إنه يحدث (انطباع عاطفي وانفعالي وغير حيادي)

leo-messi-priceless

 

في أحد أقبية الملاهي الليلية التحتانية في نيويورك أوائل الستينيات، كان هنالك رجل يقف رافعا يديه ويصرخ للداخلين: “it’s happening – إنه يحدث” ويكررها، ملوحا فوقه وكأنه يصلي ويبتهل، ويصرخ: “it’s happening – إنه يحدث”.

ما هو الـ “إنه”؟

“إنه” سيتصح أنها الحياة التحتانية لنيويورك. تفتُّـق عصرٍ جديدٍ من أسفل المدينة يحملها إلى الربقة الأعلى حيث لم تصل من قبل. الفنون والتجريب والعنفوان والمخدرات والنشوة والجنس والتحرر والانتماء والانفتاح الكلي على مجتمع صاخب ومندفع وجريء وأحمق ووقح وغير مسؤول وممتلئ بالبوهيمية والانتشاءات اللامحدودة والمغامرات اللامحسوبة. إنه يحدث. كان ذلك الرجل يعرف، ولكن “إنه” كانت شيئا أكبر من أن يُعرّف. ولذا بقي إنه، وحينما اكتمل، صار “إنه” يُعرّف بـ “نيويورك”، فما إن تقول “نيويورك” حتى يفهم في ذلك الوقت أن المعنيّ هو موطن مكان مليء بمغامرات واحتمالات جديدة لم تكن من قبل.

وعليه. لابد أن يكون هنالك شخص ما، صرخ بنفس الطريقة “it’s happening – إنه يحدث”، حينما بدأ يبنى برج بابل وسط المدينة. وحينما بدأ الناس يتداولون قصائد أبي الطيب المتنبي. وحينما سُمع في جلسة ما لحن لشخص يقال له زرياب. وحينما بدأ الناس يتداولون البحث في الزمن الضائع لبروست. وحينما عُرضت للمشاهدين أفلام أوزو. وأخيرا، لابد أنه كان هنالك شخص ما في ملعب الكامب نو يوم 18 أبريل 2007، حينما سجل ليونيل ميسي هدفا على خيتافي، قفز من مكانه مع المشجعين الممسكين برؤوسهم وصرخ “it’s happening – إنه يحدث”.

حينما تجاوزت بغداد قرني بشار بن برد وأبي نواس والجاحظ والأصمعي وأبي تمام والبحتري، وحينما تجاوزت باريس قرن بلزاك وفيكتور هيجو وبودلير ومالارميه، وحينما تجاوزت أمريكا عصر فوكنر وهمنجواي وفيتزجرالد وشتاينباك. حينما مرت كل هذه النماذج وتجاوز ذلك الـ “إنه” الذي فيها أجيالٌ لم تلحق عليه أو أجيالٌ لم تفهمه حينها، وجدوا آثاره، مخلفاته، بقية ما تبقى من فتاته. ولم يكن هو فعلا ذلك المتبقي، وإنما ذكرى من حقيقته. عاشوا على تلك البقية، وتسلوا بها، ولكنّ ندما سخيفا تبدى في أدبيات العصور اللاحقة لهم، يشبه ندم الطرد من الجنة، لأنه مثّل ندمَ عدم اللحاق بشيء غريب ومميز ليس بالضرورة أن يكون محببا أو مفضلا ولكنه كان يبلغ من الفرادة أنه سيضع لذوقك وحياتك ومتعتك سمة خاصة لو لحقت به، شيء يميز أيامك التي راحت بلفتة خاصة جدا، ويلونها في ذاكرتك، وهو ما لا يحدث في الحياة إلا نادرا. باختصار: لقد فاتهم.

حينما يعتزل ليو، ستجيء أجيال تقف في مخلفات الـ “إنه” التي تركها مثل غيره، مقاطع الفيديو والحكايات والشواهد التي يرويها أشخاص عاشوها بكل قوتها وعنفوانها ويوميتها وتكرارها، وسيتضح لهم ذلك الندم بشكل أكبر لأنهم فوتوا شيئا عظيما كان سيلوّن ذكرياتهم وحياتهم بمتعته ولذته ونشوته. وسيكون أكثر ندما منهم من لحق على ذلك الـ “إنه” ولكنه لم يختبره بكل طاقته، لم يُلقِ له بالا كما يجب، لم يهتم به كما يليق به. وسيكون مثل شخص أمضى أيامه يلعب النرد وشيشرون يخطب في منصات روما، أو انضم إلى حلق الحديث بينما كان إبراهيم الموصلي يغني في مكان ما في بغداد، أو اكتفى بدراسة الخيمياء بينما كانت روايات مارك توين تباع على الأرصفة، أو شجع الهلال في وقت كان يلعب فيه ماجد عبدالله في النصر.

ذلك الـ “إنه” في صرخة الممسك برأسه في مباراة خيتافي كانت حينها أيضا شيئا أعظم من أن يعرّف. ولكن الآن، حينما اكتمل، صار ذلك الـ “إنه” هو “ميسي”،  فما إن تقول “ميسي” حتى يُفهم أن المعنيّ هو أقصى مراحل الكمال والجمال الكروي الذي لم تشهد اللعبة العريقة التي تتحكم بعقول وأفئدة الكثيرين حول العالم شيئا مشابها له. على الأقل كما يراه كثيرون.

