“خصوصية الموت” … ترجمة مقطع من كتاب Homicide لديفيد سيمون

 

ديفيد سيمون يعتبر من أهم الصحفيين الذين تناولوا الجريمة في بالتيمور، وهو مبتكر السلسلة الشهيرة The Wire.

كتابه homicide: a year on the killing streets يعتبر من أهم التقريرات الصحفية التي شرّحت الجريمة والمخدرات في أمريكا، وتحديدا بالتيمور الشهيرة بالعصابات والحياة السفلية الفقيرة والعنيفة. يرصد فيه قصص محققي وحدة جرائم القتل، وتقاطعها مع تجارة المخدرات.

الجزء المترجم يعد مقطعا من أحد أيام أكتوبر.

 

————-

 

دونالد وولتماير يمسك الفتاة الميتة من ذراعيها، يستشعر إن كان هنالك أي انقباض في اليدين والأصابع. يدا الفتاة تتبعان يديه بسلاسة، مشكّلة مظهر رقصة أفقية غريبة.

“إنها رطبة” يقول المحقق وولتماير.

ميلتون، المدمن الذي يجلس على الأريكة، يومئ برأسه.

“ما الذي فعلته؟ وضعتها في ماء بارد؟”

يهز ميلتون رأسه مرة أخرى.

“وين؟ في البانيو؟”

“لا. رششتها بالماء بس”

“من وين؟ من هذا البانيو؟”

“إيه”

يسير وولتماير نحو الحمام، حيث يرضي نفسه برؤية أن البانيو لازال مغطى بالقطرات. إنها خرافة قديمة لدى المدمنين: الجرعة الزائدة يمكن إعادتها بوضعهم في ماء بارد، وكأن الماء يستطيع التخلص بطريقة ما من أيٍّ كان هذا الذي وضعوه في عروقهم.

“ميلتون، خليني أسألك” يقول وولتماير “هل استخدمت أنت وهي نفس الإبرة أو أنك أشعلت ما معك بشيء آخر؟”

ينهض ميلتون ويتجه نحو الخزانة.

“لا تريني إياها يا أحمق” يقول وولتماير “إذا أريتني إياها، يجب أن أقبض عليك”

“أوه”

“أنت بس أجب السؤال. هل استخدمتما نفس الإبرة؟”

“لا. عندي وحدة لي”

“طيب إذن. إجلس وقلي من جديد ما حدث”

يسرد ميلتون القصة مرة أخرى، دون أن يترك شيئا. وولتماير ينصت مرة أخرى كيف أتت الفتاة البيضاء إلى هنا لتتعاطى، كيف تأتي غالبا إلى هنا لأن زوجها لم يكن راضيا عن إدمانها.

“مثلما قلت، أحضرت لي كرتون الشعرية هذا، لأنها أكلت بعضه في المرة السابقة”

“هذه المعركونة هنا؟”

“إيه. أتت بهذا معها”

“كانت معها بضاعتها الخاصة بها؟”

“أها. كان معي تبعي وأتت بتبعها”

“أين كانت تجلس حينما تعاطت؟”

“هذا الكرسي هنا. تعاطت ثم نامت. راقبتها بعد مدة ولم تكن تتنفس”

وولتماير يومئ. القضية مباشرة، ولهذا السبب فقط يحس بارتياح. فبعد ثلاثة أشهر من تتبع جيرالدين باريش وأقربائها المفقودين، مجرد قضية جرعة زائدة بإمكانها أن تكون شيئا يشبه إرجاء العقوبة. وولتماير كان قد أخبر نفسه أنه في حالة عدم عودته إلى نظام المداورة في شيفت الليل، فإنه سيفقد عقله … (يسرد تفاصيل قضية جيرالدين الموغلة في الغرابة والتعقيد)

… هذا كله يجعل قضية الجرعة الزائدة البسيطة هذه مُرضية جدا. جثة واحدة، شاهد واحد، صفحة واحدة من تقرير الـ24 ساعة على طاولة مشرف الملازمين. “عمل” كما يتذكره وولتماير. تقنيُّ المختبر يعمل بجدية والطبيب الشرعي في الطريق، بل أن الشاهد متعاون وصادق فيما يبدو. كل شيء يتدفق بلطافة نحو قرار، إلى أن ظهر الشرطي الأول عند المدخل ليقول أن زوج الفتاة الميتة موجود في الطابق الأسفل.

