بيت

هناك يستقر البيت، في حي مجدّد من أحياء المدينة. الساعة العاشرة صباحا. لقد خرج من دوامه خصيصا لهذه اللحظة. حينما علموا أنه ذاهب لاستلام بيته الجديد، امتلأ مكتب السكرتارية بالمهنئين والمشافيح، بنكاتهم الكسولة وبحثهم الدؤوب عن أي تلهية. أحدهم قال لهم: لاتباركون له ذا اللعّاب بيته خالص له شهر. فرد وهو يخرج: بيتك ما يخلص ألين تركب آخر قطعة أثاث، توها تركّبت. ثلاث سنوات مضت منذ أن بدأه. قرضٌ بثلاث مئة ألف ريال عليه، وقرضٌ بمئتي ألف ريال على زوجته. قَطَع طريق المدينة الرئيسي وسط زحام الحادية عشرة صباحا. الجميع يبدون من زجاج سياراتهم مثل كل يوم، متململين ومستنزفين وربما غاضبين. يحدق ساهما دون فكرة واضحة، وهو متوقف في الزحام، والمكيف يضرب في جسده، وإذاعة إف إم تستضيف دكتور عظام. في الحارة هنالك صرخات غير محددة لأطفال يصحون للتو من نومهم، الحارة بأكملها مليئة بمظاهر عطلة الصيف الطويلة، الخمول واللعب والنوم والتمغط. فتح الباب ودخل، ووقف في الحوش. لقد ركّب أخوه آخر طقم أثاث في المنزل، “نزالة” منه، كبائن المطبخ. والآن، البيت جاهز للسكن. يقف هناك في الحوش، ويحدق فيه وسط الشمس وهتاف الأطفال البعيد.

 

أمامه عتبات الدرج الداخلي. في هذا المدخل بعد 40 عاما، وقبل وفاته بأسابيع، سيسقط وهو متجه لصلاة الفجر. ستنزلق عصاه وهو ينزل العتبة الأولى شاردا بفعل لعناته التي يكيلها لزوجته التي نسيت إغلاق باب المدخل، سيحاول التوازن بالقبض على حد الباب، ولكنه سيسقط على الأرض، وسيسمع صوتا في مكان ما في ظهره. لن يحس بألم كبير، ولكنه لن يكون قادرا على النهوض مهما حاول. سيظل في مكانه متورطا، دون أن ينادي أحدا. المؤذن يقيم للصلاة في المسجد المجاور، العصافير تُصفّر في كل مكان على أشجار السدر التي تحوّط الشارع، الزرقة الحبرية للفجر تبدأ بالسيلان بعيدا في طرف السماء. الأرض باردة برودة ليل الصيف اللطيفة. كَفَّ عن محاولة النهوض لمدة، لا جدوى، واختار ألا يهتف وألا يستنجد، والأهم، اختار ألا يفكر في النتيجة المحتملة لهذه الخطة: كيف سينهض؟ من سيساعده؟ كلما استذكر أنها هي من سيجده، فالشغالة الجديدة لم تصل بعد، ولا أحد في البيت غيرهما؛ يحاول النهوض بغضب، ولكنه يفشل، ويظل مستلقيا، والإمام يرتل صورة الأنعام بصوت منغّم بأثر النوم، والزرقة الحبرية تسيح أكثر وأكثر، والعصافير تزداد بصفيرها الهستيري الحاد. وجدته زوجته، ساعدته على النهوض، لم ينطق أحدهما بكلمة، يجزم أنها تريد أن تسأله بنبرة بين السخرية والشفقة: كم لك وانت على الارض؟ ولكنها لم تفعل. يتكئ على كتفها، ويُخيل له أن على فمها تكشيرة ما، ولكنه يتعوذ من الشيطان، ويمتنع في آخر لحظة عن تقريعها على عدم إغلاق الباب، ويدخل المنزل. تذهب هي إلى مكان ما، ربما المطبخ، ويجلس هو على طرف الكنب في المجلس بإنهاك واستنزاف، والتراب يملأ ظهر ثوبه، والشماغ لازال مكركبا على رأسه، وفي لحيته البيضاء خيط لعاب. يحدق في الأرض بشرود، يداه على ركبتيه، وكأنه يستعد للنهوض. ولكنه لا ينهض، ولا يتحرك، وينسى أنه لم يصلي الفجر.

 

في هذا الرواق بعد ثلاث سنوات تقريبا من انتقالهم، سيجامع زوجته لأول مرة بعد ولادة ابنهم الثالث. كان حملا طويلا وولادة أطول و٤٠ يوم نفاس ألعن وألعن. حينما أعادها والأطفالُ لازالوا في بيت جدهم، كان كل جسمه دم. يجلس في السيارة بجانبها ويحادثها وكأنه على جمر. كلاهما يعلم ما الذي سيحدث، ولكن لا أحد يقول شيئا. في الرواق تحديدا، في هذا الرواق، شيء ما فيه انفجر، ليس شيئا جسديا فقط، ولكن رؤيتها في بيتهما، بيتُهما، خلوتهما، وكز زرا مجنونا في جسده. قفز عليها، أخذ يقبلها، حاولت المقاومة بجدية أولا، ثم بضحك، وهو يضحك، وكلاهما يضحكان. ثلاثة أشهر لعينة. كل واحد منهما يفتقد جسد الآخر بحرارته وخلوته وحضنه أكثر من افتقاد الآخر نفسه. يحتضنها وتحتضنه عند باب المدخل. نبضةُ دمٍ دافقة وتمددٌ عصبيٌّ متسارع يشدُّ ذكره فيكاد أن يمزقهُ وسطوعٌ حادٌّ من النشوة في رأسه وهو يضغط جسدها على الجدار ويخلع ملابسه وملابسها. شفرتا بظرها تنتفخ وتحتقن بالدم وتتحول إلى طفح أرجواني. يلجها ملتصقان في الجدار. السيولة اللزجة للحم نيء حار. يتأوه بمزيج من الألم والخشوع. نبضاتُ القلب وضغط الدم والتنفس، تتسارع بشكل متناغمٍ وتحتبس في الرأس بسطوعٍ أشد قوة وضبابية. بقعُ توردٍ حادة على البطن والكتفين والعنق والوجه. دمٌ في كل مكان تحت الجلد، وعَرَقٌ في كل مكان فوقه. دمٌ ورطوبة. حمرةٌ وسعار. عضلاتُ الفخذ تنقبض على بعضها مثل أسلاكِ الكهرباء الثقيلة، تشنجاتٌ في شبكة الأعصاب تحت الجلد تبرز أحيانا بانكماشاتٍ مفاجئة، الأوعية الدموية تبلغ ذؤابتها في احتقانها المتورم. كل هذا يتسارع إلى حدٍّ جنوني يكاد يغيب فيه الوعي بالجسد الذي يلاحق حالة متعالية من الإحساس لا يستطيع اللحاق بها، ويغلب على المشهد تشنجاتٌ واحتقانٌ وانقباضٌ ينتهي بذروةٍ تبدو وكأنها تمصُّ كل سائل من الجسد وتؤدي إلى تخشب عضلي لاإرادي في الأطراف. وصلا الى الذروة في وقت متزامن على جدار رواق المدخل، المرة الوحيدة التي سيحدث هذا فيها. أقدامهما تكاد تنثني استنزافا، لم يبقى في الجسد عصبٌ يعمل بكامل قوته، يقفان مطبقان على بعضهما بلا حدود بين جلدي كل واحد منهما. ضحك أخيرا وضحكت هي. قبلا بعضهما ببطء، لا يفعلان هذا كثيرا، أن يقبلا بعضهما بعد أن ينتهي كل شيء بمثل هذا التأني. أخذ ثوبه وملابسه مكومة في يده ودخل ليترك لها مساحة لفعل الشيء نفسه، ومضى يغتسل وهو يضحك جذلا باستغراب، شيء فتي وسخيف يتمطى في داخله بعد أن شبع. لم يحبها ولن يحبها في يوم ما بقدر هذا اليوم.

