هايلكس 96

“شف يا استاد الموتر توي مرهم مكينته عند سقنل الهندي في ورشة الملحم ومغير الرفرف حقه بعد ما انخدش وشاري طاسات جديدة ومنجّد مراتبه. الموتر جاهز لو تبي مشينا اليوم. أنا ماشي ماشي للرياض. تونا رايحين أنا والعيال. بعد المدرسة يوم الأربعاء حركنا. كان لي غرض في البطحاء بجيبه، شاري لي غتر وشمغ وصراويل وفنايل من هناك وبايعهن جملة على هنود المحلات اللي هنا بزيادة نص ريال في القطعة. إذا رحت للبطحاء مر بوفيه لواحد مصري يقاله سليم، بيعطيك فول تسنه خرسانة وشاهي أسود تحسب انه كحل منقع في مويه، بيكبس على بطنك ساعة. يوم نروح ذاك اليوم كانت مباراة الوحدة والنصر يلعبون العصر. أنت عارفني منيب راعي كورة، بس رحنا. العالم مشتية والفصفص من كثره يدسه عليك اللي جنبك. أنت عارف اني أدخن انا منيب أحب اتسذب، قعدنا في الملز والشمس تنزل علينا حارة والصبات تتفل علينا برد المربعانية من تحت، ونسولف ونقشم وندخن ألين جاب لاعب الظاهر اسمه خالد ماطر هدف ثم طلع بعدها مصاب، واحد تسنه كفر زلق عليه عطب اصبعه. لكن المهم اسمع، الورش هناك ممتازة، بس اذا السالفة قطع غيار أوديك لواحد في سكاكا. تطلع مع طلعة الشمس، وتخاويها ألين ترتفع مع الظهر وتوقف تريّح في حايل ثم تكمل، ألين تنزل الشمس وراك مع دخلة العصر والسما تزرق إذا جت صفرة المغرب، وبين العشاوين قهوتنا عند خالي عبدالمحسن. هناك أعرف واحد يجيب قطع الغيار من الأردن، تقدر تشريها وتجي تبيعها على الورش، وتدخل دبل الربح. سويتها من قبل وبسويها انشالله في هالصيفية بروح لسكاكا. إيه أنا عارف أنا قلت لك ذاك اليوم أنا مالي في الدراسة حقتكم ذي. تعرف ابو عبدالله خال أبوي؟ اللي كان عنده قبل أربعين سنة مزرعة جنب حويّر الحقيل؟ الحين عنده محلين في المعيقلية وشقق في المروج، فتح أول واحد يوم ترك المزرعة وراح للرياض، لا يقرا ولا يكتب، ويسلف أخوه سعود اللي متخرج من البترول. خلنا نروح بس، والله اني جاد، حتى لو انك ما تبي تصلح موترك بصره، خلنا نحرك ياخي، اليوم ذا ما عندي شي وانت ما عندك شي هذانا جايين فاضين المناهج خلصت والاختبارات بعد اسبوع أزعجتونا وأبلشتونا بذا الدراسة، خل نروح للدمام موب لازم نروح للرياض. قد رحت للدمام يا استاد؟ خلنا نركب مع الشمس اليوم ونخاويها للدمام. بوديك للبحر، مهوب البحر الي تطلع له الناس، بوديك للصيادية، وبركبك في قارب، وبنصيد. أهلك؟ أهلك وش فيهم بيموتون يعني؟ مع طلعة الشمس بكرة نحرك راجعين هنا. ياخي ما جربت قضبة الخط عشان بس قضبة الخط؟ والله يا بو خالد اني أمسك أحيانا الخط عشان أمسكه بس، واني اروح لشقرا عشان أجيب خضرة أبيعها في السوق وانا منيب محتاج، بس عشان أمسك الخط. اذا دعست مية فاتح الدريشة والهوا يهف على وجهك وشعرك وما عاد فيه إلا أنت والدركسون بس، إذا حركت من جهة وْشَيّ مع نزلة الشمس في العصرية وهي قدامك بين الجبال والخفوس تسنك ناصيها، وتوقف عند بدو الداهنة تقهوى عند أبو خوينا هنا عبدالله تراه ساكن هناك، ثم تسري مع المغرب لشقرا وتتعشى فيذاك عند مطعم كبسة يقاله حنيذ وتعوّد مع نزلة الليل وانت ماشي في سكة أقسم بالله مثل العمى ما لك فيها إلا كبسين هالنور وهي تشق كحل الليل. أبي والله أوديك يا استاد صدق، أنت رجال ذبحتك القعدة وتوك شباب لا حرمة ولا عرس ولا شي واخوي خويك وابي أخدمك. توي والله مرهمه، تسمع مكينته توشّ ما فيها ولا نتعة ولا نقرة، وانت مهدّي تمشي مية على الخط وفاتح الدريشة والهوا يلعب في شعرك ومخاوي الشمس. مشينا بس”.

