قبر

على طريق الرياض السريع قبل المجمعة بخمسة عشر كيلومترا، ستقطع الكبري الذي يمر فوق طريق شقراء القديم تحتك، حيث ينكشف امتداده على يمينك طوال مرورك من فوق الكبري، وعلى حافة الطريق القديم هنالك مقبرة، مرئية لك بوضوح من الطريق السريع الفوقي. كان الوقت منتصف العصر. ورأيت وأنا أمر ببطء من هناك رجلا وابنه الصغير يسيران وسط المقبرة، ثم يتوقفان عند قبر. المقبرة فارغة تماما، لا يوجد أحد غيرهما. رجل وابنه الصغير الذي يمسك بيده، يقفان أمام قبر. بعد أقل من دقيقة كنت قد تجاوزت الكبري والمقبرة، وهي الآن ورائي، وأنا أطالع أمامي في الطريق. حينما انتبهت كان قد فاتني الكثير من لقاء الوزير بالمطورين العقاريين الذي قمت بتحميله على جوالي. أعدت آخر خمس دقائق، ولكنني شردت مجددا ولم أنتبه، فعدته ثانية، ولكنني ظللت أشرد وأنا أطالع في الطريق، والمقبرة الآن ورائي بعدة كيلومترات، حتى دخلت مدخل المجمعة بعد عشر دقائق.

في البيت سألتني سعاد قبل النوم وش فيك اليوم؟ جلدك الوزير في الرياض؟ ابتسمت وأنا أفرّش أسناني، وتخيلت الوزير يجلدني فعلا في مواقف الوزارة. ولكنني لم أقل شيئا وظللت صامتا. نمنا سويا. صحوت فجرا لأذهب إلى الحمام. كان كل شيء مظلم. طالعت من النافذة المطلة على الحارة. لم يكن هنالك أحد، الحارة فارغة تماما، حتى الأشجار تبدو نائمة. نزلت إلى الدور الأرضي لأشرب كأس ماء. هنالك بقع ضوء تأتي من النوافذ. أشعلت ضوء المطبخ، شربت الكأس ببطء. ظللت واقفا للحظات أمام البرادة. كنت ناعسا ولكنني لم أرغب بالنوم. جلست عند طاولة المطبخ. لم يكن هنالك أي صوت أو حركة. هنالك عدد من النمل تحت المجلى. عدى ذلك كنت وحيدا، وكان كل شيء خارج المطبخ مظلما.

في الأمارة طلب مني مدير المشاريع تجهيز الأوراق استعدادا للاجتماع آخر الظهر. لم يكن شيئا صعبا، انتهيت منه خلال نصف ساعة. مرني أبو سعد، تكلمنا قليلا عن أشياء عديدة، كنت شاردا أكثر الوقت، وحينما حان أذان الظهر خرجت من الأمارة، صليت في مسجد العقيل لأخرج سريعا، ثم ذهبت إلى المقبرة. لم تكن هنالك جنازة من حسن الحظ. سرت في المساحة الفارغة داخل السور الكبير حتى وصلت إلى حيث توقفت القبور، وأخذت أحدق لأسترجع في ذاكرتي مكان قبر أمي. إنه في الأخير حتما، من أوائل الذين دفنوا هنا قبل خمسة عشر عاما. إنني متأكد أنها في الصف الثاني، القبر الرابع ربما من اليسار، سأعرفه حينما أقترب منه. سرت إلى هناك. كانت آخر زيارة لي هنا قبل ثلاث سنوات ربما، حينما توفيت زوجة جارنا وأتيت للصلاة عليها فتذكرت قبر أمي وذهبت إليه أنا وخالد. كان خالد صغيرا حينما توفيت، في التاسعة من عمره. كانت قد توفيت بعد أسبوعين من دخولها المستشفى إثر مشاكل في القلب. لم تعاني كثيرا، ولكن كان غريبا رؤيتها في سرير العناية المركزة. اتصل علي أبي وأنا كنت حينها قد توظفت للتو في فرع وزارة العمل وقال لي: أمك ماتت تعال. فجئت. صلينا عليها العصر وجهزنا لجنازتها واستقبلنا المعزين لأسبوع تقريبا. ثم بعد أشهر كنت على طريق خريص في الرياض، وكان الوقت ظهرا أثناء الصيف، توقفت فجأة على طريق الخدمة وبدأت أبكي. كانت ربما ثاني مرة أبكي فيها منذ أن صرت شابا. جلست هناك وبكيت عشر دقائق ثم حركت السيارة ومشيت.