 

في الصالة الفوقية هنا جلس مع ابنه البكر بعد عودتهما من قسم الشرطة. كان قد اتصل به شرطي قبل العشاء، وأخبره أن يأتي لاستلام ابنه. خرج بعد أن اختلق عذرا ما لزوجته، ومضى الى القسم. لقد تم القبض على ابنه، في التاسعة عشرة من عمره، وهو في خلوة مع فتاة في مطعم. أنهى أوراقه، قال لزوجته التي اتصلت عليه أنه سيصلح سيارة ابنهما المتعطلة، سأله أنت طيب؟ فرد الابن مشيحاً إيه. عادا سويا، وتركا السيارة في الحجز. لم ينطق أيٌّ منهما بكلمة. هناك في السيارة دخن لأول مرة أمام ابنه الذي بدا مستغربا. لم يكونا يتحدثان كثيرا، أوامر وتنفيذ، أوامر وإهمال، تقريع وضرب في حالات نادرة. هذه كانت ديناميكية العلاقة. رؤيته يدخن بجانبه دون غضب لابد أنه كان شيئا غامضا. النافذة مفتوحةٌ وأصواتُ ما بعد الساعة الحادية عشرة في المدينة تجد طريقها إليهما، أصواتٌ لا زال فيها بقية تقاوم ولكنها ملّت واستُنزفت، المترجلون المستهلَـكون وسائقو السيارات الأقل حدة، أصواتُ ما قبل الرجوع إلى البيت في أسبوع عمل، الأكثرية يعرفون ما سيحدث في ما بقي، إنهم متجهون الى بيوتهم لينهوا يومهم، إنها النهاية، ولذا الشوارع مسكونة بالبيوت، بمزيج غامض من الدفئ والخيبة والنعاس واللامبالاة. يستقبلان كل هذا بصمت في السيارة بالنافذة المفتوحة، متجهان مثل غيرهما الى البيت. في البيت؛ صعد الابن الى غرفته سريعا، واتجه هو إلى المطبخ. المكان كله معتم عدى أنوار لِـيد ممدودة تحت الجبص لا تكاد تضيء شيئا، تؤطر الظلمة بضوء خافت مجزوز. أخرج بقية العشاء، فطائر دجاج وقطع بيتزا صغيرة، صعد الدرج المفروش حينها بموكيت أحمر، وقطع الرواق المظلم كليا الى غرفة ابنه ودق الباب عليه، قال له وهو يستدير تعال كل. وجلسا في الصالة الفوقية هنا على كنب متروك للحاجة. معتمة كذلك. أكلا بصمت وبطء وارتباك. همّ بالحديث أكثر من مرة، ولكنه يتوقف في الأخير دائما. أصواتُ مضغٍ وابتلاع وأنفاس. يسترق نظرات خاطفة بطرف عينه نحو ابنه، يجلس بجانبه منهكا ومستنزفا. وحينما انتهت قطع الفطائر القليلة، بدا الاثنان في حالة من التورط، يجلسان هناك، بصمت وسط العتمة. قال أخيرا ببحة في صوته من أثر الصمت: وش رايك لو تعرس؟ رفع الفتى رأسه ونظر بطرف عينه بحذر، قال مترددا توي في الجامعة. فرد ما عليك، تتدبر. ولكنه لم يزوّجه، أهمل الموضوع، ورآه ذات ليلة يدخل قسم العوائل في مطعم فضربه هذه المرة وهدده. وتم القبض عليه مرة أخرى في غرفة فندق مع قحبة فيما يبدو، فسُجن مدة وحينما خرج تركه يتعشى مع أمه وأخيه وأخته في ليلة عودته وينام بسلام ثم بادره في الغد بالضرب وهدده بالطرد. وحينما تخرج أخيرا من الجامعة ضغط عليه وزوّجه وانتهى من همه.

