطف أيضا هذه الليلة، انطباعات حسية فقط. فكه، صدره العريض، قوامه النحيل، أنفه البارز، شعره الخشن. شعره الخشن المحلوق في البدلة البرتقالية. فكه الذي يلمع بعرقه في الشمس، قوامه النحيل الراكع على الرمل. يتكون أزيز في أذنها يعزلها تماما، يتجمع في عينها ماء حار لا يسقط، تحتقن في أنفها روائح كثيرة. رائحة تراب، بَخَر فم منتن، عرق. عرق. عرقه، عرقها، الرطوبة الحارة في وجهها، الماء المالح الذي يتجمع فوق شفتها وتحت جفنها ويتكهرب ويتنمل في فروة رأسها. قامت، سارت بسرعة. جلدها سينفصل عن لحمها في أي لحظة، إنها متأكدة من ذلك. خرجت من الباب الخلفي للحانة. استقبلها الهواء، ثقيل ومتخثر وميت. السكون يجثو في ذلك الزقاق غليظا دون خدش. كل صوت تشابك فجأة في صفير حاد، الهواء امتلأ بكهرباء مخدّرة. استمر هذا دقيقة حتى كادت أن تسقط في إغماءة. ثم تدريجيا، وفي دوخة واهنة؛ كل شيء خمد. خلفية المشهد تضبّبت، الأصوات والصور والحركة. أحسّت أنها في مكان ذو طبيعة قطبية يشبه حواف الورق القديم، حيث يبهت اللون وتختفي ملامح الأشياء، وأن العرق يتقشر على جلدها ببرودة ثلجية، وأنها ستختفي وراء طبقة من الجليد. تنفست بعمق، واستسلمت للبرودة المخدرة، تقف هادئة أكثر في مكانها لعدة دقائق … لمحته بعد حين، حينما هدأت تماما، هناك في الزقاق، عند الجدار، أمامها تقريبا. بدا مختلفا، ليس بسبب أثر الجرح الكبير في رقبته، ولكن شيء آخر، شيء مختلف فيه. ابتسم بارتباك، فابتسمت ذاهلة. لاشيء محدد ليُقال، أو هكذا أحست. مشى، وقف ينتظرها، ففهمت، وانضمت إليه. سارا الهوينى، يتسكعان بصمت، شاذان على امتداد ضجيج برادوي. تختلس بين لحظة وأخرى نظرة نحوه، جلده لم يعد ناعما كما كان، لقد اخشوشن أكثر. ولكن فكه لازال عريضا وناتئا. يسيران بصمت، وأضواء برادوي الاحتفالية في الليل تومض كريستالية. في الحانة التي اعتادت الذهاب إليها، كل شيء يكتسب الآن طبيعة مكممة. همهمةٌ لامفهومة تصدر من زوجين بجانبهما. شاب يُنشد مقطعا من قصيدة في آخر المكان. فرقعة كؤوس وصحون والتهام وشرب. لطخةُ ضوء فوقهما. إنها حاضرة الآن تماما، تحدق بإصرار في عينيه، بينما يتلفّت هو، بارتباكِ من لا يحب أن يبدو محل مراقبة. ولكنها لا تحيد، تحدق بإصرار في عينيه. هنالك لمعان أماكن سحيقة في عينيه، صورٌ مخيفة وجميلة. هكذا تتخيل، ثم تسخر من نفسها، فلا شيء في العين إلا العين نفسها، كما أن ليس في الشمس إلا الشمس نفسها. كل شيء هو هو، وليس مجموعة استعاراته. أحست بشيء من الحزن على ذلك، كل شيء أحادي لا يعني سوى حسيته الجامدة. قالت بجمود “لم أكن أتوقع أنك ستكون مراسل حرب”.

ابتسم بتواضع مفتعل، سعيد تقريبا بانتهاء الصمت الطويل “لقد كنت مراسل حرب منذ منتصف التسعينات”.

“أين؟”

“كنت في كوسوفا. في الشيشان. في العراق. في دارفور”.

رفعت حاجبيها بحركةِ مفاجأة مصطنعة، تكاد تكون ساخرة “في كل مكان إذاً”.

فضحك وهمس بتمتمة اتفاقية.

“هل تذكر بشاعات كثيرة؟”.

بدا وكأن السؤال فاجأه. تململ في جلوسه ثم قال بحيرة “طبعا. هذا ما تفرضه الوظيفة”

“جثث؟”

رفع كتفيه ببدهية “طبعا”

“عمليات قتل؟”

ابتسم بطريقة مسايرة ولكن حذرة “أحيانا”.

“كيف كانت؟”.

“لم أفهم”.

قالت بإصرارٍ يكاد يبدو عدائيا “أن ترى أحدا يُقتل؟”.

ضحك بارتباك. طأطأ رأسه. رطب شفتيه، متورطا تقريبا. حدق في الطاولة، في نقطة ما هامشية، بابتسامة هادئة، وظل يحدق. لم ترفع نظرتها عنه، وقد أحس بذلك. ولكنه لم يقل شيئا. هنالك لزوجة دبقة في المكان، احتقان حرارة غامضة. قال أخيرا دون أن يرفع رأسه عن النقطة “طيب. لقد كان مختلفا”.

“كيف؟”.

هز كتفيه مبتسما “إنه مختلف وحسب”. رفع رأسه، تلفّت في المكان ببطء، وكأنه يلاحظ كل شيء لأول مرة. كانت لازالت تحدق فيه بترصد. لا مفر منها. حدق فيها، طويلا، بدا وكأنه يحاول أن يقرأ شيئا في وجهها، شيئا موحيا، شيئا ربما يقول أنك تستطيع أن تقول ما لديك بأمان، ولكن لسبب ما لا يجده. نبضة احمرار تكونت في خده، التفافة ابتسامة طفيفة في ركن فمه، تهدَّل شعر رمشه باسترخاء متأمل. أكمل بنبرة أكثر تحديدا “إن القتل يصير شيئا اعتياديا، بل ممل. ليس أن تقتل، ولكن كيف تقتل”. صمَتَ لحظة، وكأنه يراقب أثر ما قال. لم يحدث شيء نشاز، بل هنالك شعور غامض بالتواطؤ. تقدم في جلسته، إتكأ على الطاولة، وكأنه يخبر سرا، قال بتورط أكثر “مثلا، يخبرون أحد الأسرى: إذا أكلت هذا الزجاج كاملا سنطلق سراحك. يرفض، فيقولون له أنت ميت ميت، حاول على الأقل، ربما تأكله وتنجو. فيأكله” كان قد بدأ يبتسم ذاهلا بشرود. سألته بعد لحظة من الصمت “ثم ماذا؟” انتبه باستغراب، وأكمل وكأنه ليس في حاجة لفعل ذلك “ويموت طبعا” ضحك بخفة “ماذا كنت تتوقعين يعني؟” في عينيه لمعان استذكار قديم. أكمل بنفس درجة الشرود “يضعون أمامك مثلا جالون بنزين، ثم يقولون لك اشربه، إذا أكملته سنطلق سراحك، يرفض فيسايرونه بنفس السيناريو السابق، يشربه، كاملا، يقولون له خلاص أنت حر، أهرب. يركض غير مصدق، ولكن لأنه يائس فيُجبر نفسه على أن يصدق، ويركض بعنف. يخرجون ليراقبونه، يتركون له مساحة ليبتعد. يصعد أحدهم على السور، ثم يقنصه برصاصه، فيشتعل، مثل لطخة ضوء صغيرة”. يبتسم شاردا. “وأحيانا أصلا يحترق قبل أن يطلقوا عليه الرصاص، لأن ارتفاع درجة حرارته وهو يركض تعمل كيميائيا كشرارة او شيء كهذا. لست متأكدا من هذه المعلومة، لقد أخبرني بها جندي”. لحظةُ صمت طويلة. أصوات الحانة تنكتم أكثر، يزدادون عزلة في فقاعة الضوء فوقهما. تحدق هي فيه، ويحدق هو في الفراغ، بشرود عميق. إنه لم يعد موجودا هنا. يقول “أحيانا، يحفرون حفرة هائلة، يدفنون فيها الجميع، رجال ونساء وأطفال ومسنون. ويضعون متفجرات سي فور مثلا، ثم يبتعدون، ويفجرونها، فترى الأجساد تتناثر من الأرض (وصنع حركة خاملة بيديه) بشكل غريب جدا، وكأنه مطر معكوس”. لحظة صمت طويلة أخرى. حاجباه منعقدان بحيرة. إنه في مكان بعيد، ربما اندثر ولم يعد موجودا. بدا وكأنه انتبه، توسعت عيناه وانشدّت ملامح وجهه. قال بنبرة تبريرية “أنا طبعا لم أشهد هذه الأشياء، ولكنني” وظهر على وجهه تعبير متجهم “ولكنني أعرفها جيدا”.

كانت لاتزال تراقبه، تحفر بنظراتها في وجهه. ملامحها محايدة، مطفأة. تبحث عن شيء ما، ولكن لاشيء. تقدمت في جلستها قليلا، توسّع وجهه في زاوية رؤيتها، وجهه المسرحي الحاد. قالت بما يشبه الإنهاك “سأسألك سؤالا، وأريدك أن تجيبني بصراحة”.

انتبَه. رد بشك “طيب”.

لمحةُ حيرة متورطة غطت ملامحها. رطبت شفتيها بلسانها وابتسمت ببطء، ابتسامة لافهمٍ مستفَز وعاجز “هل تحب هذه الأشياء؟” حرّك رأسه حركة تدل على أنه لم يفهم، فأعادت السؤال بإصرار حاد. قال بنبرة دفاعية “لا!”.

كانت تضحك تقريبا الآن “إذن لماذا كنت في كل هذه الأمكنة؟”.

 “لأنني صحفي. هذه حرفتي”.

 “كلام فاضي. سخافة. لديهم صحفيون، ليسوا في حاجة لك” يحدقان في بعضهما بترقب. كل شيء بطيء، حاد وجاف. تضاءلت ملامح سخريتها تدريجيا، واستحلها تجهم كئيب. فكه العريض، صدره، شفتاه، أسنانه. إنه هنا، وليس هنا. يا للخسارة! أكملت “أنت هناك لأسبابك الخاصة، ربما لمجدك الخاص، ربما لذنبك الخاص، ربما لتعاطفك الخاص. الخاص. إذن أخبرني، لماذا يجب أن أحزن عليك؟!”

فرد بإصرار “لا يجب”.

“ولكنني أفعل. أنا حزينة جدا. أنا حزينة لدرجة الألم الجسدي!”.

وجومٌ منهك قاتم. تصدر منه حركة خجل ما، يطأطئ رأسه، يلتفت، يتطلع فيها، يلتفت، يرطب شفتيه بلسانه، يحدق في النقطة الهامشية على الطاولة. أطراف فمه تتحرك، يريد قول شيء ما، ولكنه لا يفعل. لاشيء ليقال. ويطول الصمت، يطول أكثر مما يفترض، أو يجب، ويفرض حضوره كخاتمة، ويشربان تحت الضوء، ويزجيان الوقت إلى نهاية صامتة معلنة، وتحضر. يقومان، يخرجان من الحانة. تحدق فيه، تحديقة أخيرة، تنتظر ذلك الشي الذي يرتعش في أطراف فمه أن يُقال، ويتحرك هو بارتباكِ من يعجز عن أداء شيء يجب أداؤه. ويفترقان.

