مطر

في السابع والعشرين من شهر رجب، كان قد استفاق في أول الصبح بشكل مفاجئ. لم ينم إلا ثلاث ساعات تقريبا، ولكنه استيقظ نشيطا رغم خشمه المتيبس بفعل انسداد الجيوب الأنفية. المطر ينهمر بخفة في الخارج ويرتطم بمكيف الشباك، وهناك رطوبة لزجة في المكان، وبقعة ضوء باهتة تدخل من النافذة وتنتشر مثل اللون. رقبة زوجته العارية وأعلى ظهرها تغطيه خصلات مبعثرة من شعرها وهي منبطحة على بطنها، وفي الفراش حرارة جسدين نائمين وعرق تقشر على الجلد. ظل مستلقيا للحظات وهو يشعر بكتلة المخاط متكومة في أقصى جيوبه، يسمع صوت الزخات الرتيبة على معدن المكيف. قام أخيرا، لبس ثيابه، ثم خرج. المطر ديمة خفيفة، وهناك برك ماء على حواف شارع فرعي بحي المرسلات، وحينما رأى ذلك لبس فروته وغطى رأسه بقبعته الصوفية وقرر المشي على قدميه. كان يكح ويحاول تنظيف مجرى حلقه، ولكن دون فائدة. الشارع ببيوته وامتداده يلوح زجاجيا بفعل الماء الذي صبغ أسطح كل شيء، والضوء غائم جزئيا بقزع سحاب مثل دخان البراكين الأبيض. يتكدس في فروته وقبعته فلا يلوح منه إلا أنفه وعيناه، وقطرات الديمة تزخ خفيفة عليه، بينما يقطع الحارة الزجاجية. لقد انتقل إلى هنا قبل شهرين بعد زواجه، مركز شرطة العليا قريب منه، هنالك مطعم وبقالات وبوفيهات معدودة على امتداد شارع مشهور بن عبدالعزيز. وقف عند بوفيه يبيع فيه سودانيون عمالقة، احتار بفعل الروائح المختلطة للعدس وفول القلابة والبيض والكبدة، ولكنه قرر أخيرا أن يأخذ فولا مشكلا كبيرا وصحن كبدة مع قرص التميس الكبير، ووقف ينتظر بين مجموعة من الأشخاص مثله يتكرنون في فرواتهم ولطمات شمغهم. أخذ طلبه أخيرا وعاد من الطريق، مارا بنفس الواجهات الزجاجية وزخات المطر الخفيفة ومظاهر الحارة الجديدة عليه بسياراتها المركونة في صباح يوم خميس ممطر وهادئ، وخُيل له أنه يكاد يشعر بحرارة دفايات قاز تشبه تلك التي تشعلها والدته تأتي من بعض البيوت التي تلوح قديمة وتذكره ببيت عائلته في السويدي. ابتسم وسط الفروة والقبعة، وهاجمه حينها سعال تفزر بفعله البلغم المخاطي العالق في حلقه فبصقه على طرف الطريق، وابتسم بانتصار وصدر أكثر انطلاقا. خلع فروته في البيت وهو يمشي مسرعا ورمى قبعته، صعد مباشرة إلى أعلى وهو يخلع ثوبه، نغز زوجته بأصبعه حتى استيقظت وهو يقول متجها للحمام: سوي زنجبيل على بال ما أسبح، بسرعة لا يبرد الفطور. تأوه طويلا وبصوت خشن عال يُسمع خارج الحمام حينما انهمر الماء الحار على جسده، ولم يتوقف إلا بعد دقيقة، وقدماه تكادان تخونانه من اللذة التي خدرت أعصابه. حينما خرج كانت تجلس على السرير، وعلى الطاولة الجانبية كوبان ينبعث منهما بخار شفيف. كانت قد لبست قميصا صيفيا فضفاضا، أما هو فقد تدثر مباشرة بالبطانية الثقيلة ولفها على جسده. جلسا متقابلين وأخذا يأكلان بصمت على السرير. قالت وهي تلتفت نحو النافذة ممسكة بالكوب الحار: قوى المطر، لازم نطلع اليوم. ابتلع لقمة كبيرة ورفع كوب الزنجبيل إلى فمه فاستنشق الرائحة القوية الحادة وملأ الدخان الحار أنفه، رد وهو يتمطق: يا حبتس للبرد، مهنا ألعن منه. كانت قد أخبرته البارحة وهما مستلقيان في السرير وديمة المطر قد بدأت تنهمر عن رحلاتها مع والدها وهي صغيرة إلى وادي حنيفة وقد امتلأ بمياه الأمطار، وقالت إنها من أسعد اللحظات في حياتها. يأكلان بصمت، أصوات المضغ والرشف تتداخل مع الزخات التي خفتت الآن. قامت لتغتسل، وقد تجمّع القميص الفضفاض المنكمش فوق مؤخرتها الصغيرة المدورة، ولكنه لم ينتبه لذلك، كان يمضغ آخر لقمة ويحدق برضى غامض أمامه، في نقطة محايدة من الجدار، ولا يفكر تقريبا في شيء. جمع بقايا الطعام في الكيسة، وفتح جزءا صغيرا من النافذة لطرد الرائحة فهبت لسعة برد نحوه ولعنها، ثم تحرك ليغتسل بجانبها. كانت قد انتهت من تفريش أسنانها، انتظرته، حتى انتهى، وحينها اقتربت منه وأخذت تقبله فالتفت نحوها وضمها. عكفت يديها فوق صدره، دفعها على حد المغسلة وقد انثنت عليها وفخذاها منفرجان حول فخذه الأيمن. ضغط ظهرها بيده ليلتصق بطنه ببطنها، فرفعت ساقيها حول خصره. حملها ومشى بها وهما لازالا يقبلان بعضهما نحو السرير. خلع ملابسه سريعا وخلعت ملابسها بسرعة. ولجها وهو يتحسس صدرها ويلثمه، وبدأ يضغط بشدة بينما تقبض هي بكل قوتها على العظام الناتئة في ظهره الخشن المشدود. توقف فجأة وهي تزفر باعتراض عصبي. تطاول ورمى على ظهره العاري المنحني فوقها البطانيةَ المخملية الثقيلة، لونها أسود متفحم عليه نقوش بيضاء، اشترتها له والدته، منسوجة بشعيرات طويلة وناعمة تتكسر فوق الجسد فتنثني برهافتها على كل مسامة جلد. يتحرك جسمه برشاقة ورتابة تحت البطانية الثقيلة، يرتفع وينخفض، وتبرز تحت سطحها يداها اللتان لازالتا تتحسان بقوة ظهره وعظمتي كتفيه. أصوات آهات خافتة نغمية، ثم صرختان متقاربتان في توقيتهما ومتباينتا الصوت والنغم في خشونتهما ونعومتهما، يتزامن معهما ركود لجسدين متلاصقين تماما وصمتٌ نومي وحركة تنفسية رتيبة. يستلقي بجانبها ويده اليمنى لاتزال خلف رقبتها، بينما تلتصق هي بجانب جسده الحار بالدم وتضع رأسها فوق إبطه، ويعودان للنوم، ثم تتغير وضعيتهما سريعا، يستلقي هو على جنبه الأيسر نحو حافة السرير، بينما تنبطح هي مادة يدها فوق رأسها، وتعود خصلات الشعر لتندلق على رقبتها.

