توماس برنهارد. العدمية والعدائية

“كل شيء يبدو سخيفا إذا فكر الشخص بالموت!”

برنهارد الفضائحي، العدائي. التشدق الاندفاعي/المتزن في نفس الوقت, الكره المقنن تجاه كل شيء تقريبا: الإنسان، النمسا (دولته)، الثقافة، المدنية، الطبقية. أحدّ نسخ الصوت الحاقد الذي يكمن في كلنا، ولكننا – لأسباب عديدة – أكثر ترددا من أن نسمح له بالخروج. ولهذا هو يخيف ويستفز. أكثر الأشخاص/الكتاب المتهكمين المستهترين الذين ستقابلهم، حياته/رواياته جملة من المتناقضات المتناسقة مع بعضها، لأن الإنسان، حسب تعبيره، ليس سياقا واحدا، وإنما عدة سياقات تختلف باختلاف الزمن والمزاج والحالة. برنهارد الذي سيهزأ بهذه المقالة التي تكتب عنه، وسيهاجم كاتبها بعنف، وسيقلل من ثقافته ووعيه، وسيعيب خضوعه البورجوازي الذي يجبره على ضرورة تفسير كل شيء!

1931-1989. النمسا. عاش معظم حياته في صحبة مرض السل الرؤوي الذي كان “فنه الثاني”. ينحدر من أب لا يعرفه، وأم طورت نزعة القص لديه بأن كانت تنصت لأكاذيبه وهو يروي هروبهما إلى مناطق بعيدة، وجدّ – من جهة أمه – ذو ثقافة علمية واسعة تولى تعليمه ورسّخ في ذهنه صورة الكاتب الفاشل الذي يريد من العالم أن يتمحور حول تجربته الإبداعية. رفض تسلم الجوائز في آخر حياته لعدم حاجته للمال، بينما كان يقبلها سابقا، لأن من الجنون – حسب تعبيره – أن ترفض مالاً أنت في حاجة له، ولكنه يعوض رضوخه بخطابات استلام لاذعة. فحينما تسلّم جائزة الدولة للأدب في عام 1967، ألقى خطابا عدائيا قاد وزير الثقافة وعددا من الحضور إلى الخروج من القاعة. “الوزير المحترم. الضيوف المحترمون. ليس هنالك شيء ليُحمد، شيء ليُلعَن، شيء ليُتهم، ولكن الكثير منه تافه. بالفعل، كل شيء تافه حينما يفكر الشخص بالموت … عصرنا أحمق، الشيطانيّ الكامن فينا سجنٌ وطني أبدي تصير فيه مقومات الغباء والرعونة حاجةً يومية … نحن نمساويون، فاتروا الشعور، حيواتنا تفضح انحطاط لامبالاتنا بالحياة. أفكارنا مهترئة، تجاربنا فوضوية، هويتنا مبهمة. لا يجب علينا أن نخجل، ولكننا لاشيء، ولانستحق شيئا سوى الفوضى”. وكرر نفس الحركة في عام 1972 أثناء تسلمه جائزة غريلبارتزر. وفي عام 1988 أثارت مسرحيته Heldenplaz (ساحة الأبطال في فيينا التي أعلن فيها هتلر ضم النمسا إلى ألمانيا) جدلا هائلا وردة فعل “حكومية” وشعبية تجييشية، إذ تتحدث عن انتحار بروفيسور يهودي بعد عودته إلى بلده النمسا واكتشاف أن النازية لازالت آثارها باقية. وحينما توفي، كشفت وصيته فضيحته الختامية، الضحكة الأخيرة التهكمية، إذ اشترط ألا تعاد طباعة كتبه أو تمثيل مسرحياته في النمسا طوال مدة حقوق الملكية لكل عمل .. إذاً، لا