الأموات

 

أعرف بيكيت شخصيا. هو الرئيس التنفيذي لشركة إلكترونيات متقدمة يستقر فرع الشرق الأوسط منها في دبي. لا يصرُّ فقط على أنه ليس بيكيت، بل أنه لم يكن هنالك بيكيت أصلا. وعموما لا يمكن تصديقهم، أعني الأموات، إنهم يكذبون كثيرا، وأبعد الناس موتا – أكثرهم موتا – هم أكبر اللامصدَّقين. النعمان بن منذر مثلا، يملك شركة هندسة معمارية ضخمة في طرابلس، ويصر أن النعمان بن منذر خرافة تاريخية، لدرجة أنه افتتح مركز أبحاث مخصص لهذا الغرض أسماه حرفيا “لم يكن هنالك النعمان بن منذر”، إذا توظفت في ذلك المركز سيُكتب على كرتك “موظف في مركز لم يكن هنالك النعمان بن منذر”. جدتي أيضا، توفيت ثلاث مرات حسبما أعلم، هي الآن مديرة محل نسائي لصيانة الجوالات في شارع التخصصي بالرياض، وتقول إنها لا تعرفني وإنها لم تنجب أبناء من قبل أصلا، ولا فائدة في محاولة إقناعها. الأموات يكذبون، أو أنهم ينسون فعلا، لا يمكن معرفة ذلك إلا حينما تموت وترى، ولكنك حينها لن ترى، لأنك ربما تنسى فعلا. المهم، بيكيت لم يكن بيكيت على حد قوله وربما لم يكن هنالك بيكيت فعلا ولكنه كان صحبة رائعة. إنه يتحدث عربية مكسرة، ويحب قراءة المنفلوطي، ولديه حساب انستجرام فعال، ويقول إننا نعيش أزهى العصور في ظل الانفتاح التكنولوجي العظيم، ثم يحاول بيعك حصة من أسهم شركته التي أشك – وأنا لست خبيرا ماليا – أنها في الطريق للإفلاس ولكن لا خوف على بيكيت لأنه يقول إنه اختلس أموالا كثيرة منها. يحتفظ بأغاني تايلور سويفت في هاتفه، ويتابع المصارعة الحرة، وقام مؤخرا بإجراء عملية لإطالة ذكره. والأهم، يحب حفظ كلمة جديدة كل يوم، ويقول إن كل كلمة جديدة يحفظها تفتح له بابا واسعا من القدرة على التعبير. تخيل؟! إحدى الكلمات الجديدة التي عرفها هي: أويلاه، يقولها حينما يعلم أن جنيفر لوبيز أصدرت فيديو كليب جديدا، وحينما تهبط أسهم شركته بعد فضيحة أخرى، وحينما يذوق كبابا مغربيا متقنا، وحينما يقول له الطبيب إن عملية إطالة ذكره خطرة قد تؤدى إلى استئصال رجولته. أويلاه. وبيكيت يعد حالة شبه اعتيادية بالنسبة للأموات الذين يناقضون الماضي، أو ينسونه كما يقال. هنالك أموات يستلهمون سلوكيات مشابهة لنسخ سابقة رغم تناقضهم في كل شيء آخر. فرعون مثلا، ما غيره، يعمل محاضرا وأكاديميا في جامعة عين شمس، وأظن أننا نتفق أن هذا لا يختلف عن فرعون الطاغية الذي كان يقول أنا ربكم الأعلى وما أريكم إلا ما أرى، بل ربما أفظع، لأن هذا الفرعون يجبرك على حضور 75% من محاضراته الترمية التي تمتد لساعة تقريبا بينما فرعون القديم لا أحد من العامة يراه إلا مرتين في السنة بالكثير.