 

في مجلس الرجال هذا كان عرس الابن. أقيم هنا تقليلا للتكاليف. كان قد زوجه من ابنة رجل لا يعرفه شخصيا، ظل أبوها يكرر وهم جلوس في المجلس أن ابنته كل ما يملك وأنه يخرجها من قلبه، يسمعه جامدا متململا وهو يحاول إخفاء امتعاضه ومكررا في نفسه يا ابن الحلال كان خليتها عندك ترضع أزعجتنا. الابن الثاني كذلك خرج من هذا المجلس لعرسه، كان سيُـزف من هنا إلى قصر الأفراح في وسط المدينة، زوّجه هذه المرة من ابنة أحد اصدقائه المقربين جدا، يعرفه منذ طفولتهما في الحارة القديمة وسط المدينة. أثناء العرس التفت على صاحبه وكأنه سيخبره بسر خطير فانحنى الآخر عليه باهتمام، قال له بهمس: تدري وش بيسوي ولدي اليوم في بنتك؟ كشر الرجل بخمول وهو يقول سوّد الله وجهك ووجه اللي رباك يا الزق، بينما انفجر هو يضحك والآخرون القريبون منهما يضحكون معه ولا أحد يدري وش السالفة. وأيضا ابنته، من نفس المجلس وإن كان قد تغيّر موكيته وكنبه. كان الشيب قد انتشر سريعا في صدغيه وبدأ شعره يتساقط ببطء ومشاكل أسنانه بدأت تستفحل. جلسوا في عقد الملكة وطلب منه المملك بطاقته، فأخرجها ومدها له، وطوال الوقت هذا كله، كان ينظر للشاب بطرف عينه، ويفكر ماذا لو أنه مجنون ولا أحد يعلم؟ الجنون قد يحدث فجأة، لقد قرأ عن رجل أصيب بورم في دماغه وصار يقوم بأشياء غريبة، يصور أطفالا عراة ويستمني على رؤيتها، ماذا لو أصابه ورم؟ ويفكر أنه كبير في السن، وأن أسنانه فيها مشاكل كثيرة، وربما تلحقها أشياء أخرى، لقد أحس قبل يومين بوخز غريب في ركبته، ربما الروماتيزم، أو السكر، ربما تُقطع قدماه كما حدث لآخرين يعرفهم أصيبوا بالسكر ويصير مشلولا ولا يستطيع جلد هذا المنيوك حينما يصاب بورم في دماغه ويتفلّت على العالم. وحينها لم يعد يفكر في مصير ابنته أو أحفاده بصراحة، وإنما في مصيره، خمسيني بمشاكل مستفحلة في أسنانه ومشاكل أخرى في أجزاء من جسده يلاحق هذا المتفلّت بورم لعين ووصخ في دماغه. والله النشبة ردد في نفسه، ثم رد على المملك نعم رضيته زوجا لابنتي، وهو يقول في سره وقد بدأ يتبسم ساخرا أعوذ بالله من ابليس.

 

في هذا الملحق أمضى ليلة شتائية طويلة مع أحد أقرب أصدقائه. زوجة كل واحد منهما مع الأطفال في بيت أهلها بمناسبة عطلة منتصف السنة. بدؤوا السهرة مع مباراة نصف النهائي في بطولة كأس العالم لكرة الطائرة بين روسيا والأرجنتين. يحب كرة الطائرة كثيرا، لعبها وتابعها منذ طفولته أكثر من أي رياضة أخرى. الملحق مكدس بمؤونة السهرة ومخلفاتها. ترامس شاي وقهوة وتمر ومعمول. أكياس عشاء البروستد الذي التصقت رائحتُه بالجدران فصار المكان مختنقا بالدجاج المقلي. تفوز روسيا، لقد كان هذا متوقعا، ويشرح لصديقه لماذا، يتكئ كل واحد منهما على كنب أمام التلفاز. مع الوقت، ينتقلون إلى حلقة من مسلسل أمريكي، ومنه إلى برنامج سيارات، وتتكون جبال فصفص أمام كل واحد منهما، وبيالاتٌ رُبعها ما زال فيها بقية شاي لم يُشرب، ويسيح اتكاؤهما على المركى إلى حالة شبه استلقاء. تكثر لحظات الصمت مع الانشغال بالجوال أو المشاهدة اللامبالية للتلفاز أو التحديق المفرغ في الجدران. كلمة عابرة من هنا وهناك. “وش رايك لو نطلع للبر الاسبوع الجاي؟” “تم”. “منهو الزق ذاك اللي بيجيب هذا اللي مدري شسمه؟” “وش تقول أنت؟!”. “وش رايك في وزيركم الجديد؟” “بهيمة”. طقطقة جوالات وصوت تلفاز مهمل. الساعة الثانية والنصف. أفاق من غفوة سريعة ليجد صاحبه يحاول فتح قرطاسة معمول. قال له جعت، فرد صاحبه وأنا بعد. كلمة من هنا وهناك؛ واذا بهما يقرران طبخ كبسة. يقومان ويتجهان إلى المطبخ في الداخل، متحمسان بفعل هذا المشروع الغريب. البيت مظلم تماما، نوافذ المنور فوق الدرج ترسل ضوء مريضا يضفي على المكان إحساسا شبحيا في منتهى الكآبة. يضحكان ويتناقشان ويتناقران وهما يجهزان الكبسة في المطبخ. وبعد طول عمل وارتجال وتفنن، جهزت أخيرا وعادا بها إلى الملحق، ومع أول لقمة لفظاها وقررا عدم أكلها. “الله يلعنك أنت وكبستك الخايسة” “وش دخلني أنا هذي كبستك أنت أنا سويت الحمسة بس”. مزيد من الاستلقاء والتلفاز والجوال والفصفص والمعمول، بل ومزيد من قطعٍ باقية من البروستد البارد. الفجر يؤذن. يذهبان للصلاة في المسجد المجاور. يسيران في الحارة، آثار النوم في كل مكان، كل شيء مسكون بالنوم، حتى المآذن الذي تبث ترتيلا فيه غُنةُ وسكينةُ الصوتِ الذي لم ينفض بعدُ آثار النوم. البيوت المعتمة، الأثر الغامض لما يمارسه النائمون الآن، ذلك الإحساس الرفيع الذي يبثه الناس في الأمكنة فيغلفه. ذهبا بعد الصلاة إلى فوال قريب. لاشيء يتفوق على رائحة التميس في الصباح الباكر جدا من وجهة نظر صديقه الذي عبر عنها بعنف أقوى من اللازم، حتى أنه كان يصرخ تميس أقولك تميس تميس، وهو يقول خلاص يبن الحلال فهمنا تميس تميس بس. عادا بعد الفطور سائرين بصمت وسط آثار اليقظة التي تتنتفس مع ارتفاع الشمس تدريجيا وقد انتزعت الظلال عن واجهات البيوت التي تلمع الآن بألق. ناما في المجلس مباشرة. استيقظ هو في العصر فلم يجد صاحبه، كان قد رحل ليأتي بزوجته من بيت أهلها خارج المدينة. جلس بين مخلفات السهرة المنصرمة، وأبرزها صحن الكبسة الذي يجلس هناك. حدق فيه لحظة بغموض، ثم انفجر ضاحكا. قام ببطء وذهب إلى الداخل. كان ضوء العصر الأصفر المتورد ينتشر مثل الطفح على أسطح كل شيء، لمعانٌ أصفر متورد يصبغ المكان. بدت الصالة والبيت أكثر غرابة مما كانت عليه في الظلمة أمس. الضوء الاحتفالي الزائد عن حده بطريقة ملفتة وسط الصمت المستفز الذي بدا وكأنه كان هنا منذ أن كان المنزل بلا خدش. لقد كان المكان مهجورا ومعقما، مهجورا ومعقما بالشمس وغير موطوء منذ زمن بعيد. إحساسٌ حاد بالقرف يبدأ من بطنه، مصحوبا بتقلبات في أمعائه بسبب كل الأطعمة الرديئة التي تجرعها في سهرة البارحة. دخل الحمام، ثم خرج من هنا متكدرا، تغدى في بيت أهله عند والدته، وقرر النوم هناك.