يكاد يمر له عمل (رواية، كتاب، مسرحية) إلا ويهاجم فيها النمسا. المثقفون، السياسيون، الكنيسة، التعليم، البرجوازيون، التاريخ، بل وحتى المفهوم العائلي. كل شيء يتعلق بالنمسا، فهو محل هجوم محتمل. ولكن، لم تكن النمسا الوحيدة في هذا الهجوم. برنهارد هاجم كل شيء تقريبا، الحياة – وهي مفردة إشكالية بالنسبة لبرنهارد – بمجملها كانت فرصة لعداء مشخصن بالنسبة له. يقول “أن أهزّ وأستفز الناس، هذه متعتي الحقيقية”. إن النمسا لم تكن إذاً استثناء. العدائية أو العدمية هي ردة الفعل “الآمنة ذوقيا” تجاه الحياة. فبحسب برنهارد، محاولة تقديم الحياة بصيغة مثالية هي عملية معرضة دائما للتشكيك، حيث أن المتلقي قد يشعر أنك تحاول أن تبيعه شيئا يناقض الواقع، بينما الوقوف في عداء – مبرر – هو ردة فعل حذرة، بل ربما حيادية، وبالتالي متحررة، لامبالية، تقترح موقفا معارضا لكل ما يحدث أمامك، وكل موقف معارض هو مساحة محتملة لفوقية استهزائية مستهترة. إذاً يجوز القول أن عدائية برنهارد ليست شخصية فحسب، ولكن ذوقية أيضا! نظرته المتهكمة، الساخرة، الضاحكة، الفوقية، هي ردة فعله الحانقة المقننة “اللاانفعالية” على كل محاولات التلميع التي يقوم بها الآخرون، الترويج المبتذل لكل مظاهر الامتنان المفتعل، المدنية التي تحاول أن تثبت أنها وصلت بالإنسان إلى الحضارة، الثقافة التي تحاول أن تثبت أنها وصلت بالإنسان إلى التعالي. إنه شخص مهووس بالأصالة، لدرجة أنه لم يعد يراها إلا في حالات نادرة. هذا الهوس بالاستفزاز، الذي يدفعه استفزاز الآخرين، قاده لأن يحارب الجميع، إلا “البسطاء” على حد تعبيره، الذين لا يستطيعون أصلا قراءة أدبه، ولا يعرفونه إلا بفضائحه، ولذا يعاديه بعضهم! حينما يلقي الصحفي سؤالا على برنهارد: لماذا أدبك ينتشر خارج النمسا أكثر؟ يجيبه: لأن الأدب في النمسا مستحقر. ولكن هل هو مستحقر فعلا؟ النمسا أبرزت عديدا من الكتاب المهمين. فبرنهارد، لا يجب أن يؤخذ حرفيا، ويجب أن يؤخذ حرفيا أيضا! كل ما يقوله صادق، وليس صادقا أيضا. لأن هذه هي العقلية المناسبة للمواجهة، العقلية الكافكاوية، التي تقدم كل شيء على أنه سخرية كبيرة، مزحة هائلة عبثية تقف لتراقبها من مكان متعال، عامودها الفقري التناقض التعددي اللامبالي. يجب أن تؤخذ بجدية وألا تؤخذ بجدية أيضا. تخيل أنك أمام شخص يصرخ بغضب، ثم تلمح – أثناء صراخه – زاوية فمه ترتعش قليلا عن ضحكة مكتومة! ولذا يجب الإشارة إلى أهم ما يكسر الصورة النمطية عن برنهارد، وهو أنه ليس كاتبا انفعاليا، هذيانيا. إنه في منتهى الاتزان والحدة، في منتهى الأناقة الأدبية الرفيعة. إنه يكره ويغضب ويندفع ولكن بهدوء مقنن لاارتجالي.