“نحتاجه ليتعرف عليها؟” يسأله الشرطي.

“إيه” يقول وولتماير بخيبة “لكن ليس إن كان سيصعد هنا وينهبل علينا. لا أريد هذا”

“سأحذره بخصوص هذا”

الزوج يتقدم إلى أسفل الدرج، يلبس تعبيرا هائلا من الأسى. إنه رجل وسيم، في الثلاثين وفيها، فارعٌ بشعر رملي غامق وطويل.

“إذا كنت ستصعد إلى هناك، يجب أن تكون هادئا”

“فاهم”

وهو يسمع الخطوات على الدرج، التفت وولتماير عائدا نحو الشابة ولاحظ أن خيط الحمالة الأيسر وجزءا من الثدي مكشوف بسبب القميص المسحوب إلى أسفل الذراع بحثا عن العِـرق المناسب. منحنيا في اللحظة الأخيرة؛ يسحب وولتماير القميص بلطف إلى ما فوق الكتفين.

بالنسبة لمحقق، إنه فعلٌ صغير ولكن استثنائي، لأن فكرة الخصوصية تفقد معظم معناها بعد عدة أشهر من العمل في جرائم القتل. ما الذي – بعد كل هذا – من الممكن أن يكون أقل خصوصية من غريب متطفل يقيّم آخر لحظات إنسان على هذه الأرض؟ ما الذي يمكن أن يكون أقل خصوصية من جسد يتم تفكيكه في تشريح الجثة، أو غرفة نوم مفرغة من محتوياتها بأمر تفتيش رسمي، أو نوتة انتحار تُقرأ وتستنسخ وتدبَّس في ملف تقرير الشرطة؟ بعد سنة أو سنتين في الثغور، الخصوصية شيءٌ يتعلم كل محقق أن يسخر منه. أكثـرَ من الشفقة والإخلاص والتعاطف؛ الخصوصية هي أولى خسائر العمل في الشرطة ….

… المحقق يعرف أن عالما آخر يقطن في الخارج هناك، كونٌ آخر فيه أفكار مثل الخصوصية والكتمان لازال لها معنى. في مكان ما بعيدا عن بالتمور، يعلم المحقق هذا؛ هنالك دافعوا ضرائب لازالو يتمسكون بفكرة الموت الكريم المستور. حياةٌ تعاش بشكل طيب، وديعةٌ في نهايتها، منطفئةٌ في مكان ما مريحٍ وخاص بترتيبات متساوية من العزلة والبهاء. سمعوا كثيرا عن هذا النوع من الموت، ولكنهم يرونه نادرا. بالنسبة لهم، الموت هو العنف وسوء التقدير، الغفلة والقسوة. وماذا، يستطيع المحقق أن يسأل، تُـهمُّ الخصوصية وسط هذا النوع من المجزرة؟

قبل عدة أشهر، داني شاي من مناوبة سانتون قاد سيارته إلى عمارة سكنية شاهقة قريبا من حرم جامعة هوبكينز ليحقق في موت لم يشهده أحد. كانت معلمة موسيقى مسنة، متيبسة على سريرها النهاري، ونوتة كونشيرتو موزارت لازالت مفتوحة على البيانو. إذاعة الإف إم كانت تبث بهدوء في غرفة الجلوس، مثبتة على محطة كلاسيكية في مؤخرة القرص. يتعرف شاي على المعزوفة.

“عارف هذه؟” يسأل شرطيا شابا يكتب تقريره على طاولة المطبخ.

“إيش؟”

“المعزوفة التي في الراديو”
“لا”

“رافيل!” يقول شاي “بافان لأميرة ميتة Pavane to a Dead Princess

كان موتا، جميلا وطبيعيا، مذهلا إلى حد بعيد في كماله. أحس شاي فجأة أنه متطفل في شقة المرأة المسنة، منتهكٌ لحرمة فعل خاص وأصيل.