هل هذا هو القبر؟ لا يبدو هو المكان الذي أذكره. تطلعت حولي. كلها متشابهة، صفوف وراء صفوف. كلها متلاصقة ومتشابهة. تطلعت في القبر. هل هذا هو؟

طرأت علي رعدة غريبة ..

ظللت واقفا أحدق حولي بتورط.

أخرجت جوالي أخيرا واتصلت على خالد ولكنه لم يرد.

المكان حار ومشمس بشكل قوي. هنالك نغزات حادة لسبب ما بدأت تحفر في فروة رأسي. لم أرغب بالانتظار أكثر من هذا.

خرجت من المقبرة وركبت سيارتي. حينما اتصل علي خالد بعد مدة كنت حينها في الأمارة. سألته عن القبر فصمت عدة لحظات ثم قال: وش الطاري؟

لم أقل شيئا.

أخبرني أخيرا أن القبر هو الرابع من اليسار ولكن في الصف الأخير.

سألته متأكد؟ فقال ايه.

ظللت جالسا في مكتبي، أدخن. لم أتحرك كثيرا. لمحت عامل القهوة من بعيد وكنت أرغب في قهوة ولكنني لم أهتف له. ظللت جالسا على الكرسي أمام مكتبي، وأدخن. ومن الباب تجيء أصوات الحركة والموظفين. مرني أبو سعد قبل الاجتماع. جلس يتحدث عن مواصير قام بتمديدها في بيتهم. لم أقل شيئا، ظللت جالسا. أخذ سيجارة مني ودخن معي. سألني عن الاجتماع وهل سيكون هنالك اتفاق على التنظيم الجديد، هززت كتفي وقلت مدري. جلسنا عدة دقائق بصمت، أخرج جواله وأخذ يُقلّب فيه وأنا منغمس في الكرسي الكبير وأطالع أمامي. قام أخيرا وهو يقول الله يلعنك جبت لي النوم، وخرج من المكتب.

خرجت من الأمارة متأخرا قرابة المغرب. كان الاجتماع مع وفد وزارة الإسكان الذي اجتمعت معه قبل أيام، ولذا من الجيد أنني كنت قد أعددت كل شي قبل يومين وأنني أعرف أغلب الموجودين، لم أقم بشيء سوى شرح الآلية المعتمدة لتفعيل تمويل بناء الوحدات السكنية الجديدة. لم تأخذ المداخلة مني أكثر من خمس دقائق، البقية كانت عند مسؤولي البنوك والمقاولين. حينما خرجت كان الوقت ليلا تقريبا وكنت منهكا، ولذا عدت إلى البيت.

لم أرغب في الخروج الليلة. ظللت جالسا في الصالة. حتى الجوال والتلفاز لم أطالعهما كثيرا.

أخرج لأدخن في الحوش عدة مرات، ثم أعود وأبحث عن سعاد وأكلمها قليلا، ثم أذهب إلى الصالة وألاعب الأطفال وأعيد تصفح الجرائد وقراءة كتاب عن ملحمة البحث عن النفط والمال والسلطة من بابل إلى بوش لكاتب أمريكي أعاطني إياه وكيل الوزير ونصحني بقراءته أمس في الرياض.

في أول العشاء كان العيال يلعبون أمامي. جلست أطالعهم، هند في الثالثة عشرة، عبدالله في العاشرة ورنا في الثامنة. يلعبون شيئا لا أفهمه. لعبة مطبخ أو بيت او شيء من هذا القبيل. المهم أنه كان ت هنالك أغراض كثيرة على الأرض. هند تبدو أكبر من عمرها. راقبتها. قبل سنوات كنت حينما أعود الى البيت تكون أحيانا عند الباب تستقبلني وهي تقفز ببيجماتها البيضاء المخططة وتقول “يبه يبه لعبة ملاهي لعبة ملاهي”. أتجاهلها فتظل ورائي تصرخ ملاهي ملاهي وأحيانا تضربني حتى أذعن أخيرا وأقبض على يديها ثم أدور بها بقوة في الهواء بشكل دائري وكأنها تطير. هي في الثالثة عشرة الآن. أراقبها، وهي تلعب. بدأ يخرج لها ثديان، وملامح وجهها أخذت تكبر وتجعلها أكثر قبحا. سعاد تقول سينشد وجهها حينما تكبر وستصبح جميلة. لا يهم.

