حب

صحن سيارة الددسن، موديل 1997، مملوء بأعواد الخشب المتراكمة فوق بعضها، تصنع شكلا مربعا ضخما وتبدو حوافها الأفقية من الخلف مثل الأشواك، مربوطة بأربعة حبال حمراء. يسير 60 كلم فقط على امتداد الطريق السريع (الرياض-القصيم) من عشيرة سدير إلى جوي بجانب المجمعة. لا يستطيع السير أكثر من ذلك بسبب الحمولة. المسافة تبلغ قرابة 60 كلم حتى يصل إلى مفرق المجمعة. الوقت قرابة الخامسة عصرا. اليوم الخميس. الفصل في أول الصيف. كان قد صلى العصر في مسجد حارتهم في عشيرة بعد أن تغدى فور خروجه من الدوام ونام قيلولته، ثم ذهب إلى المزرعة على حافة القرية، وبدأ يحمل أعواد الخشب المقطوعة بدقة هندسية مع العاملين، ويربطها بالحبال، ثم مضى في طريقه. يفتح النافذة عن آخرها، المكيف لا يعمل، ويتكئ بمرفقه على حافتها، يتجمع خط عرق على رقبته نحو صدره المفتوح عنه آخرُ زر في ثوبه، بينما يتخلل الهواء شعر رأسه ولحيته التي بدأ الشيب يلونهما وشعيرات ساعده الطويلة التي شمر أكمام ثوبه عنها. الشمس على حاجب عينه اليسرى، ولكنها لا تزعجه. يدخن غليونه المحشو بتبغ يشتريه من محل في معيقلية الرياض. تتجاوزه التريلات التي تمسك المسار الأيمن، وتمر بأصواتها المزعجة، فتحجب الشمس للحظات وراء جسدها الضخم، ثم تنقشع، وتظل تبتعد حتى تختفي لتلحقها أخرى. سيارات السيدان والدفع الرباعي توشّ مسرعة في الغالب، فلا يرى منها إلا عثورة مرورها. هنالك جيب شيفروليه، ممتلئ عن آخره بعائلة، يسير ببطء ويوازيه في المسار الأوسط. السائق، الأب، هو الوحيد المستيقظ، زوجته – غالبا – عن يمينه نائمة وشيلتها المرخاة منسحلة عن خصل شعر منسدلة على جبينها، أبناؤه الأربعة في الخلف نائمون أيضا، أحدهم يتكئ برأسه على حد النافذة، بشعره القصير الذي تلونه الشمس. الأب وحده فقط، يضع يده اليسرى على الدركسون، محدقا أمامه، وكأنه يقرأ شيئا في الطريق، بينما يغط الآخرون في السبات. يسير ببطء للحظات، ثم يدعس، ويختفي بعد دقيقة في البعد، ويتحول نقطة صغيرة. شمس أول الصيف تهبط سريعة في الأفق، كرة صفراء مرققة الحواف. جواله يرن برسالة وتس أب، رسالة من مها: “أنا ما رفضت أنا أعلمك بس اني ما اقدر الليلة، الاسبوع الجاي أكيد” بوجه مبتسم اعتذاري. يكتب: “اللي تشوفينه”، مع إيموجي قبلة. يستغل الفرصة لرؤية ما استقبله، ثلاث قروبات، أقل واحدة فيها رسالتان غير مقروءتين. القروبات هي “عماني”، “أخواني”، “الدوام”. يقرؤها وهو يراوح النظر بينها وبين الطريق. الطريق خط إسفلتي متمايل من مخرج عشيرة، يستقيم صراطا ثم يميل قبل كبري الحوطة مثل لسان ثعبان. على اليمين واليسار مساحات ترابية مفتوحة إلى امتداد البصر، تلوح فيها جِمال رعي، وتُحلق منها طيور، وتستقر عليها صخور وأتربة وتلال برثاثة تتشمس بغرة الأصيل الذي يطبخ محمرا ببطء في السماء، ويلوح عليها هدوء الحياد عن الزمن والتحرر اللامفتعل من الإحساس بالوقت، إذ تتلبس الخلود في كنهه الأصلي كانعكاس للثبات والملل والألفة والحب، وترافق الحجاج على خط السفر، ملوحة لهم وهم يتجاوزونها، دون أن يلقوا نظرة واحدة عليها، باستثناء طفل ما، ربما، يقرأ فيها غموضا غريبا شده للحظات، قبل أن يغلبه النوم ويغمض عينيه متكئا على حد النافذة والشمس تلون شعره. قرأ الرسائل كلها، بين ابتسامات باردة، ولحيتُه الناعمة القصيرة تهف مع الريح، وهو يخرج غليونه مرة أخرى، ويحشوه من جديد، وينفث دخانه.