محمد عثمان عبدالله الجريّم. مواليد 1982. توفي عام 2005، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، بعد ذهابه إلى مناطق الصراع في العراق. في التاسع من شهر مارس عام 2017، وأثناء التجوال في معارض النسيم بالرياض، صادفت هايلكس موديل 96. بدأ الأمر بلحظة استذكار لامبالية، أعقبها شك استدعى مزيدا من التفحص، وبعد المعاينة تأكدت أنه نفس الموتر المعني. هنالك صدمة طفيفة فوق رفرف الكفر، حدثت ونحن نخرج حينها من منحدر سد الكلبي في 2003 حسب ما أتوقع، بالإضافة لعدة ملاحظات ترجح المعلومة إياها. المراتب تم تنجيدها بلا شك، ربما قبل سنوات. عزل السيارة لازال جيدا، حيث أن الأصوات تصل من الخارج مكممة بعد إقفال الأبواب والنوافذ، تستطيع أن تجلس هناك وتحدق في الأوجه والحركة في الخارج، ولا يصل منها إلا دبيب خافت. رائحة عدم الاستعمال والإهمال قوية جدا، ربما استُخدمت السيارة في مزرعة لحمل العلف وتنقل العمالة.

آخر مرة رأيت فيها هذا الموتر، كان في يوم دفنه. يوم غريب. بعد قرابة سنة من التأكد من وفاته، تذهب لتصلي على جنازته. بعد سنة من تنقل والده بين مختلف الدوائر الحكومية، من وزارة الخارجية إلى الداخلية إلى الاستخبارات إلى الديوان الملكي، تصل جثته. أبوه عثمان كان رجلا في الخمسين من عمره. له شارب خفيف، وشعر صدغيه أبيض بياضا فاتحا، وليس في عينيه أي شيء يدل على قرويته. من الجيل الأول في عائلته ممن ولدوا وتربوا في المدينة عوضا عن المزرعة. عاش حياته في أحياء الخالدية واليرموك، ودرس في جامعة الإمام بالرياض، وتزوج امرأة من عائلته درست إلى ثالث ابتدائي لا تكاد تقرأ أو تكتب، ثم عاد معلما في ثانوية الأرطاوية، ثم ابتدائية فلسطين، وبعد ذلك تزوج امرأة ثانية تدرّس في كلية البنات، وأنجب أبناء آخرين، وهكذا. كان يبدو منهكا على الدوام، وحينما حدث ما حدث بدا منهكا أكثر. يخبرك عن كل رحلاته في أروقة الدوائر الحكومية، بوصف دقيق وممل، وكأنه يشاركك عدم الاستيعاب الذي يمر به، وكيف لف كل مكان إلى أن وصل أخيرا إلى مسؤول كبير في الخارجية. يقول إن مكتبه مشمس بنافذة كأنها جدار زجاجي تطل على ساحة كبيرة داخل المبنى، وعلى حوافه أصص شجيرات تلمع، ووراء الكرسي رفوف تحوي كتبا. لم يذهب الرجل لكرسيه حينما دخل المكتب وعرّف بنفسه وسلم عليه، بل جلس على حافة الطاولة أمامه مكتفا يديه، وأخبره ببساطة ونبرة هادئة أن ابنه قام بتفجير نفسه في سوق وسط بغداد. يقول إنه جلس دقيقة صامتا، وفي حلقه بحة، والرجل يحدق بأناة في وجهه. يقول إنه نطق أخيرا أن ابنه لا يمكن أن يفعل ذلك، جملة واحدة فقط، بلا إضافات، وغالبا قيلت بشك. أخبره الرجل أنه ربما خدع، أو ربما تم إجباره، المهم أن المؤشرات تجنح للتأكيد على أنه هو من فعل ذلك، ولكنهم سيحققون أكثر في الأمر للتأكد، وجلسا يحدقان في بعضهما. خرج الرجل من المكتب لحظة، وجلس عثمان الخمسيني يحدق في الأصص التي تلمع، وهو يسمع الرجل يحادث