ولكن عموما كن متأكدا أنك لن تتخلص تماما من كل ما جئت به من الموت، فبعض الأشياء لا سبيل أساسا للتخلص منها سواء كنت تنساها أو تتناساها. هل رأيت من ماتوا بفعل حادث أو كارثة أو حرب؟ أويلاه. تخيل وأنت تقف أمام حارة تم قصفها بصواريخ ومتفجرات ثقيلة، ومن بين الدخان والنثار المشتبكان في سحابة مغشية يخرج أطفال مثل لطخة في ضباب، يسيرون بهدوء رتيب، تضج خلفهم هسهسة البيوت المتهاوية وعثورة الاسمنت والتراب، ولكنهم لا يلتفتون، ينسلون من العثورة المُعمية الحجابية حتى يظهرون بأجساد ممزقة مغطاة بغبار اسمنتي، أحدهم اندكّ نصف وجهه منسحقا تحت السقف الذي تهاوى عليه، وآخر يبقرُ أحشاءَ بطنه حجرٌ كبير يشقُّه صيخٌ حديدي، وثالث لا وجه له مندفنٌ في رماد فسيفسائي بلا ملامح، يسيرون بأوتوماتيكية مبتعدين عما كان بيتهم، لا يلتفتون لبعضهم، لم يعد أحد منهم – وبعضهم إخوة من بيت واحد – يستشعر الآخر، كما يفرض الموت الذي يجعلك تنسى/تتناسى جميع من تعرف. يلتفت نحوك الطفل الذي سقط نصف وجهه، تبرز لطخة الدم بعظام الوجه والنخاع الصمغي الذي يتمطط في الجمجمة المختلطة ببودرة الخرسانة المطحونة، ويقف أمامك وقد تخلف عن المجموعة، يحدق فيك بعينه المعوجة الساقطة على جفنه. هؤلاء وأمثالهم لهم أمكنة خاصة، أمكنة عميقة وغامضة، لا أنصح بدخولها، فيها الحالات التي لا تبدو قابلة للتعديل، يعيش أكثرها أمواتا كثيرة بتلك الأوجه. بعضهم يقوده حظه إلى أن يصلح وجهه بعمليات جراحية معقدة وخطيرة، تندرج تحت ما صار يسمى شعبيا بـ “طب ما بعد الموت”، وهو طب ابتدأ أولا في العشوائيات والأزقة، بحكم أن الميت شخص لا يملك مالا حتى وإن كان ثريا قبل ذلك، ثم صارت بعض الدول – التي تتميز بنظام صحي مميز – تتكفل بعملية تعديل أوجه وأجساد الأموات الذين يحتاجون ذلك، ثم صار يمتهنه في السوق السوداء جراحون – فاشلون أو هاربون لسبب ما غالبا – يفتحون عيادات في مناطق يكثر فيها الموت المشوه، ويعتمدون في التسديد إما على أهل الميت السابقين إن كانت لديهم الرغبة في متابعة الشخص الذي كان ينتمي إليهم، أو على آلية الدفع الآجل، “نسمكر وجهك وتأتي