رحلة إلى البقالة

مومباي مدينة ضخمة، والمدن الضخمة لا تتكشف بالكامل، رغم أنها تحصى ويقاس بناء عليها، ولذا يتعذر معرفتها بشكل قاطع في الوقت الذي تبدو فيه مألوفة، حيث يظل فيها الغموض الذي تختلط فيه معرفة الشيء بعدم معرفته فعلا، لأن الإنسان صنع من المدن نسخة من نفسه. مومباي مثلا تحتوي على أكثر من مليونين و656 ألف منزل، 204 آلاف منها لا غرف فيها، تخيل، موزعة على أكثر من 140 حيا كبيرا، يتفرع فيها أكثر من 12 مليون نفر، متكدسين في 233 ميل مربع. ربما لن نجد إحصائيات لـ كم عطسة وكحة وبصقة صدرت يوميا، أو كم ربطة عنق لبست مقابل قميص سادة، وكم حذاء تمزق في هذا اليوم، وكم زوجة ناكت زوجها قبل ذهابه للعمل وكم زوجة انتظرت ذهاب زوجها للعمل لتنيك جارهم، ولكن سنجد الأرقام الكافية لـ كم يُنتج من حديد في مصانع المدينة يوميا، وكم مترا مكعبا من الماء يستهلك، وكم واط كهرب أهدر على مدار 24 ساعة، وكم حاوية أُنزلت في الميناء الكبير. مثلما أننا سنجد أن الإنسان يحتوي على 60 بليون خلية في امتداد جسده الذي يبلغ متوسط طوله للرجال 175 سم وللنساء 160 سم، وأن النبضات في عمر الإنسان الطبيعي الممتد إلى 70 عاما تبلغ قرابة 3 مليارات نبضة، وأن هنالك ما بين 50 – 250 صفيحة دم تتجدد كل 5-10 أيام، وأن الدم يقطع قرابة 12 ألف ميل يوميا، وأن هنالك 70 ألف كيلومترا من الأوعية الدموية، في نفس الوقت الذي لا نعرف فيه أشياء كثيرة أيضا تحدث في هذا الجسم وتتمظهر في حركات أو سلوكيات لامنتهية الاحتمالات والتراكيب، بشكل قطعي، وربما لن بدل لم. ولهذا يقول جهانكير إن مومباي لا يمكن الإحاطة بها، رغم أنه عمل سائق تاكسي فيها. جهانكير يعمل في البقالة المجاورة لشقتي. يقول إن كل ما يهمه من مومباي هو عشوائيات حي دارافي الفقير المكون من بيوت الصفائح والصندقات، حيث يعيش من بقي من عائلته، وحيث توجد هنالك دكاكين وبقالات ابتاع منها آلافا من الأشياء على امتداد معيشته هناك طوال خمس وعشرين عاما. لا يعرف شارع محمد علي، وزار يوما وهو شاب على دبابه تل مالابار. يعمل في البقالة منذ 5 سنوات، هنا في حي العقيق بالرياض، ويعرفه الجميع بالإسم، ويحتفظ بدفتر يسجل فيه كل الأموال المؤجل دفعها على الزبائن. المسافة بيني وبين البقالة تبلغ قرابة 200 متر فقط، أقل بكثير من مدى البصر. أسيرها على قدمي، والخريطة الطبوغرافية للمكان تُرسم على شكل مصبِّ شوارعَ مخدّدةٍ وسط أكوام من الصخر منحوتةٌ بعناية فائقة على شكل عمارات يقطن في كل واحدة منها ما يتراوح بين 40 إلى70 شخصا، تتطاول لتلقي ظلالا يتراوح بين الانكماش في اشرئباب الظهيرة، والتمدد في الأصيل الفيئيّ المذهّب، وترصُّ على حوافها متاريسَ من السيارات المتلاصقة وتنسكب على جوانبها أسلاك مثل اللعاب المتجمد، وفي وسطها تستقر البقالة مثل نقطة مغناطيسية مركزية.