موظفا في الخارج، ويجد صعوبة في ترتيب أفكاره، ويعجز عن تحديد ما يجب قوله. أخبروه أن العثور على الجثة شبه مستحيل، فغالبا ما يدفن هناك في مكان ما، ولا يُعلم أصلا أين هو. يروي لي كل هذا بجدية واهتمام، رغم أن فارق 28 سنة يفصل بيننا. كان يأتي قليلا إلى بيتهم الواقع في اليرموك، قريبا من بيتنا، يقضي أغلب وقته في بيته الآخر. عرفته قبل أن أعرف ابنه. كنت في الحادية عشرة بالضبط، وقد استفرغت في الفصل حينها، وبكيت وأنا أطلب الذهاب للمنزل. استدعى المرشدُ عثمانَ الذي كان يعمل حينها مدرسا للصفين الخامس والسادس، وطلب منه: تقدر توصله على دربك وانت رايح للمستشفى عجزت ألقى أبوه في البلدية؟ فقال عثمان مهيب مشكلة، وربّت على رأسي وقد عرفني ثم سألني: تبي تخاويني؟ خرجنا، وركبت معه في الهايلكس الجديد الذي اشتراه قبل أيام كما قال، موديل 96، رائحة الجدة في القماش والتجليد والآلات تصيب بالخدور والسعادة. كانت الساعة الثامنة والنصف، أذكرها جيدا وأنا أرى الرقم الإلكتروني على واجهة الطبلون، وشوارع المجمعة القديمة وهي تنشط بخمولِ ورثاثة المدن الصغيرة في الصباح. أتذكر أوجه العمالة على امتداد شارع الملك فيصل، وواجهة بنك الرياض القديم، والناس تخرج وتدخل منه، ونحن نخطف بجانبه سريعا نحو السوق الداخلي، والشمس فوق عيني ترتفع في السماء وتلمع على أسطح أشياء وأماكن لم تعد موجودة الآن. هذه الذكرى قوية جدا في عقلي بشكل عجيب. لم يكن هنالك أحد في منزلنا، ولأنه يعرف والدي قال إنه سيأخذني معه إلى المنزل ويعيدني لاحقا. تخاويني للبيت؟ هاه وش رايك؟ يسألني دون أن يلتفت، يغلق عينيه نصف إغلاقة بفعل الشمس وهو يحرك بيده القوية قير السيارة. بالطبع لم يكن لديه موعد في المستشفى، كان ببساطة يريد العودة لبيته اليوم ولا خلق له للدوام. منزله الثاني، في حي الأفق، كان مهذبا ولطيفا. لازلت أذكر الشمس وهي تدخل من المنور والنوافذ وتضيء المكان بأكمله بقشرةِ الصفار الغامقة تلك التي تميز البيوت قبل الضحى. زوجته هناك، كانت في مرحلة النفاس، وابنته التي تكبرني بعام أيضا، غابت بحجة المرض الذي تلاشى سريعا بشكل سحري حسب قول والدتها. أفطرنا سويا في الغرفة، أذكر الطوفرية الاستيل وبوادي الفول والجبن. ثم لعبت مع البنت، اسمها سارة، أذكر أننا كنا نضحك ونركض، في الأسياب والأروقة والدرج ونجلس أمام نافذة ونتحرك في رقعة ضوء ونمر بروائح مميزة أكاد أشمها الآن، حمسة ولحم وقهوة، وأذكر شعور اللذة الغامرة التي أشعر بها نقية وواضحة وتتمثل في أن الوقت صباح وأنا لست في المدرسة. كانت تلك لحظة وعي عظيمة. أدخلتني على الرضيع، تسللنا ووقفنا أمامه نحدق فيه برهة، وهو يفرفش مبتسما بانعدام القدرة العصبية على السيطرة، ويبتسم لنا من سريره. ثم جلسنا أمام التلفاز مع والدها نشاهد مسلسلا وهو ينشغل بقراءة الجريدة حتى أذّن الظهر. لم أرها بعد ذلك اليوم، حتى مع أخيها لم يكن ذكرها يطرأ أبدا، لم تكن عائلتا