بالأموال لاحقا في مدة لاتتجاوز ثلاثة أشهر” وفق ضمانات لازالت تعاني من خروقات قانونية. إسماعيل ياسين مثلا، هاجر إلى سوريا بعد وفاته الثالثة ودراسته طب ما بعد الموت، حيث افتتح عيادة شعبية في حمص وتخصص تحديدا في خياطة رؤوس الذين تم جز رقابهم في الحرب الأهلية. حينما تدخل في عيادته – وقد كانت محلا لبيع الآيسكريم ولذا ترى في الجدران صور فانيلا متموجة في قمع بسكويت – تقابل أشخاصا يجلسون ورؤوسهم في جحورهم، ينتظرون. وهي صورة غريبة لمن لم يعتد على ذلك. ولكن أيضا هنالك أشياء تذكرك بحالات الموت الاعتيادية في المكان، ففي الخارج هنالك أمهات وآباء وأزواج وزوجات وأبناء وبنات يعسكرون عند الباب الحديدي المقفل، وهو المنظر المألوف الذي ستجده في أغلب المستشفيات وبيوت الجنائز في مختلف بقاع العالم، أشخاص يائسون أو يبحثون عن “قفلة” يعسكرون لأيام خارجها، في انتظار أن يخرج من أتوا لأجله من المكان الذي دخله بعد موته، نساء ورجال وشباب وشابات وفتيان وفتيات وأطفال من طبقات مختلفة، ينتظرون. ولكن ما يحدث هو أن الشخص – والشخص مصطلح للرجل والمرأة – يخرج وينظر لهم – كما ينظر جميع الأموات بأجساد مشوهة أو سليمة – وكأنه لا يعرفهم، ببرود وحياد. تخيل أن يراك شخص كنت تحبه أكثر من نفسك بهذه الطريقة؟ سيقتلك هذا، ثم يقول لك بنبرة ارتيابية أنا لا أعرفك، من أنت، ويمشي. البعض يظل واقفا في المكان يراقبه، لأنه لم يأتي إلا ليراه أخيرا في لحظة الفراق الحيادي الأبدي هذا ويكتفي بتلك “القفلة” التي ستعذبه طويلا لأنه – ونحن جميعا هكذا – نحب الشعور بالألم، والبعض الآخر تغريه الصورة فيلحقه وهذا يهرب منه حتى يتوقف الشخص منهارا أو يتبعه آخرون ويوقفونه في الوقت الذي يمشي فيه الميت ويختفي في امتداد المكان وهو يحدق من خلف كتفيه مشدوها ولا يفهم. أفظع المنتظرين هم الأطفال، لا يتوقفون عن السير خلفك، مهما حاولت أن تقنعهم أنك لا تعرفهم، يسيرون وراءك وينادونك بابا ماما. كيف تقول إنهم لا ينسون فعلا؟ مستحيل، هنالك حد فيزيولوجي للتعبيرات الإنسانية، لا أحد يستطيع الادعاء بهذه الدرجة من الإتقان والإيمان.

