نساء

كانوا في الصحراء بعيدا عن البيت الطيني الكبير الذي يضم عائلة زوجها المتكونة من ثلاثة إخوة، بجانب مزارعهم الممتدة على طول وادي الجايرة. الصباح لازال في مطلعه والشمس تصعد وراء التلال. كانوا على امتداد شعيب المرزب، وهي تحمل بندقية المقمع في يدها. والدها وزوجها عن يمينها ويسارها. يقفون متفرقين في المساحة المفتوحة ممسكين ببنادقهم، ويترصدون. كانوا رسمة زيتية، أو فزاعات تلمع في انعكاس الضوء، يقفون متفرقين ببنادقهم في طلعة الشمس وينتظرون الحبارى أن تحلق من مخابئها. يدها اليسرى تقبض على السبطانة الجلدية، البندقية التي حارب بها والد زوجها مع عبدالله بن فيصل، واليد الأخرى على الزناد. شعرها يخرج من شيلتها ويتبعثر على وجهها الفتي الغض، ذو الملامح الحادة، وسبابتها تدق على حديدة الزناد في حركة نغمية لملئ توتر الانتظار، الذي يبرك برثاثة وثقل دون كسر وسط الصحراء عديمة الحركة. ومع ارتفاع أول طير، لفّت بالبندقية بشكل أسرع من والدها وزوجها، وضغطت بكل قوتها على الزناد، وسمعت صوت ارتداد المطرقة بجانب أذنها ينفجر، ومن فوهة بندقيتها ينبعث دخان يتعثور في الضوء مثل اللسان، ومن خلال زاوية رؤيتها المعلقة على الحديدة نحو الطير، ترى خياله يسقط ويتهاوى من عل، ويحط على الأرض، وتبتسم. ويزحف ضحك والدها بعيدا وقصيا وهو يقول: والله وصادته الدبشة. تسمعه وهي تراه يذهب إلى الطير ممسكا ببندقيته المنسدلة على فخذه، يتهادى مثل حيوان بري قوي، ويقف فوق الجثة لينضم زوجها إليه، يشبهه، مثل حيوان بري قوي، ويلوحان لها من بعيد، وهما تحت الشمس، عبارة عن ظلين عملاقين. تعالي. فتذهب وهي تركض.

تبلغ من العمر 80 عاما. نُقلت إلى الغرفة المفردة عصر أمس بعد 20 يوما أمضتها في العناية المركزة بمستشفى الحرس بالرياض. علامات التغضن والاستنزاف تزيد حدة التجعدات وانثناءات الجلد. النحول الحاد يحفر اللحم حول عظامها. الجفنان المتهدلان على عظمة الخد المجوف، والحواجب البيضاء المكحوتة، وتصحُّر القسمات الذي يذكر بوقوفك على عتبة باب تطل على صحراء في صيف حار. تستطيع استشراف ثقل تاريخها الطويل من خلال دراسة جلدها الذي يتكسر مع كل سنة تقضيها، مخططا على شكل مسطح رمل تُجعّده ريح هادئة. كانت مستلقية على السرير، والفجر يدخل طفحا أزرقا شاحبا، وهي تحاول أن تنطق بصعوبة اسم ابنتها الكبيرة النائمة بجانبها، فيتحشرج في حلقها ويتوقف. ولذا تحدق في الزرقة الطفحية الشاحبة، وهي تثقل أكثر مثل لون زيتي، تحاول ترطيب حلقها بلعابها الذي تبلعه، ثم تقول: مها. ولكن صوتها ضعيف جدا لدرجة أنه لا يحدث صدعا في السكون، يضرب ويتكسر ويتلاشى، وتحدق في الطفح ينتشر، ويمر على وجهها فيلوّن قسماته. تقوم ابنتها بعد ساعة تقريبا، تساعدها على النهوض، على الذهاب إلى دورة المياه والتبول والتبرز والوضوء، ثم يصليان معا. كانت ترد بإيماءات على أسئلة ابنتها، وجسدها بأكمله لوحة معبرة ودقيقة لما بعد انهيار طويل ويومي. لقد جلست في العناية المركزة 20 يوما، لم تكن أول أيام تمضيها هناك، ولكنها كانت الأغرب. وصلت إلى مكان لم تعد فيه موجودة، وصار الألم وغياب الإحساس بالألم يتناوبان إلى درجة تذكرها أنها لم تعد تنتمي إلى هذا العالم، وأن كل شيء يقترب من نهايته، ولذا اقتنعت في لحظات الصحو أنها النهاية، وحدقت في أوجه أبنائها وأحفادها للمرة الأخيرة. ولكنها مع مرور الوقت، كانت لم تمت بعد، وفي يديها أسلاك وبجانب رأسها طنين وعلى عينيها غشاوة وفي حلقها جفاف متجرح، ولم تفهم. كان كل شيء مقررا، حتى أنها حلمت بوالدها وزوجها وعماتها وأخواتها، بل وبأمها التي لا تذكرها جيدا. كانت أمام قصر طيني كبير يطل على مساحة مفتوحة شاسعة، وأبوها وزوجها وأمها وعماتها وأخواتها وصديقاتها في الزمن القديم يتداخلون في المشاهد بطريقة غامضة لا تذكرها، تكتسب طبيعة لاسياقية. تتذكر فقط رائحة البر والتراب والنخيل، وتتذكر الملامح المميزة للأشخاص الذين كانوا، والذين ينتظرونها، وحركة الأفواه اللامصحوبة بالكلام، والانطباعات الحلمية اللامعرفة التي تنطبع في ذاكرة الرائي المغبشة ووجدانه، وكانت هي في الطريق إليهم، أو أنها معهم، أو أنهم جميعا مع بعضهم، ثم استفاقت هنا، في هذه الغرفة، وهي لا تفهم. مرت أيام وهي لا تتحدث، تتعاقب بناتها السبع على زيارتها ومرافقتها، ثم بدأت بالتحسن، وانشدت ملامح وجهها أكثر، وصارت تتنفس بشكل أوضح، وحينما تنطق اسم ابنتها كان يحدث صدعا في الصمت، كما كان من قبل، أو أكثر. أبوي هو اللي علمني. تقول لحفيدتها التي أتت عصرا مع أمها. حتى يوم أعرست بتلت أصيد، أميمتي ماتت وانا جذعة وأبونا اصلا خوي ابوي بيني وبينه 25 سنة، مع انهم ما يتشابهون أبيّي هادي وحبيّب وحكيم، حطني عنده ورحت لبيتهم قصر الخالد جنب حاير الحقيل، وكان أبوي يمرنا العصر في قهوتنا يوم وأبونا يمره في قهوته يوم. استوقفتها حفيدتها: اصبري يا جدة أبونا هذا منهو الحين لخبطتينا؟ فشرحت والدتها وهي تخرج الترمس من السلة: أبونا يعني زوجي. وأكملت الجدة: إيه أبونا يعني أبو العايلة، مهوب رجلي والا زوجي، رجلتس هو أبوتس، المهم، هاك النوبة أبوي جاينا العصر، وقعدنا في القهوة، وأثاريهم يبون يطلعون يصيدون، إلا وأنا أنشب فيهم غديني أخاويهم، كان عمري 17 وتوي حاملة بمساعد واونس وجعن في ظهري مثل السكاكين، بس ما أطلدزتهم وهم يهزّبوني وينابزوني ويقولون لي يا دبشة ويا صحيّحة ويا تسذا وتسذا وأنا ما علي منهم ناشبتن فيهم مثل العصبة، ألين قالوا تطلعين معنا خلاص وطلعنا صبح الجمعة، صدت هاك اليوم أكثر من أبونا وقال لأبوي عز الله بنتك هالدبشة فشلتنا، كانوا اذا بغوا يحارشوني يقولون صبي القهوة يا دبشة جيبي مويه يا دبشة سوي وافعلي يا دبشة، صار إذا قالها لي نوبتن ثانية أقوله الدبشة صادت أكثر منك، فيرجمني باللي في يده إذا صار معصب والا يقعد يضحك، مرة من المرات فلقني هنا وصعرر راسي مثل القرع. وأشارت على موضع من جبينها. ثم راح واشترى لي بقل من البدو اللي ورانا بيراضيني به، الله من زين الترضاة الله يرحمه. أطرقت قليلا وطالعت في حفيدتها التي تبتسم: كم عمرتس أنت الحين؟ فردت: 16 سنة. فأكملت وهي تأخذ الفنجال من ابنتها: إذا طلعت بنروح للنزيّه ورى مزارعنا أول هي أزين محل، وبعلمتس وشلون تصوبين حتى اني بجيب بندق أبونا المقمع، للحين عندي جاذيتها قبل كم سنة، والمرة الثانية اذا رفع أبوكم حسه على امتس تشوتينه بوحدتن في مكوته. حوقلت ابنتها وضحكت الفتاة. قالت الابنة: اللي يسمعك يقول طخيتي ابوي، راح عمره وهو يسميك دبشة ولا سويتي شي. فقالت بجدية: ومن قال اني ما تحسفت ليتني شايتّه بوحدتن في مكوته. التفتت الابنة على الحفيدة وقالت: لا تلعب عليك، كانت تحتريه كل ما سافر وتكتب فيه قصايد وتوزي له القهوة الزينة وتعطينا الغسال واذا رجع مغير تدلله وتدلعه وتسحب علينا. ردت وهي تفتعل الدهشة: تخسين والله. كانت الغرفة قد بدأت بالاكتظاظ، الجميع أتى تقريبا، الكثير من الأصوات والأوجه والألوان والقبل، وأكبر أبنائها مساعد الذي تجاوز الستين من عمره يقول لها إن الطبيب قد يكتب لها الخروج بعد يومين. ولكن بنهاية اليومين تلك، عادت الأسلاك إلى جسدها، واستجدّت تلك اللحظة الأبدية التي توحي بنهاية لا تحين، وهي تفيق من جديد وضوء الفجر منسكب على وجهها، وتعجز عن تحريك أي أصبع في يدها.