 

في مجلس الحريم هذا حدث أكبر خلاف بينه وبين زوجته. خلاف بسبب تفصيل كنب جديد. أشياء كثيرة قيلت، أشياء من الصعب تجاوزها كليا، اتهامات قديمة خرجت من أماكن مدفونة، اتهامات ضخمة بالخيانة والغدر والكره، وأخرى سخيفة تكتسب ضخامتها من الموقف. المفردات المستخدمة، بعضها قذر وحقير وسافل يبصقها كل واحد منهما بكل ما فيه من قوة. الزبد على أطراف الفم، العرق المتيبس على الجلد، كهربات التنمل في فروة الرأس، الاحتقان في محجر العين. الآخرون الذين تم جرهم إلى الجدال وتمريغهم في الوحل، أمه وأمها ووالده ووالدها وإخوته وأخواتها وقبيلته وقبيلتها وكل من عرفه وكل من عرفها. حينما انتهيا أخيرا ولم يبقى شيء أكثر ليقال، بدا وكأنهما ركضا عدة أميال. اتجهت إلى غرفة نومهما. ساد صمتٌ كليٌّ وكامل على المكان لا خدش فيه. تقدم خطوتان الى حدّ باب مجلس الحريم. يسمع من بعيد حفيف حركتها، طقطقة الأشياء، أزيز السحاب. يقف هناك، يقف فقط، ويُـنصت بصمت. مرت به أخيرا بثلاث شنط كبيرة، تجرهما بصعوبة نحو الباب. حذرها قائلا من مكانه ما راح اجي ارجعك انسي. لترد هي لا عمرك جيت، وتعود إلى الداخل لأخذ الطفلين. وتمر ستة أشهر كاملة لم يرها فيها. حينما كان يرى امرأة في مكان أو جريدة أو قناة ما، يتذكرها، يتذكرها بغضب ولوم. حينما يستلقي أحيانا في الليل ولا يستطيع النوم، يتذكرها. حينما يطبخ رزا على الغداء أو يشم رائحة عطر قديم تركته، يتذكرها، بغضب ولوم. ومع الوقت يبرد صدره، فيتذكرها بشيء من التفكر والتساؤل، ثم بشيء من الحياد واللامبالاة، ثم لم يعد يتذكرها الا نادرا، حينما يذهب الى طفليه أسبوعيا ويفاتحه والدها غاضبا عن مشكلتهما التي لا يريد تصعيدها بحكم صداقته القديمة بعائلته، لا يتذكرها إلا هناك تقريبا. ويكاد ينساها ببطء، وتحتل مكانها اهتمامات أخرى. حتى حان وقتٌ، وفجأة تقريبا، شعر على امتداد أيام أنه بدأ يفتقد عائلته، ويفتقدها هي بالذات. وأزعجه أنه لا يفهم لماذا الآن تحديدا؟ وكيف؟ ربما حدث شيء ما دون أن يلاحظه، يتساءل دائما بعصبية تمنعه من التركيز في أداء عمله أو فعلٍ أوتوماتيكي مثل قيادة السيارة أو الحديث مع صديق أو شراء معجون أسنان، إنه يريد أن يصرخ على الجميع وأن يعتذر لهم في نفس الوقت، ويبدو أن هذا يزيد من شعوره بالضعف والربكة، أنه لا يعلم ما الذي يحدث. ولكنه بدا مستعدا ليعتذر، ليترجى، ليعد، أو ليتوعد ويحذر ويهدد. لن يعترض على أي من الطريقتين. المهم أن يعودوا جميعا.

 