————–

يتسلق الجبل المنخفض، منحَـدرٌ مغطى بحجارة بركانية. البندقية التي أعطوه إياها معلقة على ظهره، الحربة المسنونة متدلية على خصره. الظهيرة، الحرارة، العرق. وصل أخيرا إلى القمة، تربّع، وأطلق عينيه. المساحة الترابية اللامحدودة، تنطلق شاسعة من كل الاتجاهات. شمس الظهيرة قوية، ترسم في عينيه بقعا حمراء. لاشيء في الفراغ حتى الآن، الصخور المحايدة، الرثاثة، الصمت. الوقت بطيء، بطيء جدا. من الجهة اليمنى، هناك نقطة تتلوّن فجأة، تكبر، تقترب، تتكاثر، ثم تتضح. وجه، جسد. ثم أوجه، أجساد. خطٌّ طولي، عشوائي، مكركب. يتقدم الركبَ رجل، لا ملامح واضحة، بجانبه امرأة، مراهق، طفلان، ثم رجل وامرأة وطفل، ثم رجال ونساء وأطفال. صفٌّ متشابك، متداخل. ليس واضحا من مع من، من يتبع من، فقط أشكال، هيئات، وأحمال. رجلٌ مسن تقريبا، امرأة مسنة تقريبا، فتاة، مراهقان، الرجل يحمل حزمة لحافية، المرأة تحمل حقيبة صغيرة، المراهقان والفتاة يحملون ثلاث حقائب. بعيدون جدا، قوالب حوافية، بلا ملامح. الشمس تصهر كل شيء. الحركات والقسمات والإيماءات، كل شيء يبدو رطبا بلزوجة السراب، عليه قشرة مائية. امرأةٌ وطفلان، لا رجل بينهم، الأم تحمل حقيبتين كبيرتين، وتُعلّق على رقبة الطفلين أغراضا أخرى، ثلاث مطّارات، لحاف مكوم، شنطتان صغيرتان. الطفلان مكوَّران بالأحمال. وراءهما امرأة ورجل وفتاتان وخمسة أطفال، ليس واضحا إن كانوا جميعا مع بعضهم، يتداخلون بقلة وضوح مع الحشد. الحشد الطوليُّ الذي يواصل الزحف ببطء وخمول، امتداده يختفي في امتداد البصر نحو البلدة البعيدة، حيث يصعد دخان وتلوح بنايات مهشمة وتفوح رائحة ترمد. ملامحهم مضببة في البعد، ولكن كالحة، مستنزفة. يتشابهون، ولكن يختلفون أيضا. يحدق فيهم بقلة وضوح، يراقبهم. العرق ينطبع ويتقشر على جلده، تحت جفنيه وفوق جلد شاربه الذي لم ينبت بعد. الحرارة، الظهيرة، الصور. الخط اللانهائي من الصور. رجلٌ مسن، يسير وحيدا في الخط، ليس متورطا مع أحد، يحمل حقيبة، يُغلق ياقة قميصه الأبيض بهندمة رثة، يمشي صالبا بحدبة طفيفة في قوامه النحيل، مُسمِّرا نظراته في بقعة الأرض أمامه، وحيدٌ لا يلتفت، لا ينتبه لأحد، ولا ينتبه أحدٌ له. مجموعة مكونة من عجوز وامرأتان وثلاثة أطفال لا يتجاوزون الرابعة من العمر، يصّعدون في الطريق الوعر، الأطفال يضربون أرجلهم الصغيرة على الأرض بقوة، يرفعون الأخرى، يضربونها إلى الأمام، أعينهم معلقة تماما في عملية المشي، بيجاماتهم البيضاء المقلمة بالرسوم تلمع، شعورهم المرمّدة منسدلة تحجب أوجههم. الخطّ الجسديّ اللامنقطع منوّم بتكراره وتشابهه وملله. يشعر بالنعاس، ولكنه لا يغلق عينيه، لا ينام، إنه فقط يحدق، والصور والأشكال تنهمر تحت الظهيرة. عجوزٌ مع امرأتين ومراهق وطفلين، تتوقف فجأة، تجلس، تفك حجابها المدور، شعرها رمادي مدكوك، يحاولون مساعدتها ولكنها ترد بإيماءات رفض، يقفون حولها بتورط، بينما هي تجلس، مطئطئة الرأس، تتنفس، تنفخ الريح فراغات ثوبها، ولا تتحرك، ويبدو أنها تبكي وتنوح وهي تعصب رأسها بيديها. حزنٌ قديمٌ ومتبلد، يشعر به الآن، يخرج من أماكن يُفترض أنها انقرضت في داخله. وأخيرا رآهم، يتجاوزون العجوز. رجل مسن في الثمانين، امرأة في منتصف الأربعينات، ولد في الثانية عشر، فتاة في السابعة. متكومين بجانب بعضهم. المرأة تحمل حقيبة كبيرة وحزمة فوق ظهرها، تترنح. المسن يحمل حقيبة أيضا، ويترنح أيضا. الطفلان يتململان، الولد يركل الحجر أحيانا، يحادث طفلا آخر أمامه، ولكن بانقطاع ملول. الفتاة تلتصق متشكية بالمرأة، ربما تريد أن تُحمل، تدفعها المرأة، تصيح الفتاة، تضربها المرأة، تصيح أكثر، يأخذها المسن بيده الفارغة، يحاول أن يهدّئها ويحادثها، الفتاة تتمنع أولا بعناد، ولكن المسن ينجح في احتواء اهتمامها، ويغرقان في حديث ما، يشترك معهما الطفل، ويتحمسان أكثر، يتكومان حول المسن، وتنفصل المرأة نوعا ما، منشغلة بعملية الحمل، وتبدو لبرهة ما أنها تسير لوحدها، تحمل الحقيبة والحزمة، وتوشك على التهاوي في أي لحظة .. يحدّق. وجهُه حياديٌّ تقريبا، عدا رطوبة تلمع تحت حاجبيه. يلاحقهم بنظراته، يقرأ كل حركة، كل التفاتة، ويحاول ألا يتنبأ من خلالها، ولكنه يفشل. ويواصلون السير، ويبدؤون بالتضاؤل، الانكماش، التداخل في الحشد. ثم يختفون تقريبا، ويعجز عن انتزاعهم من نُـقَط الرؤوس المتشابكة، ويخبره شيء ما في نفسه أن يذهب إلى الجبل المجانب، أن يلحق بهم ليستمر قليلا في مراقبتهم، فقط قليلا، ولكن هذا الشيء يُكبح، ويختفي. ينزل من الجبل من الجهة الخلفية، ويمشي متسكعا ببطء بين حطام البلدة، حيث تستقر الأشياء التي صنعت طفولته وشطرا من مراهقته المعلّقة وقد علاها السواد والتهشم، يسير متسكعا إلى حيث تجري الاشتباكات وتُسمع طلقات النار مكممة في البُـعْد.

————–

“كنت في قرية بجانب سرقسطة قبل عدة قرون، لا أذكر كم. كنت مع مرتزقة تابعين لمحاكم التفتيش، اقتحموا قرية يهودية في عيد الفصح. لم يكن ثمة محاكمات أو تحقيقات أو استجواب، هذا كله لا معنى له. أنزلنا الخمور، وبدأنا الإعداد للاحتفال. كنت الذي اقترح أن يتم صلب أفراد كل عائلة على جدران بيوتهم. لنقل محاكاة ساخرة لصلب المسيح. لقد عرفت المسيح الحقيقي على فكرة. مع نهاية النهار، كان كل بيت قد صُلب سكانُه على جدرانه بالمسامير المغروسة في راحة اليد، على خطٍّ متوازٍ من الأجساد العارية، الرجال والنساء والأطفال والمسنون، الجميع. في لحظة الانتهاء من الإعداد، كانت هناك أوركسترا مزعجة من الصراخ، تملأ القرية، متناغمة مع جدارية لانهائية من الزخارف الجسدية المتعرجة التي تزين المنازل. كان مشهدا هائلا. ثم بدأنا الاحتفال. شربنا. أكلنا لحم الضأن. الصرخات تضاءلت، الرجاءات خفتت. مات بعض المسنين والمرضى والأطفال. سكرنا حتى منتصف الليل. وحينها بدأت الأفكار الجيدة بالظهور. مثلا، كان يزعجنا رؤية أعضاء الرجال التناسلية المختونة، بدا هذا عملا، دعني أقول “فوقيا”، ولذا قررنا أن نختنهم من جديد، بأن نقطع الأعضاء التناسلية كاملة. والآن، ماذا تفعل بمئات من الأعضاء التناسلية؟ لا يجب رميها، هذا لا يصح، كل شيء يجب أن يكون له غرضٌ في المشهد، مثل لعبة الـjigsaw. هنا سمحنا للأفراد بحرية الابتكار، ويجب القول أن أغلب ما قاموا به كان مبالغة سوقية أخجل من قولها. غلبنا السكر إلى النوم، وحينما أفقنا كان أكثر الرجال المختونين قد ماتوا، ولذا قمنا بإحراق القرية، وراقبنا لعدة لحظات أجساد النساء والأطفال المصلوبين الذين لم يموتوا بعد وهي تحترق في مكانها. ثم رحلنا”

————

عاريا، خرج من الغرفة إلى الصالة. غشاوة فجر أزرق. رائحة عرق الليلة الماضية منطبعٌ على جلده. رائحتها، ورائحته. شعره القصير مبعثر، جسده النحيل يلمع. وقف لحظة يحدق في النافذة البعيدة، وسط الصالة الظلالية، وكأنه يتخذ قرارا، ثم أشاح بكسل. ذهب إلى المطبخ، أخذ المقلاة المتسخة، أخرج من الثلاجة آخر ثلاث بيضات. يبحث عن ملعقة يحرك بها، يفتح أدراجا ويغلقها. تقول له وراءه “في الدرج اللي جنبك”. عارية أيضا، بآثار نعاس مسترخ. نحيلة، متهدلة، غير جميلة، صدرها مسطح تقريبا بثديين صغيرين. تتكئ على الجدار، تراقبه. فرقعة البيض المقلي، رائحته القوية التي تملؤ الجوّ الغائم. هنالك خطُّ عرق على ساقية ظهره، يومض في الزرقة الباهتة. تسأله “شو رأيك بالمكان؟” يهز كتفيه دون أن يلتفت “يمشّي الحال. متل غيره”. تتحرك إلى الصالة، إلى النافذة في الدور الخامس، ترى إن كان في السماء شيء يستحق المراقبة. إنهما يتعمدان ألاّ ينظران إلى الأسفل، يُبقيان زاوية رؤيتهما موجهة إلى الأعلى قدر الإمكان، حيث السماء أو الوميض أو الغيوم. لقد أتقنا هذه الحركة بعد مدة من التدريب، حينما كانت أعينهما تسترق نظرة ملحة إلى الأسفل. تراب، بقايا صخور ومعدن، رماد، مهجورات، واجهات مبانٍ مهشمة. ولكنهما لا يفعلان هذا الآن، فقط إلى الأعلى، نحو السماء إن كان فيها شيء يستحق الرؤية أو لتغيير الجو قليلا عن الأماكن المغلقة الإسمنتية. صوت المقلاة على الطاولة، تلتفت، تجلس أمامه، ويأكلان عاريان أمام النافذة الزرقاء بصمت.

يجلسان كثيرا بصمت. لاشيء ليُـقال. أحيانا فقط، يرفعان رأسيهما، حينما يدوّي صوتٌ ملفت، إما لقوته أو حدته، تتعلق نظراتهما عدة لحظات في البُعد، ينتظران حدوث شيء يعقب الصوت، وحينما لا يحدث، يعودان الى ما كانا يفعلانه.