في الحاير، البلدة التي وُلد وعاش فيها والداي أول حياتهما، لم يكن يوجد هنالك دكاكين. هنالك بيت طيني كبير، يسمونه “قصر”، يجمع أربع عائلات متفرعة عن ثلاثة إخوة ابتنوا هذا الصرح البدائي، ومزارع على الطرف تمتد إلى انقطاع البصر. الدكاكين موجودة في المجمعة، والطريق إلى المجمعة وعر يمر بمسار ترابي تتخلله طلعات ونزلات وتعرجات. كان لدى والدي دباب، يركبه ويذهب إلى المجمعة. يطلع مع الطلعات وينزل مع النزلات ويلتف مع التعرجات، يمر بأشجار سدر تتوسط القفر الترابي، ويهتز باهتزاز المساحات الحصاتية التي تخض كل شحمة في بدنه، ويطمس ارتدادُ الهواء سمعه فيبدو وكأنه يخترق ديمومة الزمن الهزيزيَّة ويوشك على الإقلاع إلى الماضي، حتى أن خالي ركب معه ذات مرة، وحينما وصل إلى المجمعة لم يكن خالي معه، لقد سقط في وسط الطريق ببساطة. كان الدكان/البقالة رحلة إلى المجهول، حيث يسقط دبش مساكين من ظهر الدابة الآلية ولا يُدرى باختفائهم إلا بعد الوصول إلى النتيجة، وينغمس الرحّالة وسط الصوت ويتحد مع اختلاط الألوان الذائبة بفعل السرعة ودبدبة الطريق الوعر كمن يركض داخل رسمة تسيح فيها عوامل الفيزياء، بل ويصادف مظاهر غامضة، مثل جنيات يتجسدن فجأة على حواف الطريق ليقدمن لك “بقلا” شديد البياض ويعرضن الزواج عليك والذهاب بك إلى أقاصي الأرض، على حد زعمه. وتمتد الرحلة إلى المجهول، إلى حيث الدكاكين/البقالات. كان الحاير يتكون من بيت واحد، في محيط ما لا يزيد عن 400 متر فحسب، بينما في المجمعة أكثر من ألف بيت على الأقل، موزعة على امتداد ما لا يقل عن ألفي كيلومتر. ولكن والدي كان يعرف عدة شوارع، عدة دكاكين، وبس. قبل والدي بألف عام، كانت هنالك بغداد، وكان هنالك شخص يقال له النعمان بن ربيعة. يسكن النعمان في الجنوب، وكان مبتلى بحب الطعام، ولا يوجد حوله دكاكين تبيع زيت الزيتون المجلوب من ريف الشام، ولذا كان النعمان يختار يوما من الشهر يكون قد انتهى فيه مبكرا من العمل كاتبا في ديوان البريد، ويأخذ ما يلزمه من أغراض، ويسير على حواف سور بغداد نحو دكان رجل بيهقي. يسير على قدميه، وتـلوّنه مظاهر الحياة حينها. الدساكر الضيقة المخدّدة وسط بيوت متلاصقة فوق أرض حارة ورطبة وكأنك تمشي في فرج امرأة توشك أن تطبق فخذيها. تجارٌ داخل دكان حبوب يتلاعنون حول شيء ما. أطفال يلعبون. فراغ. شعراء. جواري. حمير. مزيد من الفراغ. الشمس تهبط مع أول العصر، ويطلي الأصيل المصفر زوايا المكان بظلِّ فيءٍ ذهبيٍّ فاقعِ اللون، وتلوح في سويقة عاهرة تتمايس بحذر احترافي جدير بالإعجاب، فهي تبدو امرأة شريفة ولكن تبحث عن متعة غامضة غير محددة، وفي مداها رجلُ حسبةٍ يخزقها بنظراته المتفحصة دون أن تعلم وهو يقف عند قصاب ويستجوبه عن حقيقة إهماله فصل لحم الضأن والعجل والماعز. وسكةٌ محفوفة بدكاكين أقمشة وسجاد، معلقةٌ مثل الجثث على الواجهات وتلمع الآن في الصفرة المحمرة للأصيل، وكأنك تسير في أنهار متوشحة من اللون، سجادات وستائر ومفارش منسوجة بأشكال متنوعة من خطوط كوفية وطواويس وزخرفات صاخبة متداخلة في حفلة ألوان ماجنة. وهكذا يمر آخر النهار وشطر من أول الليل.