حينما عادوا أخيرا، حدث ما حدث هنا، في غرفة النوم هذه. كان يوما مربكا. ستة أشهر كاملة تملك قدرة على تحويل المألوف إلى شيء دخيل. حتى الطفلان الصغيران شعرا بذلك. صمتٌ أثناء تنزيل الأغراض، صمتٌ على الطعام، صمتٌ عند الجلوس أمام التلفاز. صمتٌ من النوع الذي يقول أكثر مما يقوله الكلام، ولذا مزعج بشكل أكبر. ولكن لا أحد يكسره، ولا حتى الطفلان. صمتٌ وأحاديث تواصلية متقطعة ومستفزة. عطني الشطة عطيني المنديل حط ام بي سي اذا عادي كيف الوالد؟ طيب إلخ. حينما دخلت غرفة الأطفال لوضعهما في السرير، جلست هناك بحَيرة وهي لم تقرر بعد. يترقب هو باب الغرفة، وحينما لم يرى أحدا يخرج قام ببطء وهو يزفر، اقترب من حد الباب وقال وهو يحدق أمامه بكدر أنا تراني بنام في المجلس. ومضى. استلقى على الكنبة، وحاول النوم. ولكنه بدأ يتذكر أشياء دقيقة جدا، أشياء مثل لون جلد فخذها، حبات العرق وقت الذروة فوق شفتها العليا، شكل مؤخرتها في تنورة كانت قد لبستها قبل سنوات. أشياء لا يمكن تذكرها إلا عن عمد وترصد وقصد. قام بغضب، خرج من المجلس إلى الصالة المظلمة، ارتطمت ساقه بلعبة فركلها ولعن وشتم، فروة رأسه تتكهرب، تتعرق، دمه يغلي وينبض ويتجمع في دماغه وبين فخذيه. فتح باب غرفة النوم بقوة، كانت تجلس على السرير وأبجورتها اللعينة التي يكرهها لازالت مشعلة. قفز نحوها تقريبا، حاولت مقاومته، ركلته، ضربته، ولكن لا فائدة، وجهه مدفون في صدرها، يده تتحس عشوائيا كل شبر تقع عليها. تَـصِرُّ من بين أسنانها وخر عني اقولك يا بهيمة. ولكنه يقيدها بيديه، يمزق قميصها، شلحتها، حمالاتها، يمص ثديها، يخرج ذكره المنتصب ويدخله فيها. وينيكها، بسرعة وقوة وحسم، تمتنع عن إصدار صوت، ولكن رطوبة دافئة تظل تتفرع حول ذكره المنغمس في داخلها، تمسك شعره، تشدّه تغمس يدها فيه، تئن، ويثقل تنفسه، ويسرع أكثر، حتى يقذف. ويستلقيان هناك، مطبقان على بعضهما، دون حراك، رأسه على كتفها، لا يُسمع منهما سوى أنفاس منغمة.

 

في طرف الحوش هذا كانت هنالك حفنة الرمل التي جلبها لأطفاله الثلاثة. حينما سافروا إلى الشرقية في عطلة الصيف، وجلسوا على الشاطئ، لم يعد هنالك حديث إلا عن الرمل بعد ذلك. يريدون أن يلعبوا بالرمل. لقد جلس معهم هناك على الشاطئ، وصنعوا كهفا مرتجلا ورديئا من الرمل، حتى طفله الرضيع الذي لم يكمل عامه الأول شارك في صُنعه. كانت ذكرى ممتعة. ولكنه لن يجلب رملا إلى المنزل، هذا جنون وفراغ. تقنعه زوجته أن يفعل ذلك. بتسبحينهم كل يوم اذا دخلوا علينا يعثورون رمل يقول لها، إيه بسبحهم ما لك دخل أنت جبه بس ترد عليه. يكتشف في المكتب أن كثيرا من الآباء يفعلون ذلك، زميله يخبره شريت لي شحنة وجدعتها عليهم في الحوش، شهر وأنا ما اشوفهم إلا وروسهم تراب. الناس أنهبلت يفكر في نفسه. اشترى الشحنة وجلبها للبيت. لم يكملوا أسبوعا ورؤوسهم تراب إلا وقد تركوها. حينما يستيقظ من قيلولته عصرا ويرجع من المسجد يجدهم يلعبون ألعابهم المختلفة، بينما هو تورط بشحنة رمل تجلس في حوش بيته هناك، يُحس أنه سخيف وأن زميله في العمل سخيف وأن هذا المجتمع بأكمله سخيف. هاوشهم، أمرهم أن يخرجوا ليلعبوا بالرمل. استجابوا مرة أو مرتين، ثم سفهوه. ضربهم مرة ودفعهم إلى الخارج. زوجته تقول له أنت وش بلاك أنهبلت. بينما هو يأمرهم غاضبا يالله العبوا. حينما لم يعد ينفع الترهيب أو حتى الضرب، وصار الرمل بالنسبة لهم نقطة تحد وعناد، علم أنه خسر المعركة. استيقظ صباح عطلة الخميس، خرج ليتجه إلى البوفيه القريب ليجلب فطورا للعائلة كعادته كل خميس قبل أن يستيقظوا. واجه شحنة الرمل أمامه، تجلس كشاهد على سخافته وسخافة زميله وسخافة المجتمع. تبسم لفكرة طرأت عليه. ظل يحمل شحنة الرمل على دفعات ويصعد بها إلى غرفة الطفلين وغرفة النوم حيث تنام زوجته وطفله الرضيع، وحينما استيقظوا وجدوا الرمل في غرفهم وقفزوا إلى الأسفل، وما إن رآهم هاجمين من الدرج وهو يجلس في الصالة يشاهد التلفاز وأمامه أكياس فول العدس والتميس – وكأنه ينتظرهم – حتى انفجر ضاحكا بكل بدنه باستمتاع كبير. طوال سنوات قادمة كان كلما تذكر الحادثة ضحك بكل بدنه، بينما جميعهم وخصوصا زوجته يستسخفونه ويحقرونه باستنكار جاد، وهو لا يبالي. لقد جلس الرمل في تلك الغرف أسبوعا كاملا، قبل أن يخضع أخيرا أمام تهديد زوجته بالذهاب إلى أهلها ويجلب عمالة لاستخراجه.

 