يدها اليمنى تحفر في تراب المحالة على حافة النخيل لتُحدث فراغا قمعيا. زوجها هناك، يتعلق بنخلة طويلة، ويصرم العذوق. تستطيع رؤيته من بين الأشجار، الجسد الضخم فوق الشجرة، مثل حيوان. كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وتخضّر يوميا في المحالة. تعود إلى البيت الطيني الكبير الذي يجمع عوائل الإخوة الثلاثة فوق الخفس حيث تمتد المزارع، تصعد مرتقى صخريا مثل الدرج. الوقت في آخر الضحى، والشمس تضرب بقوة. ترفع شيلتها في خلوة المسير الحار، فينسدل شعرها ثابتا على جبينها المتعرق في الهواء الساكن. خارج البيت الطيني، أم زوجها تخض الحليب، والبقرات تتجول مثل مراهقات. الفتيات الصغار يتوزعن عشوائيا. يتعشون سويا، النساء داخل البيت الكبير والرجال خارجه، تراهم وهم يجلسون في الهواء الطلق. ثم يدخلون للنوم. تنام مع زوجها في غرفة صغيرة، وبجانبها ابنها مساعد. لم يكمل شهره العاشر. حينما يبكي يلكزها زوجها ويقول يا مَرَة قومي، فتقوم. تأخذه أحيانا للسطح، وتجلس هناك. تقول إنه يحب النجوم، وإنه لا يصمت إلا هناك، فتجلس بعينيها المنتفختين بسبب النوم، تحدق إما في السماء المرقعة بالحبيبات المنيرة، أو في امتداد الصحراء الملون بأضوائها، وهو أمام صدرها، يتلقف ثديها أحيانا، ويشرب، وهي تنعس، وتنام وحلمتها في فمه، ثم ينام هو، ويظلان على هذه الحالة حتى تنتبه بعد مدة. أحيانا تلاحظ شهبا تتساقط، تبرز مثل طير شديد السرعة، وتفكر بابتسامة إن كانت تستطيع صيده بالبندقية. تصنع الحصير مع الزوجات الأخريات والأخوات غير المتزوجات في الظهر. الكثير من الضحك والنميمة والأسماء والتقريع، خصوصا بين الكبيرات. عمتها تقول لها وهي تقرص أذنها بخفة: فيتس كسل لو وزعناه على أهل الدزابلة تسفاهم، خوصي خاصتس بليس. تريد هي والفتيات الأخريات الخروج، ويخططن للذهاب إلى شعيب الخويشات، وينجحن في التسلل أول العصر، وتتذكر أن تلبس عباة مختلفة وتغير طريقة مشيها، ويمررن بجانب والدها التاكي عند دكة العزيزي بجانب التل، ويسبحن في الشعيب الممتلئ عن آخره، ويخبرها والدها غدا في قهوة زوجها: أنت اللي مارتن أمس أعرفتس لو تغيرين مشيتس وتَندِسِين مثل الضب. ويوبخها زوجها: الحين ما قلت لكن لا تسبحن بلحالكن ثم تغرقن علينا ونبلش بكن. فتقول بوقاحة: أعرف أسبح أزين منك. ويتظاهر هو برجم الفنجال عليها فتحمي وجهها بيديها ويمده وهو يضحك: خذي لعن الله ابوتس. فيرد أبوها عليه: لعن الله ابوك أنت. يضاجعها في ليال ينام فيها طفلاها الآن مع الأطفال الآخرين، وتختفي تحت جسده الضخم، وهي تغرس أصابعها في ظهره، وتكتم صرخاتها المحشورة في حلقها، وتنام في حضنه، مثل صوص صغير. تذهب كل يوم جمعة إلى بيت والدها لترى أخواتها المتزوجات وإخوانها. وتحمل بالطفل الرابع. الحج، في اللوريات المسقوفة بالخشب، وسقوط جارهم الصالح من أعلاها أثناء الوقوف عند الميقات وظهور جسده الضخم عاريا بأعضائه التناسلية الصغيرة. الكعبة والبكاء عند مقام إبراهيم. وفاة والدها، وأيام البكاء الثلاثين، وزوجها وهو يجلس في القهوة عصرا، ويجهز الدلة بنفسه، وتدخل هي، ليصب لها الفنجال بصمت، وتحدق فيه، وفي المكان الذي يفترض أن يجلس فيه والدها، بينما يحدق هو في الفراغ بملل منهك، ويروي قصة قديمة جدا تجمعهما، حينما كانا صغيران وسبحا لأول مرة في شعيب المزرب، ولاشيء فوق جسديهما إلا الماء والشمس. وينتقلون إلى المدينة. زوجها يضطر للعمل فراشا في البلدية. تخرج كل عصر تقريبا، ويصرخ فيها: قسم بالله لأحش رجليتس حش فشلتينا كل يوم طالعة راعصتن عباتس على مكوتس. فتركد أسبوعا ثم تعود للظهور. اجتماعات العصرية تحت مكيفات الشباك الهادرة والفصفص والنميمة، وساعات المشي وهي تحمل طفلا وتجر آخرين في شوارع الحارة نحو منازل أم محمد وأم عبدالله وأم ناصر. يبدأ الشعر الأبيض بالظهور مبكرا، مع الطفل السابع تقريبا. تعصد الجريش في اجتماعات الجمعة، وتصرخ في بناتها وهي توجههن بصوتها المجلجل، والمطبخ يضج بالصخب والأصوات والألوان والعرق والنقمة والمشاعر. رمضان، لحوم الأعياد، عملية الظهر لزوجها، زواج أول بناتها والعرس في الحوش الخلفي والبكاء عند الباب وقت الوداع. توظُّف مساعد معلما في الخرج، الرحلة لمكة بسيارته الكراسيدا، حيث الطريق السريع الذي يخترق صحراء مطلقة لا حدود لها، الميقات، وسالفة جارهم الصالح بأعضائه التناسلية الصغيرة تُروى من جديد وسط ضحك هستيري، الكعبة، والبكاء مرة أخرى عند مقام إبراهيم وهي تقول يا حبني له الله يرحمه. وفاة زوجها بالجلطة وإصرارها على تركه يوما دون دفنه لتنفيذ وصيته بالتأكد من وفاته، على خلفية وسوسته النابعة من أقاويل سمعها وهو صغير عن أن أحد أخواله دفن حيا ظناًّ بأنه قد توفي. زواج بناتها وأبنائها، تناقصهم، ثم اختفاؤهم، وجلوسها في البيت لوحدها، وتوزيع أيام الأسبوع على البنات للمجيء إليها يوميا منذ العصر، وجَمعة قهوة المغرب الثابتة للأبناء كل يوم. وهكذا.