تُهمهم وهي تفتش في المكان. لاشيء يستحق الانتباه، الشقة مفرغة عدا الأثاث. تجد صندوقا في ركن الدولاب، مركون مثل شيء تُرك عمدا. فيه صور كثيرة، كثيرة جدا. حدائق، مباني، شوارع، صحاري، بحيرات. أماكن بعيدة لا تعرفها. لا أوجه، فقط أشياء، جمادات. تشرد بجمود مألوف واستحواذي، يملؤها أحيانا بأن يُفرغ كل شيء عداه، وتتوقف عن الهمهمة، وتنشغل بتخيل أوجه بقسمات مختلفة، ولكنها لا تستطيع أن تمسح قشرة الضبابية التي عليها، وتلتفت لتحدق فيه، بشرود. ينتبه، يتطلع فيها بخمول وهو يمسك شيئا ما، شيء لا يؤثر في السياق، جريدة أو كتاب أو لعبة أو حجر، مجرد اكسسوار يملأ اليد. يقوم غالبا، ليس دائما، أحيانا يواصل الجلوس والتحديق فيها بما يشبه النعاس، ولكنه يقوم أحيانا، يقترب منها متهاديا ببطء وكسل، يلتصقان. يقبلها، تقبله، يتبادلان الأدوار، وتختفي حوافّ كل واحد منهما في الآخر.

حينما يصاب بالأرق، يجلس ويدخن، على حافة السرير. عاريا ومحدودبا، في هيئته استنزافٌ ملول وناعس ونزق. ضوء الخارج الشاحب يضيء لطخة من الغرفة المعتمة. تنتبه هي من نومها، تتابعه بين الوسن واليقظة. إيقاع الحلم المنسي لازال يستحوذ عليها، ولذا ترى مع ارتفاع الدخان في الضوء صورا. أطيافٌ مغبَّـشة. لوحاتٌ دعائية ضخمة. جسور أحيانا، مشجّرة بورد اصطناعي رديء. ترى ممرا جانبيا، أو أسطح بيوت متلاصقة، أو سرب طيور في ساحة عامة. وأحيانا ترى صورا يومية، عجائز في طريق، كلب يبحث في قمامة، زقاق قذر على دفتيه متبطلون وبائعوا خضار، بالونات كبيرة، تصدعات في إسفلت، حفرة مجاري مكشوفة. ثم تغرق بخفة في النوم، ويعود للنوم هو أيضا.

تتطلع خاملة في المكان، يجلسان بفتور في الصالة. ورق الجدران أبيض، الأثاث موزع بحدة، السيراميك مغطى جزء منه بفرشة مربعة في المنتصف. الغبار يغلّف الأسطح. في المكان ارتعاشة برودة مكهربة، تلك التي تحدثها الأماكن المفرغة. تذكرها بمشرحة، وتفكر هل زارت مشرحة من قبل؟. تسأله “الناس اللي كانوا هون…” يرفع رأسه عن صفحة جريدة يعود تاريخها إلى ما قبل سنة تقريبا. يلتفت حوله بقلة اهتمام رتيب، يلاحظ التفاصيل، وكأنه يلاحظها لأول مرة، ويبدو أنه يدرك أيضا لأول مرة باهتمامٍ لامبالٍ “ممكن متلنا؟ اتنين؟” تشرد وهي تعقد يديها على الطاولة، محملقة فيما حولها، على وجهها خصلة شعر طويلة وخشنة، وفي كتفها العاري النحيل لمعان ضوء منعكس. يعود للصحيفة، ليفربول يدرس التعاقد مع الموهبة الهولندية ستروتمان، ويفكر أن هولندا مكان بعيد وغريب، ويتخيل أن يعيش فيه. “دوام الصبح. ملل بالليل. سفريات بالصيف. البحر، التياب، المآتم، الأعياد” تقول. يرفع رأسه، يتطلّع فيها بشيء من السخرية، وهو يتهدل في خموله الناعس أكثر “أشيا متل هيك” ثم يعود ليقرأ الصفحة. ليفربول ليس مستعدا ليدفع المبلغ الذي يطلبه آيندهوفن. أوجهٌ متعرقة، شاحبة. أجسام عضِلة لأشخاص يتصارعون فوق عشب. عشب. خضرة. يشرد بعيدا، يستشعر في باطن قدمه نغزاتِ زرع مدغدغة. صباحاتُ اللعب في مكان ما. حارةٌ عتيقة، ريف عتيق. أصوات، روائح، لمسات. يتوه في نظرة نائية. تسأله “وَينك؟” ينتبه ببطء، على ملامحه نظرة ارتخاء خامد. يهز كتفيه لامباليا ويعود ليقرأ الصحيفة.

أريجُ عطر ثقيل وقديم. يستنشقه فجأة ذات مساء. يبحث عنه في المكان، يسحبه الخيط الخفي للرائحة، يقوده إلى العليّة، إلى صندوق سقطت منه قارورة عطر وانثلم طرفها. في الصندوق ملابسُ لم تؤخذ. يستخرجها قطعة قطعة. فستان امرأة، قمحيٌّ وطويل، بفتحة صدر مدورة، لازال بروز الثديين واضحا في مقدمته ومرتفعا وشابا. يشمّه، رائحة الرثاثة التي يخلفها هجرانٌ قصير الأمد، يلمس شعر القماش من الداخل، طويل، ناعم، متآكل. سروال رجالي، ممزق عند الركبة اليمنى. قميص طفل، لا يتجاوز العاشرة ربما، فيه لطخة صلصلة حمراء. بيجامة رضيع، تملؤ يدُهُ عمقها، فيها أثرٌ طفيف من رائحة جلد الطفل المولود حديثا، تلك التي لا تشبه شيئا يعرفه.

تقص شعره، يقص شعرها. حوافٌ قصيرة مثلّمة لامتوازية. يسبحان سويا. يجلسان تحت صنبور الدش، ويتركان الماء ينهمر لوقت طويل وهما يتحدثان أحيانا عن أشياء معينة. الخرير المنوّم للتدفق، القطرات المفككة المنظمة للتدفق. مستمر، لا يتوقف. لا يتحدثان إلا في مواضيع ذات نفس قصير، تنتهي سريعا ولا تؤدي إلى منفذ معين. الماء لطيف جدا. ينكمش الجلد، يتهدل بفعل الرطوبة، ولكنهما لا يخرجان إلا بعد مدة. الوقت يُبدَّد بعشوائية.

في الأمسيات، تفوح رائحة رماد بعيد، طريٌّ وحديث، ولكن أيضا متآكل وعتيق. حزينةٌ هي اليوم. صامتة أكثر. رأت حلما البارحة، وهو ما كان نادرا، أن ترى أحلاما لامنسية. رأت ظَـهر رجل يلبس جاكيتة فرو بيج، يقف على حافة بحيرة، ضوء النهار الذهبي ينعكس على الماء فيتلألأ بحبيباتِ ضوء مرتعشة، وكأن سربا من اليراعات يضطرب ويُـغشّي فوقه. مدةٌ طويلة من الزمن قد مضت، وهي لاتزال ترى الرجل واقفا، لا يتحرك. البحيرة لا تتغير. هي لا تتغير. حبيبات الضوء لا تكف عن الأزيز. حزينةٌ ولا تعرف لماذا. “بدّك بحر وشمس” قال لها وهو يلتصق بها ويحس بحرارة إبطها في صدره، متلاصقان في جلستهما فوق السرير. “ممكن”. أطرقت ناعسة، الصورة عالقةٌ في حدقتها وهي تريد النوم.

انقطع الماء. تتقشر طبقة العرق الشتائي اللزجة على جلديهما أثناء نومهما، ببرودة. أيقظهما دويٌّ صاخب. رذاذُ ترابٍ سقط من السقف، متأثرا بالانفجار القريب. جلسا متباعدين بصمت على السرير، ينتظران. دويُّ معادن، أصواتٌ بشرية، فرقعات رصاص. كلها تتكمم في المسافة. كل واحد منهما بمحصول صور ليلية مكركبة، لم تتخلص بعد من إيقاع النوم الثقيل والمزعج. هو يتذكر لسبب ما رفوفا خشبية فارغة، رائحة بقايا أدوية في مكان كان مستوصفا. هي ترى صنادل مدرسية بنفسجية، طريقا ريفيا قذرا ومليئا بالنفايات يقطع مزارع قمح محصودة وكئيبة. لطخاتُ الضوء الأبيض من الخارج تقلّـم المكان، بما في ذلك المسافة الفارغة بينهما. تلاشت صوره الخاصة بمرور الوقت، يتيقظ بوضوح أحدّ. اقترب منها أكثر “بدك ترجعي تنامي؟” تهزّ رأسها بانتباه وعلى وجهها آثار النعاس “بدّي شوف لما تصير”. ولكن لم يصر شيء، وناما وهما جالسان، ينتظران.

يواصل نهار الشتاء الانكماش. الشمس حمراء، تنسحب. يجوب أروقة العمارة الفارغة، الشقق بأبوابها المغلقة التي تبصق عتمة من حوافها، عتمةٌ موحشة. يتخيل المكان في الداخل المظلم، وحيد، مغبرّ، جالس هناك ينتظر أن يفاجئه انهيار متوقع، أو – وهو ما بدا له أكثر كآبة – ينتظر أن يُنسى أصلا ويترك. يحدق في الأبواب. ربما عليه أن يكسرها، يفكر، يسمح للضوء أن يدخل فيها. ولكنه يواصل المشي، ويقف عند المناور حيث النوافذ الزجاجية المستطيلة. نظرةٌ معلقة – كالعادة – في الأعلى. يفكر كم هو قبيح هذا الشتاء المعتم الدبق، لا أحد يحبه. ويواصل التحديق فيه، في كل هذا الغيم والشحوب الذي يغطي الشمس ولكنه لا يمسح ضوءها، إنه ليس ظلاما وليس ضوء، إنه شيء غريب وغامض، شتاء، شتاء باهت دبق، ويحس بالبرد يسري قويا في داخله، عميق ومتأصل في نخاع عظمه، ويجد نفسه فجأة مخترَقا، من قِبَل شيء لا يستطيع تحديده أو تعريفه، ويريد البكاء، ولكن عن غضب وليس عن حزن، بكاء الحقد الناقم الذي تُحدثه خيانة ما. ولكنّ شيئا يُسكت ذلك في حلقه، ويكتفي الشعورُ العنيف برطوبة محتقنة تخدش عينيه، وتحين – على غير العادة – نظرة خاطفة إلى الأسفل، حيث تراب، بقايا صخور ومعدن، رماد، مهجورات، واجهات مبانٍ مهشمة. ويحدق طويلا، ويطالع بتمهل تفاصيل الصورة قطعة قطعة، ويحقد بإنهاك على كل شيء تقريبا، ويريد أن يقوم بشيء مثل أن يحطم له طريقا خرابيا وسط أشياء جميلة. ولكنه يتهدل في وقوفه بإنهاك أكثر. كما أن كل شيء ساكنٌ حدَّ الموت، ميت تقريبا لا يستفز ردة فعل محسوسة. يفقد تدريجيا تركيزه، وتفلت منه الصور التي يراها الآن، ويرجع إلى مكانه المحايد، لم يعد هنالك في نظرته انطفاء أحقاد لامجدية ورغبات لم تعد مرغوبة، لم يعد هنالك شيء في نظرته. ثم يتحرك، ويواصل المشي في الأروقة التي تزداد عتمة مزرقّة مع انحسار الشمس.