وحتى لو أبعدنا الجانب التحليلي عن الموضوع، وركزنا على الجوانب الغبية، لأن الجوانب الغبية في موضوع ما بصراحة شديدة هي أكثر الأشياء المقنعة، قد تشك في مكذوبية حالات دراماتيكية لأن لها وقعا مربكا في بعض الأحيان، ولكن الغباء لديه قدرة باهرة على الإقناع. وعشان تفهمني، طلال مداح مثلا، يعمل الآن عازفا للكمنجة في فرقة أبو حنان! كرر هذه الجملة أكثر من مرة وستجد أن شيئا ميتافيزيقيا خاطئا في الموضوع. فمسألة النسيان هذه ليست اعتباطا، لأن هنالك ظواهر تبلغ من الغباء درجة لا يمكن فيها تصديق أن تكون خدعة، ولذا هنالك أشخاص يُقيمون حملاتهم بناء على هذه الفكرة. رئيس نادي الهلال المنتخب – بعد الخصخصة – قدم وعدا انتخابيا بانتظار وفاة ماجد عبدالله واستقدامه فورا ليكون مشجعا للهلال! هنا ينتهي الكلام.

الرأي بأن الميت ينسى فعلا ليس خدعة، ولكن حتى لو كان هذا الانفصال رغبة متولدة بطريقة أشبه ما تكون بالفيزيولوجية، هذا لا يعني أنهم ينسون ما يميزهم، فسيظل هذا – كما يبدو من شواهد حقيقية وليس من تنظير سايكولوجي برجوازي – محفورا في ذواتهم بعمق، ولذا يدفعهم هذا – الاستحضار؟ – لفعل أشياء غريبة بغرض مناقضته وإثبات أنهم لم يعودوا ذلك الشخص. بيكيت مثلا، الذي يصرُّ أنه لم يكن هنالك بيكيت، لماذا يريد إطالة ذكره؟ هذا غير منطقي. فهو بيكيت، حتى وإن كان ليس مقتنعا بذلك، المهم أن النتيجة هي أن أيّّ مغرمة بالقهوة وصور الكتّاب بالأبيض والأسود ستفتح قدميها له مهما كان طول ذكره، هذه حقيقة إحصائية، هنالك شركة متخصصة قامت بإحصائية في هذا الموضوع وخلصت إلى أن 83% منهنّ سيفعلن ذلك، والآن هو إضافة لذلك مدير تنفيذي لشركة إلكترونيات كبيرة في مدينة مثل دبي، يعني أن أي فاشينستا ستفتح الآن قدميها له أيضا، كثير من الأقدام المفتوحة للأخ بيكيت، فلماذا الإطالة؟ انفصال كلي؟ إعادة تخلق؟ غير منطقي. المهم أن الأموات تبعا لذلك – أيا كان هذا الذلك – يتخذون قرارات غريبة بشكل مستمر. فرعون مثلا، ما غيره، رغم تطابق مهنته الحالية – أكاديمي – كما اتفقنا بمهنته الأشهر- طاغية يدعي المعرفة المطلقة والألوهية – قام بإصدار دراسة – بحكم تخصصه في التاريخ القديم – ينفي فيها وجود شخص يسمى فرعون، ويثبت ذلك وفق أسس يزعم أنها علمية أركيولوجية قادته لأن يقوم بأشياء جنونية مثل اقتحام الأهرام ومحاولة سرقة عدد من المومياءات ومن ثم القبض عليه واتهامه بأنه شريك مع الإخوان في عملية التخابر مع الخارج. نسيان مبطن لاواع؟ ليس واضحا. أبو دلامة أيضا، هو الآن مذيع في قناة إم بي سي ويقدم برنامجا اسمه “كل ما نسنس” يعتمد على الستاند أب كوميدي والمقالب ويستضيف فيه ساسة ومسؤولين وصناع رأي. هو نفسه أبو دلامة رفيقنا القديم، ولكنه أيضا مثل بيكيت لا يقول إنه ليس أبو دلامة فقط بل يقول إنه لم يكن هنالك أبو دلامة أصلا. ولإثبات ذلك يقوم أيضا بأشياء غريبة مثل استضافة مفتي المملكة عبدالعزيز آل الشيخ والكاتب أحمد الحقيل والبروفيسور معمر القذافي – هو أستاذ أحياء نباتية الآن – في حوارات جادة جدا ومن أثقل ما يمكن مشاهدته على التلفاز. كل هذا كما قلت يقود دائما إلى نتائج غريبة، فهو ليس نسيانا قطعيا أبستومولوجيا وإنما أشبه ما يكون بنسيان مركب مرهق بتبعات تكون فادحة غالبا. فحينما أجرى بيكيت عملية إطالة الذكر وتحققت نبوءة الطبيب بأن خسر رجولته، قالوا له – وأنا لست طبيبا ولكنني أنقل ما حدث – إن استشعاراته الجنسية يمكن نقلها إلى أرنبة أنفه، لا أعلم لماذا، فأنا لست طبيبا كما قلت، إسألوا عبدالله الربيعة يمكن يعرف، ولأنه يعيش في دبي فلا يمر يوم دون أن يسلم عليه وغد – دون أن يستطيع بيكيت رده لئلا يهين العادات الاجتماعية – بطريقة حب الخشوم. تخيل أن شخصا يسلم عليكَ بأن يلمس ذكرك أو عليكِ بأن يلمس فرجك؟ تخيل كم سيكون هذا محرجا؟ ولذا الأموات لا يتخذون قرارات جيدة، إنهم مثقلون جدا بترسبات الماضي في الوقت الذي ينفصلون فيه عن ذلك الماضي، فهم في مرحلة انفصال وازدواج دائمين ومعقدين، وينتهي بهم الأمر إلى أن يسمحوا لغرباء بلمس أعضائهم التناسلية!