تقيأت في وسط دورة المياه دما في اللعاب المخلوط بسوائل الشوربة والماء والأدوية. تجفَّر وجهها مع الوقت، وعلا سحنتها استنزاف عقود من الحركة تنتقم بأن ترسم على وجهها زرقة تشبه أثر اللكمات، وتقمصت نظراتُها زوغانَ الحيرة التي تحدث لشخص سقط خارج زمنه، ولم يعد يدرك شيئا مما حوله. لا تأكل شيئا، وتنحف حتى يلتصق جلدها بعظمها، وترى قفصها الصدري حينما تحممها ابنتها أو الممرضة مثل أشجار مزرعتهم المتراصة وبينها السواقي، حينما كانت تراها من فوق بيتهم الطيني على التل بجانب خفس المزرعة. تنام بصعوبة وتستيقظ وسط الليل، وهي ترى حوافا وتميز ألوانا وتسمع وشيشا، ويبدؤ الشك يفرض نفسه في كل شيء حولها، هل ترى ما تراه أو تسمع ما تسمعه فعلا؟ وتشاهد ظلا بين النوم واليقظة لشخص عملاق، وتقول بصوتها المبحوح: يبه؟ ولكن شيئا يجرها للنوم، وتنام 20 ساعة، وتنسى أنها رأت شيئا. تعجز أحيانا عن فتح فمها بسبب انعدام الريق، وكأن صمغا يتفزر من لثتها، ويصير لفتح الفم إجهاد مضاعف يبدو غير مجد، فتبقيه مغلقا وتصمت. يزورها أخوها الكبير سعد ذات عصر، في الثالثة والتسعين من عمره ويدفه شاب على عربية، لم تره منذ أشهر، تفز من استلقائها وجسدها مفكك بالكامل، ولكنها تجر عظامها لتجلس مستوية وتحاول تقبيل رأسه أثناء سلامه عليها، ويجلسان هناك، تحاول أن تشرح له مستجدات حالتها، ولكنها تتوقف بإنهاك في منتصف الحديث، ويصمت هو، ويسألها أسئلة عامة، وتجيب هي بصعوبة تدفعها للرغبة في انتهاء الكلام، ثم ينتهي اللقاء بأن يقبل رأسها وهي تحاول تقبيل رأسه، ويذهب. تذهب ابنتها في الساعة الـ12 ليلا، وتبقى هي لتنام، قبل أن تأتيها ابنتها الأخرى صباحا. جوالها الذي أتقنت استخدامه منذ مدة بجانب رأسها، تأتيها رسالة من أصغر أبنائها خالد، تعرفه بصورته، يدرس في أمريكا، في الأربعين من عمره، يسجل لها كل ليلتين أو ثلاث ليال رسائل صوتية، ينشد لها شعرا أو يقص عليها قصة أو يتحدث فقط. ولكنه الآن أرسل رسالة نصية، حدقت فيها، وأحست بذعر، ترى الأحرف أمامها، متراصة في سطر واحد، ولكنها لا تعرف ما المكتوب، وتفكر في أبشع الاحتمالات. قامت بصعوبة من سريرها. كانت قد تبولت على نفسها قبل قليل، فقامت الممرضة بإلباسها ثوب الفحص الطبي الذي يُربط من الخلف، بعد أن أخذت ابنتها جميع ملابسها لتنظيفها وإعادتها غدا. خرجت من الغرفة نحو الرواق المظلم. لا صوت يسمع في جناح الترقيد، عدا رنين خافت لأجهزة بعيدة ومكممة وراء جدران، ومن المسافة تلوح طاولة الاستقبال الدائرية. تسير بخطوات قصيرة، ممسكة بجوالها، حتى تصل بعد دقائق، فتفز الممرضة مرعوبة وتقرّعها على فعلتها وعدم ضغط زر الاستدعاء. لا تهتم بها، تمد جوالها لها، ولكنها بالطبع لا تعرف قراءة الرسالة. تغضب، وتطالب بحضور أحد يقرأ الرسالة، ويُسمع صوتها المبحوح المجرح خارج الجناح في ذلك الوقت المتأخر من الليل، ويدخل طبيب شاب، فتذهب إليه، وهو يحدق بذهول فيها، بينما تمد له الجوال وتقول بغضب: دوك اقرالي الرسالة. كان شعرها منفوشا وواقفا مثل أسلاك متشابكة، نحرها المتيبس ظاهر في الغالوقة الدائرية المتوقفة عند بروز صدرها، وهي تقف أمامه حاسرة تماما بنظرات حادة زائغة. يأخذ الجوال، ويقرأ الرسالة: اللي عند أمي يعلمها انهم أجلوا رحلتي للجمعة بدل الخميس جوالي خربان مكرفونه. تسأله بتفكر: ما قال ليش؟ فيرد الطبيب المرتبك: لا يمه ما قال. فتهز رأسها مهمهمة وتقول: شكلهم أجلوا مناقشة رسالته. وتأخذ الجوال. تستدير والممرضة ترافقها، ويستطيع الطبيب رؤية ظهرها ومؤخرتها تظهر من خلال فرجة القميص غير المغلقة بإحكام، جلد متجعد ومتصحر على عظم بارز. ويعرك جبينه وهو يستغفر، ثم يضحك بخفوت وتأنيب ضمير وهو يهز رأسه ويهمس: الله يلعن شيفت الليل.

كان الوقت عصرا، وقد نجحت في إقناع والدها، رغم اعتراض والدتها، بتعليمها السباحة في القليب وسط المزرعة. هذا هو اليوم الثالث. ربطها بحبل، وأخواها الأكبر منها يحارشانها: بتغرقين يا دبشة. فترجم أحدهما بالنعلة ويركل الآخر مؤخرتها. يتحركون كلهم حول الأب الضخم مثل الأصواص. يدلّيها في البئر الواسع، حتى تصل إلى الماء، ويظل ممسكا بالحبل، ولكنه يرخيه لتجدف بيديها. تطافش أولا في الماء، لا يمكن رؤيتها بوضوح في القعر المظلم، مجرد حواف، ولكن ضحكاتها تصل إليهم، قوية وحيوية ملحوقة بصدى يجعلها وكأنها تضحك بمئة صوت. يرخي الحبل أكثر، ويعطيها تعليمات، وقد بدأت تجدف، وتتحرك في دائرة القليب. ثم يسحبها، وهي ناقعة بالماء، تضحك وتقفز حول أبيها وهي تجر ثوبه وتخبره بكل ما حدث هناك في الأسفل. كانت في الثامنة من عمرها. ساعدت والدتها وأخواتها الكبار على الغداء، وفي العصر ذهبت مع بنات الخالد الصغار – أخوات زوجها لاحقا – إلى شعيب الخويشات مع أخيها سعد، يتراكضون حوله وهم يقطعون الطريق الذي يتجاوز كيلومترا إلى مصب مزارع العثمان، حيث هناك زوجة سعد، وحيث هناك الشعيب. تخبرهم أنها تجيد السباحة الآن. وينزلون ليسبحوا في الشعيب. وتجيء بنات العثمان أيضا، يلحقهن طفلان صغيران في الرابعة والخامسة. تضحك البنات عليهما، فيرجمانهما بالحصى، تخرج اثنتان منهما نحوهما فيهربان، ثم يعودان ويقفان ليراقبا البنات يسبحن. تخرج هي هذه المرة وتأخذهما بيديها، وتجرهما وهما مترددان ليسبحا في الماء الضحل عند اليابسة، تخلع ملابسهما، ويتشبثان هما بيديها. في الليل كان الجميع هناك، أعمامها وأبناؤهم وبناتهم في عشاء ليلة الجمعة. الحريم في القصر الطيني والرجال خارجه. تجيء هي للجلسة وتجلس بجانب والدها الذي يتجاهل البقية وينفرد ليسولف معها. يقول سعد: بنتك ذا العوبا أعوذ بالله منها، تراها تفصخ عيال العثمان اليوم في الشعيب. فيضحك والدها والبقية، ويضيف سعد: الله يرحم حال اخواتي وانت تجلدهن بالعسيب وذي في صدر المجلس. فيقول والدها: العسيب ما يجي إلا اللي يستاهله واذا استاهلته ذا العوبا يجيها مثل غيرها. ثم يسألها مؤشرا على القهوة والتمر والبقل: آمري وش تبين؟ فترد: أبي كل شيء.

كان الدور على أصغر بناتها، في الـ35 من عمرها. جاءت في الصباح الباكر. وجدت والدتها تجلس على كرسي أمام النافذة، وفي الغرفة رائحةٌ تصرع. كانت قد خلعت حفاظتها للذهاب إلى دورة المياه، ولكن في المنتصف، فقدت السيطرة، وتبرزت على نفسها، لتتساقط قطع على الأرض. كبحت ابنتها قيئا صعد إلى أعلى حلقها. اقتربت من أمها، كانت تجلس تحت النافذة، والشمس تغسل شعرها، وتلون جلدها، وكأنها تنبض نورا، وتحدق أمامها في حالة استسلام تامة، وقطع براز سائحة تنتشر متفرقة على الأرض. أخذت بيدها، وهي تحادثها مثل طفل، وضغطت زر استدعاء الممرضة، وأدخلتها دورة المياه، وبدأت تنظفها وهي تبتسم لها مثل طفل وتخبرها أن هذا يحدث وأنها جاءت بـ11 طفلا وأن مثل هذا ليس غريبا عليها بل وطبيعي. كان البراز يغطي فخذيها، ويلطخ قميصها. على وجه ابنتها يعلو تعبير خليط من الصدمة والتقزز، فهذا مختلف، وتستحث الصورةُ هذه صورا مناقضة في الذاكرة عن قوتها وجبروتها قبل سنوات بعيدة، حينما كانت، ويتعالى التعبير المرتبك على وجه الابنة، الذي يدرك أن هذا شيء لا ينساه المرء بسهولة، ويحفر رعبه الخاص فيك وفي مخاوفك الخاصة واحتمالات أن تكون يوما ما على الطرف الآخر. أما هي فلم تعد تستشعر ذلك بقوة، لقد تعرت ولوثت نفسها ولُمست في كل مكان وصارت هدفا مكشوفا عشرات المرات طوال أكثر من سنة. في أول الأمر، وتحديدا في الطيحة الأولى، كانت حينما تشعر بمهانة وثقل كل هذا، توبخ الأطباء بعصبية: أنتم الحين وراكم ما تخلوني أموت زي خلق الله؟ ثم تسرد لهم أموات العائلة. أبوي مات في حزته، دخلوا عليه لقوه طايحن على الأرض وميت، أبونا ارتفع عليه الضغط ومات بعد يومين، أمي جاها لاوي وذبحها في اسبوع. أما الآن فصار تبلد منهزم يغلبها حينما يحصل أي من هذا، وعلى ملامحها صمت زائغ مطرق، لا تعبير فيه تقريبا، وكأنها لم تعد تفكر في الموت أصلا، وصارت هذه الحالة تبدو حكما أبديا، وهي تمضي فيه دون تفكير.