وتمر نهارات الشتاء، غائمة وقصيرة. لقد انقطعت الكهرباء الآن تماما. تقدح فانوسا وجدته في خزانة. وتطول الليالي الدبقة بنداوة مطر لم يهطل، آثار مناخات لم تحدث. تطرأ عليها ترنيمة خاصة لقنتها إياها امرأة مسنة تشبهها في قرية، ولكنها تنسى بقيتها في المنتصف، فيُـكملها هو بعفوية وهو ينكث عودا في حافة لوح السيراميك ليخلعه. ويلاحظان بخشيةٍ أنهما ربما كانا ذات زمن في مكانين قريبين من بعضهما، ويحاولان تجنب اقتراح ذلك بصمت مترقب قلق. تتطلع فيه خلسة، وتحاول أن تستعرض وجهه في ذاكرتها دون جدوى. ويخبرها أخيرا أنه حفظها من مكان مر به مرة، وأنّ أحدا لم يلقنه إياها وهو طفل. وتعرف أنه يكذب، ويعرف أنها تعرف، ولكنهما يتفقان ضمنيا على الاقتناع بذلك، ويعود كل شيء إلى موضعه، منفصل المرجعية عن أي ماضٍ أو معرفة مسبقة.

ويسترخيان في الظلمة المقلمة بالصفرة الفانوسية. لم يعد هناك عشاء. مجرد خبز يابس. ووقت، الكثير من الوقت. تسأله وهي مستلقية بفتور على الأريكة “بدك نروح لغيرها؟”. يعبث منشغلا في أوتار عود وجده في العليّة، لا يعرف أي شيء عن الأعواد، يقول دون مبالاة “لشُو؟”. الصفرة المذهّبة تتكثف أكثر، تحس وكأنها تعوم في لون. ومضاتُ انفجارات بعيدة تدوي بخفوت هامشي مكتوم. جلدها يتململ، يمسحه الهواء، تتسع مساماته. تشرد بعيدا، تغفو في شوارع غامضة يتبعها ظلام. يضع العود جانبا بملل، يراها مستلقية تحدق في السقف، ساقها البيضاء متدلية من حافة الأريكة، تلمع بالعرق في انعكاس الضوء. ينهض ببطء، ينحني عليها، يقبلها فتصحو. شفتاها، رقبتها، ثدياها، فرجها. شفتاه، رقبته، صدره، ذكره. إنهما هادئان دائما. بدون صوت تقريبا، وبتمهل والتصاق تام. يبلغ هو ذروته، أما هي فلا تصل. وجهه فوق كتفها، لا يتحرك، يغفو ببطء بجانب صدرها. تحدق هي في فراغ السقف، تمسد شعره، تتخلل خصلاتُه الحادة الجلدَ الرقيق بين أصابعها وتنبسط على ثديها الأيسر، تدغدغها، وتحدق في السقف، وتشعر بحزن لذيذ، يذكرها بأشياء قديمة من طفولتها، بالغِ الرقة والحنان، تتميز به النهايات المتوقعة الرتيبة.

حينما صارت أخيرا، كان هو في دورة المياه. وكانت هي على السرير.

————

مرت عدة أسابيع، وهي لازالت تفكر في صديقها القديم. إنها ليست حزينة، إنها كما اعتادت أن تكون، مبتسمة ومنشرحة بل وسعيدة، ولكن كل ما في الأمر أنها لازالت تفكر في صديقها القديم، برأسه المقطوع الموضوع على ظهره. ابتعدت عن نيويورك شهرا، سافرت إلى باريس، قطعت كل شبر من اللوفر، نامت مع رجلين وسيمين يعملان في الموضة هناك، زارت صديقة قديمة لها في ريف نيس. ولكن هذا لم ينفعها في شيء. تقرأ الآن كثيرا عن سوريا، ليس فقط ما يحدث، ولكن ما حدث سابقا. هوايتها الجديدة هي أن تبحث في الانترنت عن قصص من الحرب هناك، عن مقالات وتحديدا لكتاب يرجعون لأصول عربية يصفون تخاذل العالم الذي يتابع لامباليا، ولكن الأهم من هذا، تبحث عن صور لمدن قبل وبعد الحرب، الفوارق بين الصورتين لا تفشل أبدا في إثارة دهشتها. لم تصدق مثلا أن هذه هي حمص. أحيانا ترى الصورتين وتظلان عالقتين في رأسها طوال اليوم، ويثير استغرابها أنه ليس من باب التأثر أو التعاطف، بقدر ما هو من باب الفضول، أن ترى شيئا تم بناؤه بكل حذر وبكل التفاصيل الكثيرة والتطلعات اللامحدودة، ثم يُحطَّم ببساطة. أحيانا، سخافة العبث في هذا الموقف تنجح في جعلها تضحك. يا له من شيء مضحك، تفكر في نفسها.

إنها في طريقها الآن إلى مقهى في أمستردام آفنو، ستقابل شابا سوريا نازحا، قُـتلت عائلته ونجح أخيرا قبل سنتين في التواصل مع خاله الذي كان هو بدوره يحاول التواصل معه، طبيب سوري هاجر إلى أمريكا منذ الثمانينات، تعرفت عليه قبل عشر سنوات حينما كان طبيبها المقيم أثناء التطبيق، وقابلته قبل شهر في سهرة عشاء عند صديق مشترك. روى قصة ابن أخته كجواب عن السؤال الأول الذي يطرح عليه دائما كسوري يعيش في المهجر. لم تستطع النوم وهي تفكر فيه، إنه يسكن في شقة هنا في نيويورك، يعمل في مطعم، ويدرس في معهد للسينما، هذا ما قاله خاله وهو يعطيها رقم جواله ويخبرها أنه يتوقع اتصالها. قررت أن تقف عند جدار المقهى الزجاجي، وتحدق في الجالسين، هل سيتضح، تسأل نفسها، وجه من عاش كل هذا الألم؟ عرفته، ولكن ليس لأن وجهه يفضح كل هذا الألم، فعلى العكس كان هادئا وسعيدا، عرفته لأن وجهه بدا عربيا ببساطة، ولأنه المراهق الوحيد في المقهى المكتظ. لم يسألها أي سؤال، لماذا وكيف وماذا تنتظرين من كل هذا، لاشيء. فقط ابتسم، ولم يكف عن الابتسام. كان يبدو فرحا لسبب ما، أو هكذا تخيلت. سألته عن اسمه، سألها عن اسمها. أخبرته عن وظيفتها، أخبرها عن دراسته. قال لها أخيرا “لقد كنت سعيدا حينما أخبرني خالي أنك تريدين الحديث معي”

الطريقة التي تحدث بها، الألفة في نبرة صوته، بدت غريبة بالنسبة لها، ولذا ابتسمت بحيرة “لماذا؟” ثم تداركت سريعا بما يشبه الخوف “ألم يخبرك لماذا؟!”

فهز رأسه بسرعة “نعم نعم نعم”.

حدقت فيه بترقب “إذن لا مشكلة لديك في الحديث عن هذه الأمور؟”.

سأل بفضول “أي أمور؟”.

تلعثمت بارتباك ثم قالت مبتسمة لسبب ما “بلدك وعائلتك وهكذا”.

عقد حاجبيه بما يشبه عدم الفهم “لماذا تريدين معرفة هذه الأشياء؟ إنها ليست لطيفة!”.

ترددت لحظة ثم قالت”ألم يخبرك عن” فقاطعها مبتسما بطفولية بل وحماس “نعم نعم. أخبرني عنه”. وجهه المبتسم المتحمس جعلها تضحك بحيرة ودهشة، انتظرت شيئا يشرح أيا من هذا، ولكن شيئا لم يأت. ظلت تتطلع فيه عدة لحظات بصمت، كان لازال مبتسما باهتمام، وكأنه ينتظر المزيد. وجهه ليس فيه أي تعبير عن الرفض أو الاعتراض، ولذا تسأله أخيرا “لقد فهمت أن عائلتك قُـتلوا، أنا آسفة لذلك، هل لي أن أسأل كيف؟”.

يهز كتفيه مبتسما باستسلام “كله لا يهم، عارفة؟” يستند على ظهر الكرسي، تنتظر منه إضافة ولكنه لا يقول شيئا، يحدق مبتسما فقط، ربما ينتظر السؤال التالي. وجهه شاب جدا، أمرد تقريبا، يميل قليلا غلى الدمامة، تفكر أنه في السابعة عشرة، أو ربما أقل، أو أكثر، بشرته طرية تلمع في انعكاس الضوء، لا يبدو لها ضحية عنف، أو أنه بالفعل يبدو مثلهم؟ تفكر وهي تتذكر صور أطفال يضحكون وهم يحملون أسلحة وسكاكين في أمكنة مليئة بالموت، منها صورة أطفال يلعبون الكرة برأس بشري، تتذكر هذه الصورة تحديدا في بعض الأحيان وتبتسم ابتسامة لافهمٍ مستفز وسخيف. ربما كان أحدهم، تفكر بغموض، عيناه اللتان تومضان في الضوء مثل وجهه تَـقبلان كل الاقتراحات. يضحك فجأة باستمتاع صادق، يقول بصعوبة “أنا آسف لم أستطع منع نفسي أكثر من هذا، لا أقصد أن أضحك عليك، ولكنك تبدين خائفة جدا!”

تقول بنظرة متفاجئة “أنا لست خائفة”

يهز رأسه مبتسما وقد توقف عن الضحك “بلى بلى كلكم خائفون، كلكم تظنون أن شيئا سوف يحدث“

تبتسم مسايرة وتشدد على كل حرف “أنا، لست، خائفة”، ولتثبت ذلك، تقول بما يشبه الهدنة “لنطلب، هاه؟ ما رأيك بهذا؟”

يرد بانعتاق تقريبا “نعم، نعم، لنطلب” ويتلفت في المكان “لم آتي هنا من قبل. هذا غريب!”.

النادل يضعُ القائمة والملاعق والأشواك وهو يقول “سأعود لأخذ طلبكم بعد لحظات”. يبتسم له، يتحيّن اختفاءه ثم يقترب إليها من خلال الطاولة وكأنه سيقول سرا “هل تظنين أنهم سيسمحون لي بأن آخذ قائمة الطعام؟” فكرت قليلا “هل تريدها لتطلب لاحقا؟ لأنني لا أظن أن لديهم خدمة توصيل” فيرد بحركة نفي سريعة “لا لا لا، أريدها فقط” فتهز كتفيها باستغراب “ممكن، إسأله ولنرى”. أجاب النادل أنه يستطيع، فأخذها بفرح ووضعها في جيبه وهو يشكره ويبتسم “أرجوك أوصل شكري وامتناني للمالك، فهذا مكان رائع وجميل”.

كانت تراقبه بتفحص صامت طوال الوقت الذي جلسا فيه، يتحدثان عن أشياء عشوائية، لا علاقة لها تقريبا بسوريا والحرب وأهله وصديقها، يبدو سعيدا، نعم، تكرر ذلك في نفسها وهي تراقبه، يبدو سعيدا، ولسبب ما يبدو أيضا “غير حقيقي”، هذه هي الكلمة التي اختارتها لتصفه بينها وبين نفسها، غير حقيقي!