في التاسع من ذي القعدة، استيقظ في حدود العاشرة صباحا. جلس على حافة السرير برهة كعادته، يحدق في الأرض، ثم قام بسرواله القطني الشتوي وفنيلته ذات الأكمام الطويلة. سار منهكا بحدبة في ظهره وتقوس في ساقيه. تبول واغتسل ولاحظ أن جزءا كبيرا من الشعر الأبيض الباقي على هامة رأسه قد تساقط. أكمل اغتساله بوجوم، ثم عاد إلى الفراش ليتحقق، فرأى شعرا كثيرا على المخدة. أنصت حينها لصوت المطر القوي في الخارج، وهو يضرب أسطح كل شيء. أحس بالبرد فلبس قميصه ورمى شماغه الثقيل على رأسه. ابتسم وهو ينزل للمطبخ لأنه تذكر والده وشماغه المهترئ الذي كان يرميه على رأسه في الشتاء وينزوي في زاوية بعيدة عن النوافذ تجنبا لأي لسعة هواء باردة. رمى بيضتان في الآلة وجهز شاي تلقيمة، وأخذ ينتظر نضج البيضتين المسلوقتين وخدرة الشاي، يقف أمام الفرن عند النافذة المطلة على ارتداد الحوش، حيث ينهمر المطر قويا، ويغمره ضوء باهت بيجي مؤطَّر. الشماغ على رأسه، وهو يتذكر والده، ويبتسم. عاد إلى الصالة ولم يشعل الضوء، جلس تحت النافذة الكبيرة المطلة على الحوش. بدء يقشر البيضتين وقد جاء باللابتوب وعليه ستيكر محل الإلكترونيات الذي أصلحه يوم أمس. فتحه فكان كل شيء يسير بشكل طبيعي. لقد طلب منه أن يسحب كل ملفات الهاردسك الداخلي قبل أن يقوم بفرمتة الجهاز، وجمعها له في ملف. فتحه وهو يرشف الشاي ويضع ملحا على البيضة ويبلعها بقطعة خبز وشرائح طماط. أمامه في الملف وثيقة تقاعده من الشرطة، رخصة محل العقار، عقد ملاك ابنتيه وابنه، شهادة وفاة زوجته، كل شيء يحتفظ به في جهازه على شكل صور. رأى بين الملفات ملفا غريبا، معنونا بـ “أسرار”. طالع فيه باستغراب، لم يره من قبل. فكر أنه يعود حتما لزوجته، وهو ما جعله يستغرب أكثر. فتحه وإذا به يحتوي كل كلمات السر الخاصة بزوجته. بطاقاتها البنكية وحساباتها على مواقع التواصل وجوالها. جلس يحدق برهة في الملف، ثم قام واتجه وهو يهرول تقريبا إلى الأعلى، فتح درجا وأخرج جهاز جوال، وعاد به. تركه يشحن واستغل الفرصة ليدخل موقعان من القائمة، أدخل اسم المستخدم والباسوورد فانفتح له الحساب. هنالك عدة تنبيهات في تويتر، أشخاص أعادوا نشر تويتة كتبتها قبل سنتين عن غلاء أسعار علاج للروماتيزم، وتغريدة تساءلت صاحبتها عن اختفاء هذه المغردة. في فيسبوك لم يكن هنالك تنبيهات، لم يلاحظ أحد من الـ33 صديقا غيابها، عدى تهنئتين آليتين بيوم ميلادها. أخذ يحدق في الشاشة بوجوم، والمطر ينهمر قويا ومكمما في الخارج، والضوء حوله لطخة غائمة مؤطَّرة توحي بالنوم، وحوافها تجعل خارجها معتما وغير واضح، مثل رواق المطبخ، والتلفاز، والطاولة التي عليها أغراض لم تتحرك منذ سنتين. أحس بلسعة برد من النافذة، فحمل لابتوبه وذهب إلى الزاوية البعيدة، وجلس هناك في حافة لطخة الضوء البيجية الباهتة. فتح جوالها، لقد جرب كلمتا مرور حينما توفيت قبل سنة ونصف ولم تنجحا، ولذا أجّل الأخيرة ونسيها حتى هذا اليوم. اشتغل الجوال، وخرج كل شيء مرتب أمامه كما تُرك. الشريحة ألغيت منذ مدة طويلة، ولكن وصلت رسائل من وقت ما قبل الإلغاء، رسائل ظلت معلقة في الفضاء لمدة سنة ونصف، تنتظر، وتصل الآن جديدة، وفوقها توقيت يقول “وصلت منذ دقيقة”. رسالة وتس أب من أم محمد تقول: “المحل على امتداد العليا” في سياق حديث عن نوع من البقلاوة الشامية، وأخرى من الاتصالات السعودية تقدم عرضا على باقة اسمها “وناسة”. ظل يحدق في الجوال، داخل الوتس، على اسم شقيقتها، ثم ضغط عليه أخيرا. آخر الرسائل كانت يومية، طبخات ومشاوير وكتب ومسلسلات، حتى وقع على واحدة قبل 8 أيام قبل سنة ونصف، وهي تقول بعد نقاش بينهما “والله مليت منه ذا العلة ليتني تطلقت ذيك الأيام الله يغثه غثني. للحين اذكر يوم اني اتهاوش معه واروح انام عند البنات كنت قسما بالله بتطلق بس مدري وش صار”. قرأ الجملة مرة أخرى، وجلس يتذكر ذلك اليوم، ولكنه لم يتذكر شيئا. وجد فوقها رسالة صوتية دون مناسبة، سجلت منفصلة ولوحدها ودون سياق وسط اليوم في تمام الساعة الـ4:05 عصرا. شغلها فخرج صوتها خافتا ومنهكا: “يختي صرت أكرهه والله. صرت أكرهه”. أغلق الجوال ووضعه على الطاولة، جلس يحدق عدة لحظات في الفراغ أمامه، ثم رمى بجسده على ظهر الكنب، وقد اندفن وجهه فقط في العتمة خارج بقعة الضوء، يحدق في الفراغ أمامه، والريح القوية تجعل المطر يرتطم بقوة في النافذة، ويمسح ارتطامها أثر اي صوت آخر.