إذن: الرحلة إلى البقالة، هي رحلة في خريطة البيئة وهويتها. الرحلة إلى أكثر وجهة بديهية، مثل بقالة، كفيل بأن يوحي لك هوية مدينة وبيئة كاملة، وكأنك تعرفها، ولكنها في الحقيقة ستظل غامضة، لأن هذا التكشف ليس قطعيا وشاملا. فالمدن مثل الإنسان كما قلنا، يبدو الشخص مألوفا ومفهوما، ولكن غموضا سيظل يحيط به، مهما حاولت اكتشافه بشكل قطعي كامل. في مومباي مثلا يقول جهانكير إن هنالك دكاكين كثيرة في عشوائيات دارافي، وحينما يكون معه أموال قليلة يذهب إلى الأكشاك القذرة التي يباع فيها رز متعفن وذرة متيبسة ولحم مجهول المصدر. يقول إن الأكشاك تتغير بين حين وآخر. تسير في سكة ضيقة مخندقة بالصندقات الألومنيومية ومغطاة بالقذارة وكأنها طبقة أرضية بديلة، وتجد رجلا بلحية كثة يتدلى منها مخاط عالق منذ يوم أمس، يقف وراء طاولة في صندوق صغير ويبيع علبا وبجانب الكشك تتكوم قطعة خراء إنساني تتموضع بشكل اعتيادي وكأنها جزء من الديكور الطبيعي للبيئة. تجيء بعد أيام ويكون الرجل قد اختفى، وبقيت البقعة لطخة قذارة ولكن دون لحية عثة تتأطر بها، وفي موضع الاختفاء انتقلت قطعة خراء جديدة تعيد التشكل مع البيئة المتغيرة للمكان. تجده ربما لاحقا في مكان آخر، وربما لا تجده. هنالك احتمال كبير أنه قد مات، وتختلف أسباب الموت بين المرض والتسمم والعدوى والقتل بل والجوع. يقول إن الناس هناك يموتون أو يختفون دائما، ولذا الرحلة إلى مكان بديهي مثل بقالة، هي رحلة بين الموت والحياة، أو بمعنى أدق، بين أن تكون موجودا وأن لا تكون موجودا، بين الغموض الذي يحتويه مكان يتأرجح بين احتمالات آنية لا يمكن التحكم بها، تتقلب وتتغير مثل بقعة الخراء الإنساني الذي يتغير مكانها وشكلها ولكنها لا تزول وتظل مألوفة دائما. والدي حينما كان يقطع الطريق الترابي بين الحاير والمجمعة بدبابه، يقول إن الأشجار يتغير مكانُها، ووالدي رجل فلاح شديد الدقة بطبيعته الفلاحية غصبا عنه، وفوق ذلك جافٌّ لا يؤمن بالرومانتيكيات الخارقة للطبيعة، أساسا لا وقت لديه ليؤمن بالخرافات، ولكن، رغم ذلك، يقول إن الأشجار تتغير. وجهة نظره هي أن الأشجار يغيرها الجن، والغرض ربما أن يسببوا ربكة للإنسان الذي يسلك الطريق، ما يؤدي إلى توهانه وسقوطه في فخهم، أو أن لديهم أسبابا أخرى ذات طبيعة “جنية” لا يمكن أن نكتشفها لأننا لسنا جنا. أكرر مرة أخرى، والدي ليس ذا خرافة، فما تراه خرافة هو لا يراه كذلك، بل يراه نتيجة منطقية للبيئة التي يمر بها، ولذا رحلته إلى البقالة هي رحلة في المجهول، في الغامض المستتر من الطبيعة حيث تتغير الأشجار بشكل مبهم وتتجه أكثر الاتهامات المنطقية نحو وجود قوى خفية تغيّر مواضع الشجر لأغراض مشبوهة. أما النعمان، فيقول إن بضاعة النساجين تنفد فتضمر حفلة اللون الماجنة ويحل محلها بهوت خافت للأصيل الذي يتلون فيئُه فوق الرؤوس بكآبة رتيبة وهو يسيح مثل الدهان في الدكاكين، وتبدو معه الأوجه مختلفة، حتى وإن كانت سعيدة، وكأن شخصا أطفأ الضوء فجأة. أما الأطفال فيتوقفون عن اللعب أحيانا، ويجلسون على العتبات يتحدثون مثل رجال بالغين لسبب ما. وهي أمور طبيعية، ولكنه يقول أيضا إن الشعراء يختفون فجأة ويحل محلهم منجمون في الأزقة يتنبؤون بأشياء غريبة، مثل نهاية العالم بعد حرب كبيرة واحتمالية العثور على كنوز تحت منازل في تدمر وخروج نساء يلبسن بناطيل زرقاء.