في السهرة الأسبوعية التي تقضيها كل سبت مع أصدقائها، كانت تضحك كعادتها بهدوء وتقص القصص وتبدو منطلقة في الحديث. لا أحد منهم يعلم أنها تعرف الصحفي الذي قُـطع رأسه معرفة حميمية. لم تخبر أحدا، لم ترى أي جدوى وراء ذلك. تغيرت في الأيام الأولى للحادثة، لقد لاحظت صديقتها المقربة هذا، ولكنها استعادت عافيتها الذهنية والاجتماعية سريعا، من يراها الآن لن يفكر أن أي شيء يستحق الذكر قد حدث لها. كانوا في بار صغير في ماديسون آفنو، لا أحد منهم طبيب، أكثرهم متزوجون ويعرفون بعضهم منذ وقت طويل. كانت كلما رأت نادلا تذكرت الشاب، بشكل خاطف، فتبتسم شاردة وتجلس بصمت، تصلها أصوات البار مكممة في خلفية شرودها، تتذكر اللقاء، وتظن أنه لم يحدث، أنه كان أغرب من أن يحدث، فتبتسم مرة أخرى، ويسألونها لماذا تبتسمين، فتحدق ساهمة ثم تخبرهم بقصة حدثت لها أو لأمها أو لأختها أو لصديقة لها، إن لديها قصصا كثيرة، ترويها بنبرتها الهادئة المستمتعة. الجميع يتطلع نحوها، ولا أحد يفكر أن شيئا يستحق الذكر قد حدث لها.

هو أيضا يفكر فيها كثيرا. إنه لا يترك شقته إلا نادرا، لديه صديقان لا يراهما إلا مرة في الأسبوع تقريبا. الليلة الباردة الظلالية جلبت أصواتا مختلطة من الشارع الهادئ، أصواتٌ شابة قوية ومنفعلة تتداخل في بعضها. استمر هذا 15 دقيقة، مجرد أصوات لا يمكن أن تعرف هل تتجادل أم تغني أم تحكي، حتى تفككت المجموعة. اختفت الأصوات في المسافة، ولم يبقى إلا واحد منهم، يكاد يسمع صوت نفسه تحت نافذته. أطفأ النور لئلا يلاحظه، ووقف يحدق فيه. لقد بدا الرجل ضائعا، متفاجئا من الوحدة المباغتة التي تُـرك فيها، يتطلع في الشارع وكأنه لا يفهم، كيف لمكان كان مليئا بالضجيج قبل مدة أن يخمد الآن في صمت شبحي. تقيأ فجأة، حشجرة متجرحة طويلة. وقف وفي فمه لعاب قيء متدل مسحه بطرف كمه، يتطلع في المكان مرة أخرى، ينتظر فيما يبدو ردا ما، وحينما لم يحدث شيء جر رجليه واختفى في المسافة. راقبه يختفي، ثم ابتعد عن النافذة، وتكاسل عن إعادة الضوء. ضوء الشارع الأبيض يكفيني، قال في نفسه، لابد أنه متزوج ولا يريد العودة إلى البيت، فكر وهو يجلس على الأريكة في العتمة، لا أظنه وحيدا، الوحدة أصلا كلمة غير جيدة، لأنها ارتبطت بشعور سيء، والوحدة ليست بالضرورة شعورا سيئا، أخذ يفكر في نفسه. خالي مثلا، يظن أنني وحيد، أقول له طبعا أنا وحيد، ولكن هذا ليس شيئا سيئا، أنا سعيد بهذا، كل ما أريده هو ربما فتاة، هاه؟ فيضحك ويعرفني على صديقة ابنته، فتاة في نفس عمري. أضحك عليها أحيانا، غصبا عني والله. إنه يحاول أكثر من اللازم، خالي، وهذا يزعجني أحيانا، أو أنه لا يزعجني، يعتمد هذا على المزاج الذي سأكون عليه، يخبرني بقصص عن أبي، لماذا يخبرني بقصص عن أبي؟ أنا أعرف أبي، لا داعي لقصصك يا خال، أريد أن أخبره بلطف، ولكنه سيفهمني خطأ، أنا عارف، كلهم حساسون، أقصد الذين يتعاملون مع “ضحايا العنف” كما وصفني الطبيب الذي أُخذت له فور وصولي هنا، كل كلمة تربكهم وتخيفهم. “ضحايا العنف”؟ أعتقد أنني فعلا ضحية عنف، لا داعي للإنكار. قل لهم فقط إنك ترى خيالات مزعجة، سيرتعبون، ويتوقعون الأسوء. أحيانا أفعل هذا معه، لا أستطيع منع نفسي والله، أخبره بشيء مرعب وأنا بالكاد أكتم ضحكتي، فيرتبك وتضيع قدرته على الكلام، ههههههه، اللعين المسكين، والله إني أرحمه حينها وأسكت. حساسون يا رجل، حساسون جدا. كم عمرها في رأيك؟ 35؟ 40؟ لا تبدو كبيرة في السن أبدا. صدرها بارز من خلال قميصها. ربما تلبس تلك الحمالات التي ترفع الصدر؟ لا لا إنها طبيعية، تبرز من خلال قميصها، مدورة ومكورة، تضغط على قميصها، تضغط. يتهدل رمشاه في الظلام، يبتسم مستسمتعا ساهما، يجلس معتدلا على الطرف، يطأطئ رأسه، يحدق في يديه وعليهما لطخة ضوء، يحكهما في بعضهما ببطء. يبدو أنها تعرف أشخاصا كثيرين، يعود للتفكير في نفسه، ربما يجب أن أسألها إن كانت تستطيع أن تجعلني أقابل مكارثي، يجب أن أسأله من هو القاضي هولدن؟ إن هذا يلعب في رأسي منذ أن قرأت الكتاب. قام من الأريكة، قطع خطوات بطيئة وعشوائية في المكان، أخرج ورقة كتب عليها رقم جوال، “سأعطيك رقمي الخاص، الرقم الذي اتصلت عليك منه كان للعمل”، خطها لا يكاد يقرأ، كما تتوقع من طبيبة، قال في نفسه وضحك في الظلام. قرر، وخرج من الشقة.

كانت تسير في شارع تحفه أشجار تظللها عتمة باهتة. لقد جعلت صديقتها تنزلها على بعد ثلاث شوارع عن شقتها لتمشي. هنالك عدة محلات لازالت تضيء بين صف المحلات المعتمة. مطعم، حانة، مطعم، ستريب كلوب، سوبر ماركت، حانة. ثم محل صغير لبيع وإصلاح الحقائب! كان في داخله رجل كبير السن أبيض الشعر، يبدو منشغلا وهو يطأطئ رأسه ويُركّب بحذر زر حقيبة. وقفت بفضول، تحدق فيه من وراء الزجاج. تفكر أنه ربما نسي الوقت، أو أن هذه الحقيبة مهمة لدرجة أنه لا يمكن تأخير إنجازها. ترقبت اللحظة التي سيرفع رأسه فيها، وسيراها، وسيبدو مستغربا. قررت أنها ستلوح بيدها وتبتسم له، وسيفهم ربما أن منظره يبعث على راحة ما غريبة وغامضة أجبرتها على أن تتوقف، وسيكون سعيدا حتما بذلك. ولكنه لم يرفع رأسه. فمضت وهي تضحك تقريبا على نفسها. الشارع فارغ تقريبا، الأشجار وعواميد الضوء الباهتة تقف ساكنة. تسمع صوت طائرة، بعيد جدا ومكمم، تتوقف وترفع رأسها، بقعة الضوء تومض قَصيَّة جدا لدرجة أنها تبدو كوهم، تطالعها بنوع من الفضول، وتفكر بضبابية لماذا أشعر أحيانا بمثل هذا الحنين لأماكن نائية؟ لماذا أشعر أن هؤلاء الناس في ذلك الصندوق الصغير والمريح يجلسون بين الضوء الأصفر والمخدات الصغيرة وصفوف الكراسي المتلاصقة بدون أي شعور سيء أو مربك؟ تبتسم بما يشبه الازدراء وتراقب بقعة الضوء وهي تختفي ببطء في البُـعد. تواصل السير، وهي تبتسم، وتفكر أنا فعلا غبية!

في رواق شقتها، كان يقف، ممسكا بالورقة، وينتظر. تطلعا في بعضهما لحظة، دون تعبير دهشة أو حتى فضول. لم تسأله كيف عرفت منزلي، بدا هذا سؤالا غير مهم. ولذا دخلا وحسب. صالة كبيرة في طرفها مطبخ أمريكي مكشوف قبالة الباب، لم تؤثث عدا ثلاث أرائك في المنتصف، يغطيها باركيه خشبي غامق، فوقه سقف جبسي فيه إنارة خافتة جعلت المكان معتما تقريبا، نافذتان متباعدتان تنحتان في الجدار منظرا يُطل على الخارج من الدور التاسع. وقف على الدرجة التي ترفع المدخل والمطبخ طبقة عن الصالة، يتطلع في المكان بخمول. تجاوزته وألقت بحقيبتها الصغيرة على الأرض ثم ألقت بنفسها على الأريكة. لحظة صمت طويلة. قالت أخيرا دون أن تتحرك “هل تريد مشاهدة فيلم؟” بدا وكأنه انتبه، سار ببطء وهز كتفيه “لا. لقد شاهدت فيلما قبل قليلا” وجلس على كرسي بعيد عند بار المطبخ.

“ما هو؟” سألته.

“the holy mountain”

أحدّت حاجبيها وسألت دون أن تلتفت “رواية توماس مان؟”

لم يسمعها. تمتم “هاه؟”

فأعادت السؤال “رواية توماس مان؟”

تطلّع بحيرة وفكر قليلا “لا أظن. خوردوفسكي لا يقتبس عادة من روايات”.

وجهه يبدو مرهقا ومستنزفا. تقدم في جلسته إلى حافة الكرسي، وكأنه سيقول شيئا، ولكنه لم يقل شيئا. الكرسي يواجه حاجبها الأيمن وهي جالسة، مندلقة تقريبا، تحدق أمامها. المكان معتم قليلا ودافئ، مثل فراش. هو، على الكرسي الخشبي، يرى النافذتان وكأنهما عينا الجدار، وأنه هو الغرفة التي تحدق من خلاهما، ويرى هو نوافذ العمارة المقابلة، كلها مظلمة عدى واحدة، من هو الذي غرفةٌ مثلي الآن يراقبني؟ يسأل نفسه. فَـرَد راحة يده اليسرى، أخذ يمسدها بإبهامه الأيمن بخفة وبطء، يحدق فيها، وكأنه ينتظر شيئا سيُكشط. ولكن لاشيء.

إنه يجلس الآن على الأريكة أمامها، يتكلم.