يحكى أن إبراهيم الموصلي، أحد أعظم المغنين في العصر العباسي، حينما سمع ذات ليلة لحنا تغنيه قانية في مجلس لهو، استخفه الطرب لدرجة أنه قفز من مجلسه وركض في شوارع بغداد وأزقتها حتى وصل إلى منزل صديق له يجيد الطرب على مستوى قريب منه، وطرق الباب بقوة ففتح الرجل مرعوبا وهو يرى صاحبه يقف قبالة بابه. لم يقل الصولي شيئا عدا إنه سمع أحد أعظم الألحان في حياته وأراد أن يشارك ذلك مع شخص يفهم ما الذي يعنيه أن تسمع واحدا من أعظم الألحان في حياتك، ثم تراجع واختفى في الظلمة تاركا صاحبه عند الباب، وهو يفكر حتما في سماع ذلك اللحن في أقرب فرصة. وفي السياق نفسه، يحكى أن الروائي البريطاني العظيم أنتوني بورجس حينما شاهد هدف كارلوس ألبرتو مع البرازيل عام 1970 صرخ وهو يلوح بيديه “ليكتب جويس (وكان أستاذه المقدس) شيئا مثل هذا!”، وأمضى اليوم كله وهو يصف الهدف وكيف تم بناؤه بطريقة هندسية صبورة لكل شخص يقابله ويشرح كيف أن هذا شكل من أشكال الفن. ومنذ اللحظة الأول التي شاهد فيها المفكر الانفعالي إدوارد سعيد الراقصة تحية كاريوكا عام 1950 ظلت صورتها محفورة في خياله حتى كتب مقالا عنها لم يكتفي فيه بإبراز نشاطها السياسي والثقافي ولكن تسلل ليصف اللذة التي لم تنطفئ لذلك الشاب الذي رآها أول مرة ورأى فيها “تجسيدا لنوع من الإثارة بالغ الخصوصية” على حد تعبيره.

لنعد بالذاكرة إلى اللحظات الفريدة من نوعها التي تعيشها كل أسبوع مع ليو ميسي. ستجد أن ذاكرتك مرهقة. والسبب أن الرجل يقوم في كل أسبوع بشيء مجنون. إنه لا يلعب الكرة، إنه يعيد خلقها من جديد. إنه يقوم بأشياء كانت تبدو مستحيلة أن يقوم بها شخص واحد، إنه يمسك الكرة بطريقة جسدية تبدو إعجازية فيزيائيا مثل لاعبي الجمباز المرعبة أجسادهم في مرونتها التي تكاد تكون مقززة لغرابتها، ويقرر في جزء من الثانية وبنظرة واحدة مواقع كل شيء أمامه ثم يتخذ قرارات عقلية أسرع من أن يستوعبها المشاهد الذي يرى كل شيء بنظرة بانورامية فيمر بالكرة أو يمرر أو يسدد كرات تخترق الجميع نحو الهدف وكأنها مربوطة بخيط. ويقوم بكل ذلك باتساق متواصل وطردي لدرجة أنها تصبح عادة، ولكنها رغم ذلك لا تفقد لذتها، لا تفقد قدرتها في كل مرة على أن تجعل أعصابك تتفاعل مع رؤيتها وتتضخم ثم تنفعل في حالة نشوة تدفعك لأن ترغب في أن تقطع شوارع المدينة التي أنت فيها مثل الموصلي لتخبر صديقا يعرف ما الذي يعنيه الإعجاز الجسدي عن ما شاهدته للتو، أو أن تصرخ مثل بورجس مطالبا كاتبك المفضل بإبداع شيء مثل هذا وتظل تشرح ما حدث لكل شخص تقابله وكيف أن ما حدث شيء يتجاوز مفهوم اللعبة إلى حالة تشبه خلق شيء من العدم، أو تحتفظ بكل ذلك في ذاكرتك لمدة 40 عاما مثل إدوارد سعيد ثم تعود لتكتب عنه وعن تلك اللذة التي نحتها فيك وكأنها حدثت للتو بنفس الجِدة والاستمتاع الذي لا يكبر ولا يتغير. إنها شيء في منتهى الخصوصية تلك اللذة، تلك اللذة في تجربة شيء في منتهى الكمال والجمال، مثل رعشة الجنس أو قراءة كتاب عظيم أو سماع أغنية مثالية أو تذوق أكلة رائعة أو حرارة الوجود بقرب شخص تحب الوجود معه.

 

 


Advertisements

2 thoughts on “إنه يحدث (انطباع عاطفي وانفعالي وغير حيادي)

    1. أحمد: ثمة مقالات تقرأ لترتقي بك، أنت فعلت ذلك بي.
      متعة متابعة ميسي لا تقل عن متعة قراءة أحرفك، النتيجة دهشة كاملة المعالم.
      شكراً لتفردك.
      صالح

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s