حكاية مضحكة

أنتِ ميتة منذ سنوات ولم تلحقي على كل هذا، وأنت كنت تقولين لي “تضحك اليوم تبكي بكرة”، ولكنك يا امي لا تعلمين ما هو أخس شيء يصيب الإنسان، تدرين ما هو؟ صدقيني إنه ليس الموت، وليس القتل، وليس حتى الفقد، ولا حتى التعذيب. إنه البلادة! إيييه البلادة! في العمارة التي بجانبنا أسرة لطيفة، سكنت بعدك بسنة تقريبا، سقطت عليهم قذيفة قبل أيام وماتوا. والله إنه أمر مضحك! لا تكشرين في وجهي وأنا للآن لم أشرح شيئا، دعيني أشرح لك كيف هو أمر مضحك، واصبري علي فالأمر سيكون غريبا جدا. الأب، رجل عاش نصف حياته وهو يَدرس، إنه معلم فيزياء، ثم بدأ يعيش النصف الآخر وهو يدرّس ويربي أبناءه. زوجته عاشت نصفها الأول وهي تَدرس أيضا، إنها أستاذة جامعية، ثم بدأت تعيش نصفها الثاني وهي تدرّس أيضا وتربي أبناءها. أبناؤهم ثلاثة، أكبرهم كان يفترض أن يعيش نصفَه الأول مثل والده وهو يَدرس، ثم يعيش نصفه الثاني وهو يدرّس ويربي أبناء. الفتاة الوسطى كان يفترض أن تعيش نصفها الأول كشيء استثنائي، جميل ومنضبط ومهيأ للمراتب الأولى في كل شيء تدخل فيه، ثم غالبا ستعيش نصفها الثاني في مكان ما فاخر وفخم، فقد كانت شيئا بهيجا ومتقنا. والبنت الصغيرة الأمّورة الجميلة كان يفترض منها أن تعيش فحسب، على الأقل الآن، كانت لا تزال في السادسة، لم تكن لها خطط محددة حتى تلك اللحظة حينما اندك جسمها الصغير … كانوا، كيف أشرح هذا جيدا؟ لنقل: كانوا شيئا قابلا للحسد، فاهمة؟ ليسوا مميزين تماما أو ناجحين تماما، ولكن كان فيهم شيء يُحسد. كانت حياتهم مصاغة بطريقة تم التخطيط لها بذكاء وحذر، بدقة وتروي، ببصيرة واهتمام، بـ إلخ من المفردات الثنائية التي يُفترض منها أن تقدم تصورا لحياة مخطط لها. الأب رجل أربعيني طويل، له شارب خفيف. الأم امرأة طويلة، جميلة ولها صدر لازال ناتئا. قبل ثلاث سنوات اقتطعا جزءا من راتبهما بعناية، كما أخبرني الأب ذات مرة، وظلوا يجمّعون لمدة ثلاث سنوات، ثم اشتريا قبل سنة فقط سيارة جديدة ورائعة. ياااه على تلك الليلة! لقد عزمونا إلى شقتهم، أنا وأبي وأختي، كانت تربطنا بهم علاقة جيدة، خصوصا أنا، أقاموا حفلة صغيرة وجلسنا في صالة البيت وسمحوا للأطفال ألا يناموا، فالليلة حفلة. نزلنا وتفحصنا السيارة وباركنا لهم بل وركبنا فيها. كنت تراهم كل يوم لمدة أسبوع تقريبا، يخرجون بها من العصر ولا يعودون إلا الليل، ويعودون دائما شبعانين ومنهكين ومبتسمين. باعوها لاحقا لأن مصاريف الابن في الجامعة كانت أكثر مما توقعا، وقال لي الأب أنه ليس نادما، ولكنني كنت أرى فيه خيبة أمل وهو يقول هذا، ويؤكد وهو يزفر شاردا باستسلام أنهما سيبدآن الآن بالتحويش للبنتين، لقد بدا أكبر من عمره بكثير في تلك اللحظة، وهو يجلس مطأطئا ويقول “البنتين”. الابن