“قابلتُ أمريكيا واحدا حينما كنت صغيرا” قال بصوت خامل وناعس، يجلس على الأريكة ملتفا نحو اليسار لسبب ما، وكأنه يتحدث للفراغ بجانبه  “لا أذكر سياق لماذا كان في ذلك المشهد أو ما الأمر. كل ما أتذكره هو أن أمي أخبرته لسبب ما أنها عراقية هاجرت من العراق بعد قصف بغداد. وقد كانت تكذب هههه. الرجل بدأ يقول بارتباك أنا فعلا آسف فعلا آسف فعلا أنا أنا لا أعلم لم تقولين لي هذا فأنا لم لم أعني أنا أنا آسف أنا فعلا آسف” ضحك باستمتاع منهك وهو يحدق في الفراغ، وكأنه يرى المشهد مرة أخرى وهمس “لقد كان مضحكا”. تحدق فيه، جلدها محمر، عيناها مطفأتان، وجهها خامل. تطلع نحوها وتوقف عن الضحك تدريجيا. أدار جسده نحوها من جديد. “كلهم مثل بعضهم، عارفة” أطرق، ثم أكمل “أنا لستُ آسفا للذين ماتوا في أبراجكم أو حتى لرجُلك، لأنني لم أفعل شيئا لهم” أطرق مرة أخرى. الهواء ممتلئ بشيء متخثر. ثم همس “هل قتلتِ عائلتي؟” استنشقَـت نفسا طويلا، تكتف يديها على صدرها وتجلس صامتة، تشعر بالنعاس، طرف عقلها يلمس تدفق النوم ويذكرها بالماء الذي يلمس طرف أصابعها في شاطئ ما. هنالك أصوات مألوفة بوضوح تأتي من مكان ما قريب، حفيف الصنوبر حيث عاشت أول طفولتها هناك في آلاسكا، سعال رجالي تكاد تجزم أنه يعود لوالدها. تمتمت بخفوت “لا”

أصرَّ مبتسما “بلى، لقد فعلت، أنت“

ترد بخفوت ولااكتراث أكثر “لا”

“بلى، هيا، أنت، أعرفك، أنت“

تبتسم بخبث ولا تنبس بكلمة أو نفس.

يواصل التحديق فيها بنظرة متحدية. يقول “عارفة، لقد رأيت كثيرا من الفظائع وقرأت عن كثير من الفظائع. هل تريدين سماع إحداها؟”

لا تتحرك قيد شعرة. تقول “أها”

“هل أنت متأكدة؟”

تدمدم جامدة وهي تشدد كل كلمة “فقط قلها”

يهز رأسه بانقياد ساخر “كما تريدين” يطرق لحظة، ثم يكمل “إذن، كان يا ما كان، هنالك رجل، رجل كان ضمن الحيثيين الذين غزوا بابل وأحرقوها، وكان ضمن مرتزقة محاكم التفتيش الأسبانية التي أفنت قرى كاملة، وكان ضمن السلاجقة الذين غزوا أذربيجان، بل أنه كان ضمن الأمريكان الذين فجروا دريسدن، وكان ضمن آخرين كثر، آخرين لا حصر ولا نهاية لهم. هو، يقول، العنف لا يثير اهتمامي كفعل، إنه فقط شيء نفعله، مثل تلك المرأة في كييف حينما كنت مع المغول، وضعناها في جلد بقرة مدبوغ، بعد أن اغتصبها تقريبا كل رجل مر بتلك البقعة، عقدنا يديها ورجليها في عصا طويلة، وثبّـتنا العصا في وتدين، ثم قمنا بإشعال نار خفيفة تحتها لتشوى ببطء، وجلسنا قريبا منها نشرب ونلعب ونرقص. هذا لا يثير اهتمامي، إنه شيء اعتيادي يكرر نفسه بوتيرة مملة وبلا مفاجأة، إنه مبتذل. ما يثير استغرابي فعلا هي أشياء دقيقة وحساسة، مثل تلك الحادثة في راوندا قبل سنوات. كنا قد حفرنا حفرة كبيرة، ننحر على حافتها الأشخاص ونلقي بهم في الحفرة. لا أذكر صراحة لماذا كنت هناك، أو لمن كنت أنحر، أو من كنت أنحر. المهم، لم يكن غريبا خضوعهم، فهذا يحدث دائما، نوع من الاستسلام الشللي، ولكن ما أثارني فعلا هو حينما جاؤوا بضحية تالية، طفل نحيل شاحب لا يتجاوز الثانية عشرة، لحقه فيما يبدو والده في مظهر خانع جدا، يستجدي ويرجو، ولأنني ظننته استجداء يحدث أحيانا فقد هممت بركله، ولكنني انتبهت إلى أنه كان يطلب شيئا آخر، كان يطلب أن يتولى هو نحر ولده. ولأن هذا كان غريبا بالنسبة لي، نوعا ما، فقد سمحت له، ووقفت أراقب بفضول. قبّله أولا، وضع رأسه على الحافة، ولكن في بقعة مختلفة عن البقعة التي تخضبت بدماء من قبله، مسّد ثوبه ورتب شعره، ثم نحر رقبته، بسرعة. حمله ووضعه بحذر في ركن قصي منعزل من الحفرة. أخذ ينشج دون أن يبكي، أصواتُ شهيق لاسياقية غريبة، ثم استلقى على الحافة، ووجهه في نفس بقعة دم ابنه”

توقف. وجهه محمر، عيناه مشعتان. يحدق بانتباه، بلا نفس، يسمح للقصة أن تلقي بظلالها على المشهد. “إذن، ما رأيك؟” يهمس بابتسامة نحيلة.

لازالت تبدو جامدة، باستثناء دفقة الدم التي لونت جلد وجهها، والتي لم يستطع هو رؤيتها بسبب الضوء الخافت. تحاول جاهدة أن تبقى جامدة ثم تقول ببحة صوت “إنها قصة جيدة”

يستمر في التحديق بانتباه، وكأنه يبحث عن شيء في وجهها. “أنت لست خائفة؟” يقول بهدوء.

“هل أبدو خائفة؟” تقول بسرعة ولكن دون أن ترفع صوتها، تحاول ألا تخسر صوتها في احتقان الريق في حلقها.

ولكنه يهتف تقريبا بشك “تمزحين!”

لا تنبس بكلمة، ممتنة للدم الذي يتراجع عن جلدها. يواصل التطلع نحوها، متفاجئا تقريبا. وجهه يتغير تدريجيا، ترققه ما يشبه خيبة الأمل بل والخزي. يبتسم بخجل، عيناه ضيقتان. يشيح النظر عنها، يعض شفتيه بارتباك، يتوقف عن الابتسام، يحدق أمامه مرة أخرى ثم يسأل شاردا “هل شاهدت ملامح شخص يعاني من ألم حقيقي؟ أعني وجهه؟ ألم حقيقي فعلا؟” ولكنه أجاب عنها سريعا بنظرة خيبة أمل أخرى “طبعا لقد شاهدتي، أنت طبيبة”.

لحظة طويلة من الصمت واللاحركة. لا أحد منهما الآن يحدق في الآخر.

ببطء، غطت وجهها براحتيها، فركته وكأنها تمسح شيئا عالقا. حينما أبعدتهما كان وجهها أحمرا، ألقت رأسها إلى الخلف وحدقت في السقف “أكره ليال كهذه”. ينهض هو، يمشى بثقل خلال المكان الكبير الفارغ، يتطلع بخمول، وكأنه يبحث عن شيء جدير بالاهتمام. يقف عند النافذة، يحدق، هنالك أشخاص يمشون، ضئيلون جدا، مثل نقاط سوداء. هنالك موسيقى تأتي من فوق، تخترق المشهد بوقاحة لامبالية، تتمشى. تقول وهي لازالت تحدق في السقف “إنها من الشقة الفوقية”. يُنصت، كانت رقيقة وناعمة، لطيفة بشكل مقزز. يسأل “ما هي؟”. نهضت وسارت نحو المطبخ المفتوح في الاتجاه المعاكس لوقوفه “إنها تانجو بولندي. المرأة في الـ95، لقد شهدت العصور الذهبية. والآن هي تعاني من الأرق”. تضع ماء يطبخ على النار، تفتح رفا وتخرج قهوة وتبدأ في تحضيرها. يقف هو أمام النافذة، تقف هي في المطبخ، 15 مترا من المساحة اللامؤثثة المعتمة بينهما، الموسيقى تستمر في العزف، بعيدة وباهتة، رائحة القهوة تفوح ببطء. يبدوان مثل رسمة.

يجلس الآن على الأرض، يتكئ على الجدار تحت النافذة. كوب القهوة الفارغ يجلس بجانبه. يسأل “هل تريدين أن أعلمك صيد السمك؟”.

مستلقية هي على الأريكة التي قبالة النافذة، مغمضة عينيها، يدها اليمنى تتدلى من الحافة فوق الأرضية، “أوكي” انقلبت على جنبها قبالته، واضعة خدها الأيمن على راحتها اليمنى، “تعرف كيف؟” تسأل.

“طبعا، أبي علمني، رغم أنه كان صيادا سيئا”.

تتطلع نحوه بوجوم، تسأل “هل تفتقده؟”

يزفر بكسل ويهز رأسه “أرجوك لا تسأليني أسئلة غبية”.

إطراقة طويلة. “أما أنا فأفتقده” تقول.

“مات؟” يسألها.

“نعم. منذ سنتين” تقول.

“كيف؟”

تتردد قليلا، ثم تقول وكأنها تراهن على ردة فعل معينة “دهسته شاحنة زبائل”

يضحك “يالله”

“كنت عارفة” تقول وهي تهز رأسها باعتراض خامل “هذا ليس مضحكا”

“أنا آسف، ولكنه مضحك” ويضحك مرة أخرى. يتوقف تدريجيا، يحدق أمامه شاردا. يقول بعد لحظة بجمود “عندي عائلة جديدة الآن”

“خالك؟”

“لا”

“من؟”

“إمرأة رأيتها في فيديو أغنية قديمة جدا. لقد سألت عنها وقابلت حفيدها، رجل كبير السن يعيش وحيدا في كوينز. إنها ميتة الآن منذ وقت طويل”

“لماذا هي؟”

“لا أدري” يقول بحيرة ” تظهر في المقطع لوهلة عابرة فقط، تبتسم، تقف وسط ستة أشخاص من الكومبارس. الألوان السيئة حمّرت شفتيها، قامتها منتصبة، ملامحها بهتت في غور البُعد الغبشيّ عن الواجهة، عارفة؟ ذلك البُعد المرعب لشيء يتربص في خلفية ضبابية. كل ما هنالك أنني لم أستطع نسيانها” يطرق لحظة، ثم يكمل “لدي صور. لقد أعطاني إياها، حفيدها، “لا حاجة لي بأشياء ميتة” قال لي. صور لها ولبقية عائلتي الجديدة في مدارس وشوارع وبيوت وشواطئ وأسفار. سأريك إياها”

“عائلة أخرى ميتة. حلو”. قالت بعد تردد فابتسم بملل.

التانجو البولندي يعزف من جديد. تنقلب مرة أخرى على ظهرها وتغلق عينيها وتدلّي ذراعها. النغم كالعادة لطيف بشكل مقزز، ممتلئ بالحنين والنوستالجيا ودخان التبغ. ويفكران سويا كم هي ممسرحة هذه الصدفة وسخيفة جدا، ولكنهما رغم ذلك ينصتان للنغم.