شعورٌ مشابه يسطو الآن على دونالد وولتماير وهو يرى الفتاة الميتة وينصت لزوجها يصعد الدرج. ليس هنالك أي شيء جميل أو شجي في موت “ليزا تيرنر” هنا: وولتماير يعلم أنها كانت في الثامنة والعشرين، أنها كانت من شمال كارولاينا وأنها كانت متزوجة. ولأسباب تتجاوز استيعابه، أتت إلى هذا البيت الخرائي ذي الطبقين لتتعاطى الهروين حتى قتلها. نهاية القصة.

ورغم ذلك، شيء ما ضرب في لحظة، جزء مفقود منذ مدة طويلة في عقل وولتماير التمع فجأة بقوة. ربما لأنها كانت صغيرة السن، لأنها تبدو جميلة في القميص الأزرق الشفاف. ربما لأن ثمناً لابد أن يدفع مقابل كل هذه الخصوصية المنهكة، لأنك لا تستطيع أن تكون متفرجا لمدة طويلة دون أن تدفع كلفة ذلك بنفسك.

وولتماير ينظر إلى الفتاة، ينصت للرجل يترنح على الدرج، وفجأة، دون تفكير تقريبا، يمد يده إلى قميص المرأة الميتة المسحوب عن كتفيها.

حينما ظهر الزوج عند الباب، سأله وولتماير مباشرة “هل هي هذه؟”

“يا لله!” قال الرجل “يا الله!”

“أوكي، خلاص” قال وولتماير مشيرا إلى الشرطي. “شكرا لك”

“من هذا واللعنة؟” قال الزوج محدقا بغضب في ميلتون “ما الذي يفعله هنا؟”

“أخرجوه من هنا” قال وولتماير وهو يسد مرأى الزوج “خذوه إلى الأسفل الآن”

“أخبرني فقط من هو واللعنة!”

الشرطيين يقبضان على الزوج ويبدآن بدفعه إلى خارج الشقة. بشويش، يخبرهم، لا تدفعون بقوة.

“أنا أوكي. أنا بخير” يقول لهما في الرواق “أنا بخير”

يقودانه إلى آخر الرواق، يقفان معه بينما يتكئ على اللوح الجصي ويلتقط أنفاسه.

“أريد أن أعرف فقط ما الذي كان هذا الرجل يفعله هناك معها”

“إنها شقته” يقول أحد الشرطيين.

الزوج يُظهر ألمه، والشرطي يتطوع بتقديم المعلومة الواضحة “لقد أتت هنا لتتعاطى فحسب. لم تكن تنيك الرجل أو أي شيء من هذا القبيل”

فعلٌ آخر من الصدقة، ولكن الزوج يدفعه بعيدا.

“أعلم هذا” يقول الزوج بسرعة “أريد فقط أن أعرف إن كان هو الرجل الذي جاءها بالمخدرات، هذا كل شيء”

“لا. لقد جلبت تبعها معها”

يومئ الزوج. “لم أستطع إيقافها” يخبر الشرطي “حبيتها، ولكنني لم أستطع إيقافها. لم تكن تنصت. لقد أخبرتني أين كانت ستذهب الليلة لأنها تعلم أنني لا أستطيع إيقافها …”

“إيه” يقول الشرطي، بلا ارتياح.

“كانت جميلة جدا”

الشرطي لا يقول شيئا.

“حبيتها”

“أها” يقول الشرطي.

وولتماير ينهي الإجراءات، ويتجه عائدا إلى المكتب بصمت، الحدث بأكمله مقيدٌ الآن في صفحة ونصف في مفكرته. يصيد كل الإشارات الخضراء في شارع سانت بول.

“وش حصّلت؟” يسأله مكلارني.

“لاشيء كثير. قضية جرعة زائدة بس”

“مدمن مشرد؟”

“كانت فتاة شابة”

“أها؟”

“حلوة”

حلوة جدا، يفكر وولتماير. تستطيع أن ترى أنها لو هذبت نفسها لصارت مميزة جدا. شعر داكن طويل، عينان واسعتان.

“كم عمرها؟” يسأل مكلارني.

“28. كانت متزوجة. ظننت أنها أصغر من ذلك بكثير في البداية”

يسير وولتماير إلى آلة كاتبة. خلال خمس دقائق، سيكون هذا فقط مجرد تقرير. خلال خمس دقائق، تستطيع أن تسأله عن القميص الأزرق الفضفاض ولن يعرف عن ماذا تتحدث. ولكن الآن، الآن بالضبط، إنه حقيقي!


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s