الكبير طويل مثل والده، جميل مثل والدته. لم يكن مهذبا وشاطرا منذ صغره، فحينما كان صبيا في الرابعة عشرة تقريبا كان له صديق في شقة مجاورة، وكان يلح على والديه في كل عطلة نهاية الأسبوع أن يسمحا له بالنوم عند صديقه، وكان والداه يرفضان لأن ذلك الصبي “مهمل” كما أخبرني الأب، “ونخاف انه يحرف الولد”. لم ينحرف الابن، كبر ليدخل الجامعة بمصاري السيارة، وقد كان في السنة الأولى حينما اندك جسده أيضا في تلك الليلة. يا امي والله لن تفهمين، إنه شيء لا يمكن فهمه، لا يمكن ان تفهمين لماذا الأمر مضحك، ولكنني سأخبرك رغم كل شيء ولعلك تفهمين. البنت الوسطى، آه! لم تكن خارقة الجمال، ولكنها مثل المناظر التي لا تزغللك ألوانها وفخامتها ولكنها بديعة ورائعة وتبدو بسيطة وهي بديعة ورائعة، عارفة؟ لا تتكلف، وكأنها شيء طبيعي جدا أن تبدو رائعة وبديعة، فيها شيء بسيط وخفي لا يمكن تحديده! هل تذكرين القصة التي كانت تقولها أم سلمان عن زوجها، أنه حينما كبر في السن صار كل شيء يبكيه ولا يعلمون لماذا، وأنه حينما يقف فوق التلال أمام بحيرة قطينة في ذلك الامتداد السهبي لابد أن يبكي؟ تذكرين القصة فأنا لم أنسها رغم انني كنت طفلا وانا أجلس بجانبكما؟ والله هذا بالضبط ما أحس به حينما كنت أرى تلك البنت، والله كادت أن تقضي علي. حينما تُسلّم علينا كانت تبتسم بكل وجهها، لا أقصد بالفم بس، فاهمة علي؟ بالوجه كله، وكأن كل عضلة سعيدة برؤيتك، لم تكن خارقة الجمال، ولكن فيها شيء يا امي، والله فيها شيء، حينما تتحرك يبدو وكأن كل جزء منها يتحرك معها، وكأنها ترقص! تلبس بلوزة تضغط على صدرها الذي بدأ ينضج مثل أمها، بارزا من وراء القماش، وترى رقبتها مثل الرخام الأبيض ملساء وناعمة، حينما تتعرق قليلا تلمع، وتتخيل وأنت تراها كيف ينحدر هذا الجزء من الجسد ببطء إلى الترقوة ثم إلى القفص الصدري اللين ثم إلى مرتفع الصدر ومنه إلى هضبة الثدي التي عليها حجر كريم بني اللون تريد أن تقبض عليه بفمك وألا تطلقه حتى تقوم القيامة. لا تعتبين على كلامي كنت أحبها والله. لم تكن خارقة الجمال، ولكن كان فيها شيء، شيء. عموما لم تكن تريدني، أو أن أهلها لم يكونوا يريدونني، المهم أنني لم أكن مرغوبا بشكل ما، رغم أنني ظليت مرحَّبا بي في منزلهم وظليت صديقا للعائلة، كانوا يخططون لها، وكانت تخطط لنفسها، تقول أنها ستسافر لدراسة شيء لا أذكره، ربما الطب أو الهندسة، لا أعلم. رأيت وجهها بعد سقوط العمارة. كنت قد مضيت أساعد مع الناس، لم يعد مفزعا منظر الجثث مثلما كان من قبل، وكلما صرخوا بانتشال جثة كنت أروح راكضا وأنا مغطى بالتراب الاسمنتي والدم والعرق لأرى من يكون، ولكن فاتني استخراجها، ربما كنت بعيدا، أو أنني لم أسمع، ومضى الأمر وأنا أقول ربما ليسوا موجودين