يتقدم فجأة في جلسته بحماس وكأنه تذكر شيئا. “هيه، تريدين سماع قصة؟ إنها ممتازة جدا” تفتح عينيها محدقة في السقف وتقول “طبعا”

“لن أزعجك بالتفاصيل، كل ما هنالك أنه كان مسنا غريبا في القرية التي سكنّا فيها حينما كنت صغير جدا. أبي كان يقول أنه جاء مع الأساسات، بلا بداية تقريبا، أهلي طبعا عرب ولذا يحبون الشعر والأفكار الشاعرية هذه. كان لديه مال، ولكن لم يكن لديه أحد. لم يُرد أحدا، ولم يرده أحد. وفي يوم ما، فجأة، بدأ يبني محطة بنزين في الطريق البري المؤدي إلى القرية. رأينا غبارا يغطي السماء، البناء المتعجل لمشروع غريب يتطاول بغموض يبنيه أناس جاؤوا من الخارج وسيعودون إلى الخارج ولم يرهم أحد. حينما انتهى البناء، توقف المسن، وأعني توقف، حرفيا. اعتاد أن يذهب إلى هناك في الغروب، يشعل الضوء ويجلس في زاوية طارفة ظلية. من مسافة كيلومترات في عمق الصحراء، مسافرون سوف يرون الضوء يتلألأ بسحرية وسط الخلاء. أناسٌ بسياراتهم يتوقفون بجانب خزانات البنزين، ويقفون لوقت طويل قبل أن يستوعبوا أن هذا البناء المومض بشكل معم هو في الحقيقة فارغ، فارغ عدا الهيئة المعتمة لرجل مسن يجلس في زاوية ظليلة”.

كانت تحدق في السقف، ولكن ليس في السقف نفسه، وإنما في عتمة سوداء تماما غطته، سوداء تماما، وفي وسطها وميض بعيد، بعيد جدا. مر وقت ما، وهي تحدق، وأحست أنها تقترب من الوميض، وأنها ربما ستنام، وتحلم بمحطة بنزين مضيئة في الصحراء، حيث لا أحد. انقلبت على جنبها نحوه، ولكنها لم تجده. ربما نمت، فكرت في نفسها. جلست ببطء، شعرها مبعثر. نهضت، دارت بخمول حول نفسها، ولكن لاشيء. سارت نحو المطبخ، ومنه إلى الرواق المضاء بنور أصفر، أكثر وميضا من الصالة المعتمة. تمشي بتراخ نحو غرفتها على اليمين، حتى وقفت على الحافة، ورأته هناك، على سريرها، يجلس مطأطئا رأسه، محدودبا، والضوء الجداري الأبيض القوي ينير كل شيء. رفع رأسه، حدق فيها بصمت، يبدو مستنزفا ومرهقا. تمشي إليه، تجلس بجانبه، تضع يدها على فكه وتحرك شعر صدغه بطرف أصابعها، فيلتفت نحوها. تسأله بهمس “هل لمست امرأة من قبل؟” صوتها الهامس قريب جدا، وكأنه مطبوع في أذنه. يهمس بانقياد خاضع “نعم”. تسأله “هل كنت مع امرأة من قبل؟”. يرد “نعم”. تصمت لحظة، يتسرب من بعيد صوت التانجو البولندي، لطيفا، رغم أن العجوز كانت قد نامت، وغرفتها الآن صامتة. تسأله “أعجبك؟” يرد “نعم”. شعر صدغه أسود تماما، جلده ناعم. تسأله “كم عمرك؟” يُطرق لحظة ثم يرد بخجل تقريبا “لا أذكر”. تبتسم، وتقبله، ويقبلها.

————

الشتاء في أوله. هناك قشرةُ بياض تغلف صورة مخيم الزعتري. المنظر من التل مهيب، لم يرى الطبيب الشاب شيئا شبيها بهذا، المساحة الشاسعة منقّطة بحبيبات حصوية، خيام وكرفانات ملونة بالتراب ورثاثة الصحراء. يحدق ويفكر لسبب ما في أمه بعيدا في مدينة معان جنوب الأردن.

في إحدى الخيام، طفل. في التاسعة من عمره، ليس متأكدا من اسمه تماما، في عينيه حمرةُ التهاب فاقعة، نظراته محايدة بلا تعبير تقريبا، وعلى وجهه سحنة سمرة لم تتلاشى رغم وصوله هنا منذ أشهر، وعلى جبينه جروحٌ صغيرة من اقتتال خاضه مع أقرانه هنا قبل ساعات.

“مع من وصلت؟” سأله رجل من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وقد أمدّه ببطانية وملابس شتوية.

“كنت أولا مع عائلة من خمسة أشخاص، ولكنني تهت عنهم، ووصلت هنا مع ناس كثيرين كانوا على الحدود”

“أين عائلتك؟”

“ماتت في قصف”

الأطفال الموجودون هنا في هذه الخيمة والخيمات المجاورة بلا عوائل، وصلوا إلى هنا بطرق مختلفة. الرجل يبدو معتادا على مثل هذه المواقف، سأل وهو يبتسم بصوت ناعم “هل تريد أن نتوقف عن الحديث؟”

“لا عادي” بدا الطفل مهتما بشيء آخر، سأل “كيف تتحدث العربية وأنت لست عربيا؟” ضحك الرجل متربعا أمام الطفل “إنني أتردد هنا منذ سنوات. في فلسطين وسوريا ولبنان”. لحظة صمت طويلة، سأل الطفلُ مرة أخرى “كم عمرك؟”

“45 سنة”

“لماذا كنت في كل هذه الأمكنة؟”

“لأنني أحب مساعدة أشخاص مثلك. هذه هي وظيفتي”

“هل أنت متزوج؟”

“كنت”

أطرق الطفل لحظة، يحدق بثبات. قال “في رأسك شيب”

ضحك الرجل “نعم. هناك شتاء في رأسي كما يقول أبي”. ابتسم الطفل لأول مرة ابتسامة لا تكاد ترى. سأل بجموده الذي لا يتحرك “هل تعرف ميسي؟”

“تقصد كلاعب؟ لا أتابع الكرة كثيرا. ولكن في الحقيقة، أعرفه كشخص. لقد قابلته ذات مرة أثناء زيارة قام بها لليونيسيف. هل تعرف اليونيسيف؟”

“نعم. إنه على قمصان برشلونة”

“صحيح”

“نحن لم نعد نستطيع مشاهدتهم هنا”

“أنا آسفٌ لذلك” لحظةُ صمت طويلة أخرى. الطفل يبدو مستعدا. أكمل الرجل “إذن، كيف هربت؟”

قال الطفل بصوت معتاد متدرب “القذيفة سقطت على المخزن، حيث كانوا يختبئون، أنا كنت قد تسللت إلى الباب لأراقب ما يحدث. لم أرى أمي أو أبي أو أختي، فقط حصى وأحجار ودخان. كان هناك أشخاص في الشوارع، يمشون ويطلقون الرصاص ويدخلون البيوت. أمي كانت تخبرني دائما أن أهرب إن حدث شيء، لم تكن هذه أول مرة يحدث شيء مثل هذا، ولذا كنت مستعدا. هربت من الجهة الخلفية للمنزل إلى نافذة مطبخ جيراننا، إنني أذهب إلى بيتهم دائما من هنا، لقد اصطحبوني ذات مرة إلى صيد السمك، ولكنني لم أحبه، إنه غبي، أعني السمك. دخلت فلم أجد أحدا في الصالة. سمعت باب البيت يكسر، فاختبأت تحت الكنبة. لم أرى إلا أقدام الأشخاص، أصواتهم ليست واضحة. فتحا باب غرفة النوم، وحينها سمعت عدة طلقات رصاص، استمر هذا مدة طويلة. أسمع أصوات حركة، وأصوات … ” وتوقف الطفل يبحث عن الكلمة. سأل الرجل “أصوات ماذا؟”

“مثل صوت حينما … ”

“همس؟”

“لا، مثل أصوات وأنت تموت؟”

صمتا يفكران. قال الطبيب الشاب أخيرا “حشرجة”. يقف بإنهاك متهدل، على وجهه تعبير مرهق. اتجهت الأنظار نحوه، وكأنه خرج للتو في المشهد. ردد الرجلُ الكلمةَ بلكنة أجنبية ثقيلة، لم يسمعها من قبل، ولم يعلق الطفل بشيء. أكمل “خرج واحد منهما فقط، أقصد الجنديان. لم أرى إلا قدمان. جلست هناك مدة أطول، حتى هدأ الضجيج في الخارج تماما. خرجت وذهبت إلى الغرفة. كانت معتمة. وكانوا جميعا ميتين، في الزاوية، وراء السرير. وكان هناك شخص ميت أيضا عند الباب”

هز الرجل رأسه، يريد إنهاء الحديث عند هذا الحد، ولكن الطفل بدا مسترسلا، وكأنه معتاد على أن يقول القصة بطريقة معينة، ولذا أكمل بإصرار “الولد الأكبر هو صديقي عمره 12 سنة، ساقط على ظهره وفي بطنه وصدره ثقبا رصاصتين، الولد الثاني هو صديقي أيضا عمره 9 سنوات، ساقط على بطنه وهناك فتحة سكين في رقبته، الفتاة عمرها 15 سنة، لم تكن صديقتي، كانت تكرهني رغم أنها لم تكن جميلة، لم تكن هناك، لابد أنها هربت مثلي، ولكنني لا أعلم أين هي، الأم في رأسها رصاصة، والأب هناك رصاصة في صدره وهو ممسك بمسدس في يده. أخذته من يده، كان متحجرا فيها، وهربت”. صمت الطفل لحظة، في المكان احتقانٌ رطب خانق. غمغم الطبيب الشاب بلعنات لامسموعة، في وجهه تعابير غضب مستنزف. خرج من الخيمة، وقف في الزقاق بين الخيام، أخرج سيجارة واختبأ قدر الإمكان لئلا يراه المراهقون الذين يطلبون منه السجائر دائما، وأخذ يدخن. لم يعد يتذكر كم قصة سمعها طوال هذا اليوم، كم صورة رآها. خرج الرجل بعد دقائق، وقف بجانبه، مدّ يده فأعطاه سيجارة وأشعلها له. “فاتك مشهدُ حينما نبشوا جثث عائلته. لقد كانت صورة لطيفة” وقفا يحملقان في المشهد أمامهما، ويدخنان، بصمت. “ستعتاد قريبا على كل هذا”. على الأرض ندفُ ثلج صغيرة كانت قد تساقطت قبل دقائق، تذوب وتتفتت ببطء. مراهقون يتحركون بفتوة وعنف، على أوجههم تعابير قسوة ونقمة. فتيات يتحركن بقلق، ينظرن إلى كل شيء بشك وعدائية. أطفال يلعبون وعلى أوجههم سحنة غبرة وكدرة تبدو ثقيلة جدا، وكأنها طبقة جلد جديدة.