وهذا يقود إلى فهم العدمية البرنهاردية .. مأزق الذين يهاجمون أدب العدمية، وخصوصا الساخر منه، أدب بيكيت وبرنهارد وفيرديناند سيلين كأمثلة، أنهم يحجّمون فهمهم له. يربطون العدمية بالرفض، وليس الإقرار بالقبح والرداءة، ومن ثم الضحك سويا على أننا مجبرون على مجاراة هذا القبح والرداءة. نعم صحيح، هذا أمر مضحك! ينظرون من زاوية “النقيض” الأحادية، إثبات الشيء بضده. بينما بيكيت وبرنهارد وسيلين ينظرون إلى العدمية كحقيقة لا مفر منها، ولذا لا يخططون للفرار منها، ويسخرون من أنهم لا يستطيعون الفرار منها. حينما وجهت صحفية سؤالا لبرنهارد: هل يحدث يوما أن كنت سعيدا؟ رد: في كل يوم أنت سعيد، لأنك لم تمت! (لاحظ كيف أجاب بصيغة الـ “هُو” وليس الأنا) الحياة سيئة، تافهة، رديئة، خصوصا إذا كنت مصابا بسل رئوي. ولكنها منحة، هبة. عدميتهم تحوي نوعا من الامتنان المبطن، المخفى عمدا، وكأنهم مُقـرّون بعدميتهم لدرجة أن ذلك ينتج لامبالاة تطهيرية. ولهذا أدبهم قوي، لأنه أصيل. عدميته، بدل أن تحدث ضمورا وانكماشا، تحقق – وبانسيابية – شكلا من الرضا والنشوة، إشباع الكراهية والغضب والشك الكامن في كلنا، الذي ينقلب بفعل تلك الفوقية الاعترافية إلى سخرية، استهتار. ولهذا يوصف برنهارد أنه أحب النمسا رغم كل هذا الهجوم، رغم كل هذا العداء المعلن. إذ كان الوحيد من الكتاب النمساويين الكبار – هاندكه، كانيتي، سيلان – الذي لم يهاجر. كانت تستفزه محاولات “التلميع”، ابتكار لعبة نفسية لمواجهة القبح: أن تُخفي عوراته لتتقبله دون تأنيب ضمير، دون أن تشعر أنك “بعت” موقفك. ولكن هذا مرفوض، يجب أن يُكشف، أن يُعرّى، أن يهاجم. ويجب أن يحدث كل هذا بطريقة ساخرة مستهترة تتهكم بكل ما هو عزيز وأثير على أولائك الذين يلمّعون كل شيء بزيف مستفز. كان يستمتع بذلك، تحطيم تلك القدسيات الهشة، تلك الخصوصيات الأثيرة. ولكنه لم يكن يفعل ذلك بوقاحة، وإنما في منتهى التأنق الأدبي الرفيع. وبرنهارد لا يقوم بهذا لأنه فارس نبيل، لأنه يحمل نبوءة ما، إنه أكثر أنانية ونرجسية من ذلك، ولكنه يقوم بهذا لأن لا أحد يقوم به، ولهذا هو يحقق أعظم انتصار يبدو فخورا به: التفرد. برنهارد، حتى لو رفض الإقرار بذلك، ولا أعلم أنه أقر بذلك صراحة، يحب أنه يبدو خارج السياق، أنه يسير عكس التيار، أنه من قوة الاكتفاء الذاتي قادر على خلق نمطه الخاص. وهو من الكتاب الذين بالفعل، لديهم نمط خاص، يضاف كامتداد للسلّم الرباعي: دوستويفسكي، هامسون، كافكا، بيكيت.

“مثلي، جميعهم كانوا يتوقون إلى الموت، وجميعهم، كما قلت سابقا، حققوا أمنيتهم … من بينهم، الشرطي السابق Immervoll (تعني بالألمانية الممتلئ دائما) الذي كان في غرفة المصحة المجاورة لي، والذي – طالما كان في حالة تسمح بذلك – يجيء إلى غرفتي كل يوم ليلعب لعبة pontoon معي. فاز هو وخسرت أنا، لأسابيع، فاز هو وخسرت أنا، إلى أن مات هو ولم أمت أنا. كلانا لاعبان شغوفان بالـ pontoon، لعبناها لنقتل الوقت، إلى أن لم يكن الوقت الذي قُتل، وإنما هو.” My Prizes: An Accounting