ربما سافروا ربما هربوا، حتى مررت بالجثث كلها المستخرجة والموضوعة أمام العمارة، كان هنالك أشخاص مهذبون لازالوا يحتفظون بنشامة قديمة لم تخربها الحرب غطوا الجثث بخرق متنوعة الشكل، ولا أعلم لماذا فعلوا ذلك بصراحة، فلا جدوى فعلا من وراء هذا، فكرت وأنا أقف وأحدق في المنظر بخمول، ثم والله عرفتها، عرفتها من كعب قدمها الذي كان بارزا تحت الغطاء القصير. وقفت أحدق لحظة وأنا أفكر أنني ربما يجب ألا أنظر، يا رجل امشي بس، ما الفائدة؟ هاه؟ ولكنني عموما نظرت، وكان وجهها منعدما تقريبا، سقطت عليه صخرة أكيد، كان مختفيا، ليس له وجود، رقعة حمراء متعفنة من دم متجمد وعروق ودماغ وفتات اسمنت. وبجانبها هناك عائلتها، مثلها تقريبا، الأب والأم والابن الكبير وأخيرا البنت الصغيرة. لم أقل عنها شيئا صح؟ كانت مثل أختها تقريبا، ولكنها أكثر رقة بكثير، الأب كان يقول لي أنه حينما يمرض ترعاه هي، تمسد شعره وتقول له قصة، تغطيه وتجلب له عصيرا. كانت تربي عصفورا، وكان العصفور ملونا وجميلا، وذات يوم وجدته ميتا في قفصه، وغضبت، لأنها طفلة فقد ظنت أن شيئا ما حدث تحديدا، عارفة؟ أن شيئا “متعمدا” حدث للعصفور، فلا شيء يموت هكذا فجأة بدون سبب، الأب يقول أنهما هو وزوجته جلسا معها وشرحا الموت لها، لماذا تموت الأشياء وكيف أن هذا يحدث أحيانا بلا سبب، لمجرد أنه يحدث، هكذا فجأة، ويقول الأب أنها فهمت، وهو شيء فاجأني، فأنا الذي في الثلاثينات لازلت لا أفهم بصراحة، ولذا كلمتها بعد حين، كانت تتوقف أحيانا وهي تمشي في الحارة عند محلنا أنا وأبي، ولاحظت أنها تتغير، أو هكذا ظننت، وبدأتْ مع الوقت تبدو فعلا مثل أبيها وأمها وأخيها وأختها، تتكلم بلغة تشبه لغتهم، تفكر بطريقة تشبه طريقتهم، بمعنى أنها بدأت تتعلم كيف تجري الحياة وكيف يجب أن تتصرف لتنجو وتعيش، يعني كيف تكون مثلنا، فاهمتني؟ وفجأة لم تكن طفلة، ليس لهذه الدرجة ربما فلا زالت تلاعبني وألاعبها وتضاحكني وأضاحكها وتخبرني قصصا وتحن أكثر على أبيها ووو، ولكن لم تعد طفلة بشكل كامل، هاه؟ الكبار بدؤوا يخترقونها، نحن. لقد كانت هناك، بجانبهم، بجانب كل الكبار الذين ماتوا في تلك العمارة، الكبار وصغارهم الذين سيكبرون ليكونوا مثلهم، الذين كانوا في بيوتهم المغلقة، يعيشون حياة تم التخطيط لها، وتم صياغة كل شيء لها بحنكة وتدبير وانضباط بل وصرامة، كانوا هناك يا أمي، وكان المنظر مضحكا والله، مضحكا لدرجة أني ضحكت بقوة حتى بدأت أبكي وأنا أضحك، أبكي وأنا أضحك، ثم اختفى الضحك وكنت أبكي، أبكي والعالم حولي يهدئونني، وأنا أريد أن أقول لهم لا تقلقوا فأنا أصلا أضحك، ولكنني لا أستطيع قول أي من هذا لأن البكاء كان يغطي على كل شيء، يغطي حتى على الضحك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s