القهوة تقع في زاوية البيت الطيني، على جدارها نافذة كبيرة تطل على الخارج، ومن خلالها تستطيع رؤية النخل في المزرعة. تقف أمامها، وتحدق في السعف الذي يتحرك مع الهواء. في الواحدة والعشرين من عمرها، حامل بطفلها الثالث في شهره الأخير. يُقرّعها زوجها: عقلتس رايح وش بلاتس. وتعطيها أم زوجها شرابا تتقيأه فور أن تشربه. حينما يدخلان، زوجها ووالدها، لاتزال هي واقفة أمام النافذة، تراقب سعف الشجر المتشابه بجانب بعضه. يجر زوجها يد والدها ويهمس: شف. ويراقبانها. تقف هناك ببطنها المنتفخ، وهي تحدق من النافذة نحو الخارج، في السعف. تحس بهما فتلتفت بنظرة حادة، يحدق الثلاثة في بعضهم ويقول والدها باستغراب: وش فيتس؟ فتحدق فيه ثم تقول: ما فيني شي. ويقول زوجها: ما قلت لك، لها شهر مهيب صاحية. ولكنها تتجاهلهما وتجلس بصعوبة أمام الدلة، فيجلسان في موضعيهما المعتادين. تصب فنجالا لوالدها وتمده، ثم فنجالا لزوجها وتمده، وتضع الدلة. يراقبانها. يسألها زوجها: منتيب شاربة؟! فترد: ما أشتهي. فيقول والدها: لا عز الله مهيب صاحية، ما يقحن الدلة الا انت وش السالفة؟! ولكنها تتجاهلهما، ثم يستسلمان للأمر، ويستكملان حديثهما حول أنباء سفلتة طريق من المدينة إلى هنا. وهي جالسة، متكئة على مركى خلفها، ولا تتحدث، أو حتى تنصت. تحدق في الفراغ أمامها.

 

————————————-

 

كان الوقت في منتصف العصر، والبحر في خليج سلمان بدأ بالاكتظاظ، ولكن ليس بعد. والدها يركب مع عمها قاربا حوافه خشبية مطلية بصبغة بيضاء متقشرة، وهي تعوم سابحة بجسدها الصغير وراءه وقد بدأ يبحر. كانت تلك أول مرة تسبح في البحر لوحدها هكذا، مبتعدة عن الشاطئ وعن أمها وأخويها وأختها. يعوم بها متموجا وهي تحس بعمقه معتدل البرودة في آخر الشتاء يغطي جسدها بالكامل، مختبئة داخله وتراقب العالم برأسها البارز الذي ينغزه الرذاذ المتطاير. يطلي الماء ما بين فخذيها وبطنها وصدرها ويتوقف حول رقبتها، مثل طبقة جلد آخر، وتحس به فعلا مثل جلد، وتباعد بين أصابع قدميها في العمق ليتغلغل الماء ويرطب غشاء الجلد الرقيق الذي تنتهي إليه أعصاب تصل دغدغتها إلى المخ فيرسل نبضة ارتعاشة ملتذة لكافة الجسد. الشمس دافئة وساطعة تتلألأ فوق السطح المائي، وهي تسبح بيديها الصغيرتين وراء القارب، ومن المسافة يبرز والدها الواقف على حافته وهو يركع منشغلا بربط شيء ما، ويتصاغر في البعد، وهي تسبح، تخبط بيدين في الماء وتحرك ساقين في العمق كأنها زعنفة صغيرة. وحينما رفعت رأسها المبلل متوقفة كان القارب قد اختفى، وكل ما يبرز هو رقعة ضوء منبعثة من انعكاس الماء المتموج، الذي يمتد شاسعا، لا قوارب في بعده المتشابه الأزرق. ظلت واقفة تعوم، في حفرة الماء معتدلة البرودة تلك، واليابسة خلفها تنكتم في البعد ويصل منها همسٌ ومخارج حروف متداخلة على شكل هسيس يتكمم في رجرجة البحر الراكدة وتلوح على شكل نقاط معتمة ومتعذرة الحواف والملامح. سمعت صوت والدها، واضحا: لا تبعدين عن الشاطي. لم تكن تستطيع رؤيته، كان مختفيا وراء الزرقة المشعة، ولكن صوته كان واضحا، يأتي من المكان المتعذر رؤيته: لا تبعدين عن الشاطي. مجرد صوت، تحمله الريح مع الماء، واضحا وصافيا ونقيا، وكأن الصوت يخرج من داخلها، من أذنها، من ذاتها. لا تبعدين. وهي تعوم في مكانها، وكل ما حولها أزرق ومشع.

كان الظلام دامسا في الخارج، وصوت المؤذن يأتي رقيقا وناعسا من مكان بعيد. خرجت من غرفة النوم في الفندق بجانب البحر في الخبر، وألقت بجسدها على كنبة الصالة الصغيرة، حيث يأتي ضوء خافت من دفتي الشرفة الزجاجيتين. تعلم أن زوجها يستلقي هناك على السرير، ولكنها لا تستطيع رؤيته في الظلمة، وتسمع صوته، يشخر بصوت خافت كأنه خنزير صغير. ظلت جالسة للحظات، شبه عارية. ثم قامت وأصلحت لها شايا بالغلاية الصغيرة، ولبست بيجامة، وخرجت إلى الشرفة في الدور العاشر، حيث هنالك لفحة هواء معتدلة البرودة، وجميع الأشياء تبدو عليها ملامح النوم العميق، الغرف والشارع والبحر المركون في السواد، ووقفت هناك. ثم عادت إلى الداخل، تسللت وأخذت بكت الدخان من ثوب زوجها وهي تختلس النظر إليه، أو إلى الظلمة التي تحتويه، ويخيل لها أنه ينظر إليها من هناك، ويختار أن يصمت. ثم عادت إلى الشرفة، وبدأت تدخن وتشرب الشاي، متكئة على السياج الحديدي.

جاءت تركض إليه حينما عاد من القارب، وقد رسى به على الشط، ونزل قافزا منه وهو يحمل أشياء في يديه. لم يتبعها أخواها وأختها، كانوا منشغلين بالعوث في الطين. نطت نحوه بحماس وهي تردد: يبه هناك في البحر وأنت سمعت هذا. الكلمات تزدحم بكثرة فتجد صعوبة في ترتيبها، كانت في العاشرة ولم تتقن بعد عملية التعبير الأوتوماتيكية، خصوصا في لحظات الانفعال. كان يفك أكياسا ويربط حبالا ويقوم بأشياء كثيرة تزغلل عينيها، لم ينتبه لما تقول واكتفى بأن يقاطعها قائلا بابتسامة متباهية: تعالي تعالي شوفي وش صدت. وقد نجح ذلك في إغرائها ونسيت قصة الصوت، واستغرقت في رؤية سمكة هامور كبيرة، أقصر منها بقليل. تحدق فيها بفمها المفتوح المبالغ فيه بدراماتيكية طفولية. كان أبوها، في الخامسة والثلاثين من عمره، يحمل السمكة بيده مستعرضا بفخر، تبرز من ساعده وأمام أكمام ثوبه المثنية عروق منتفخة، ويلوّن وجهَه شعرُ لحية غير محلوق منذ أسبوعين، وفي قسماته وعضلاته وسحنته قوة ذكورية وحشية لازالت تتذكرها، وهو يجثو هناك، يمسك السمكة حتى تراها، مبتسما عن أسنان بيضاء في وجه مليء بالدم والفتوة، ولا أحد حولهما، هما فقط، والسمكة، وهو يقول: شوفي وش جبت لتس. بعد ذلك بسنوات، في إحدى ليالي شهر العسل، كانا في فندق في منطقة بيليك شرقي الأناضول، وأخبرته بالقصة. لم تكن قد سافرت من قبل إلى الخارج، في الثانية والعشرين من عمرها، وتستلقي بجانب رجل وسيم وقوي ينصت لها، وهي تلتصق به، بينما يفوح منه مزيج رائحة تحبها، عبارة عن عبق منطفئ لعطر ناعم ودخان سجائر بارد. تقول إن السمكة التي اصطادها كانت أكبر شيء رأته، طبخوها في تلك الليلة، وجلسوا أمام البحر والنار يأكلونها. أنصت لها ولكن القصة انتهت عند هذا الحد، فلم يكن واضحا لأي منهما ما يمكن استخلاصه منها. لازالت تذكر تلك الليلة جيدا، كانت من أسعد الليالي التي مرت بها. مارسا الجنس ثلاث مرات في ليل ربيعي عليل، في مكان ساحر بعيد، بعد أن هدأت وبدأت تعتاد عليه عنها وتوقفت عن البكاء، والبحر المتوسط تحتهما يعوم أمامهما ويُسمع صوته من الشرفة المطلة. أخبرها أنه يحبها، وأنه لم يضاجع امرأة قبلها، وقد صدقته، كان حياويا رغم صلافته. نزلت في منتصف الليل بعد أن نامت قليلا واستيقظت ولم تتمكن من العودة للنوم. مشت على امتداد الشاطئ. هنالك جماعات تفترش الرمل وتوقد النار وتسهر هناك، تخترق أصواتهم ستر الليل المتواطئ مع أشيش البحر. وضعت قدميها في ماء المتوسط، وقد كان لطيفا وباردا، وفكرت في السياق الذي دفعها لأن تقول تلك القصة، ما الذي جاء بها وهما مستلقيان على السرير؟ فتذكرت أنها كانت ستخبره بقصة الصوت، ولكن لسبب ما، لم تقلها، ربما نسيت، بررت لنفسها. كان والدها يبعد عنها بمئات آلاف الكيلومترات، لقد أجرى عملية تركيب أسياخ في ظهره بعد حادث سيارة سببت خللا في فقرات عاموده الفقري، وبدأت تحنيه حدبة تتقوس ببطء تحت رقبته، وقد أكمل الخامسة والأربعين.