أذكر أنني جلستُ أسبوعا كاملا بعد أن انتهيت دفعة واحدة من قراءة أربع روايات لبرنهارد، وأنا عاجز تماما عن قراءة أي شي، عاجز فيزيولوجيا ونفسيا! هذه الكتابة المتصلبة، التي تنحشر جميعها في براجراف واحد، خرسانة هائلة لانهائية، بحر زبدي يترجرج ككتلة واحدة، تعتمد إيقاعا موسيقيا يزعم برنهارد أن لا مثيل له في الأدب الألماني، حيث أن الكتّاب الألمان تنقصهم الأذن الموسيقية، حسب تعبيره. ولأجل هذا (وهو ما سيتضح في النسخة الأصلية الألمانية، التي لم أكن محظوظا بقراءتها) يختار برنهارد كل مفردة بعناية نغمية، تشبه تلك النظرية التي روّج لها تي إس إليوت حول موسيقية النطق الحرفي، حيث أن كل مفردة تكون نغمة في هذا السياق الموسيقي، كل مفردة تساهم بطريقة نطقها صوتيا وحركيا في تكثيف الجوّ المطلوب للجملة (وربما لهذا السبب لم يكن برنهارد مقتنعا أن أعماله قابلة للترجمة بشكل كامل). ولأنه يحب ثبات ونسقية باخ أكثر من درامية وذروة وغائية موزارت؛ تأتي بُـنية أعماله غالبا قائمة على هذا التكتل الذي يكاد يكون لاغائيا في جانبه الشكلي، حيث يسير متشابكا متداخلا مختلطا في مونولوجية متصلة إلى لانتيجة أو ذروة واضحة، بنبرات التكرار والإلحاح والمبالغة. “تصميم” الكتابة الخرسانية هذه لدى برنهارد لها جانب موسيقي وشكلي، فلو انتزعت عدة أسطر إلى صفحة فارغة، فستلاحظ ترهلا نوعيا، وإن كانت ستظل تحتفظ بجودتها، حيث أن جمل برنهارد هي اتساق متناغم، حالة صوتية وبصرية متزاوجة في تدفق الما بعد والما قبل، لو انتزعت أحدها فسيبدو هذا مثل انتزاع قطعة من ألعاب الـJigsaw، كما أنها – تصميميا – تحقق تلك الصورة التي تعكس إحساسا باللاتوقف، الاندفاع، بل واللهاث. ولذا يقول على لسان راوي Concrete “غالبا نكتب جملة بشكل مبكر جدا، وفي أخرى بشكل متأخر جدا، ما يجب علينا فعله هو أن نكتبها في الوقت المناسب، وإلا فهي مهدرة”. تخيل هذا الكم المتشابك المتثاقل المحشور بالأفكار والتحليلات، يقوم أساسا على التشريح، على تجزيء كل شخصية، كل حدث، كل صورة، إلى شظايا، ومن ثم تحليل موقفها من عدة زوايا رؤية. Correction على سبيل المثال، هي شكل مخروطي عملاق من الاستطراد والتكرار والتناص وسط متاهة تؤدي إلى نهايات عديدة، لدرجة أنها تكتسب انطباعا “حسيا” مع مرور الوقت، أنت تكاد أن “تحس باللغة”! ولهذا أرى في روايات برنهارد شيئا من الواقعية، ولكنها واقعية فريدة من نوعها، متعالية إن جاز التعبير، وهو ما يبدو مهملا أثناء دراسة أعماله لدى البعض، إنها تحمل سمات الإيقاعية الموجودة في الواقع، الكثافة المونولوجية الراصدة المتواصلة مع استطرادات التداخل والتنوع والتشكل، كلها مجموعة في ذلك الحس الفوقي من السخرية والتهكم والشكية المنغّم في إيقاع موسيقي، أنت أمام مشهد حياتي فردي، أنت أمام تجربة عقلية واقعية، أكثر من أن يتم احتواؤها تماما، ولكن بدل أن يكون مصنوعا بالصور والإيماءات والأشكال، يكون مصنوعا بالحروف والكلمات والإيحاءات. برنهارد أحد قديسي اللغة. اللغة بالنسبة له مساحة أبدية من الخيارات اللانهائية، بإمكانه ان يكتب عن أي شيء، عن أي لحظة، عن أي حدث، وأن يمطه إلى أقصى حد ممكن، وأن يستخرج منه كل الإيماءات وكل الإيحاءات وكل الصور على شكل كلمات منتقاة بعناية، بحذر، بحب! نعم بحب، كلمة عاطفية لا تناسب برنهارد، لكنني سأستخدمها: بحب. ولهذا هو يرفض أدب الثيمات، المواضيع والقوالب، ويطالب الكاتب أن يعبر عما يريد قوله بتحرر وانسيابية دون جدولة. رواياته