الأب تتقاطعان كثيرا، إلى أن قابلت والدها عند مسجدنا وأنا عائد يوم الخميس إلى المجمعة من الجامعة، أثناء رحلة لفه على الدوائر الحكومية تلك، وأخبرني أن ابنته سارة ستتزوج، وأنه لم يجد الوقت للتفرغ للزواج وقد يضطر لتأجيله بسبب أخيها، وبصق سبة حاقدة عليه. كان مشغولا بذلك التفجير، ظل يبحث عن أخبار عنه، وحينما أتقن البحث عبر الكمبيوتر في أحد المقاهي التي انتشرت في المجمعة بأجار 15 ريالا للساعة، وجد صور جثث مرعبة لأطفال ونساء، وهو يجلس في ذلك الكشك المظلم ونظارة قراءته تقف على أرنبة أنفه، ممزقة ومريعة إلى حد لم يستطع استيعابه. تفل سبة حاقدة وهو يحدق في الفراغ ونحن أمام المسجد، وكأنه يبصق عليه من البعد. الله يلعنه ذا الخبل وش سوى فينا، جهنم الحمرا. ويلتفت نحوي، فأخبره أن في الأمر خطأ، وأنه يستحيل أن يكون قد فعل ما يقال. أقول ذلك دون قناعة، ويتضح له ذلك، فيهز رأسه بتواطؤ ويصمت.

الشريطي في معرض النسيم يطلب في السيارة 4 آلاف ريال. يقول إنها هنا لتنقل إلى التشليح أصلا ولم يكن يتوقع أن أحدا سيسومها. اشتريتها وحملتها بالسطحة معي إلى المجمعة. ابنتي في السادسة كشرت في وجه السيارة، وقالت وكأنها عجوز تعترض على ما اختارت ابنتها لبسه في عرس عائلي: وش ذا؟! كان صعبا وغريبا تبرير ما حدث. كنت جالسا في السيارة، بعزلها الذي لازال جيدا، ولذا الصوت منكتم ومكمم، الآخرون حولها في المعرض يبرزون من المرايا الأمامية والجانبية. كانت مثل التلفاز، وأنت تشاهد أشخاصا يقومون بأفعال واقعية ولكنهم غير حقيقيين، هم يتواجدون وراء الزجاج أو وراء الشاشة ولكنهم ليسوا فعلا هناك، أنت في السيارة ولذا الحقيقي هو ما كان في السيارة، أصواتها وروائحها، ومن ثم ذكرياتها. من الصعب وصف ما شعرت به، كنت مخدرا، كان لي في كل شبر من هذه السيارة ذكرى، وقد تم قطعها بطريقة عنيفة. أعني لقد ابتعدنا عنه عدة أشهر، ذهبنا للجامعة وجلس هو. كان يقول هذا لا يصح، والخوف لا معنى له، ويجب أن نكون رجالا، ولكن. المهم أنني لا أفكر حتى ولو مجرد تفكير في محاولة فهم ما حدث. لا أقول إننا كنا أقرب صديقين، ولكن كنا نعرف أسرار بعضنا، وهذا شيء له معنى، أعني أنه كان يعرف أسرارا لي، أما أسراره فكان يعرفها الجميع، ولكنه يشعرك أنك الوحيد التي تعرفها. كنت أجلس هناك في السيارة، وكانت كل هذه الأشياء تغمرني، ولكنها ضبابية ولا صورة لها، ولي في كل شبر منها قصة ما، تافهة وهامشية ويومية، ولو سألتني عنها لما علمت كيف أقصها عليك، لأنها فارغة تقريبا من أي تفاصيل. كان أكبر منا بثلاث سنوات وقد أعاد الثانوية مرتين. كان وجهه منحوتا، وكأنه تمثال، له عارضان فيهما عظمتان بارزتان، عيناه مدورتان وغائرتان تحت حاجبين ثقيلين، كان جميلا وقويا، وكنا جميعا نحبه، حينما يحدق فيك يبدو وكأنه يعرف أشياء لا تعرفها، وقد كان يعرف فعلا أشياء كثيرة لا نعرفها، ويعبّر عنها بطريقة تحسسك أنه رجل بالفعل، وأنه يستحق أن ينصت