جثت بجانب السرير، أمام وجه زوجها في العتمة، وهو يبدو لطخة غامقة. سلمان. همست، وكررت، حتى أصدر صوتا. وش؟ وحينما انتبه أنها ليست مستلقية عن يساره، وإنما أمامه على جانب السرير، اعتدل متكئا بذهول على مرفقه بين النوم واليقظة: وش صار؟ ضحكت: ولا شي. سألته: ما تبي نقوم ننزل نقعد شوي ثم نطلع نفطر؟ ظل يحدق ولحيته القصيرة مبعثرة، وكأنه يبحث عن أي أثر للشمس فلا يراه. صاحية انت؟ تعالي نومي بس. وعاد للنوم. لبست ثيابها وعباءتها وأخذت ثلاث سجائر من بكت زوجها، وخرجت. الفندق لا صوت فيه تقريبا. البهو مضاء بشكل كامل، وفارغ كليا، ووسط كل هذا الضوء تجثو طاقة نعاس ثقيلة. خرجت وسارت طويلا، قرابة 5 كيلومترات، حتى وصلت إلى البحر. زرقة الفجر قد طفحت حبراً في السماء، وبدأت تجف. ومن الشرق، وراء البحر، هنالك خيط شعاع يبرز، ولا أحد هنا في الشاطئ، هي والماء فقط.

كان والدها يشتغل في البيع والشراء. يسافر كثيرا. يختفي لأسابيع ثم يعود بشعر لحيته النابت وجسده الضخم وقد علت سحنته صبغة سفر ثقيلة. قصصه التي كان يرويها عن الطرق السريعة التي قطعها ونام في بعضها والناس الذين قابلهم والقرى والمدن التي مر بها لا تكاد تنتهي. عاد في يوم من أيام الربيع، بعد غياب أطول من غيره، ليجد أن ابنه الأكبر ممسوك في قضية حيازة حشيش. أخرجه من السجن، وجاء به إلى البيت، بصمت، ثم ضربه أمام كل أهله بطريقة وحشية. كانت في الثانية عشرة من عمرها تقريبا، وتتذكر المنظر المخيف، بعقاله الصوف الثقيل، يضربه بحقد، والعروق تتفزر على وجهه القوي، وهو يضربه، والفتى يحاول الهرب، بينما يلاحقه ويحشره ويضربه مثل حيوان مسعور، والجميع يحاول التدخل ولكن دون فائدة. لم تكن أول مرة، ولكنها الأعنف. طوال اليوم، الجميع تقريبا يتجنب الحديث إليه، وهو يجلس، وكأنه لا يبالي. يأكلون ويشربون قهوة المغرب، والأخ المجلود مختف عن الأنظار. تجلس في ربعة الغرفة، وتحل واجبها قبل العشاء. تلبس قميصا جديدا اشترته له والدتها، وتبدو جميلة للغاية فيه. لمحته وهو ينظر نحوها بطرف عينه نظرة نافذة متأملة، يقرص شفته السفلى بإبهامه وسبابته، والتلفاز يستحوذ على الصوت وتتداخل معه أصوات من المطبخ بعيدة ومكممة. فور أن لاحظها تلاحظه عاد محدقا في التلفاز، وهو يقرص شفته بإبهامه وسبابته. كان على منظره أثر السفر، لازال عالقا في سحنته بل وثيابه المغسولة، لم يُنفض عنه بعد ولم يحلق لحيته، وكأنه يتوقف فقط وسيرحل قريبا. انتهى الصوت في التلفاز وحل مكانه آخر فأخبرها: طفيه. قامت وأطفأته وعادت بثوبها الجديد. وحل صمت، وهي تكتب واجبها. في ذلك الجو الغريب، تذكرت قصة كان قد أخبرها بها قبل سنة أو سنتين، لا تذكر، كان قد تغدا للتو معهم بعد أن حلق لحيته إثر رجوعه من السفر، تراه لأول مرة منذ شهر وقد جلب معه مكسرات من الطائف، وابتدأ القصة وهو متكئ بظهره على مركى بشبه استلقاء، بينما تجلس هي بجانبه: أمي كان معها ليّ، لي المزارع اللي أول أعرض من رجلك، ما لحقتي عليه. والده توفي وهو في الثالثة عشرة من عمره، وربته مع إخوته الثلاثة الأصغر منه أمه التي تزوجت لاحقا ابن عمها. كنا نلعب في السكة، وهاك اليوم شتنا الكورة على دريشة بيت أبو محمد جارنا وانكسرت، طلعت جلدتنا وليصتنا بذاك الليّ تلييص، كان عمري 15، كبر الثور، وكانت تضرب فيني بالليّ ضرب ألين انطبع الدم على فنيلتي من ورى، ثم خذتني لأبو محمد وقالت دوك اياه، يوم شافني تروع الرجال وقال ما تسوى خلاص، في الليل كنت أصيح من الوجع خذتني وغسلت الجروح اللي ورى وقالت لي عيب تصيح وسولفت معي وقالت أنت رجال البيت ولازم تسترجل وما يصلح أمك تضربك. أطرق لحظة وهو يبتسم بوجهه المحلوق الكبير الذي يطفح بالشبع والصحة. بعد كم اسبوع كسرنا الدريشة الجديدة اللي ركبها أبو محمد. وضحك هنا وهو يتكئ على المركى ممسكا ببيالة شاي على بطنه. جت أمي بتلزخني بالليّ فجريته منها وجدعته، ثم رحت لأبو محمد وقلتله لك عليّ اني أشتغل في مزرعتك ألين أوفي لك قيمة الدريشة، في الليلة ذيك يوم رجعت من مزرعته لقيت أمي مسوية لحم، ومتى يجينا اللحم ذيك الأيام، قلتلها غريبة وش الطاري، قالت وهي تناظرني: أبونا يستاهل اللحم. كان الوقت ظهرا حينما قص عليها هذه القصة، وهو شبه مستلق، وهي بجانبه، وقد تغدوا للتو، وفي المكان رائحة قيلولة ولحم. تذكرتها وهي تكتب واجبها في تلك الربعة، وتلاحظه وهو يقرص شفته السفلى بإبهامه وسبابته ويبتسم إذ يختلس النظرات نحوها، وهي في ذلك القميص الأبيض الموشح بالورود، وتبدو جميلة جدا فيه. ولكنه يظل صامتا، يقرص شفته بابتسامة لا تكاد ترى، ويحدق أمامه، بعناد.

جلست أمام البحر على الشاطئ، والشمس تصعد ببطء من الأسفل. ولكنها لم تنتبه لها كثيرا. الصوت كان أكثر استحواذا على انتباهها. لم يكن هنالك تقريبا صوت عدى صوت الماء، في مدّه وجزره، وفي رجرجة تموجه الضخم المتثاقل. أحيانا تبرز أصوات سيارات من الشارع وراء الشاطئ، ولكنها خافتة جدا وسريعة جدا، بل وتضفي مزيدا من الغموض على الحالة الصوتية هذه، وكأنها رشقة منتزعة من مكان خفي تبادر بالتلاشي سريعا. إذن صوت الماء فقط. المد والجزر، والرجرجة العملاقة لذلك الوحش الشفاف أمامها. ليس هنالك صوت آخر، لا اسمها، ولا صوت قارب يبتعد، ولا صوت أحد ينادي.

البارحة، مارسا الجنس لأول مرة منذ شهرين تقريبا. كانا بعيدين في مكان مختلف ولوحدهما، وتحتهما البحر أيضا يعوم من حولهما ويُسمع صوته من الشرفة المطلة، وتذكرت تلك الليلة في بيليك، حينما قال لها إنه يحبها وإنه لم ينم مع امرأة غيرها وهو يفوح بتلك الرائحة المميزة، ثم أخبرته بقصة السمكة التي اصطادها والدها. وتذكرت والدها، وابتسامته الواسعة وهو يجثو في خليج سلمان ممسكا بالسمكة الكبيرة، وعروقه تبرز منتفخة من أكمامه المثنية. وفي خضم ولوجه فيها وأصوات اللهاث الخافتة بينهما وتلك الرائحة المميزة له بعطره الذي يستخدمه منذ عشرين سنة وقد اختلط برائحة السجائر المنطفئة، تلك الرائحة التي كانت تشمها في ثيابه حينما تشتهيه وهو مسافر في انتدابات الوزارة الكثيرة، أوقفته وضمته بشكل أقوى وقالت: تحبني؟ ورأى في عينيها نظرة غريبة تشبه الذعر، كسرت حاجز صلافته التي تلجأ دائما إلى السخرية في مثل تلك المواضع، ولذا قال برقة منهزمة تبرق في وجهه المشدود بلحية غير محلوقة منذ أيام: إيه طبعا أكيد. وقبّلها، ثم أكمل وهو ملتصق بها، ويكاد يشعر أنها توشك على البكاء. لم يمر شهر على ذهابها إلى بيت أهلها. ضرب ابنهما البكر البالغ من العمر 13 عاما بعد أن اكتشف حسابه على “سناب شات” ورأى أشياء صادمة، على حد تعبيره، يرقص بطريقة بدت شديدة الغرابة له، وكأنه فتاة. أخذته وأخذت ابنها وابنتيها الآخرين وذهبت بهم إلى بيت أهلها. لم يطل الموضوع، جاء من الغد مندهشا حينما لم يجدهم، وجهه المشدود كان ينطق ذهولا مخلوطا بعناد مفتعل مكشوف. أنت شفتيني أطقهم قبل كذا؟ فترد: ما يهمني. ويتساومان. يقول إن الجوال يجب أخذه منه، فتتفق معه على ذلك. ويتساومان على شروط أكثر دقة، ويتفقان، وكأنهما في صفقة تجارية. وتقول كلمة واحدة تختم بها المساومة: لا تخلي الزمن هو اللي يخليك تعرف قيمة عيالك. ويسألها بامتعاض من لا يقتنع بمثل هذه الحكم المعلبة: وش معنى ذا الكلام الفاضي يعني؟ وترد: إذا ما فهمتها منتب فاهمها. وتعود معه في نفس اليوم، وهي تحس أنها حققت انتصارا مهما.