في الخامس عشر من شهر ذي القعدة، كانت تقف في منتصف الظهر أمام الفرن القديم في بيت عائلتها، وتزلّ القهوة في الدلة، ومن الصالة يأتي ضجيج ابنها وابنتها مع أبناء وبنات أخواتها حادا. الجميع متواجد هذا اليوم، أخواتها الثلاثة وأخواها، كالعادة تقريبا. جلسوا جميعا على قهوة ما بعد الجمعة، وتعالى ضجيج سواليفهم وضحكهم وجدالهم على أصوات الأطفال. بعد ذهاب والدتهم للحمام، أخبرهم أخوها الأكبر فجأة: أمي خلاص بتجي عندي انشالله. وبركت الجملة مثل رائحة غريبة غامضة. ظلت صامتة وهي تمسك بدلة القهوة، وأخذت تحدق في الأرضية، الموكيت البني الذي فُرش قبل 4 سنوات. كان عمر والدها حينها 64 سنة تقريبا، وعمر والدتها ربما 60 سنة. كانت هي قد أنجبت طفلتها حينها، مشت أولى خطواتها فوق هذا الموكيت. والدها قال لها: أملح عيال عيالي هالجنية. وصدقته، رغم أنه يقول هذه الكلمة لكل طفل. أحست بيد تسحب الدلة من يدها وصوت أختها: وش فيتس؟ فتهز رأسها وتقول بصوت خافت: لا بس أفكر. في الغداء كان كل شيء قد عاد إلى طبيعته، تقريبا. لا أحد يطرح الأسئلة الخطأ، وكل شيء يسير طبيعيا. حينما صلّت العصر في الصالة التحتية بين الأطفال وبجانب أخواتها، جلست قليلا في جلالها المرقش وعلى سجادتها وهي تفكر. وجدت نفسها في المطبخ وهي تجهز صينية الشاي، ثم أتت أختها الكبرى وتحدثتا أخيرا عما يحدث، تسألها: تتوقعين وش بيصير لبيتنا؟ بنبيعه؟ فترد وهي تسكب الماء في ابريق الشاي: مدري، نشوف بعدين. تجد نفسها في الدور العلوي، وتبكي فجأة وهي ترى غرفة والدها وغرفتها مع أخواتها والمخزن الصغير وغرفتي أخويها، ثم تسكت وهو تمسح أنفها بطرف كمها. تفتح الغرف لتحدق فيها. غرفتهم القديمة الفارغة من كل شيء، هي وأخواتها اللاتي تناقصن راحلات عنها حتى بقيت هي لوحدها، حينما اختلى بها والدها فيها ليقول لها: اسمعي يا الدبشة، بيت أهلتس مهوب دايم وبيروح مثل غيره، الولد زين، وخريج أمنية، وحليل وطيب وسهل على العين، اتركي خرابيط الحريم من تحترين انت؟ الملك؟ الملك ما يقدر فيه رومايتيزم وسكر ويحب البدويات. فتحت غرفة والدها ووالدتها. كانت مظلمة بفعل النوافذ المسجاة بستائر المخمل التي خاطتها والدتها قبل سنوات حينما كانت يداها ثابتتان وقويتان، وفي المكان رائحة قلة الحركة، انعدام الحرارة التي يحدثها انقطاع الممارسة، فيها برودة تشبه فصول المدارس التي تدرّس فيها حينما يعودون لها من عطلة طويلة. فتحت غرفتي أخويها، لاشيء هناك، تم تفريغها على امتداد سنوات، ورميت مكان القديم أغراضٌ تافهة، تذكرها بتابوت دون جثة. فتحت الغرفة التي فيها المنشّف والمطارح، فتفاجأت بملابس داخلية وثياب كثيرة منشورة على حبل غسيل، أخذت تطالع لحظة بذهول، خرجت ونادت الشغالة، سألتها: وش ذا؟ لمن؟ فهزت الشغالة يديها وقالت إن أمها هي التي غسلت هذه الملابس. حركت قطعا منها، فنايل وسراويل وثياب، ملابس والدها، لقد عرفتها، ملابسه القديمة، منشورة كلها. وقفت مشدوهة بين حبلي الغسيل الممدودين من المكيف وحتى حافة الباب، والمطر ينهمر قويا ويضرب النافذة التي تلفظ ضوء غائما شديد البهوت، وتحس أنها داخل حلم، تقف وسط ملابس رجل ميت منذ أكثر من سنة. تعشوا جميعا، وقالت لأخيها الكبير إنها تريده أن يعيدها لبيتها على طريقه. خرجوا الساعة الـ11 ليلا، كانت تحمل طفلها الصغير وتنتظر ابنتها. وقفت عند الباب مع أخيها يتحدثان، تسأله عما سيحدث الآن فيجيب: ما ندري بس غالبا بنبيعه، وش نخليه كذا ما منه فايدة. سألته: طيب وين نتجمع؟ أطرق لحظة وهو يفكر: مدري نشوف، بيتي بيت عبدالله كله واحد، نشوف. يستطردان تحت حافة الباب الحديدي القديم الصدء، حتى جاء الطفل فركبوا. السيارة تمر في شوارع حي الربوة الصغيرة والضيقة. هنالك صبغة كريستالية على المكان بفعل المطر الذي توقف عن الانهمار والأضواء الصفراء المسكوبة على الأسطح الرطبة للمباني والاسفلت. كل شيء يلمع. نقع ماء على حواف الأرصفة العتيقة المكسرة، ومحلات رثة تستعد لتغلق دفاتها بعمال يقفون برتابة أمامها، ورائحة الرطوبة اللزجة تنطبع في كل شيء بقوة. قالت فجأة بصوت خافت: لقيتها تو غاسلة هدوم ابوي. التفت نحوها باستغراب: وشو؟ فكررت ما قالت بصوت خافت، وكأنها تخبر سرا. حدق أمامه والشيب المنتشر على صدغيه يومض أمامها، وبدا أنه لم يجد كلمة مناسبة غير: غريبة. ثم أضاف: عاد ما فيها شي ولا بان عليها شي، شفت عليها شي؟ فردت: لا. أطرقا لمدة بارتباك حتى بدا أن اللحظة الغريبة قد مرت. سألها أخيرا: وش أخبار عبدالعزيز؟ كانت تحدق في نقطة فارغة في الخارج، زفرت بامتعاض ثم قالت من طرف أنفها: عايش ومستانس. وصمتا عند الإشارة، حيث بدأ المطر يتساقط من جديد ولكن بشكل خفيف، يضرب في سطح الألمونيوم والزجاج مثل دقات الساعة الخراشية التي كانت عند والدها. قال: يقولون الوديان سايلة. التفتت نحوه بإنهاك: خل نروح لها. فرد: الحين؟! صاحية أنت. فقالت: بكرة أجل، تكفى، مرني وخل نروح. هز رأسه وقال: طيب بشوف.

في التاسع عشر من شهر محرم، كان متوقفا على طريق الدائري الشمالي، وبرفقته ابنه الذي لم يتجاوز العاشرة. كانت الغيوم تكالبت سوداء كالحة أثناء خروجهم من خريص، ثم نزل المطر دفعة واحدة بعد خروجهم من طريق الملك فهد، مثل سيل انكسر السد الذي يحجزه فاندفع يجرف كل شيء، وحينما توقف كانت الشوارع مكدسة بالمياه، وفي الدائري الشمالي غرق كبري أبي بكر الصديق حتى وصل الماء إلى مستوى ابتلع فيه السيارات التي بدت من زاوية فوقية مثل الطحالب، وتوقف الطريق كاملا لما يزيد عن كيلومتر. فتح الباب لينزل ويستكشف الوضع فهتف ابنه: يبه لا تخليني. ولكنه نزره بعنف: اصبر بس خلك هنا. رأى والده يخترق السيارات بجثته الطويلة، ويختفي وراءها. وصل إلى مكان الغرق، ورأى أناسا تسبح لتنقذ آخرين عالقين، وأشخاصا متجمهرين، وأصواتا من كل جهة. التفت للمنظر خلفه، السيارات المتكدسة بجانب بعضها، والأوجه المتورطة داخلها، رجال ونساء وأطفال. عاد إلى سيارته التي كانت على آخر الجانب الأيمن، ركبها وانتبه لابنه الذي يجلس مرعوبا، ابتسم في وجهه وقال: شف وش بيسوي أبوك. استدار عكس الشارع وصعد الرادمية المتعالية قبيل الكبري حتى صارت السيارة وكأنها تسير على الجنب، وقد تشبث الطفل مرتعبا دون أن ينطق بحرف، حتى اعتدلت على امتداد الطريق، ورأى أناسا يحاول الرجوع منها، ولكنه نزل، وفتح شنطة سيارته، وأخرج مقص حديد كبير واتجه به نحو الشبك، وأخذ يقصه والناس تلتفت نحوه، حتى نزل بعضهم، وأخذوا يساعدونه. يرى والده يوجه الآخرين، حتى حملوا الشبك المقصوص بامتداد ما يزيد عن ثمانية أمتار، وطوحوا به بعيدا. يرى والده يحرك يديه، يصرخ في الجميع، ولكنه لا يسمعه، مجرد حركات لرجل ضخم يحرك يديه ويتحرك بخفة وسرعة. كان يوجههم أن يأتوا بأحجار لتخفف الطلوع من رصيف الدائري إلى رصيف مدخل الخدمة قبل مخرج طريق أبي بكر، وهو ما فعلوه، والسيارات قد بدأت تخرج من الدائري نحو الخدمة بهذه الطريقة. نزل أخيرا، بجاكيته الفضفاض الذي لم يكن يرغب في لبسه قبل أن تضربه أمه وتطالبه له ألا يضيّع وقتها في هذا الصباح اللعين. سار بخطوات مترددة بين السيارت المتداخلة فيما بينها وهي تتسابق نحو الخروج من هذا الجحيم المتراص، والأشخاص الواقفين وقد تركوا سياراتهم ليساعدوا أو يراقبوا أو يشتموا أو يرقصوا أو يمارسوا أي مظهر من الحركة الجسدية الصاخبة المتلاصقة. كان أبوه يتحرك في كل مكان وقد رفع ثوبه إلى خصره، يمد يديه موجها وموقِفا وصارخا ومصوبعا وضاحكا، والناس حوله تنصت له وتأخذ برأيه. كانت مثل حفلة غريبة تختلط فيها أشكال كثيرة من التعبير والمظاهر، هنالك