في دورة المياه هذه الملحَقة بغرفة النوم، قرر ذات صباح أنه سيُطلق امرأته الثانية. لا مفر من ذلك. سيُكتشف قريبا وينفضح، سيفقد كثيرا من أمواله على بيتين ويفلس. سيخسر كل شيء. الفتاة لطيفة جدا، يتيمة في التاسعة والعشرين من عمرها بثلاثة أطفال وأم كفيفة في شقة وسط المدينة. يتكئ على مغسلة دورة المياه ويراوح التحديق بين الفراغ وبين وجهه الخمسيني في المرآة أمامه، ويقرر، لقد حان الوقت. حينما خرج من منزلها، لم يكن يشعر بشيء، أو أنه يشعر بشيء من الصعب أن يُمسَك، لحظةٌ من الحياد العدمي الذي يمسح حتى الشعور بالتعاسة. فقط الصمت، الصمت والعجز الكلي الشللي. يتجه إلى السيارة التي يوقفها بعيدا عند السوبرماركت تحسبا لأي شخص يراقبه. ينحسر من ورائه شارع الحارة المعتم المليء بروائح المجاري ويسحب شقتها إلى البعد الذي يتساقط من خلفه ويختفي في الظلمة والنسيان. أناسٌ يتحركون مترجلين في الشارع وعلى أوجههم سيماء شرود منهك، يتحركون من خلال الظلال الشبحية بين فراغات عواميد الضوء المتباعدة بصمت. جلجلة السيارات التي تخطف في الظلمة من جنبه بحدقتين من ضوء. الشارع يمتد في عفن غامض يشبه الموت، وكأن الشمس لم تلمسه ولم يرطّبه مطرٌ من قبل. ينحرف عن طريق السوبرماركت، لا يريد التوقف عن المشي. يرى مطعما فارغا، يدخله ويطلب وجبتين كاملتين. يجلس على طاولة في الزاوية عند الجدار الزجاجي حيث يتحرك الناس على الرصيف، يُخرج دخانه ويضع سيجارة في فمه، يقول له العامل لا دخان هنا، يحدق فيه لحظة بغضب بارد، المحل السيراميكي اللامع فارغ، ما المشكلة، ولكنه لا يريد حتى أن يفتح فمه، ينتظر طلبه ويأخذه إلى الخارج. يذهب إلى التل الترابي المنزوي تحت كبريِّ أكبر تقاطع لأربع طرق في المدينة، يريد الضجيج والزحام والأضواء ولكن من خلال منطقة متنحية، يجلس على كبوت السيارة ويأكل ويدخن كما كان يفعل في مراهقته مع أصدقائه، يأكل ويدخن وينطبع في فمه زنخٌ عفن، وهو يحدق في أنوار السيارات المزدحمة أمامه في الطريق المتوقف، أوجه السائقين المحايدة التي تختفي وراء شعاع الضوء، أصواتُ البواري والفرامل والمدينة التي تتفتق في أعنف أوقات ذروتها الليلية، ويفكر أنه صار كبيرا في السن، ويُحس أنه فعلا كبير في السن. تتصل عليه زوجته في وقت العشاء فيقول لها أنه سيتأخر. يدور بسيارته طوال الليل. يذهب إلى كل الأماكن التي لم يذهب لها منذ مدة طويلة، بعضها منذ أن كان مراهقا. الأزقة القديمة التي تلفظ العتمةَ وروائحَ الرثاثة والتهالك. السكك المليئة بآثار عجز وقلة حيلة وشيء من اللامبالاة. الشوارع التي تُترك أكثر مع مرور الوقت ولا يبقى فيها إلا أشخاص قليلون، أشخاص يرى فيهم انعكاسه، يقومون بأي شيء لئلا يعودوا إلى بيوتهم.

 

في هذه الصالة، أمضى أغلب وقت جلوسه في البيت. مرت عليها ست كنبات مختلفة، ثلاث موكيتات، أربع طاولات تلفاز. وقته المفضل كان العصر. يخرج من دوامه الساعة الثانية، يتغدى مع عائلته في الصالة هذه، ينام على الكنبة نصف ساعة تقريبا تزيد أو تنقص حسب الفصول، يصلي العصر في المسجد، ثم يعود ليجلس غالبا مع زوجته التي تشاركه في تفضيل وقت العصر. طقس الشاي وتوابعه، فصفص أو مكسرات أو شابورة، وأحيانا لاشيء. كان الأمر أكثر متعة حينما كان الأبناء صغارا ويشاركونهما هذا الطقس، كان أكثر وقت يبدون فيه عائلة فعلا، لأنه لا وجبة أو مناسبة تجمعهم حينها، إنهم مجتمعون هنا فقط لأنهم عائلة. لاشيء جيد يبث العصر، يقول لها دائما، لا أحد يفهم جاذبية الوقت كما يؤكد باستمرار. إنه يحبه كثيرا. الشمس تبدأ بالتراخي، يلاحظ ذلك وهو يتجه للصلاة، الناس مرتخية أيضا بعد أن صهرها حر الظهيرة في عزلتها الخاملة، النهار يزحف نحو نهايته، يقاوم دخول الليل الموحي بكآبته في كونه بداية نهاية اليوم وقرب النوم والدوام. إنه وقت ساحر يكرر دائما. الطريق للمسجد عصرا والبيوت تصحو ببطء من خمول قيلولتها، ثم بيالة شاهي، صالة بيت حية، فصفص، مسلسل أو برنامج جيد، ساعتان تقريبا، تزيد أو تنقص، ثم يخرج غالبا قبل المغرب. يستمتع بمشاوير العصر أيضا، ولا يمانع بها رغم أنه يشعر باختلال طقسه اليومي. تتضح فرادة العصر له في الخارج بقوة. إنه يراه ليس في تمايز الظل والضوء والصفرة البرتقالية فحسب، ولكن في الطريقة التي يبدو عليها كل شيء، الأمزجة، أمزجة الناس والأماكن، كلها مختلفة، لها سمت أكثر هدوء وسماحة. لقد انتهت – بالنسبة للأغلبية – التزامات الوظائف والارتباطات العملية، وحانت لحظة الهوايات والأشغال الشخصية. ولكن ليس هذا فحسب، يفكر، ماذا لو داوم الناس ليلا؟ يؤكد أن العصر سيظل مميزا، ويقتنع أن السبب هو الشمس، نعم الشمس. إنه يحس بها وهو جالس في الصالة أو في الخارج، الشمس نفسها باعتدال ضوئها تعتدل معها أمزجة كل شيء، ويصير كل شيء هادئا ومسالما أكثر. لقد قرأ عن تأثير مظاهر الطقس في الإنسان والجماد، وصار مقتنعا أن العصر ليس شيئا نوستالجيا خاصا به حين كان في طفولته يُعَـدُّ وقت التحرر من سجن الظهر الى انعتاق الشارع، لا، ولكن شيء خاص به فعلا، خاص بهذا الوقت. هذه الصالة ستشهد أكثر حضور له، بل يستطيع القول إن أكثر لحظات صفائه وسعادته كانت هنا، وهو جالس بعد صلاة العصر يشرب الشاي مع زوجته وأبنائه الصغار ويشاهد التلفاز، إنها ستكون أكثر شيء نوستالجي يحن إليه حينما يكبر في العمر ويتغير فيه وفيهم وفي الأمكنة شيء غامض ومقلق سيُلقي بأثره على كل شيء حوله. حينها سيتذكر هذه اللحظات جيدا، أحيانا على الأقل.