الشمس الآن تبرك بشكل كامل فوق البحر. ولأن في السماء كدرة غبار، تبرز الكرة الصفراء مضببة الحواف، وغير نقية في استدارتها وصفرتها. ولكنها رغم ذلك هناك، بكل جبروتها فوق البحر. كانت تقف في الجزْر، وقدماها في الماء إلى منتصف الساقين. حينما تفرد أصابع قدميها يتغلغل الماء ويرطب غشاء الجلد الرقيق الذي تنتهي إليه أعصاب تصل دغدغتها إلى المخ فيرسل نبضة ارتعاشة ملتذة لكافة الجسد. رن جوالها، وعلى الشاشة ظهر اسم سلمان. ردت فبادرها: وين رحتي؟ قالت: عند الشاطي اللي طلعنا له أمس. أطرق لحظة ثم قال باستغراب: وش موديتس هناك ووشلون رحتي؟ شرحت له أنها سارت على قدميها، وأن المدينة نائمة وتصحو الآن من حولها، وأنها تقف هذه اللحظة وقدماها في الماء، وأنه يجب أن يأتي. أطرق مرة أخرى ثم قال: طيب بجيب فطور وأجي. أغلقت المكالمة، وطالعت في جوالها لحظة. ذهبت إلى رقم جوال والدها. 20 سنة مضت منذ أن طلق والدتها، وصار يمرهم بعد عودته من سفرياته تلك، كل ثلاثة أشهر وفيها، يراهم مرة أو مرتين ثم يختفي. وكبروا على هذه الحالة. لديه عائلة أخرى الآن مكونة من ثلاثة أبناء، أكبرهم في الـ18 من عمره. تمره في الأعياد والعطل، وتتصل عليه كل شهر أو شهرين. يتصل عليها أحيانا، ولكن نادرا. ظهره المحدودب، وابتسامته المتسعة أكثر بفعل تساقط أسنانه، ولحيته الطويلة البيضاء. يسألها عن أشياء لم يكن يسألها عنها من قبل، ويستخدم مفردات لم يكن يستخدمها، ويقترب من أن يقول الأشياء التي كان يفترض – بحسب رأيها – أن تقال في زمن ما، ولكنه لا يقولها، وتحترم هي مجرد المحاولة. وحينما تغلق السماعة منه، أو تخرج من بيته، تجلس عدة دقائق وهي تفكر شاردة، وفي ذهنها سلسلة صور ومشاهد وانطباعات متشابكة. أخذت تسير على امتداد الشاطئ، وعلى قدميها طبقات من الرمل. حينما جاء زوجها كان بعيدا، ورأته من ذلك البعد، وهي تسير نحوه. تراه واقفا، يتلفت، ممسكا بكيسة وسلة، والهواء الخفيف يُلصق ثوبه بجسده، وهي تأتي إليه من بعيد. تبتسم وتهتف له: سلمان. فيتلفت من حوله. لا يستطيع رؤيتها، حيث تسير فيما يشبه الخفس، وهي تضحك، وتناديه مرة أخرى: سلمان. فيتلفت أكثر بحيرة، وهو يشكل في نفسه، حتى برزت له. جلسا هناك وقد فرشا فرشة صغيرة. جاء بسندوتشات بيض وكبدة، وعبأ ترمس الشاي من البوفيه. قالت له: تصدق تو بغيت أتهور وأطب أسبح. فرد وهو يرشف الشاي باستنكار: وش تسبحين أنت قدام العالم، أنهبلتي. فترد وهي تأخذ لقمة: من فيه وين العالم ما فيه أحد. فيقول وهو يمد بيالة الشاي لها: ولو، طبعا لا. وتأخذها، ويجلسان هناك يأكلان ويشربان.

كان الوقت ليلا، وكانت تسير في الحوش، وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها. فجأة كان يركض خلفها، ممسكا بليّ كبير. لحيته طويلة لم يحلقها بعد، يركض ملوحا بالليّ وهو يصرخ فيها بكل وحشية اصبري بس أحط يدي عليتس يا بنت الزنو. وهي تركض مرعوبة في الأسياب المعتمة المرقعة بأضواء عواميد الكهرب في الخارج، تبحث عن مخرج ولكن كل الأبواب مغلقة، وهو يركض وراءها مثل وحش، عيناه الجاحظتان وفمه الملتوي وجسده الضخم الذي يصنع الضوءُ منه ظلا عملاقا يبرك أمامها، وهي تركض لاهثة ولا تفهم لماذا سيضربها، وقلبها ينبض بقوة في صدرها ويخيل لها في لحظة أنها تحلم. حتى فُتح باب البيت صدفة وولجت منه مسرعة دون أن تنظر إلى ما حولها وركضت إلى الأعلى واختفت في غرفة السطح، تتنفس بقوة متكومة في ربعة وتكاد تلفظ قلبها من فمها، وتحدق وهي تترقب اللحظة التي سيدخل فيها من الباب. ولكنه لم يأتي. ولازالت حتى هذه اللحظة تعجز عن فهم ما حدث. حتى هو لا يعرف. حينما سألته لاحقا، ضحك بفمه الخالي من الأسنان، مستعجبا من المشهد الغريب، وسألها إن كانت متأكدة أنها لم تكن تحلم، ثم ختم بضحكة: أكيد مسويه شي والا منيب ضاربتس بدون سبب منيب بهيمة. تبتسم له ابتسامة مفتعلة في بيته الجديد، وترد ردا فيه جرأة ساخرة. كانت في الثالثة والثلاثين من عمرها وتعمل مديرة للموارد البشرية في شركة تضم 83 موظفا، كل شيء بعيد جدا وهي – وهو حينها أيضا – في مكانين مختلفين، وسيذهبان منهما إلى مكانين مختلفين آخرين، ولكن هذا لا يمثل فرقا. هذه الصور ستظل موجودة لتصنع كل الأمكنة التي سيذهبان إليها.

 

————————————-

 

كانت مستيقظة. وحينما فتحت والدتها باب الغرفة، بدت وهي تقف ظلا عند حد الباب المضاء مثل شبح. دخلت وأقفلته. راقبت والدتها، وهي تفتح عينيها مغطية رأسها باللحاف، وكأنها في لعبة. تُخرج والدتها مطرحة من الدولاب، ولحافا، وتعد لها مرقدا. يلونها ضوء النافذة، وتراقبها تتحرك. كانت الأصوات قد أيقظتها من نومها السطحي قبل دقائق، بعكس أختها المستغرقة في النوم على السرير المجانب، والدها كان يقول كلاما بذيئا، وأمها كانت تبصق أيضا كلاما لا يقل بذاءة، ثم هجم صمت مطبق، أعقبها منظر والدتها، مثل الشبح، على حد الباب. راقبتها وهي تستلقي على الأرض، بين سريرها وسرير أخيها، وتجزم أنها تحدق في السقف، شاخصة العينين. أرادت بصدق أن تنهض، وأن تقترب منها، وأن تنام بجانبها، ولكن الوقت كان قد فات، ولعبتها تجاوزت الحد المسموح، فاستلقت هناك، تحدق في والدتها، حتى نامت وهي تفكر في لحظات الوسن الأولى أنهما نامتا سويا ودخلتا إلى الأحلام من نفس البوابة. استيقظت قبل الجميع، ووجدت والدها في الأسفل يجلس على الكنب أمام التلفاز ويأكل من علبة فول بلاستيكية تملؤ المكان برائحة نافذة وقوية. حينما انتبه لها حدق متفاجئا. وش مقومتس اليوم ويكند؟! وقفت بعينين شبه مغلقتين بفعل النوم. أشار لها تعالي. أجلسها بجانبه، ومد لها لقمة. ولكنها اكتفت بهز رأسها والتحديق فيه. ما تبين فول؟ هزت رأسها بنفس الطريقة. وش تبين أجل؟ حدقت فيه ثم قالت: أمي نامت عندنا أمس. كانت في السابعة من عمرها في ذلك الوقت. أشاح وجهه نحو التلفاز، وابتلع اللقمة المخصصة لها. شعرُ صدغه فيه شيب، فكه يتحرك بقوة خلف ذقنه المخضر وهو يمضغ، جسده نحيل وهزيل. كان يقول لزوجته شيئا عن خروج الابنة الكبيرة ليلا، مع السائق، وأن يراها الناس في الساعة الـ12 تدخل البيت مثل قحبة. ظلت تحدق فيه ثم انضمت إليه في مطالعة التلفاز. مسلسل كويتي. قال لها دون أن يلتفت: هاه وش تبين؟ ولكنها لم ترد، واستلقت بجانبه، وغفت ورأسها على فخذه.