وعموما هذه ليست نكتا، إنها ضرائب مخزية للموت. ستجدها أمامك دائما وأنت تسير في الأزقة والطرقات، خصوصا حينما تكون راجلا على حافة رصيف في حارة شوارعها ضيقة ومُترّسة بالمحلات الجانبية التي تحوم حولها السابلة مثل خلية نحل. فقط راقب بدقة، وسترى وسط الزحام الذي هو خلوة عميقة جدا في إغرائه بأن تكون خفيا عن الرصد، سترى أوجها لأناس يتضح أنهم ماتوا مرات عديدة، يقفون هناك، وفي أعينهم سراب، فقاعات غير واضحة. ستصادف شيوخا ورجالا وأطفالا ونساء يهيمون، يسحبون خلفهم فراغا من الماضي الممسوح عدى نقاط بقيت على الحوافِّ بشحوب باهت له مظهر الأماكن القطبية الملفعة بالضباب والنثار، شيءٌ بارد وبعيد جدا جدا، أوجهٌ وصور واستشعارات ولذات وروائح، ستراها بوضوح إذا ركزت في أوجههم وحانت منهم لفتة طارفة. ستصادف رجلا يقف في سوق الزل عند بائع أقمشة، ترى مؤخرة رأسه البيضاء الحاسرة وقد انحفر في أعلاها دائرة صلع بسيطة، وستحس بقلبك تتصاعد نبضاته، وستشعر أن شمس العصر الشتائية الدافئة تسقط على جلديكما رقيقة وناعمة، وستعرف، ستعرف حتما أنه هو، وستبتسم وأنت تترقب، وأنت تتذكر طلعات عصر قديمة وأنت صغير مثل الأصبع في يده، ستتذكر، وأنت تسمعه يطلب السجادة الحمراء، ثم يأخذها، ستلاحظ التفاصيل، مدة اليد وانعكافة الثوب عند الإبط وميلان الرأس نحو اليسار وخط الشمس على عنقه المتجعد، وحينما يلتفت أخيرا سترى والدك، سينتبه لك كما ينتبه غريبٌ لرجل لم يكن يعلم أنه وراءه، وسيقول بارتباك وهو يبتسم معليش ثم يحاول أن يتجاوزك. ستحاول أن تقول شيئا ذكيا يجعله يقف، مثل لا يصير زاد عليك السعر تراهم حرمية، فيضحك ويقول لا كسرت راسه، وتقول أنت شيئا ويقول هو شيئا، ولأنك مكشوف وتفتقد للممارسة فستلمع في عينيك حميمية تتمثل في رطوبة أو ألق أو انطفاء أو انكسار، وسيشعر بذلك ويبدأ بالارتباك، لأنه يعلم، لابد أنه يعلم، يعلم أنه ربما مات مرات كثيرة، وأنه ربما خلّف وراءه مثلما خلّف آخرون فيه ألما وفقدا محفورا، كلنا نعرف، كلنا نعرف ذلك ونكرهه، كلنا نعرف أننا نرى أبناء لنا في أمكنة ما، نرى أمهاتا لنا، آباء لنا، زوجاتا وخليلاتا وأزواجا وأخلاء، نعرف أننا نسير في الطرقات صباحا ونحن نحمل طفلا نلاعبه ويضحك لنا ونضحك له، ثم يمر بنا أشخاص يقفون ويحدقون فينا بنظرة غريبة منتزعة من عمق لا يمكن التعبير عنه، ونعلم أن حياة سابقة جمعتنا ولكننا لا نتوقف، نمضي.