صحوت مرتين في الليل. خرجت أدخّن في الحوش. ولكنني مللت فخرجت وأخذت أدخن في الشارع. لم يمر بي غير قطة طالعت فيني ولم تتوقف. سرت في الحارة نحو شارع الأربعين الرئيسي. كل شيء نائم تماما، لا صوت أبدا. البيوت كبيرة وواسعة ولكنها تجلس هناك بصمت وظلام كامل. الليل حالة غريبة. السير بهذه الطريقة يجعلك تحس وكأنك تسير في النوم، وكأنك فعلا دخلت في النوم وأنت تسير الآن في داخله وأن هذا هو حال الأشياء حينما يحل عليها النوم. خرجت نحو شارع الأربعين. هنالك ضوء وحركة أكثر. سيارات خاطفة تمر أحيانا، وأنا أدخن. توقفت أمامي سيارة فيها رجل مع عائلته وسألني عن طريق الكويت فدللته عليه، منظره غريب أيضا بشكل معاكس وسط كل هذا الليل والفراغ بعائلته التي تضجّ وتهز السيارة الكبيرة. لا أحد منهم نائم. غريب فعلا.

عدت إلى البيت واستلقيت بجانب سعاد. تتنفس بطريقة نغمية رتيبة. كانت قد سبحت قبل النوم وهنالك رائحة لطيفة تخرج منها، رائحة الشامبو ورائحة عرقها الليل. لمستها، لم أكن أرى شيئا في الظلام، كان كتفها الذي لمستُه، انحدرت منه إلى صدرها، ضغطت حلمة ثديها الأيسر، ولكنها لم تتحرك. أعدت يدي وحدقت فوقي في الظلام، ولم أعد إلى النوم إلا قبل الفجر.