في يوم ما اختفت أختها الكبيرة، حدث هذا قبل زواجها بعام. وحينما عادت من المكان الذي كانت فيه، الصمت المتوتر سيطر على كل المنزل، ثم فجأة صراخ. كانت في غرفة الألعاب مع أختها الصغيرة، وجاء الصراخ قويا. لم تسمع أحدا يصرخ من قبل بهذه الطريقة الوحشية، كان شيئا مرعبا. تتعرف على صوت والدها بصعوبة وهي تقف مرعوبة بجانب أختها التي لم تتجاوز السنة الثالثة على حد الدرجة العلوية. صوت أختها حادا، وصوت والدتها، وصوته هو فوق الجميع بعنف منفعل، من شدة انفعاله يتقطع وتداخله بحة ناشفة. ثم أختها تصعد باكية ولكن بغضب، تلحقها والدتها. بعد انتهاء المشهد، واللحظات المتوترة التي أعقبتها، نزلت هي إلى الأسفل، تلحقها أختها الصغيرة، بينما تدفعها إلى الخلف، حتى صعدت الدرج نحو أمها. وقفت عند باب المكتب الصغير. كانت في الثامنة من عمرها في ذلك الحين. والدها يجلس على الكنبة. آثار الزكمة القوية واضحة على وجهه. يجلس محدودبا بجسده النحيل، يتكئ بمرفقيه على ركبتيه، وفي هيئته استنزاف مرضي. ظلت واقفة عند حد الباب تطالعه، تتأمل هيئته المنكسرة. استلقى أخيرا فوق الكنبة على جنبه الأيمن، متكئا على سجادة ملفوفة، ولم يعد يتحرك. بدا متوقفا تماما. تقدمت نحوه بعد لحظات، جثت أمامه، واقتربت من وجهه حتى كادت أن تلتصق به، تحاول الإنصات، فتسمع صوت أنفاسه وتحس بحرارتها. فتح عينيه بصعوبة وقد انتبه لها وحدق فيها بقلة فهم، وكأنه لم يستوعب أنه لا يحلم. همس بين اليقظة والنوم: وش تسوين؟ فهمست أيضا وكأنها لا تريد إطاشة نعاسه: بشوف أنت تتنفس والا لا. حدقا في بعضهما لحظة. ثم أغلق عينيه، وظلت تطالع وجهه للحظات، وأنفاسه تتردد بخفوت. حينما تأكدت أنه يتنفس بشكل طبيعي، قامت وجلست على كرسي المكتب عدة دقائق، هنالك أوراق متناثرة، كثير منها عليها شعار هيئة الاستثمار. رسمت على ورقة فارغة – كان قد أخبرها بالأوراق التي تستطيع الرسم عليها وتلك التي لا تستطيع – صورة بحر وعليه قارب. انتهت وجلست دقائق تلف نصف دائرة بالكرسي وهي تطالع فيه من وراء المكتب، لم يتحرك. ثم قامت وخرجت. جدتها، والدة والدها، كانت تحيّي ابنها في كل مرة يزورها بأبو البنات. سألت أمها ذات مرة: ليش ما عندنا أخو؟ فابتسمت الأم: وش تبين بالأخو؟ يتأمر عليتس ولا تستفيدين منه شي. ولم يتضح لها هل كانت تمزح أم ماذا. ولكنها لم تفهم، لماذا سيتأمر عليها؟

الوقت في قرابة الساعة الثالثة منتصف الليل، بعد ساعات من دخول أمها، أحست بصرير باب غرفتها يفتح، وحينما تيقظت، في اللحظة الأولى، كان هنالك ظل كبير يقف في الحد المضاء، مثل شبح أيضا. لوهلة لم تتعرف عليه، أو حتى على ماهيته، وحينما بدأ يقترب استوعبت أنه شخص، وأنه والدها. توقف في المنتصف، أمام المطرحة التي تنام عليها أمها، يطالع حوله، ولازال ظلا أمام الباب الموارب، ولكنه أكبر. ثم استدار بخطوات بطيئة ووقف عند الحد الشبحي ثانية، موليا وجهه إلى الخارج دون أن يلتفت، ثم أغلق الباب من جديد. ظلت تحدق في الباب، القابع في الظلام، واللحظاتُ تمر مثقلة بأثر النوم ذي الطبيعة المتموجة الرخيمة، ورمشاها يثقلان أكثر، ويطبقان على بعضهما لوقت أطول حينما تطرف، وهي تحاول الإبقاء على نفسها واعية كي ترى الباب يفتح من جديد، حتى أطبق الرمشان مرة أخيرة ولم ينفرجا، وغطت في سبات عميق.

حينما كانت في السادسة من عمرها، تذكر ذلك جيدا، ضربتها أختها الكبيرة لسبب ما. لا تذكر السبب، تذكر فقط حادثة الضرب، والإهانة التي أحست بها. كانت الفتاة، في الثامنة عشرة حينها، غاضبة دائما وتشكو باستمرار من الملل. تذكر أيضا أنها أتت إليها في الليل، وحاولت مصالحتها، حتى رضيت. كانت لهجتها أكثر استرخاء، تذكّر بوقت سابق. جلسا على سريرها الملاصق للنافذة المغلقة، وتحدثا، وريح قوية تنحت صريرا في الصوت، يُذكّر بصوت الطائرات المقلعة. روت لها قصة عن صديقة لها، زارت البرازيل مع أهلها، وقالت لها إن البرازيل تبعد نومتين كاملتين، تذكر هذا التشبيه جيدا، وإنها قابلت شابا صغيرا. وصفت لها شواطئ ريو دي جانيرو، وكيف أن رمالها ناعمة إلى درجة أن القدم تغيص فيها وتختفي. تحدثا طويلا، عن أشياء كثيرة. أخبرتها أنها تريد أن تهرب، وحينما سألتها بذهول ليه؟ قالت لها كلاما لم تفهمه ولم تحفظه تحديدا، مر كشكل ونبرة فقط. في آخر السنة الغريبة تلك، التي سبقت الزواج وحفلت بالمواقف المتفاوتة بين أختها ووالدها، كانت العلاقة بدأت تعود إلى طبيعتها تدريجيا، بل أن أختها ضحكت مرة أو مرتين مع والدها وسُمح لها في وقت ما أن تخرج لوحدها، ثم في مرة من المرات خرجوا إلى شراء الآيسكريم من محل على طريق التخصصي، وأخبرها والدها أنه حينما يحين الزواج فسيضع لها حفلا لم تشهد العائلة مثله ولن يبالي برأي أحد وسيأتي بفرق موسيقية وسيرقص حتى تتكسر ركبتاه، وضحكت هي بملل. وقد فعل ذلك ولكن دون الفرق الموسيقية، رقص في البيت بينهم في ليلة الملكة بعد أيام من آيسكريم التخصصي. كان يرقص معها ومع أختها الصغيرة على أنغام شيلة يا سعود العلي، ووالدتها وأختها الكبيرة تراقبان. أول كلمة قالها بعد توقفه وهو يلهث ويؤشر بأصبعه: الحمد لله افتكيت من هالبنت، اللي بعدوا. كانت أختها في الواحدة والعشرين حينها. أخبرتها أنها ستتزوج قبل الملْكة بأيام، ولكنها كانت تعلم منذ اليوم الذي أتى فيه ذلك الرجل الغامض إلى المنزل ورأت أختها تتمكيج وتدخل مجلس الرجال. جلسا على السرير نفسه بجانب تلك النافذة يتحدثان، وأخبرتها هي بحماس عما تعرفه عن الزواج، وأنها يجب أن تفعله مثل الفنانات الأمريكيات حينما يلبسن فستانا أبيضا واسعا ويسرن على سجادة حمراء. أخبرتها أختها أنها تتزوج لتهرب فقط وذكرت أسبابا أخرى شبيهة بتلك التي لم تحفظها قبل ثلاث سنوات، وبالطبع لم تفهم مرة أخرى ما الذي يعينه حديثها، ولكنها على الأقل حفظته هذه المرة، ولم يمر كشكل ونبرة.