الآخرون له، وقد كانوا يفعلون ذلك. في روضة الخشم كنا أنا وهو وشخص يقال له سعود الكثير. وضعت الشاي على الدافور مع طلعة الصبح، وجلست هناك أتشمس في الربيع، وأنا أسمع الماء يطبخ وأشم رائحة الحشائش الندية، بين أشجار السدر المتفرقة. من بينها تستطيع رؤية خياله، يقف هناك نحو الجنوب، حيث امتداد ضوء الشمس المشرقة للتو من الخلف يصل خافتا وليس وراءه إلا السماء الصافية الواسعة مثل جبين عملاق، وهو ظل، وعلى كتفه يريح شوزلا، ويقف وهو ينتظر، بكل الأناة الرائقة الممكنة في هذا العالم. لم يكن يتحرك، تستطيع رؤية ماسورة البندقية البارزة من جسمه، وطريقة وقوفه الثابتة، وكأنه يتأمل شيئا في السماء، وفي لحظة يخيل لك أنه فزاعة. ثم يرفع الشوزل بلمحة بصر، ويطلق رصاصة نحو طائر يحلق، وترى خيال الطائر الظلي أيضا يتهاوى، وتراه يمشي نحوه، بكل هدوء، وهو لازال ظلا، يتمشى، ويلتقطه، ويتجه عائدا، نحوك، البندقية في يد والطير في الأخرى، وتكاد ترى قطرات الدم في انعكاس الضوء تسقط من أصابعه حيث يمسك الجثة.

حينما وجدوا الجثة أخيرا قالوا إنها كانت سليمة بالكامل، ولم يكن يعتريها أي شيء. لم تكن جثة شخص قام بتفجير نفسه، هكذا قالوا لوالده. أثناء جلوسه في ذلك المكتب المشمس الواسع، أخبره الرجل أن ابنه كان ضابطا في الخلية، رغم صغر سنه ما يمثل حالة لا تتكرر كثيرا، السعودي الوحيد الذي يعمل ضابطا في تلك الخلية، ولم يكن مجرد جندي كما هي العادة، وبحسب التحقيقات تم التعرف على لقبه، أبو عثمان، وقد اشتُهر بأنه من يضع خطط التفجير ويختار مواقعها، والأهم أنه يختار من ينفذها، ويخبره في ذلك المكتب المشمس أنه قد دفع بجنود سعوديين لتنفيذ عدة تفجيرات في أماكن متفرقة من العراق. قبضت عليه القوات الأمريكية، وأُعدم قبل ثلاثة أيام، رغم تأكيد الأمريكيين أنه كان اغتيالا من أحد المساجين وليس إعداما. قرر عثمان أنه لا يريد أي علاقة بالموضوع، ولم أسمع وجهة نظره، لأنه اختفى من الحارة وركن في بيته الآخر، ولم يعد يأتي إلى بيته هنا في اليرموك وإلى المسجد المجاور ليقص علي وعلى غيري ما يحدث. كل ما وصلني أنه يرفض، وأنه لن يحضر الجنازة إذا جاءت الجثة. جلسَت أشهرا قبل وصولها. وصلت أولا إلى الرياض، وتأخرت هناك، ثم شُحنت إلى المجمعة. كان مشهدا غريبا كما قلت. الوفاة حدثت منذ فترة طويلة، وصاحبَها وما صاحبها من عزاء أو تبرؤ، ولكن ها هي الجثة الآن، وها هم الناس الآن يتجمعون. أتيت من الرياض في يوم ثلاثاء، ولم ألحق على الصلاة في مسجد الديرة. كنا في أول الشتاء، والسماء مليئة بغيم أسود. في المقبرة كان عثمان موجودا، لقد أتى ووقف هناك بصمت. كان هنالك قرابة 30 شخصا في المقبرة على طريق شقراء قبل شارع الجوّ، يزيدون أو يقلون. الكل يقف بصمت وارتباك، أعرف أكثرهم. نرفع رؤوسنا كل لحظة، ونقرأ الغيم في السماء، ونخبر الذي بجانبنا: شكلها بتمطر، فيهز رأسه غالبا وهو يقرأ الغيم: شكلها. شيءٌ ما يدفعني لأن أرى الجثة، وراء الكفن، ولكن هذا لا يمكن طبعا. يقولون إن هنالك ثقبان صغيران في صدغيه، وآخران في صدره. حركة حول القبر، وتراب يرمى، ثم يبدو قبرا، وبس. عثمان يقف مثل الذي لا علاقة له بالموقف. سلمت عليه بالتواطؤ المعتاد الذي يوحي بوجود سر بيننا، وطرأت سارة في بالي، فسألته: عسى العرس بيتم الحين انشالله؟ كنت في الثانية والعشرين، وأنهيت السنة الثانية من قسم اللغة العربية في جامعة سعود، أسكن في شقة، ولدي سيارة أمسك بها خطوطا سريعة، وأصدقاء جدد، كنت قد بدأت أشعر أنني رجل فعلا. ابتسم وقال لي بنفس التواطؤ: قريب انشالله. لم أرى عثمان بعد ذلك اليوم. لم يعد يأتي إلى بيته الأول في حي اليرموك، ولم يدعنا إلى عرس ابنته، ولو فعل ذلك لا أظن أنني أو والدي أو إخواني كنا سنذهب. ربما رأيته ذات مرة في مطعم اسكندرون، قبل سنة، ولكنني لست متأكدا، كان الوقت بعد العشاء على رصيف الشارع العام المزدحم أمام أسواق الراية، وكان هو يقف ودائرة صلع تنحت يافوخه ويغطيها شعر أبيض مقصوص، وأنا لا أرى إلى مؤخرة رأسه ووقفته المحدودبة، أظنه هو. تغديت مع أهلي في ذلك الثلاثاء، وخرجت العصر أجلس بملل على عتبة المنزل، وأحدق في الحركة الرتيبة لشارع الأربعين على يميني، والسيارات التي تأتي منه إلى سكتنا، والأوجه المختلفة التي تمر برثاثة المدن الصغيرة نفسها. وهناك على بعد 300 متر حيث كان منزلهم، تقف الهايلكس. كان عمري اثنان وعشرين عاما ولدي شقة خاصة وأصدقاء جدد، وكنت رجلا، وأنا الآن أكثر من رجل، رجل بشيب يغطي صدغيه وثلاثة أطفال.

لم يبدو منظر السيارة غريبا إلا حينما خرجت في الصباح، ومعي أطفالي. كانت تقف هناك، في الطرف الآخر من الشارع، والضوء المشع يلمع فوق تندتها، ويسطع على نوافذها. قررت الذهاب بهم إلى المدرسة فيها. لم أقد سيارة بقير عادي منذ سنوات. روضة ومدرستان بجانب بعضهن، ومن هناك إلى شارع الملك فيصل، حيث بنك الرياض القديم الذي بقيت بنايته منذ سنوات كما هي متروكة للذكرى، وحيث الأشياء والأماكن التي لم تعد موجودة، ومنه إلى السوق الداخلي، الذي كان مغلقا، ولا أحد من العمالة قد بدأ يمشي فيه، والرثاثة الهادئة لمدينة لم تعد صغيرة مثل الماضي ولكن تظل صغيرة بشكل أو بآخر لازالت موجودة. أمسكت طريق شقراء، وأنزلت النافذة. الشمس ترتفع كرة صفراء فوق بيوت الطين القديمة التي تحولت إلى عزب مأهولة، وفوق جدار المقبرة المفتوحة حيث دُفن قبل 11 عاما، وتحطّ على رؤوس النخل في شارع الجوّ. كان الهواء يهف على وجهي وشعري. لم أستطع الوصول بها إلى سرعة مئة كيلو، كانت تصدر حينها أصواتا مزعجة. كنت أسير خمسين فحسب، ولكنني لم أدري بنفسي إلا وأنا أنحدر من نزلة وْشَيّ، بين الجبال التي يشقها الطريق الإسفلتي، والمزارع التي تركت لأيام الويكند، حيث يلوح فيها هندي وحيد مع ثلاث نعجات وبقرة، وتتجاوزها إلى المرتفع المشقوق وسط الجبال أيضا، وتجد نفسك متجها نحو الداهنة، حيث تلوح على يمينك غرف