حتما تحتاج أكثر من قراءة. ولكنه لا يتوقف عند اللغة فحسب، هنالك طبقات متعددة في أعماله. التناص، النبرات، الإحالات، جميعها تسير في بناء معماري بوليفوني بسيط ولكن معقد في نفس الوقت. مثلا: لتقرأ correction بشكل صحيح، يُفضّل أن تكون مطلعا على تصاميم المعماري فرانك لويد رايت، لأن نبرة الرواية تقتبس نبرات وتصاميم مشابهة. حينما تريد قراءة the loser، يفضّل أيضا أن تكون مطلعا على the goldberg variations لباخ، وتحديدا الأداء الذي قام به قلين قولد، البطل الذي يقتبس برنهارد شخصيته في الرواية، ويصنع بين طريقة “تفسيره لمعزوفة باخ” (المصطلح الذي يطلقه على أداء عازف البيانو لمقطوعة ما) وبين تشابه سرده نوعا من التنساق والتناظر. ونفس الارتباط في old masters برسومات غويا، وفي woodcutters بمسرحية إيبسن the wild ducks. وهو ما يقود إلى الحديث عن التناص، أحد أهم ميزات أدب برنهارد. حيث استدعى في رواياته عدة شخصيات حقيقية، الموسيقار فيلكس مندلسون في Concrete، صديقه باول فيتجنشتاين في Wittgenstein’s Nephew، وعمه الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين المقتبس في أكثر من رواية، عازف البيانو قلين قلولد في The Loser. ولكن، برنهارد غير مهتم بالتوثيق، وإنما بالتورية. قلين قولد لدى برنهارد مختلف عن قلين قولد الحقيقي في عدة أشياء، لأن برنهارد لا يحتاج قلين قولد الحقيقي، وإنما – كما قال مارك أندرسون – يريد “صورة” قلين قولد، عازف البيانو العظيم الذي يشترك معه في طريقة الأداء العبقري المتخلق من أصالة حدس فني لا يحتاج الآخرين لإثبات نفسه، ولذا يعتزل الحفلات الموسيقية للإبقاء على شكل من الأصالة اللامساومة. يأخذه، ويحرفه، ليجيء متوازيا مع برنهارد نفسه. لأن قلين قولد (لاحظ الميزتان السابقتان: الأداء العظيم المتشابه، العزلة الفنية الفوقية الاختيارية)، مثله مثل كل شخصيات برنهارد، هو انعكاس محرف لبرنهارد نفسه. ففي The Loser, أحد أكثر رواياته التي تجسد هذا “التناص التعددي”، نرى أن برنهارد هو مزيج الشخصيات الثلاثة جميعا. هو قلين قولد، وهو الراوي اللامحدد الاسم، بل وهو فيرتايمر (الذي يقتبس بعض مواصفات فيتجنشتاين أيضا). في أعمال برنهارد المتأخرة تحديدا، يشتبك الواقع والخيال إلى حد بعيد. إن برنهارد يخلق نسخته الخاصة من الواقع. لماذا؟ لأنه يريد ذلك، لأنه يعيد صياغة نبرته الحيادية المحاكمة، ولذا لا يبالي بتلك الاختلافات بين نسخة قلين قولد الواقعية وبين النسخة البرنهاردية. برنهارد هو كل شخصياته، وهو في نفس الوقت لا أحد من شخصياته، فهو قد وزع نفسه بينهم لدرجة أنك لا تستطيع ربطه بشخصية واحدة، ولكن في كل واحد منهم شيء منه. وهو ما يبرر فكرة التناقض مرة أخرى، العودة إلى ذلك التداخل بين الانطباعات، المفاهيم، المواقف، بل والسلوك. الإنسان المتنوع بطبيعته، التعددي، ولذا هو يقبل – بل يجب عليه – احتواء أشكال مختلفة ومواقف متنوعة، حيث أن من الصحي أن تكون متناقضا، أن تكون حاضنا لمزاجات وحالات مختلفة تسير في نمط تفكير واحد (ولهذا هو يختار شخصيات معينة تجسد الوحدة والقلق والشك دائما)، وأن أكثر الناس الذين يجب أن تنفر منهم هم اللامتناقضون، الأحاديّون الذين يبدون كنمط أوتوماتيكي. برنهارد يضيع في تعددية تناصه الأدبي، وفي “لاجدية” آرائه “الجادة”. إنه شخص لا يمكن القبض عليه تماما، إنه يبعث دائما شعورا على الخداع، ذلك الرجل الغاضب الذي يكتم ضحكته. إنه كل شيء، ولاشيء في نفس الوقت!