في الإمارة كان اليوم بطيئا. أقفلت باب المكتب ونمت ساعتين. وحينما حان وقت أذان الظهر خرجت وذهبت إلى جامع المحرج للخروج من هناك إلى المقبرة مباشرة. كانت هنالك جنازة. فكرت بالعودة لاحقا ولكنني ذهبت على أية حال. طريق المقبرة (شقراء القديم) مزدحم نوعا ما بسبب المشيعين. علمت هناك أن المتوفى فتاة صغيرة لم تتجاوز العاشرة، سقطت من السلم على رقبتها. وقفتُ هناك أثناء الدفن وأنا أرى عثورة التراب حول الواقفين. لمحت والد الطفلة الصغيرة، كان يقف شبه مصعوق، لا أظنه يدرك إلا القليل مما يدور حوله. قابلت إبراهيم العثمان هناك. وقفنا بجمود نحدق في عملية الدفن، وكلانا يخبئ عينيه ورأسه وراء نظارته الشمسية وتشخصية شماغه. تحدثنا عن مشاريع بين الإدارتين. سألني عن ميزانية الإمارة: قلصوها لكم؟ قلت له: شالوا الثلث. أطرقنا لحظة ثم قال إن مدير التعليم سوف يستقيل، سألته: ومن اللي بيجي بداله؟ فهز كتفيه وأصدر صوت استهزاء ولامبالاة. الكل الآن حول الحفرة يتزاحمون للمساهمة بإلقاء ولو مجرد حفنة تراب فوق البنت الصغيرة، كلهم متحمسون للمشاركة في دفن البنت الصغيرة وراء التراب ولو بحفنة يرمونها عليها! بدا وكأن إبراهيم تذكر فجأة وسألني عن محطة قطار الشمال: متى ناوية تخلص ذي؟ قلت له تسألني أنا ليه وش دخلني؟ فالتفت نحوي وابتسم ثم قال ياخي أنتم الحين وش تسوون في الأمارة صدق؟ التفتُّ نحوه وقلت له أبد قاعدين نجلخ لبعض. ضحك هو وابتسمت أنا ثم شعرنا بالذنب ونحن نحدق في الحشود وقد انتهت من الدفن فصمتنا وزفرنا ثم قال هو: مأساة والله، ما كملت عشر سنين. ثم سألني تعرفهم؟ سمعنا فجأة صوت بكاء أحد، ولكن لا نرى من هو. لا أظنه الأب، لم يكن شكله يوحي أنه سيبكي، لابد أنه أحد آخر. قلت له لا والله بس جاي بزور قبر الوالدة هناك لي فترة ما زرته. وأشرتُ بيدي إلى آخر المقبرة. هز رأسه وقال أنا قبر الوالد والوالدة في أول الصفوف. بعد لحظات من الوقوف قال لي: المهم أنا سلمت على الأبو من يوم دخلت وبمشي، توصي على شي؟ قلت له أبد سلامتك، كلمني بخصوص الاعتمادات ونشوف. فهز رأسه ومضى. راقبته يمشي، لم يتوقف عند أحد القبور، ركب سيارته ومضى. كان الناس الآن يعزّون الأب. حرصت أن أبتعد. ذهبت إلى الصفوف الخلفية حيث قبر الوالدة ووقفت أمامه. بالفعل هذا هو. أذكره الآن لأنني أذكر الحصاة الكبيرة التي خلفي عند الجدار، لم تتحرك. وقفت أمام القبر وأنا أطالع بطرف عيني الزحام البعيد حول الحفرة اللامرئية هناك في الصفوف الأمامية، ثم أعود لأطالع القبر. كان واضحا أنه قبر قديم، لا أعرف كيف تحدد ذلك، فالصخر هو الصخر لا يكبر ولا يشيخ، ولكن على أية حال يبدو قديما. الحصى الصغير فوق سطح التراب المقوس، الشاهد الذي يشبه شجرة صغيرة مركوزة في الأرض. خمسة عشرة سنة عمر طويل، ولكن القبر لازال هنا كما هو ولازالت هي في الداخل ولازال بينها وبين بيتي 20 كيلومترا تقريبا. رفعت رأسي نحو الجنازة، الزحام بدأ يخف أكثر تحت شمس الظهر، الناس تقل بشكل تدريجي، لم يبقى غير عدد قليل. يمكن الآن رؤية العائلة بشكل واضح. إنهم بعيدون ولكن يمكن معرفتهم بطريقة وقفتهم وحركتهم. الذي يبكي يبدو أنه عمها ربما، أراه قريبا من الوالد، لابد أنه أخوه. عدت لأحدق في القبر وأخذت أتذكر أمي والأشياء التي كانت تقولها لي. كلمة كلب ووليدي هما الملتصقتان أكثر بذاكرتي. الكلب وليدي. يا سلام. ابتسمت بإرهاق. خمسة عشر سنة عمر طويل كما قلت. مواقف وصور، سواء جيدة أو سيئة، عادي، لا مشكلة. بعضها ضبابي، والآخر واضح بشكل حاد. أيام من الطفولة والشباب. يوم زواجي. كلمة “محد بيحبك مثل أمك، يا كلب”. يوم هوشتها مع زوجتي. وجلسات هامشية في الصالة في قهوة المغرب. وآخر أيامها في المستشفى. وأشياء أخرى عشوائية ولم تعد مهمة. التفتّ نحو الجنازة، خلاص، لم يبقى أحد، العائلة ذهبوا، وسيارة المغسلة معهم أيضا، يخرجون الآن من البوابة الكبيرة، وأنا تقريبا هنا لوحدي أمام القبر. قبل أن أخرج قمت بتصوير القبر وكتبت على شاهده بقلم أزرق خطان أفقيان حتى لا أنساه، ثم ذهبت بين القبور نحو سيارتي وأنا أرفع رأسي وأرى على امتداد حاجبي الأيسر كبريّ الطريق السريع الذي رأيت منه الرجل وابنه الممسك بيده وهما يتجهان نحو قبر ويقفان أمامه.


Advertisements

One thought on “قبر

  1. قبل سنة شاركت قصة لك في باث مع أصدقائي وقلت لهم:
    أتابع قصص أحمد الحقيل من أيام جسد الثقافة قبل ٢٠١٠ ولم يخذلني ولا مرة..
    حز في خاطري أني أصبحت أشعر بالملل وأنا أقرأ لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s