————

السبت، الربيع، الساعة الرابعة فجرا، استفاق الأب من نومه. عتمة الغرفة مريحة، مغرية. ولكنه قاوم الإغراء، قام مترنحا. وقف لحظة في الظلمة أمام النافذة، وكأنه يتخذ قرارا. فتح فُرجة في الستارة فتسلل ضوء الفجر الأزرق الباهت، نقيا وكثا. وقف باسترخاء ناعس، يحدق في الشوارع النائمة. لا حركة، عدا رجل يمشي وحيدا في رصيف بعيد. أخذ يراقبه، يتسكع في مشيه بعزلة مهملة. أحس بامتنان خامل، أنه ليس ذاك الرجل، وأنه هو، هنا، في بيته، في غرفته، رائحة زوجته وأبنائه تكاد تملؤ المكان. وقف عدة دقائق يستهلك هذا الشعور، يراقب الرجل، حتى اختفى وراء زاوية. أيقظ زوجته التي اعترضت “روحوا لحالكن” ولكن دون جدوى. أيقظ طفليه – أكبرهما في العاشرة والآخر في السابعة – اللذان قفزا بحماس وتلقفا عدتهما الجاهزة، وأيقظ ابنته – في الثانية عشر من العمر – التي اعترضت مثل أمها ولكن دون جدوى. “كل سنة. لشو نتعلم الصيد ما منّو فايدة” تقول بنزق ناعس وهم يتجهزون في الصالة، ولكنه يخبرها أن تتجهز بصمت، وأن تستغل هذه اللحظات التي تمتلئ بزرقة السكون الفجرية لتتأمل الإحساس المقدس بأن تكون موجودا هنا، بأنك تبدأ يوما جديدا. “بسّك وعظ لسى بكّير والله” تقول له زوجته وهي تتثاءب. في السيارة، يأكلون سندوتشات الجبن والزعتر، يننتظرهم صباح طويل. الطفل الأكبر، يخبرهم كل ما يجب معرفته عن نهائي كأس العالم 2010 هذا الأسبوع، يشجع إسبانيا، ولكنه سيشجع هولندا إن فازت. لا ولاءات في كرة القدم حسب رأيه. لا أحد ينصت، الجميع منشغل بنعاسه. إلا الأب، يبتسم ويومئ ويحدق في الصور. أحيانا يهدئه سماع صوت، أي صوت. أوقف السيارة على حد الطريق الريفي، ونزلوا. الممر الترابي ينزلق إلى البحيرة المنصَبَّة في مجرى النهر، تؤطرها أشجار صفصاف طويلة. المنظر من التل نحو المنحدر بانوراميٌّ متمدد. الشمس تنضج أكثر، ولذا تغشّي صفرةٌ رقيقة قشرةَ المدى، وتبدو البحيرة وكأنها مضاءة، تلمع. يستخرجون الأغراض. “لازم نمشي كمان” تدمدم الفتاة مترنحة. الطفلان ينحدران من التل، يركضان. الأم تصرخ “هدّوا شوي”. الطيور، الحفيف، الأريج الذي تسحبه الريح من أماكن بعيدة. يشم رمانا وبرتقالا وعنبا. شخص ما – ربما جده الذي كان مدرسا ريفيا – أخبره أنك في الفجر تشمّ روائح تخرج من عمق ذاكرة الأرض، روائح من عصر الفينيقيين ربما، أو أقدم. يخبرهم بهذا ولكن لا أحد يُنصت فعلا، ولا يبدو مباليا بذلك، إنه منشغل بحالته الخاصة. يمشون. الزرع يخدش سيقانهم، الهواء نقي نقاء معقما يكاد يكون مَرَضيا. استعدوا على حافة البحيرة. الطفلان متحمسان، الفتاة مترددة، الأم تفرش البساط تحت شجرة صفصاف كبيرة.

أعدّ الأب السنارات ذات الذراع المنحني بعصا الكربون، مسننة بسنون رمحية، وبكرة لفّاح وخيط حرير، ومعقفة بطُـعم ربيان أحمر. اختار بقعة عند الحد الضحل للماء، ولكن لم يكن ثمة شيء هناك، فدخل إلى العمق أكثر، ولكن دون فائدة أيضا. اعتراضٌ نزق من الطفلين اللذان بدءا يشعران بالملل. انتقل إلى بقعة حيث الماء ساكن والعمق كثٌّ بأوراق صفراء. يرى في الأسفل سمك المرمور يخطف هنا وهناك. ويومض البالون بين العشب. وحينما رمى سنارته، قفزت سمكة سالمون كبيرة في الهواء مقوقئة ثم سقطت في الماء واختفت. تقافز الطفلان بحماس، الفتاة تتابع الموقف باهتمام طفيف، الأم تهتف “شو صار؟” ولكن لا أحد يجيب. الأب يعيد سنارته إلى الماء، يوجه الجميع إلى نفس الموضع، وينتظرون. جالسون بصمت، وخشوع. يخبو الترقب والحماس، ويحل محله سكون ممل رتيب. يحدق في الماء، يتموج بخفة مع الريح، يومض بانعكاس الشمس التي تمشي في السماء. إنه يتذكر شبابه، حينما كان يجلس هنا، وحيدا، في عزلة هادئة، هو والوقت، ولاشيء بينهما، تمر الساعات دون أثر، يكاد يشعر بكل تغير يطرأ أمامه، الضوء، الماء، الرائحة، الانتقال بين الوقت والآخر، ينقع كل هذا في انطباعه، ويكاد ينسى أنه هنا ليصيد أصلا، ينسى أنه لم يصد شيئا. الآن، يشتت انتباهه/لاانتباهه الطفلان بجانبه، يتركان سنارتيهما، يركضان في المنحدر، يعودان، يتململان. الفتاة نائمة تقريبا، متكومة على نفسها، أعلنت أكثر من مرة أنها ترفض أن تحب صيد السمك، لأنه غبي. زوجته في مكان ما في الخلف. يفكر أنه سيأتي لوحده في المرة القادمة، ثم يدرك أنه يقول هذا في كل مرة دون أن يفعل، ويلعن هوسه، هوسُ أن يورث لذّاته إلى عائلته، ولاشيء ألذّ من أن تورث لذاتك لمن تحب، كما يرى. ولكن لا أحد يحب هذا، فلماذا أواصل جرّهم إلى هنا؟!.

الأم تتجول بين الصفصاف. لقد اتفقت منذ وقت طويل مع زوجها أنه لن يحاول استدراجها إلى الصيد، ولكنها ستقبل الخروج في هذه النزهة الفصلية. ولذا تتجول بين الصفصاف، تقرأ تعاريج اللحاء، تشم الزرع. كل شيء منوِّم. تريد أن تستلقي هنا، وتغمض عينيها. ولكنها لا تفعل. جدتها كانت فلاحة، ولذا هي مقتنعة أن في جيناتها شيئا من الطبيعة. تزرع في حديقة بيتهم الصغيرة، ولكن للزينة فقط، لاشيء جدّي فعلا، ولكن ذلك الجين المتأصل يكره هذه اللاجدية، ويعتبرها سخفا، فتتوقف. تلتفت وتراقب عائلتها، أمام البحيرة. زوجها صامت دون حركة، الطفلان يتحركان في كل مكان، الفتاة تتهدل في جلوسها ناعسة. الصورة تتكرر، لا يتغير فيها إلا عمر الأطفال، وعمر زوجها وعمرها. إنها تسايره، يومان في السنة، لا مشكلة. تمشي إليهم ببطء، تلتصق بكتف زوجها “لسّى” فيلتفت نحوها نصف التفاتة “لسّى” تطبطب عليه وهي تتراجع “طيب. راح أبدا أجهز كلشي” وتعود إلى البساط والعدة، ترتب كل قطعة بما يكفي من البطء لتستهلك الوقت.

الفتاة تبدي ملاحظة نزقة بين حين وآخر. زفر الأب أخيرا “خلاص خلاص، إذا ما بدّك روحي” وضعت سنارتها وتراجعت، تجاوزت البساط المفروش، “لا تروحي بعيد” تقول أمها. ولكنها تبتعد أكثر، تتجول، تحدق في الجبال والتلال، الخضرة الاستفتاحية للربيع، السكون العميق في المكان. جلست في بقعة عشوائية، تنكث الزرع بيديها. رفعت رأسها، رأت من بعيدٍ والدها، وقد وقف أمام البحيرة، بجاكيتته الفرو البيجية، ممسكا بسنارته، لا يتحرك، وأمامه الماء يومض بانعكاس الشمس. أرادت أن تجعله يحزن، أن تختفي مثلا ليذهب للبحث عنها، يجدها ويحملها ويخبرها أنها ستكون سعيدة منذ اليوم وأنها لن تفعل شيئا لا تريد فعله. ابتسمت لهذه الفكرة. قامت، تجولت قليلا، وهي تلتفت بين حين وآخر لتلمح والدها، لازال يقف بجمود منتصب، وتشعر برغبة غامضة في أن تهتف له فيلتفت عليها. ولكنه فجأة، التفت عليها فعلا، دون أن تهتف. ملامحه غير واضحة، ولكنه يحدق بوضوح، وكأنه يقول أعرف ماذا تريدين فعله، ثم عاد ليحدق في البحيرة. ابتسمت برضى غامض لا تفهمه. تعمّدت أن تتجول قليلا، ثم عادت إلى سنارتها قريبا منه، كان قد جلس، وتطلع نحوها وهي تحاول إخفاء ابتسامتها. أعلن ساخرا “شوفوا مين رجع، الآنسة أرفض”.

الطفل الأكبر يخبر والده عن ميسي، وكيف أنه كان قريبا من أن يلعب للمنتخب الأسباني بدل الأرجنتيني، ثم يتحدث عن أنيستا، لاعبه المفضل في النهائي، ثم من ذلك إلى كيف أن مدرّس اللغة العربية يخبره أن كرة القدم تستهلك أكثر مما تمنح، وهو شيء لم يفهمه، ثم اقتراح أن يسافروا ذات يوم إلى أسبانيا ليحضروا الكلاسيكو، ثم فجأة يصرح بخمول “بابا. ملل” ولكن الأب لا ينتبه، لقد تعلم ألا ينصت لكل شيء يقال في حضوره. يهمّ الطفل بأن يكمل استطراده ولكن أخاه يرميه بحفنة تراب، فيقفز ويركض وراءه في التل، وهما يصرخان، وينتبه الأب بعد لحظات من الصمت إلى أنه كان هناك صوت بجانبه، وأنه ذهب الآن، ولا يشعر برغبة في أن يعرف إلى أين، أو لماذا، كل ما يسمعه هو الأصوات المتشابكة التي تزحف إلى مكان جلوسه، حيث لا يُبعد تحديقته عن البحيرة. البحيرة التي تعانده.

ويمر الوقت، بطيئا، بوعي، دون جدوى. يغير الأمكنة، ولكن لاشيء. يشعر بالذنب، ويكاد يغضب لولا أنه أكثر شعورا بالخيبة والخجل من أن يغضب. لماذا يتكرر هذا؟ يسأل نفسه بنقمة.

في أول الظهر تقريبا، كان الطفلان قد تركا سنارتيهما تماما، الفتاة أيضا. جميعهم في مكان ما في الخلف، يجلسون ويلعبون ويتحدثون. أصواتهم تتسلل متشابكة. زوجته كانت قد أوقدت الشواية منذ مدة، وبدأت تطبخ نقانق ولحما أتت بها في البرادة. كان هذا يحدث أحيانا، ألا يصيدون شيئا. ترك أخيرا سنارته، مشى مطأطئا، جلس بصمت. يلتفت كل دقيقة إلى سنارته، لاشيء يحدث. لم يسأله أحد هل صاد شيئا، لقد نبهت الأم الجميعَ على ألاّ يسألوه شيئا، وقد لاحظ وأحب ذلك، هذا التواطؤ المتسامح، وإن كان محرجا بعض الشيء، ولكنه لم يعد يبالي الآن. بدأ يسترخي أكثر، يراقبهم بابتسامة خاملة، وهم يتحركون بهامشية وإزجاء للوقت. لم يكن أي منهم يفعل شيئا محددا، كانوا فقط يجلسون، كما اعتاد ان يجلس مع صنارته أمام البحيرة. وبدأ يحس بالوقت، يكاد يشعر بكل تغير يطرأ أمامه، الضوء، الماء، الرائحة، الانتقال بين الوقت والآخر، ينقع كل هذا في انطباعه. الماء يغلي، قام وأعدّ الشاي. جلسوا الآن أمام الطعام، الجميع نسي كل اعتراض كان لديه، يتحدثون ويضحكون ويأكلون. قصص، نكت، صمت. وفي هذه اللحظة تحديدا، نسي أنه هنا ليصيد أصلا، ونسي أنه لم يصد شيئا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s