وعموما، الموت في أكثره ليس عن الموتى، وإنما عن من حولهم، ليس من ناحية رومانتيكية عاطفية، ولكن من ناحية منطقية وعملية. فالموت بوصفه انتهاء لحياة هو انفصال عن ما كان في تلك الحياة، والميت ينفصل كليا – أو بترسبات كما أثبتنا – ولكن الحي لا ينفصل بتاتا، إنه الجزء الذي يبقى في عملية الموت، إنه الجزء الذي يجب أن يعالج أثر الانفصال، إنه المتورط الحقيقي بحالة الموت. ولذا الموت يعني الأحياء أكثر. هنالك أموات يعودون إلى أعمار بعيدة. بيكيت عاد وهو في آخر الأربعين، لماذا؟ لا أحد يعلم. بورخيس عاد كما هو أعمى وعاش قسا برهة من الزمن ثم توفي مرة أخرى وعاد شابا في مطلع العشرين. بعضهم يعود شابا، بعضهم يبقى كما هو. بعضهم يعود طفلا، تخيل؟ تجد امرأة تنتظر بعد وفاة زوجها في إحدى دور الجنائز، تجلس في الرواق السيراميكي الطويل الذي يؤدي إلى غرف كثيرة، يجلس خارجَ بعضها أشخاصٌ ينتظرون مثلها بينما لا أحد خارج بعضها الآخر، تجلس وتتذكر أشياء محددة، أشياء فضفاضة يغلب عليها الضوء مثل رحلات إلى حدائق ومطاعم وأنهارٍ والتفاتةَ الفم أثناء الضحك وطريقة الاستلقاء وقت الإرهاق وتدلي الساق العارية من تحت اللحاف الشتائي الثقيل، وتتذكر أشياء ذات طبيعة ظلالية فيها حميمية دافئة ومتلاصقة ومختبئة، ملمس ظهره ونتوءات العظم البارزة منه وهي مدببة في باطن كفها، ليالٍ شعرت به في داخلها كما لم تشعر به من قبل والظلام خارجهما يمد ستارا ثقيلا من الخلوة اللامخترقة الآمنة، تتذكر أشياء دقيقة ومقززة، لعابه في فمها ومنيه في فرجها وذكره في قبضة يدها وثديها في باطن كفه، وبعد انتهاء أيام ثلاثة – تزيد إلى شهر أو تنقص إلى دقيقة – يكون الميت مستعدا للتحول، فيخرج، وإذا به طفل في العاشرة من العمر، في نفس عمر ابنهما. يقف أمامها، ويحدق فيها وتحدق فيه مصدومة، ثم يتجاوزها ويمشي نحو الزاوية ويختفي وراءها.

ولكن تظل أسوء حالات الموت بالنسبة لمن حول الميت هم من يموتون في أماكن نائية أو في حالات غامضة غير مكتشفة. من يُقتلون في صحراء أو غابات، من تهوي سياراتهم في وديان، من يسجنون في معسكرات اعتقال، هؤلاء يختفون فجأة، يعودون إلى الحياة ويذهبون إلى مرحلة تالية وكأنك لم تكن، وتظل مهووسا بأنك ستراهم على الأقل يوما ما في محل مكسرات أو شارع مزدحم أو في لقطة من كاميرات جوجل. ولكن هذا غالبا لا يحدث. إنه أمر مؤلم.