 

في هذه الصالة أيضا أمضى معظم أيام شيخوخته بعد تقاعده. هو وزوجته، وحيدان مع الشغالة. يجلس على كرسي طبي يُفترض ألا يؤذي ظهره المحدودب والمليء بالمشاكل والمضاعفات. التلفاز وزوجته وزيارات نادرة من/إلى أصدقاء مستنزفين مثله هو كل ما يفعله تقريبا. يرى أخبارا ومسلسلات ومحاضرات وبرامج حوارية ومسابقات وأغان لم يكن ليراها من قبل، كل شيء قابل للمشاهدة. ولكن هذا ليس كافيا، يحتاج إلى المزيد، ولكن لا أحد هنا سوى زوجته، ولذا ينتبه لها أكثر. حينما يراها تأكل سكريات يقول مبتسما بطريقة مستفزة الظاهرة مشتهيةٍ الموت. فتغضب وتهتف بعبارات مثل ما عليك مني خلني اموت. غالبا يقول هذا لمجرد أن يحارشها، ولا يعلم لماذا، إنه فقط يرغب في أن يحارشها، وحينما تغضب وتصرخ عليه وتخرج من الصالة أو تلوذ متورمة بالصمت، يجد في نفسه رغبة ساخرة وخطيرة في أن يقول لها يوما ما وهي في ثورة غضبها بكل هدوء: أنت طالق، يقولها بكل هدوء واسترخاء، ليس لأنه يريد الفكة منها بالضرورة، ولكن ليقهرها أيضا، ليه؟ لا يعلم. حينما وجدها تنتفض ذات صباح في فراشها، أحس بالورطة كما لم يحس بها من قبل. منذ سنوات لم يعد يقوم بأشياء حساسة ومهمة، كل مهامه روتينية وقابلة للتنبؤ. أن تجد زوجتك تنتفض وتتعرق ويبدو أنها تحتضر هو شيء يتطلب قلبا نشطا وعقلا حادا. إرتبك. اتصل على ابنيه، أمكم فيها مصيبة. ابنه الأكبر صرخ فيه تقريبا خذها للمستشفى مع السواق الحين على بال ما نجي يالله. حاول مساعدتها في النهوض، ولكنه لم يستطع. ظل يداريها ويسايرها برقة عله يقنعها بمساعدته، أن تبذل أي جهد لتخرجه من هذه الورطة، ولكن جسدها لم يكن متفهما. غطّاها واستدعى السائق وجعله يساعده على حملها. في المستشفى قالوا إنها طيبة تماما ولكنها تحتاج أن تنوّم إلى الغد على الأقل. كان يتجنب أن تقع عينها على عينه، أحس بشيء من الخجل. كانوا جميعا هناك، هو وعياله الثلاثة وبعض أحفاده. قالت ابنته إنها ستجلس معها، وأخذه ابنه الأصغر الى منزله القريب ليجلس معه. لم يعترض بقوة، وبدا هذا مفاجئا لهم جميعا، الحقيقة أنه لم يكن يريد الرجوع إلى بيت فارغ ومظلم. أجلسوه في المقلط المجهز له، سرير وتلفاز وهدوء، وغرابة أيضا. تعشى مع ابنه وزوجته وحفيديه وضحكوا واستانسوا، ولكنه حينما جلس في الغرفة، استوعب أنه لم ينم خارج بيته منذ سنوات، وبدا هذا لسبب ما مضحكا. مضحكا لبرهة من الوقت، أعقبه شعور عنيف بالغربة وهو يجلس على حافة السرير وسط هذه الغرفة الغريبة عليه. تمنى حينها أن يموت قبلها. لقد فكر في هذا في المسشتفى، لن ينكر أنه سيكون محزنا رؤيتها تموت، ولكن ليس هذا السبب، لقد اعترَف لنفسه أن هذا ليس هو السبب، كل ما هنالك أنه لا يريد أن ينتقل من بيته، المكان الذي اعتاد عليه لدرجة أنه صار مشتركا معه في شخصيته، في مزاجه وطريقة حياته، كيف يجلس وكيف يذهب للحمام وكيف ينام وكيف يبحث عن شيء يفعله، بيته هو قالب حياته الذي يتشكل فيه يومه وفق كل مكان مخصص لكل حركة فيه وليس مجرد سقف وجدران، بيته هو جسده الأكبر، وبدا واضحا الآن أنه أكثر شيخوخة واستنزافا من أن يتخيل الخروج منه، لقد بدا هذا مرعبا وهو يجلس بصمت في تلك الغرفة المرتبة خصيصا له. تمنى جديا أن يموت قبلها.

 