“الشخصيات الضعيفة لا تتحول إلى أكثر من فنانين ضعفاء … فيرتايمر أثبت هذه النظرية، كان لديه ما يمكن تسميته بالسلوك الفني المفتعل، قلين قولد لم يكن في حاجة لذلك. كان فيرتايمر يسأل الأسئلة دائما، قلين لم يسأل أي سؤال أبدا. فيرتايمر كان خائفا على الدوام من أن يثقل كاهل قوته، بينما لم يخطر في بال قلين أن من الممكن أن يثقل كاهل قوته. فيرتايمر كان يعتذر دائما على شيء لم يكن يحتاج حتى الاعتذار، بينما لم يكن مفهوم الاعتذار أصلا مألوفا لدى قلين. فيرتايمر كان يجب أن يعرف دائما ماذا يعتقد الناس عنه، قلين لم يكن يبالي بذلك ولو قليلا، أنا أيضا لم أكن أبالي بذلك ولو قليلا” The Loser

وخروجا من التناص، والتعددية، تعمل هذه الأعمال على طبقات أخرى: الإحالات المكانية، إن جاز التعبير، فكل مكان تمر به الشخصيات، هو إحالة إلى حدث نمساوي، غالبا ما يكون سلبيا، أو حدث فردي، يعود إلى برنهارد نفسه، وهو ما يمنح هذه الأعمال صبغة غائية أحيانا، وتجعلها تبدو – ولو بشكل غامض – تتجه إلى نتيجة أو رسالة ما (رغم التحفظ الذي سيبديه برنهارد نفسه على هذين المفردتين المباشرتين). بالإضافة إلى الإيحاءات والإحالات الثقافية، المتسقة مع الآراء التي يستخدم برنهارد شخصياته للتعبير عنها، ولكن بدون مباشرة، بدون نتوءات، جميعها ملائمة تماما مثل القفاز في اليد.

الخاتمة الأفضل للمقال، أقتبسها من الروائي والناقد دالي بَـك “ربما هو أمر جيد أن برنهارد ليس أكثر رواجا في العالم، ربما هذا النوع من الاحتفاء سيخنق خصوصية نصه بالتفاسير الملطفة بعولمتها. لاشك أنني أساهم في هذه العملية بهذه الكلمات، وفي هذه الحالة ربما أفضل ما يمكنك أن تفعله هو أن تنسى كل شيء أخبرتك به، وتذهب بدلا من ذلك إلى قراءة أحد كتب برنهارد”

“يجب أن نسمح لأنفسنا بالتفكير، يجب أن نجرؤ على أن نفكر، رغم أننا نفشل. إنها طبيعة الأشياء أن نفشل دائما، لأننا نكتشف فجأة أن من المستحيل أن نرتب أفكارنا، لأن عملية التفكير تتطلب منا أن نأخذ بالاعتبار كل فكرة موجودة، كل فكرة ممكنة. بشكل أساسي، نفشل دائما، مثل الآخرين، أياًّ كانوا، حتى أصحاب العقول العظيمة، في نقطة ما، يفشلون فجأة وينهار نظامهم، كما تثبت بذلك كتاباتهم التي نحترمها لأنها تتجاسر أبعد في الفشل. أن تفكر، هو أن تفشل” Correction

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s