ولكن، لا يجب أن يُفهم من هذا الكلام أن الميت مبرأ من ثقل الموت أيضا، طبعا لا. فذلك الطفل/الرجل مثلا، أين سيذهب؟ كيف سيعيش؟ ولذا يفشل كثير من الأموات، يترنحون في خط متواصل من التوهان. والأفظع من ذلك هي الأخطاء التقنية التي تحدث أحيانا للميت، أخطاء غبية وعجيبة. تخيل أن هنالك مثلا أشخاصا يستلهمون صفة أو صفتين فقط من ماضيهم ويظلون عالقين فيها في حالة عطل تقني غريب. تخيل حجم هذا الجحيم؟ ولتتضح الصورة لنأخذ هنري ميلر، وأقول مقدما إن هذه ليست نكتة، فهذا الرجل لا يفعل شيئا في الحياة بعد موته سوى أن يذهب لأغراب ويقول معلومته المفضلة من حياته السابقة: لدي ذكر طوله 9 إنش. بس. هذا كل ما يفعله. تراه في الشارع يلكز شخصا بكتفه ويقول له هيه لدي ذكر طوله 9 إنش، يرد الآخر باستغراب طيب وبعدين؟ ولكن ميلر يحدق فيه ببلاهة ويلكزه مرة أخرى ويقول معي ذكر طوله 9 إنش. تجلبه لجلسة مع أصدقائك على خلفية أنه كاتبك المفضل وتريد أن تحتويه اجتماعيا لأنك أحمق ولم تفهم اللعبة بعد، وبعد كل عشر دقائق بين لحظات الصمت أثناء السواليف يقفز ويقول هيه لدي ذكر طوله 9 إنش ويحدق في الآخرين ببرود وبلاهة. في الأخير قتله شخص ما رأى أنه بذلك سيحرره ليعود ميلر راديكاليا أرثوذكسيا يستهدف بشكل سياسي الأقليات في فرنسا، ورغم أنه صار مرفوضا أخلاقيا ولكن لنعترف أنه على الأقل مقبول اجتماعيا، أعني أن شخصا ما يقول إنك متخلف ويجب استهدافك لأسباب تافهة ربما أكثر قابلية من شخص لا تعرفه يلكزك فجأة على العشاء وأنت تحمل اللقمة إلى فمك ليقول لدي ذكر طوله 9 إنش ثم يصمت واللقمة على حافة فمك وأنت لا تعلم وش السالفة.

وعموما، رغم ندرتها بشكل عام؛ فإن أكثر الأخطاء التقنية تحدث لمن ماتوا مرات كثيرة لدرجة أنه لا يمكن عدها، تبدأ سمات معينة بالظهور عليهم. إقليدس مثلا، كم مات من مرة؟ لا أظن أن أحدا يعلم. منذ خمس ميتات تقريبا، في بداية القرن التاسع عشر، بدأ يظهر في جبينه نتوء غريب، ظل يتزايد بغموض في كل مرة يموت فيها، حتى تفتق واضحا في الميتة الأخيرة قبل أشهر، وكان هذا النتوء المتفتق عبارة عن ثدي، أعني ثدي نسائي متكامل بحلمة مدورة ومدببة. تخيل أن تجلس مع شخص يخرج من جبينه ثدي يتدلى على حاجبيه؟ هذا الرجل كان عالما في وقت ما وملأ الدنيا لغطا وهو الآن مجرد سفلة مسكين بثدي يبرز من جبهته! لا تضحك، هذا ليس نكتة.