قلق يناقضه لعب وقلة صبر يقابلها إحساس بالتنزه والتفرج. اقترب منه وهو يتلفت حوله. حينما رآه لم يغضب، ضحك في وجهه وقال: تعال. وقف بجانبه وهما يوجهان السيارات، يقول له: سو مثل ما اسوي. فيرفع يديه ليسمح للناس بالمرور أو التوقف. يأتي أشخاص من أعمار مختلفة نحو والده لينبهونه لشيء، ويخاطبونه بلغة تبدو وكأن معرفة قديمة تربطهم، فيرد عليهم ويوجههم، ثم ينتبهون للطفل الذي يقف بغرابة بجانبه فيقول لهم: ولدي. فيسلمون عليه ويمسحون على رأسه، ثم يختفون. ظلت السيارات تتتابع، والناس يتزايدون وهم ينزلون ليراقبوا أو يساعدوا أو يرقصوا أو يشتموا إلخ. حتى رأى والده يتحرك إلى الخلف، ويقول له تعال، فيلحقه. يقطعان طريق الخدمة والزحام المتكوم حوله، حيث تتجه السيارات المتخلصة من جحيم الدائري نحو الحارات ويقف المتبطلون والمتطوعون لمراقبة الحدث الفوضوي، ليجلسا على الرصيف خارج شقق بودل، حيث جاء من العمارة عامل بكأس شاي وشوكلاتة سنيكرز، فأخذهما وهو يرمي له بكلمتين ودودتين وقذرتين مصحوبتان بضحكتين صاخبتين ثم مد الشوكلاتة لابنه. وجلسا هناك يراقبان السيارات، يشرب هو من الشاي، ويأكل ابنه من لوح الشوكلاتة، والسيارات تتناقص في الدائري، حتى تبقى أقل من نصفها. ينتهيان فيقوم هو ويلحقه ابنه، يتجهان عائدين إلى السيارة، ويصعدان مع السيارات المتبقية، وحينما يقتربان متلاصقين ينتبه له اثنان من الواقفين، فيخليان الطريق له صارخين: ابو محمد يمر لا أحد يمر خلوا ابو محمد يمر. ويمر فعلا بيد مرفوعة للواقفين، ويدخل من الحارة وهو يلتفت لابنه ضاحكا: هاه وش رايك في ابوك؟

في السابع عشر من شهر جمادى الآخر، انشقت السماء، وتفتق من السحاب مطر بحجم الفناجين. كانوا في المقبرة، وقبلها بلحظات معدودة كان يرفع رأسه محدقا في السماء، بينما يُخرج الآخرون الجثمان من السيارة، حاملينه على أكتفاهم، ويقول لنفسه تقريبا ولكن بصوت مسموع: بتمطر الله يلعنهم. هنالك أشخاص كثر حول القبر، وابناه ممن يحملون الجثمان الملفوف من النعش، ويستعدان لإنزاله، وهو يقف هناك فقط، ويحدق في السماء. أنزل رأسه إلى الأرض، وطالع بتكشيرة ذاهلة في الناس الواقفة المحيطة به، وبدا أنه لا يفهم لماذا كل هؤلاء هنا ومن هم بالضبط، أغلبهم لا يعرفهم، وبعض الأوجه تبدو مألوفة من أماكن متفرقة، يقفون تحت الضوء المكتوم بفعل السحب السوداء مثل دخان الانفجارات النووية. وحينها انشقت السماء. هبط المطر قويا بشكل صنع ستارة مائية أمام الأعين، ولم يعد أحد يرى بشكل واضح، وفي لحظات معدودة ثقل التراب وتبللت الملابس وتشبث كل شخص بشماغه وعقاله. وفي وسط الفوضى البصرية هنالك سواعد قوية، أشخاص يتزاحمون حول حفرة، جثة تُدلى داخلها بسرعة مبالغ فيها، وماء ثقيل ومتلاحق مثل الرصاص يسقط عليهم، وأصوات متداخلة لأناس توجه وتنادي وتجادل، وهو يقف أمام الحفرة. وفي اللحظة التي اختفى الجثمان داخلها، وأُنزلت اللبنات المستطيلة التي تلقفها شخص يتحرك بسرعة واحترافية فائقة ثم خرج مثل الثعبان، بدء الناس يتوافدون ويساهمون في رمي ما أصبح الآن بين الرمل والطين في الحفرة، يدفعونه بمرافقهم وهو يطالع فيهم ولا يستطيع رؤيتهم بوضوح. والمطر لازال قويا مثل الرصاص، وأشخاص يمسكون مساحٍ ويسكبون نفس المادة المتطينة نحو الحفرة. ثم أشخاص يتوافدون في المطر، يصافحونه، ولا أحد يرى الآخر تقريبا. يمد يده، فيمر عليها الآخرون، يقبضون عليها، ثم يختفون، مثل أشباح، وهو الآن يحس بالماء طبقة متراكمة عليه مثل جلد آخر. ثم ينتهي الأمر، ويركب السيارة أخيرا وهو مبتل تماما ويقطر ماء من كل أنحاء جسده، ويرى قطرات المطر الكبيرة تتكسر على الزجاج، وكأنها ستحطمه، ويعودون من طريق مزدحم، ويرد على ابنه بهدوء لامبال تقريبا: إيه طيب ما فيني شي. ويحدق في الشوارع فلا يرى إلا الماء يتكسر على الزجاج، وهو بجانب ابنه، ويتذكر موقفا قديما، ويبتسم بغرابة. في مجلس العزاء، بعد ساعات من كل هذا، لازال المطر ينهمر قويا بشكل متقطع. كان يجلس وقد