عتيقة للرعي، ومزارع مسيجة ومهملة، ولا أحد في الطريق، أنت والدركسون فقط، والشمس ترافقك وهي ترتفع. كنا في الطريق نحو وادي الدواسر، أنا وهو فقط، ولا أذكر لماذا. الطريق مظلم، ذلك النوع من الظلمة الدامسة التي تبدو مثل صبغة “بوية”، حتى ضوء الهايلكس، الكبسان المشعان يرتطمان باللون ويتكسر نورهما، وتستطيع رؤية شظايا تهشمهما أمامك. وكان يتحدث، بنبرته الرخوة الهادئة تلك، وبلغته التي تنساب متناسقة بلا نتوء وكأنه يقرأ من كتاب. ظلام وصوت، صوته وصوت الطريق. لا تستطيع رؤيته، حتى إذا التفت عليه، وحاولت، كان مختفيا في الظلام، مثلي، مثل كل شيء هناك في تلك اللحظة، وسيخيل إليك أنك ترى حوافا لوجه وابتسامة وملامح، ولكنك لست متأكدا هل ترى ذلك أم أنك توهم، وسيحدث ذلك الشك قشعريرة غريبة في جلدك. ويتحدث، بتلك الانسيابية الاستطرادية عن أشياء غريبة لم أفكر فيها من قبل، ولن أفكر فيها إلا بعد عدة سنوات وأنا أكبر وأشيب. يتحدث في زاوية الظلام الحوافية تلك، وكأنه شبحٌ أو جني، أو شيطان. ثم أذكر أنه أغلق نور السيارة، وصرنا نمشي في تلك الظلمة اللونية، وأنا أصرخ فيه يا مهبول بتذبحنا، ولا أستطيع رؤيته، وهو يقول إننا مثل الذين يسيرون في النوم ولاشيء أظلم من النوم.

في العصر أعطيت السيارة باكستانيا أعرفه يعمل في محل إصلاح مكيفات بجانب بيت أهلي في اليرموك، وأخذت منه 500 ريال عليها وأخبرته أنني سأتكفل بنقل الملكية. قال إنه سيضعها في مزرعة لكفيله، ورحل بها. سألتني ابنتي في الصباح التالي: وين هذيك السيارة الخردة يبه؟ استنكرت باستغراب: وشو؟ ثم تذكرت فقلت إيه الهايلكس، بعتها أمس خلاص. كان صباحٌ جديد قد خرج، وكنت لوهلة قد نسيتها فعلا، وقد فاجأني ذلك وأشعرني بارتياح وأنا أقطع الرثاثة الصبحية نفسها للمدينة متجها إلى الروضة والمدرستين، وأرى دمياتي الصغيرة تنزل من سيارتي تركض أمامي، وأبتسم بامتنان. كل شيء قد انتهى.

“… من طلعة الغاط إلى القصيم ومن جبل شمر إلى عرعر ومنها للحد ثم على امتداد الحد للكويت ومنها للخفجي ومن الخفجي لامتداد الحسا ومنها للخبر إلى الساحل ومن الساحل إلى تحت تحت تحت ألين عمان ألين اليمن ألين الجنوب ألين عسير ثم ترقى ثانية ألين تلمس الحد ولا توقف هالمرة عند الحد ترقى منه إلى الشام إلى العراق إلى إلى إلى. خل الطريق وراك ياكل كل اللي تعديته ولا توقف. هيه. أنت. نايم؟ تستهبل. خادر ليه؟ الحين الجو ذا يجيب النوم؟ يا حبيبي ما فيه أحلى من قضبة الخط في الليل وسواليف الليل قم سولف بس. تبي نوقف عند السليل؟ قم ياللهصحصح. وانت لازم يعني تشوف شي عشان تشوف؟ طيب شف اذا سكرت النور …”.


Advertisements

2 thoughts on “هايلكس 96

  1. أرجعتني ل3 سنوات ونصف قضيناها في السعودية – المنطقة الجنوبية!
    كلامك ووصفك للجثة والتفجيرات، وإن كان مقتضبًا، رسم صورة صعبة الإمّحاء!

    شكرًا للذكريات.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s