وعلى أية حال، الذين ماتوا ميتات تكاد لا تعد يمثلون مع الوقت حالات خاصة، وخصوصيتها تتجاوز الأخطاء التقنية الغريبة والسخيفة إلى أشياء أعمق بكثير. فأكثرهم يكادون أن يتفقوا على سلوك متقارب، وهو قلة القناعة بوجود أجوبة. والسبب ليس اليأس، أو انعدام الإيمان، ولكنه أدق وأعقد من ذلك ويصعب شرحه بوضوح. مثلا هنالك جلجامش. لقد تنقل في حالات كثيرة جدا، من تاجر إلى ساعي بريد إلى راع إلى حاجب محكمة إلى سائق عربة إلى مساعد معمل عند فاراداي إلى شاعر رمزي إلى دبلوماسي في الأمم المتحدة إلى مدري إيش ومدري إيش ومدري إيش ثم أخيرا إلى راع مرة أخرى، لاحظت؟ لقد صار يكرر، فمع كل هذه التنقلات – بكل ترسبات انفصالها/اتصالها المزدوج كما أسلفنا – فإنه سيكون من المحتمل رياضيا أن تعيش تجربة مماثلة لأخرى سابقة. والآن، ما هو الشيء الذي يجمع بين هذه الحالات كلها؟ هنالك أشياء كثيرة بالطبع، كثير منها فيزيولوجي أوتوماتيكي أكثر، ولكن أقربها للوعي هو أنها تحدث للشخص نفسه، أنت، أنت العنصر المشترك، وأنت أكثر فكرة ملحة تتواتر بطريقة إنثروبولوجية عليك في كل مرة هي فكرة البحث عن معنى، حتى وإن كان بشكل ريفي قروي بسيط، البحث عن معنى هو شيء يكاد يكون مزروعا في تكوينك البيولوجي، البحث عن معنى يقود لأسئلة متعالية غالبا، مصدر تفسير خفي يبرر بعض الأمور العالقة، أي أنك دائما تبحث عن مصدر. وهنا وقف جلجامش وهو راع مرة أخرى أمام تجربة مماثلة لحياة سابقة نسيها أو تناساها المهم أن أثرها بقي فيه، وها هو يدعو آلهته – بحكم أنه في مكان ما في آسيا يعبد بوذا الذي جاء يا للسخرية بزمن طويل بعده – أن ينقذ غنمه من مرض حل بها، وهو هنا يستشعر أو يسترجع أو يتذكر أيا كان أنه سبق وأن دعى آلهات مختلفة في حيوات سابقة وتحديدا في حياة كان يلبس فيها لبسا مماثلا ويقوم بأفعال مماثلة، ولكن أحدا لم يجبه. ولذا، ادعى جلجامش الألوهية. لأنه سأل: ما الفرق بيني وبين بوذا؟ كلانا لم نقدر على منع الغنم من الهلاك، ولذا أنا بوذا وبوذا هو أنا! المسألة ليست يأسا أو تعاليا، هي باختصار من وجهة نظر جلجامش الراعي نتيجة منطقية لا غير، ولذا الوصول إلى النهاية لا يعني الوصول إلى المعنى، بل على العكس، هو يعني الوصول إلى اللامعنى، وبالتالي: بوذا. من مات لهذه الدرجة من الموت، لن يرى الأشياء بنفس الطريقة غالبا. إنه لن يسير في الطرقات ليرى أوجه أحباء ربما مر بهم في حيوات سابقة بنفس الطريقة التي يراها بهم الآخرون، لن يقف أمام طفل يلعب ضاحكا ومتقافزا بجنون مع كل حركة في حارة العليا بالرياض أو امرأة يلمع ساقها في انعكاس الشمس بشعيرات ذهبية مجزوزة حديثا عند الهايد بارك بلندن أو خمسينيٍّ يلعب النرد مع أصدقائه على أطراف سوق السمك الكبير بطوكيو بنفس الطريقة التي يراهم بها غيره الذي سيفكر أنه ربما يعرف هؤلاء وأن شيئا في داخله يستفزه ليقترب منهم ويقول لهم بابتسامة ألفة: أعرفكم. إنه بوذا الآن، وبوذا لا يرى الأمور بهذه الطريقة. إنه منفصل لدرجة أن كل شيء فقد معناه، كل شيء تجرد من قيمته المضافة إليه بفعل السياقات المفتعلة المعقدة، ولم يعد يبقى إلا هو، هو وحده، بوذا نفسِه، وهنا تكمن الحرية القصوى والانعتاق الأبدي، وحينها، منطقيا، يحدث الموت الحقيقي، لأنك تصل إلى آخر نقطة، حيث ينتهي كل شيء، ولا يبقى شيء سواك. وهنا تبدأ الأساطير عن أشخاص ماتوا فعلا، لمسوا آخر/أول قطعة في الوجود، وتلاشوا، تلاشوا فعلا.

 

Advertisements

2 thoughts on “الأموات

  1. نص مشحون بتعدد الحيوات يفكك الموت ويبنيه. . عميق وفلسفي ولذيذ..
    رائع يا أحمد
    رائع
    وأكثر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s