إذن تفصل بيني وبين البقالة 200 متر تقريبا. تستطيع أن تقطعها بالطريقة التي تحب، بالرقم القياسي في السرعة ليوسن بولت خلال 19.19 ثانية، أو بالرقم القياسي في البطء لوالدي الذي استغرق ذات مرة تسع دقائق ليقطعها. اللي تبي. أول ما سيجذب انتباهك هو أصص زهر تلوح من حد نافذة في الدور الثاني من عمارة شقتي، ستائر النافذة مشرعة دائما، وترى من الزاوية نحت الجبص المتآكل، وتفكر أنها غرفة نوم. لن تكون محظوظا بمعرفة من يقطنها، إلا إذا كنت شخصا شديد الملاحظة. ستعلم أن زوجين لبنانيين يسكنانها، ومعهما ابنة صغيرة. الزوج وسيم بلحية مشذبة ومحددة بدقة استعراضية، والمرأة بارعة الجمال وفارعة الطول. منظرهما يوحي بإحساس عميق بالنظافة والألق، ذلك الذي تشعر به حينما ترى شخصين جميلين وكأنهما منحوتان من قطعة رخام، ويبدو لك لطيفا ومقلقا في نفس الوقت تخيل منظرهما وهما يتمرغان على سريرهما في ظل خلوتهما المستترة خلف تلك الأصص التي تهتز بخفة مع النسيم. في المواقف، هنالك سيارة فورد متوقفة منذ أسابيع. صاحبها سعودي يغير مكانها بين فترة وأخرى، لكنته جنوبية تخالطها لهجة أهل الرياض المهجنة والمدجنة فتكاد تدفنها لولا كَسرة صوت عسيري تخرج دائما في آخر كلمات معينة، يقول إنه يعمل في استخبارات الجيش ويسافر كثيرا، يحب أن يروي قصصا عن المناظر البشعة التي رآها، ولكنه أحيانا يبدو صامتا وحذرا، ولا تستطيع فهم أو توقع مزاجه بشكل واضح. هنالك محل لإصلاح المكيفات والثلاجات، صغير يكاد يكون أشبه بفجوة في جدار، مكدس بمواطير وخردة يغطيها شحم فحميٌّ متيبس، وتفوح من المكان رائحة الرثاثة القذرة لبقعة تشعر وأنت تقف داخلها أنك في رئة مدخن مصاب بالسرطان. يعمل فيها باكتساني عملاق، أصبع قدمه أكبر من وجهي. يجلس دائما على كرسي خارج المحل، ويشرب الشاي من ترمس. أصلح ذات مرة ماطور مكيفي بالمجان قائلا إنني جار وإنه يراني أمر أمام محله دائما، وعلمت حينها أنه موزع مخدرات حتما وأن هذا العبث كله مجرد خدعة. شربت معه الشاي ذات عصر وقد توقفت أمامه في الطريق إلى البقالة، وأخبرني عن قريته، اسمها سخى سرور، ولكنها لا تنطق هكذا، ولم أعرف حتى الآن كيف أنطقها. أما السيارات التي تمر من الحارة، فهي أكثر الأشياء المثيرة للاهتمام. لم أرى سيارة تتكرر في مرورها يوما ما. أعلم أن هامش التكرار في ظل المدة الزمنية المحدودة التي أقطع فيها الطريق ضئيلة، ولكنني أؤكد لك أنها لا تتكرر إلا قليلا، تعرف من أوجه السائقين أن معظمهم لم يأتي هنا من قبل، أو لم يعتد على الأقل، يطالعون حولهم بنظرة استفهامية، مكرتَـنين داخل صناديق الألومنيوم. في تلك اللحظات فقط، تتضح لي كرتونية قيادة السيارة. تخيل أن ترى شخصا جالسا على الكرسي، والكرسي يطير في الهواء. سيبدو شكله سخيفا فعلا. في تلك اللحظات يبدون فعلا مثل أشخاص يجلسون على كراسٍ طائرة، وكأن صندوق الألومنيوم هذا الذي يكرتنهم مجرد واجهة مفتعلة لتغطية ذلك المنظر المضحك لشخص يجلس متصلبا على كرسي طائر. يمرون من هنا، ويختفون. مثل أطياف، مثل أشباح، مثل خيالات، على تلك الكراسي الطائرة. من هم؟ من يكونون؟ لماذا هم هنا؟ الأسئلة الرومانتيكية المعتادة. لا يعطونك فرصة للإجابة، ويتركونك فريسة ذلك الفضول الرومانتيكي السخيف المستعصي عن التجاوز في هوسك بالغرباء، الذي تولّد معك كاتبا وتغذى بك صحفيا ونضج فيك شخصا وصار جزءا منك. أحدهم يمر بك متأنقا بكامل أناقته في الساعة الواحدة ليلا، يتوقف معك عند البقالة التي يتأخر جهانكير في إغلاقها أحيانا، تحدق فيه بطرف عينك، وتفكر من هذا الذي يتأنق بهذه الطريقة المتطرفة في الساعة الواحدة ليلا، بل أنه يصلح مرزامه ويضبط تشخيصته، وتستفزك رغبة قذرة في أن تلحق به، ولكنك لا تفعل طبعا، ويمضي فوق كرسيه الطائر ويختفي وهو يرستك مرزامه وتشخصيته في المرآة. حينما تقف قبالة البقالة، وتلتفت، سترى على زاوية الرؤية المقعرة مكعباتٍ متطاولة من الاسمنت، تسمى عمائر الشقق السكنية، فيها ثقوب هندسية تسمى نوافذ، وعليها تشكيلات ألوان ومنحوتات مبلطة وحواف قرميدية. تقف هناك متلاصقة بجانب بعضها، بأطوال وأحجام متشابهة، تُـترِّس الشوارع التي تبدو مثل خنادق محفورة وسطها، وكأنك تسير في أخاديد من الاسمنت المكعب المثقب. هنالك مئات من النوافذ، الفُرجات التي يلفظ سوادُها المغمَّض إغراءَ ما هو مبهم، وتستفزُّ من الشخص المأخوذ بفكرة الغرباء رغبةَ الوصول إلى كنه ذلك الفَـرْج وسط الجدار، وتذره منطفئا بلذة الحرمان، المتعة المازوخية لامتناع لذة عن الحدوث رغم أنها في متناول اليد. كم من الشخوص والقصص والحركات واللفتات والإيماءات والزفرات واللذات والألم يحدث كل لحظة وراء كل ثقب في هذه المكعبات؟ وتبتسم لنفسك وأنت تقف أمام البقالة وتدخن سيجارتك محدقا في ذلك المنظر الغرائبي/الاعتيادي متصالحا غاية التصالح مع فكرة أنك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحيط بمدينة، كما أنك لن تحيط بأي حال من الأحوال بإنسان، لأن المدن مثل الإنسان، لا تتكشف بالكامل، تظل مألوفة رغم تعذرها عن الإحاطة. وتجد نفسك متصالحا مع هذا الفكرة، لا بأس، وتفكر أنه مهما امتدت الرحلة إلى ما وراء البقالة، إلى أماكن أعمق، إلى أسواق أبعد، إلى برار، إلى أهداف تخترق عمق البيئة وتستهلك كل حياتك إلى أن تموت: لن يكشف ذلك الكثير، ولن يحقق لك أكثر من رحلة إلى بقالة، كما قد تظن عكس ذلك. بل على النقيض، المزيد من البحث، المزيد من التعمق، يورث المزيد من الغموض والجهل. وهي قاعدة فيزيائية تقريبا. حينما اكتشف آيزنشتاين النسبية، جلب معها آلافا من المناطق الغامضة التي لم يكن معلوما غموضها قبل هذا “الاكتشاف”. ولذا الرحلة للبقالة قد تكون أكثر دقة من الرحلة المتواصلة المتعمقة إلى أحشاء الحارات المخندقة وسط مساحات المدينة الشاسعة. النتيجة واحدة، ستخرج أقل فهما واستيعابا. أعدك بذلك.


Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s