اتكأ بمرفقه الأيسر على ركبته اليسرى، وسمح ليده اليمنى أن تقوم بالإيماء. يقول بهدوء وكأنه يروي قصة غريبة: ربصنا وربصوا العالم وامتلا القبر مويه. فيتمتم الحاضرون الله يرحمها، بينما هو يحدق بنظرات حادة وهادئة في الفراغ، ثم يكمل باستفهام استغرابي: كله من ذا المناييك، ذا المناييك، أزعجونا بكّروا بالدفن بكروا بالدفن. صوت لأحدهم: يابو محمد استغفر. ولكنه يكمل بنفس الهدوء الاستغرابي وكأنه لم يسمع شيئا: أقولهم شوفوا السما بتمطر علينا، وذا المناييك أزعجوا أمنا بكروا بالدفن بكروا بالدفن. صمتٌ مرتبك في المجلس، أحد من الجالسين خمسيني يتشجع ويقول: الله يرحمها صار اللي صار. وآخر يسأل من بجانبه بصوت خافت: من يتكلم عنه؟ ولكنه يكمل وهو غير منتبه: قلت له طيب تراهني انها بتمطر؟ فقالي لا أنا ما اراهنك أنا اقولك اللي كاتبه الله يصير، قلت له طيب الله كاتب انك حمار، أنا أتحمل انك حمار وش دخلني؟ لكنه قعد يحوقل علي ولا رد. لم ينطق أحد في المجلس، كان يحدق أمامه، وكأنه يلتقط الكلمات من تلك النقطة الحيادية التي يطالعها. ثم قال أخيرا: تحب المطر كانت، هه خلها تنقع فيه، ربها عارف لها. فيرد الخمسيني: لا حول ولا قوة إلا بالله أستغفر الله أستغفر الله لا تراجم يابو محمد. يتكئ على الكنب أخيرا، وقد وضع مرفقه على المسند، ورفع يده إلى فمه، وأخذ يحدق بجمود في تلك النقطة الفارغة أمامه. بين حين وآخر ينتبه لصوت يقول له: الله يرحمها يبو محمد وأجبر الله عزاكم. فيرد رافعا عينيه بحدة باردة نحوه وعائدا بها للنقطة دون حركة: آمين انشالله.

في التاسع عشر من شهر صفر، كان قد وصل إلى الموقع في تمام الساعة الـ4 عصرا. منزل صغير في الجهة الغربية الشمالية من حي المصيف. يقفان في أطراف الصالة، قريبا من المدخل. البيت مطفأ الأنوار ومشرع الستائر، ولكن السماء داكنة بفعل السحاب والمطر، ولذا يبدو البيت من الداخل معتما وكأنه في آخر الفجر. أصوات المطر القوية تُسمع من باب المدخل المفتوح. بركتا الدم حول الجثتين متيبستان تقريبا. الأولى في أول الصالة لرجل في الثالثة والثلاثين من عمره حسبما تشير بطاقته التي وجداها في محفظته وفيها ثقوب لستّ رصاصات، والثانية في الزاوية القصية لامرأة في الأربعين بحسب بطاقتها التي وجداها في شنطتها الموضوعة على الطاولة وفيها ثقوب لثلاث رصاصات. كان يقف وقد وضع يديه على خصره مائلا نحو جنبه بملل، ممسكا بقبعته في يمينه، ويحدق أمامه في الفراغ، والمطر يملؤ فجوة الصمت. بعد دقيقة سأل زميله: طيب وبعدين، وينه؟ فرد الآخر وهو يقلب في جواله: وأنا وش يدريني، هذي عوايده. ثم عادا للصمت. الدم متيبس على السيراميك مثل الدهان، والجثتان شاحبتان. تحرك بملل. أخذ يسير بخطوات بطيئة متثاقلة. الصالة الأرضية يملؤها كنب على شكل L، رمادي اللون، أمامه تلفاز فوق طاولة على أطرافها مزهريتان يمينا ويسارا. في الوسط طاولتان صغيرتان، على إحداهما كتاب. حمله، كان اسم الكتاب “كيف تستيقظ سعيدا كل يوم”. أعاده وهو يبتسم. سار مبتعدا نحو الرواق المؤدي إلى المطبخ. البيت يزداد عتمة في الأماكن التي لا توجد فيها نوافذ مشرعة الستائر. في المطبخ أغراض كثيرة قُطع سياقها فجأة. قدر ضغط على الفرن وحبتا بصل وطماط على السيراميك وكرتون ماجي وقطعة لحم مغلفة بدأت تثير روائح عفنة. اقترب من البرادة ووضع يده تحت المحبس وأنزل رأسه وشرب قليلا من الماء. خرج من المطبخ إلى الرواق مرة أخرى. هنالك جورب مرمي، توقف عنده لحظة، رفعه بيده. كان جورب طفل. حدق فيه باستغراب، ثم أعاده وأكمل السير. صعد الدرج، ووقف أمام الصالة الفوقية. هنالك ثلاث غرف. لقد فتش زميله المنزل، ولم يجد شيئا. وقف يحدق في المكان وقد أعاد يديه إلى خصريه وتدلت القبعة من يده اليمنى وهو يضرب بها فخذه. أصوات المطر أقوى هنا، ترتطم بنافذة الصالة الفوقية، تملؤها حبيبات مغبِّشة تجعل شجرة السدر خارجها تبدو ضبابية وكأنها لطخات خضراء. حدق فيها للحظات، وظن أنه يرى فوق الغبش الأخضر طائرا، يقف هناك