في هذا المطبخ، سيجلس صباح يوم جمعة شتائي لوحده يأكل فطوره. استيقظ بطريقة غير مخطط لها في وقت مبكر من الفجر. لم ينم سوى ثلاث ساعات فقط، ولكنه كان صاحيا تماما. لسنوات لم يشعر بمثل هذا الصفاء. جلس على حافة السرير، الغرفة معتمة ودافئة، هنالك موجة زرقة أمامه من فرجة بين الستارتين المتلاصقتين. نفَس زوجته نغميٌّ ورتيب. في المكان بلادة رخيمة وخمول ناعس. شعر بالجوع. اتجه إلى المطبخ. العتمة تتضاءل تدريجيا والزرقة الغامقة تتفتح أكثر. لا حاجة للضوء، عينه لازالت مرتاحة للعتمة المزرقّة. يفتح الثلاجة، تقع عينه على البيض مباشرة، ولسبب ما لا يستطيع تفسيره يشعر برغبة ملحة في أن يشم رائحة بيض مطبوخ. إنه يشمه في صباحات كثيرة حين تطبخه زوجته لأبنائهما، ولكنه منذ مدة لم ينتبه لرغبته هذه بتعمد واستقصاد، إنه ينتبه لها الآن لسبب ما، شعورٌ خاصٌ وعتيقٌ يدفعه إلى رغبة أن يشم رائحة البيض في هذا الصباح، شعورٌ خاصٌ وعتيقٌ يعود إلى أقصى الوراء إلى أمه المتوفية حينها، حينما كانت تطبخ البيض وتحشوه في سندوتشتين يأخذهما معه إلى المدرسة. كان هذا قبل ثلاثين سنة. لماذا يستشعر هذا الآن تحديدا من بين كل تلك الصباحات؟ لا يعلم. ويتذكر أمه وبيته القديم وهو يحدق بخمول مستمتع شارد، ويتذكر تبعا لذلك أشياء قديمة أخرى، صورٌ وانطباعات مغبّـشة بطريقة متداخلة، وهو لازال يمسك باب الثلاجة بيد ويحدق ساهما داخلها. ينتبه بعد لحظات تدريجيا، يأخذ البيض، يخرج المقلاة، يدهنها بالزيت، يضعها على النار، يكسر البيض، صوت الوشوشة الحادة حينما تسقط العصارة على المقلاة الحارة، وتتشكل بسرعةٍ جزيرةُ صفار وسط سيولة بياض، وتفوح مباشرة رائحة البيض. الشمس تزداد اصفرارا، تسقط من نافذة المطبخ أمام المجلى، مشكِّلة مربعا أصفر، ولكنها لا تزال ناعمة. يترك البيض يطبخ وهو يقف هناك، يقف فقط وسط إطار الضوء المستطيل، لا فكرة واضحة، عقله في حالة صفاء نادر، نوع من النقاء الذي لا يحدث إلا في حالات استثنائية، ولكن ما هو الاستثنائي في هذه اللحظة؟ لاشيء، إنه يقف فقط، ويطبخ البيض، ويشم الرائحة، ومستطيل الشمس الأصفر يثقل أكثر، ناعما وفاقعا. يستوي البيض، يأخذه ويجلس عند الطاولة المربعة وسط المطبخ، ويأكله ببطء مع كأس شاي. وحينما ينتهي، يكتفي بالجلوس هناك. جسده في حالة جمود مسترخ. لا فكرة واضحة حتى الآن، ويبدأ في استيعاب أن هذه اللحظة مميزة فعلا، ولا يفهم لماذا هي مميزة فعلا، ويبتسم وهو جالس بيدين مكتفتين على صدره، وينعس ببطء، ثم ينام، ويستفيق بعد ساعتين على صوت زوجته وأولاده. ينتبه بعد لحظات، يحدق حوله دون أن يلتفت. الساعة العاشرة تقريبا. أطفاله الثلاثة يجلسون على نفس الطاولة، يصرخون ويخربشون على أوراق. زوجته تطبخ شيئا لم يتعرف على رائحته. ويتطلع مستغربا باستمتاع، اللحظة لم تتلاشى، لازالت موجودة، ولازالت مميزة فعلا، ولازال يجهل لماذا. يجلس فقط، ويراقب. أطفاله الثلاثة يلعبون ويأكلون، زوجته تنضم إليهم، والشمس، الشمس أكثر سطوعا الآن، أكثر ألقا، كل شيء مضيء واحتفالي.

 

في هذا الحمام، توفي وهو في السابعة والسبعين من عمره. زوجته التي فتحت الباب الذي لم يعد يُـقفله استعدادا للحظات كهذه وجدته. كان عاريا على ظهره، وماء الدش ينهمر بنفس قوته منذ ساعة على قدميه. شعرُ لحيته ورأسه وصدره مبتل وأبيض. مغلَـقَ الفم، يحدق بعينين مفتوحتين بطريقة طبيعية، وكأنه يطالع شخصا آخر يحادثه، لولا الشحوب الذي بدأ ينسحب على وجهه لبدا أنه يُنصت لشيء ما ويفكر. أحجمت عن إبلاغ أي أحد، أبناؤه أو أحفاده. أغلقت الماء، جرّته بصعوبة إلى أقصى الزاوية التي لم يصلها إلا بلل بسيط، ثم ذهبت إلى غرفتهما، فتحت الأدراج، وغاصت بيدها في ملابسه لتأخذ فنيلة وسروالا نظيفين. عادت إلى الحمام، وألبسته السروال أولا، رفعت الرجل اليمنى ثم اليسرى، ثم بصعوبة أكبر رفعت الخصر ليصل إلى بطنه. وحينما همّت بإلباسه الفنيلة وأمسكت بيده، كان وجهه أمامها مباشرة، مغلق الفم شاخص البصر. أبيضٌ ومبتلّ. حشرجتْ شهقة في صدرها صعدت إلى أنفها نشيجا متقطعا حادا بعينين اغرورقتا بالماء. كتمت كل شيء بقوة، وجهها يحتقن بحمرة شيخوخية باهتة. ثم هدأت خلال لحظات. لازالت ممسكة بيده، تحدق في وجهه الأبيض المبتل المتفكر، والماء ينسحب إلى الداخل في عينيها. ألبسته الفنيلة ورفعت ظهره بجهد لتصل بها إلى الأسفل. وحينما اتصلت بالجميع وسمحت لبكرهما بالدخول، كان هو في ملابسه الداخلية النظيفة، في حشمة معقولة. تم إجراء العزاء في المجلس، ومنه انتقل متفرعا إلى كل غرف البيت التي دخلها أحد أفراد العائلة في وقت ما أثناء العزاء لسبب أو لآخر. البيت بأكمله بكل غرفه شهد شيئا من الحزن في تلك الأيام. ثم انتهى كل شيء. رفضت الأم الانتقال أولا، ثم انتقلت إلى بيت ابنها الأكبر بعد أن سقطت من آخر عتبتين في الدرج وكادت أن تكسر ساقها. جلس المنزل عدة أشهر فارغا، ليس فيه سوى الأثاث والشمس والليل. إلى أن تم بيعه على عائلة تبحث عن بيت رخيص وفي حالة جيدة. تسلم الساكن الجديد المفاتيح، ليست نفس المفاتيح التي أمسكها هو قبل أكثر من أربعين سنة، لقد تغيرت الكوالين ثلاث مرات منذ حينها، ولكنه وقف مثله تقريبا، في مقدمة الحوش، وأمام عتبة المدخل، يحدق في البيت أمامه. وللغرابة، كان ذلك الوقت عطلة أيضا، والحارة يُسمع فيها هتاف الأطفال من أمكنة متعددة.

Advertisements

2 thoughts on “بيت

  1. شكراً لك.
    ربما لأنك حزتَ على نصف ساعة أو أكثر من عَصر الجُمعة بصفاءٍ نادِر أيضاً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s