كان الوقت صباحا، يوم الجمعة. سافرت أمها وأختها الصغيرة مع أخوالها إلى الشرقية لحضور عزاء خالتها، وبقيا معا. أفاقت في الساعة التاسعة، ورأته يحلق ذقنه. وقفت بجانبه تطالعه، وهو يمر بالموس الكبير على ذقنه النحيف، ويبرز الجلد الحاد لامعا. حينما انتهى أخبرته: يبه جوعانة. رد: خلي الشغالة تسوي لك شي. فقالت: وينك فيه أنت الشغالة رايحة من شهر. خرجا بالسيارة. كانت سعيدة جدا. تحب طلعات الصباح تلك في الويكند، الشمس والمباني والشوارع والمطاعم وصوت الراديو الذي يسرد أخبارا. كان والدها صامتا، وحزينا تقريبا. ستذكر جيدا منظره ذلك، جانبُ وجهه الحليق وشعره الناعم الممشط، وهو يقود محدقا أمامه، ممسكا بالدركسون. نزلا في بوفيه، وطلب ثلاث سندوتشات. حينما همت بالجلوس أخذها بيده وهو يقول منحب ماكلين هنا. جلسا في السيارة، وأكل سندوتشته بسرعة، وجلس هناك صامتا. أحست به يراقبها في لحظة ما، وحينما التفتت والشمس تغلق عينها اليسرى، كان يطالعها فعلا، وابتسم لها، بوجهه الحليق الناعم وشعره الممشط. سألها عن الدراسة، وتحدثا قليلا. كان يبدو حزينا فعلا. قال إنه يذكر الأيام التي كان يأخذه فيها والده إلى المزرعة في الصباح الباكر ويفطران هناك، وإنه كرهها لأنه كره والده. وتوقف عن الكلام، محدقا أمامه في الفراغ. أبوي، ما كنت أسولف أنا واياه واجد. في صوته هدوء مجوف وإطراقاتُ فواصل متلكئة. ألين كبر وصار الظاهر يخاف من الموت وانه يقعد لحاله، وصار يسألني وشلوني ويدق علي يسولف معي بالساعات وأنا أسلّك له وأقول في نفسي الله يلعن الساعة اللي بيسوي ولدي معي زي كذا، لذا منيب داق على عيالي اللي يبيني يكلمني. أطرق لحظة ثم أكمل: أمي، كنت أسولف أنا واياها دايم، كانت تقولي يا حمد ضاعت حياتي مع ذا الشايب واذا فكرت في اللي راح حسيت اني سخيفة واني ضيعت عمري عبث، وترسلي أشرطة كاسيت يومي في الجامعة وهي تهيجن على نفسها وأحيانا معها عمتي وكل ما سمعتها ضاق صدري وطقتني غلقة. أطرق طويلا محدقا أمامه بتكشيرة: خرابيط قسم بالله انلعب علينا وبس. قبل أن يلتفت نحوها مرة أخرى. يطأطئ رأسه فوقها، بجسده ووجهه النحيلين، وعينيه النافذتين، وابتسامته المتواطئة الحزينة، يغطي السماء عنها رغم نحوله مثل سحابة كبيرة، وتلون الشمس وجهه المليء بالعاطفة والذبول، ويقول: وين تبين نروح له؟ هذه الصورة ستبقى محفورة في ذهنها. بعدها بأيام ودعهم وسافر إلى الخارج. حينما تسأل أمها عنه، تقول إنه في مكان بعيد، وإنه هناك للعمل. وحينما تتصل لا يسميها إلا بألقاب الدلع ويقول إنه مشتاق إليها ويحاول أن يبسّط لها ماذا يفعل هناك دون أن تفهم. ويمر الوقت، وتكبر هي، وتلك الصورة عنه، لا تختفي، بل تكبر بمرور الوقت، وتتسع، لتحتوي نظرتها الإجمالية عن العالم، وتصير ترى الأشياء من خلالها، من خلال وجودها وغيابه المزدوجين، ولكن دون أن تحس، تتشكل في الخلف، كما تفعل أكثر الأشياء في هذا السن. ثم عاد بعد عام تقريبا. له لحية مشذبة، وفيها شيب كثير. الليلة تلك، حينما وصل، كانت مزدحمة بكل شيء، بالأجساد والأصوات والطعام والشراب والضحك والصراخ، تحت أضواء البيت المشعة في ليل صيفي، وفي حضرة كل من يستطيع أن يَفتِش أمامه، والداه وأخواته وأبناؤهن وإخوانه وأبناؤهم، الرجال في المجلس والمقلط، والحريم والأطفال في بقية المنزل، وهو يتنقل بين المكانين. أخبرهم أن الثلج كان كثيرا في منسك، وروى قصة طريفة بسبب عدم إجادته الروسية أو الانجليزية بشكل متقن. سولف معها في وقت ما من الليلة، لوحدهما، تجلس على ركبته والضجيج يحوّطهما ولكنه منشغل عنهما، مثل ماء لا يبللهما. سألته أكثر عن الثلج والبرد، وأجابها أنه في مرة من المرات حك أذنه فلاحظ أنها تجمدت، وحينما لواها انكسر غطاء الصقيع حولها وكأنها انكسرت. وصف بياض الثلج المزعج في كل مكان والوحدة التي شعر بها وهو يفكر فيهم وكيف أنه كان لا يستطيع العودة. ثم استحوذت هي على الحديث، وروت له أشياء كثيرة، وهي لا تفتأ تلمس لحيته والشعيرات البيضاء فيها وكأنها تشك أنها بسبب الثلج وأنها حينما تحكها ستعود سوداء. كل هذا حدث في 10 دقائق تقريبا. انقطعت السواليف وسط الضجيج الذي عاد للانتباه لهما ليبللهما، فانشغل عنها ثم نزلت عن ركبته وذهبت تلعب. بعد ساعات بدأ الجميع يخرجون، ولم يبقى إلا إحدى عماتها في المطبخ مع أمها، وأبوها في المقلط مع أحد إخوته. تجلس بجانب أختها الكبرى، وتلتصق بهما أختهما الصغيرة التي تبلغ الآن 8 سنوات. تريهما صورا من رحلتها لبالي، ورمال الشواطئ الناعمة تلك. تسألها أسئلة مندفعة حماسية، هل رأت فتيانا هناك وكيف كانوا، فتضحك وهي تقول: معي رجلي يالخبلة وشلون أشوف عيال أنت صاحية. وتطالع هي في الصور، وتسطو بأصبعها على الشاشة طاردة أصبع أختها، وتتولى عملية التقليب بينها، وهي تطالع بنظرة مبسوطة، وتدفع أختها الصغيرة التي تزاحمها. تطالعها أختها الكبيرة بنظرة ذات معنى، لقد تخرجت من الجامعة وستعمل محامية بعد أشهر. يتحدثان عن أشياء كثيرة، وتقول أختها: بيختلف الوضع معك. أنا قعدوا 11 سنة ما جابوا غيري كانوا فاضين لي، بيتغير الوضع، وأبوي بعد بدا يشيب. قالت بنبرة تكاد تكون ساخرة: يعني ما يحتاج أعرس على طول مثلك. ولكن أختها ضحكت. مهنا فرق، كلهم رجال، تروحين من واحد تطيحين في الثاني. وعادا يتصفحان الصور.

الطريق إلى الشرقية يتكدس بالشاحنات الضخمة. الشمس قوية جدا في منتصف الظهر، ولكنها تفشل في اختراق النوافذ المظللة، وتكتفي بالزجاجة الأمامية. تجلس في الخلف، بجانب أختها التي ارتفع عمرها إلى تسع سنوات، بينما ارتفع عمرها هي إلى 12 عاما. الجميع نائم، عدى والدها بالطبع، وهي كانت نائمة أيضا. استيقظت من غفوة سطحية على صوت همس، ولاحظت أن والدها في المرتبة الأمامية يكلم نفسه، بهمس خافت. أمها ملقية رأسها نحو اليمين، أختها متكئة على مخدة. الجو ملون بامتزاج ظل التظليلة والشمس القادمة من الزجاجة الأمامية، ووسط هذا كله صوت والدها وهو يهمس، مخارج حروف ليس إلا، تتبعها لحظات صمت، ثم مخارج حروف أخرى. نطقت فجأة: يبه. فأطرق وكأنه اكتُشف. وش تبين؟ قال بحدة. جرت نفسها إلى ما بين المرتبتين، وقابلها ضوء الزجاجة الأمامية، قويا وساطعا، ولكنها لم تتراجع عنه، اتكأت بخدها على مرتبة السائق، وأخذت تحدق في الطريق. السيارة المسرعة تبدو وكأنها تأكل المسافة، وتقضم الإسفلت والصحاري والتريلات والمراكب الأخرى لتنحت مسارها، ويختفي كل شيء في الخلف، حيث يتجدد الطريق. تلتفت بخمول ناعس نحو والدها، وهي لازالت تتكئ بخدها على المرتبة، يحدق صامتا الآن، بلا صوت بتاتا. سألته: نقدر نشغل ذيك الأغنية؟ فرد: ما تشوفينهن نايمات. لحظة صمت، وصوت الطريق المجوف يستحل السمع مثل ڤـ. سألته: منهو المغني؟ رد: فوزي محسون. لحظة صمت وهي تحدق فيه، في صدغه الأيمن، بجانبه، ثم تحدق أمامها، وتبدو وكأنها تشاركه قيادة السيارة. قالت له: يبه مابي أتزوج. ابتسم. وش جاب طاريه الحين. قالت: ما له فايدة. أطرق لحظة ثم قال: إذا أعرست بجيب فوزي محسون يغني في عرسك، وبرقص فيه ألين تكسر رجليني. بعد لحظات قال لها: ارجعي ارجعي خطر كذا ما يصلح توقفين، روحي نومي. فعادت إلى الخف، وجلست وسط الظل، أمام الزجاجة المضيئة، حتى بدأت تغفو، وحينها، بين النوم واليقظة، سمعت والدها يعود ليهمس بمخارج حروف غير واضحة.


Advertisements

2 thoughts on “نساء

  1. عظيم هذا النص ياأحمد.. جدا متفرد ومتجاوز لكثير من الغثاء الذي يلفنا.

    هذا النص الذي لو قرأته مكتوبا بالهيروغليفية،لقلت مباشرة انه يتحدث عن ” اهلنا”.

    ليلة سعيدة لك، بحجم الحبور الذي تركه نصك البديع بداخلي.

  2. في نقطة ما صحت لين ورمت عيوني
    تذكرت جدتي تعبانة اللي عشنا معها بداية عمري لين المتوسط
    أحبها بس ماقد قلت لها واخر مرة شفتها قبل اكثر من ثلاث شهور ما احب اشوفها تعبانة وعاجزة ولا اقدر اسولف معها حتى وش لونك ماتنقال لها ماتقدر تجاوب واشوف حالها انا واصيح
    وما عرفتني من الوجع اللي فيها
    ابي ازورها بس مايقوى قلبي وعارفة باتحسف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s