وهو يرفرف وينتفض تحت الماء المنهمر بقوة. أبعد عينيه وعاد ليحدق في المكان، بوجوم صامت. اتجه إلى غرفة النوم، ووقف يطالع. كل ما فيها قُطع سياقه فجأة أيضا. أغراض على الشوفنيرة وفوق السرير المبعثر وعلى الأرضية المغطاة بموكيت كحلي. شم رائحة غامضة تأتي من مكان ما في الغرفة حينما توسطها. اقترب من مصدرها وهي تزداد عفونة، حتى وقف عند إحدى دفات الدالوب. حدق فيها بتردد، رطب شفتيه وهو يتلفت حوله، وحينما فتحه كانت الرائحة الكريهة هنا، ولكنه لم يرى شيئا. كانت ثيابا رجالية طويلة، مثل ستارة مسرح، ولذا أدخل يديه بينها وفتح فرجة، وحينها برز له طفل من الظلام عند الزاوية، يجلس على ساقيه المطويتان ويداه على فخذيه، وكأنه في التشهد الأخير من الصلاة. وقف لحظة يحدق فيه مشدوها. تبين له الآن أنها رائحة براز وبول وعرق. اقترب بيده وهز الطفل. رفع الأخير رأسه. وجهه شاحب مثل الميت. لا يتجاوز السادسة من العمر. لم تظهر عليه أي علامات ردة فعل، كان جالسا في تلك الزاوية المعتمة يحدق بين ستارة الثياب، وعيناه تلمعان في وجهه الشاحب المنطفئ. لحظة صمت طويلة. لم يدري ماذا يقول بالضبط، تمتم بصوت منخفض واللعنة. ثم مد يديه وحمل الطفل وأخرجه. كانت الرائحة الكريهة باهتة ولكنه قوية ومقرفة. الطفل صامت دون أدنى ردة فعل، ويتحرك بين يديه مثل شيء لزج، ويكاد يشعر بالفضلات متحجرة تحت ساعده الذي يحمله. نزل به إلى الأسفل، وحينما اقترب من الصالة التحتية توقف. وضع يده على عيني الطفل الذي لم يعترض، وتجاوز الجثتين المتباعدتين ومر بجانب زميله وهو يقول له ببرود أجل فتشت المكان يالزق؟ وزميله يلاحقه بنظراته متفاجئا. خرج نحو الحوش، والمطر من فوقهما ينهمر قويا ويبللهما في لحظات، وسار نحو سيارة الشرطة المتوقفة أمام البيت. وضع الطفل في المرتبة الخلفية وأغلق الباب، ووقف لحظة تحت المطر يحدق في النافذة الزجاجية وعليها حبيبات مطر مغبِّشة تجعل وجه الطفل ضبابيا مثل لطخة سمراء، ويخيل له أنه يرى فوق رأسه طائرا يشبه طائر شجرة السدر، لازال يرفرفر وينتفض.

في الثلاثين من شهر رجب، كانت في غرفة أطفالها. ابنتها (في السادسة من عمرها) على سرير، وابنها (في الثالثة) على السرير الآخر، وبجانبها سرير رضيعها (في الشهر الـ7). تستلقي على مرتبة خفيفة سحبتها من غرفة المخزن. النافذة مشرعة الستارة بالكامل، وتدخل منها أضواء بيضاء قادمة من عواميد إضاءة على حافة شارع فرعي بحي المروج. المطر ديمة خفيفة تهطل منذ ساعات الليل الأولى، والرطوبة الندية تنقع في الجدران والمفارش ومجرى الهواء. تستلقي منذ ساعتين، منذ الثانية عشر ليلا، وتعجز عن النوم، وأصوات أطفالها الثلاثة المتحلقين حولها ترتفع وتنخفض نغمية في الظلام، وفي المكان رائحة ثقيلة ولطيفة. رفعت جوالها، لم يأتي رد من أخواتها وأخويها بخصوص ترتيب غداء الأسبوع القادم، كانت قد كتبت لهم وختمت شبه غاضبة “لنا شهرين تلحلحوا!”، ولكن لا رد. استيقظ رضيعها، وعلمت من صوته الذي بعثر حروف علة مكركبة وغامضة وكأنه يخاطب شبحا في الظلام أن الوقت حان لإرضاعه. كان يلتقم ثديها فور ولادته لمدة خمس ساعات أحيانا في الصباح، ويكرر مثلها في المساء، حتى أصيبت بإعياء شديد وبدأت تكره نفسها، بل وتكرهه في لحظات نادرة وتتخيل سيناريوهات خطيرة في رأسها، واكتشفت أنه ممن يحتاجون لما يسمى بالتغذية العنقودية، ولذا لم تكن تخرج أحيانا لأنه كان يبكي كل عشرين دقيقة، فاشترت تركيبة الرضاعة الصناعية، ثم استسلمت أخيرا وصارت تستخدم الحليب الصناعي. كانت العلبة جاهزة بجانبها. قامت من مطرحتها وسط الظلمة المخططة بالبياض الذي يتكسر على حواف الأسرة ويندلق على سطح الفرشة الخضراء. هنالك رقعة ضوء تلون الجزء السفلي من وجهه. لم يكن يبكي، كان يضحك، ويحرك يديه ورجليه بعنف وحيوية، ويلفظ حروف العلة تلك إلى ذلك الشبح الغامض الودود الذي يربض في الظلام. وحينما رآها بدا وأنه ابتسم. كانت تقف منهكة أمام السرير وفي يدها علبة الحليب. ابتسمت له وحملته. رائحته النظيفة تختلط بنداوة المطر الفواحة. كانت عيناه مثبتتان على النافذة، سألته: وش تشوف؟ تبي تشوف المطر؟ ولكنه يفرفش بيديه ورجليه ويتمطق بفمه الارتعاشي ويكتفي بابتسامة لا معنى لها. أخذته وصعدت الكرسي لتقف أمام النافذة المرفوعة في وسط الجدار. حدقا سويا في الخارج، وهي تقول له هامسة: شوف شوف. المحلات تقف برثاثة في صف طولي رتيب وسط البيوت المتراصة، والمطر زخاتٌ رقيقة متباعدة تهوي من السماء وتتكسر على أسطح عواميد الإضاءة المحدودبة وكأنها تبحث عن شيء في الأرض وعلى لوحات المحلات والإسفلت والسيارات المركونة. نوافذ البيوت والشقق أمامهما سوداء، ومن قضبانها الحديدية يقطر الماء العالق فيها مثل الندى، ويخيل لها أن الناس خلفها ينامون الآن برضى وهدوء في الظلام المسالم، ولم يخوضوا شجارات عنيفة لا معنى لها. على حواف الرصيف برك ماء تجمعت، ترتعش مع كل قطرة تسقط فوقها وتتوسع دائرة ارتعاشتها، وكأنها تبتسم. بدء يبكي فجأة ولكن بصوت منخفض، يشتكي تقريبا أو يهدد ربما بالبكاء بشكل حقيقي. عادت به وجلست على المرتبة، وضعت الحليب جانبا، أخرجت يدها من القميص وطوته تحت ابطها لتبرز ثديها، تلقفه بعد برهة، وكأنه لم يتذكره مباشرة، وضع شفتيه الطريتان والمترطبتان بلعابه على حلمتها، وضغط عليها بتحنن وإحكام ولزوجة اللحم النيء، ثم رفع يده اليمنى على حافة الثدي بأصابعه الشفيفة الناعمة، ترتاح على منحدر الجلد المكور. جلست هناك وهي تراوح التحديق بينه وبين النافذة المضيئة، وترى الزخات الرقيقة تهوي متباعدة من السماء في انعكاس الضوء، وترى فمه المرتعش وهو يسحب من الحويصلات الهوائية إلى القنوات الحليبية أمام قلبها غذاءه، وتنصت لكل شيء يتداخل بنعومة حلمية، وتحس بشيء يغمرها مثل الحنين، فيه لذعة كآبة ولكن لذيذة. استفاقت ابنتها، عركت عينيها، ثم قامت منومة وذهبت للحمام بنفسها، وعادت. لاحظت في غمرة نعاسها الثقيل أمها، وهي تجلس في مفرق الضوء أمام النافذة، ممسكة بأخيها. جاءت تجر قدميها، جلست بجانبها. قالت أمها بصوت هامس لا يريد تغيير نغمة الموقف: روحي حبيبتي لسريرك يالله. ولكن البنت استلقت على فخذ أمها ونامت. جلست مدة طويلة وهي على تلك الوضعية، حتى أحست بفم رضيعها ينطفئ، ورأته وقد أغلق عينيه، لازال مكورا حلمتها بشفتيه. قامت بعد أن أبعدت رأس ابنتها عن فخذها بحذر وحطته على وسادة المطرحة، ثم وضعت رضيعها على سريره، ورقعة الضوء تلون وجهه النائم. وقفت لحظة تحدق في المحيط حولها، وسط الضوء المندلق مثل الوشاح، وتحس بثديها المكشوف تتقشر حلمته الرطبة في الهواء، وذلك الشعور الغامض بالحنين الكئيب اللذيذ يرتفع بقوة أكبر. أعادت ابنتها إلى سريرها، ثم خرجت من الغرفة، وعادت إلى غرفتها. وقفت لحظة تحدق في السرير، حيث يستلقي هو في الظلمة. يبدو متكدسا في الطرف الأيمن، مثل حيوان مجروح ومنكمش على نفسه، بينما بقي الطرف الأيسر – طرفها – فارغا. ظلت على تلك الوقفة للحظات، وصوت المطر في الخارج ينهمر بخفة. لاحت على وجهها تكشيرة غريبة. تقدمت واستلقت على السرير، والتفتت نحوه تحدق في ظهره الذي لم يعد مشدودا وقويا مثلما كان، ثم استوت تحدق في السقف، وحينها انقلب إلى جهتها وصفقها دون قصد بكامل جنبه الأيمن فتداركته ودفعته متفاجئة وهي تقول وجع وش فيك أنت. فز من نومه متكئا على مرفقه، يحدق أمامه بعينين شبه مغلقتين وذهول غير مستوعب. من ذا؟ سأل. قالت: أمك. أطرقا لحظة ثم قال بنفس الذهول: وشو؟ ثم أكمل: أنت؟ متى جيتي؟ فردت: ليه تبيني أمشي يعني أخلي لك السرير ترمي جثتك على جهتي. فقال بسرعة: لا لا لاتروحين وش تروحين نومي بس جنبي ما صار شي. ثم ظل يحدق فيها بنفس نظرة الذهول غير المستوعبة، وبعد لحظات رمى بوجهه على المخدة وعاد للنوم. حدقت فيه لحظة وهي تقول الله يخلف بس، ثم ضحكت بسخرية وعادت تحدق في السقف. المطر صار يضرب بشكل أكثر قوة، والرطوبة تتصاعد. بدأت تشعر بالنعاس بعد لحظات، ثم نامت.


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s