قبيل جلاجل، كبّس له سائق كامري وضرب له البوري، مؤشّرا على الأخشاب. رفع يده شاكرا وتوقف بهدوء. أحد الحبال قد انفك. جبينه يلمع بالعرق الذي يتلألأ أيضا فوق رقبته وعلى يديه، يوم حار، وعيناه تضيقان أكثر بفعل الشمس، وشعره يتبعثر فوق رأسه. بدأ يفك الحبال كلها. يقف على مثلث كبري جلاجل، وتمر به السيارات خاطفة. مد الحبال من جديد بشكل أقوى، وهو يصعد فوق الصحن، ويجرها، بينما يتدفق العرق بشكل أكبر ليغطي كل إنش من جلده المكشوف، ويبدو وكأنه مرآة عليها لحية وشعر رأس. يجر الحبال إلى مقابض الصحن من الجهتين، ويجره بكل قوته والعروق تتفزر من خلال شعر ساعده، مرئية وواضحة، ويربطها، بكل قوته، ثم يذهب للجهة الأخرى، ويقوم بالشيء ذاته، حتى صار كل شيء في مكانه. وقف يتفحص الصورة، وصدره يرتفع وينخفض بسرعة أكثر من المعتاد، وأحس بالبرودة الثلجية على ظهره إذ يلمسه تيار هواء من الخلف، ويحدق في السريع لحظة وهو يدلق لسانه على شفته السفلى. الشمس الآن في منحدر الأفق، كرة صفراء متوردة، يتمايز فيها فيء الأصيل المرسوم تحت الأشياء القادرة على تكوين انتصاب لها، مثل التلال، والصخور، والسيارات التي تسير مسرعة بظلها الملتصق بها، وهي تختفي أمامه دون قدرة على رؤية أي شيء داخلها. يحدق وهو يطرد الإنهاك مع أنفاسه التي تستعيد رتابتها ويترك العرق يتيبس باردا على جلده، وتمر اللحظة ساحبة معها عدة دقائق، دون حركة واضحة، أصوات السيارات الشاخطة مثل القلم وظلال الأشياء المنتصبة في انعكاس الشمس. ثم عاد إلى سيارته.

توقف عند محطة الجبرين قبل كبري المجمعة. هنالك شخص يبسط بفصفص ومكسرات، وشايب يقف ليشتري وهو يتذوق. اشترى ماء من السوبرماركت. شربه كاملا وهو عند الباب، والمساحة المفتوحة لمبان مقامة وسط الخلاء والتراب تتحرك برثاثة عصر الخميس. طفل يركض، رجل يدخن قبالة حمامات المسجد مستظلا بنتوء، عائلة في فان، شابان ينتظران صاحبهما في السياراة. عاد إلى الددسن واستكمل طريقه، ودخل مفرق المجمعة من جهة جويّ، على طريق سدير القديم. الهواء الآن أرق، والشمس اختفت تماما وراء الحد، وبدأت زرقة المغرب بالانتشار. دخل مزارع جوي من الخلف، واتجه بين مزارع العقيل والعبدالجبار حتى وصل إلى مزرعة تمر إليها من خلال بوابة صغيرة تتمايل على سكة ترابية بجانبها ساقية محفورة في الأرض بعمق متر تقريبا، تستطيع استشعار رذاذ الماء الجاري من المثاعيب إذا أخرجت يدك اليسرى من النافذة. أوقف السيارة قبالة المباني القديمة في الداخل. المزرعة عبارة عن نخيل ممتد إلى اليسار في محيط 1500 متر، ثم محالة في مساحة 600 متر، واستراحة جديدة كبيرة ترمم بعيدا على الطرف الأيمن، ومبنى استراحة قديمة صغيرة تتكون من غرفتين وحمام ومطبخ، قريبا من النخل.

والده توفي وهو في الـ8 من عمره، ولذا عادت به والدته إلى أهلها في المجمعة. وحينما تقدم لها رجل، أخبرتها جدة ابنها وأعمامه أنهم سيكونون مضطرين لأخذ الطفل إن هي تزوجت، وسيقومون بإحضاره لها كل نهاية أسبوع وفي العطل الطويلة ليجلس عندها. رفضت في الأول الزواج، ثم حينما تقدم لها زوجها الآن، وهو صديق لأخيها الذي توفي في شبابه، قبلت الزواج منه، وسلمت الطفل لأعمامه، الذين وفوا بوعدهم، وتحديدا عمه صالح الذي تولى هذه المهمة، بالذهاب به كل نهاية أسبوع إلى المجمعة من عشيرة سدير ليزورها ويجلس عندها يومان ثم يعود لأخذه، حتى كبر وصار يأتي بنفسه بهذا الددسن الذي اشتروه له حينها.

فور نزوله بادره زوج والدته، أبو عبدالله، الذي خرج من الاستراحة القديمة: والله ما يستاهل. فقاطعه: ما اخذ مني تحميله نص ساعة بدال ما تشري من ذا النجارين وهو مجدوعٍ عندي، شف نوعه المسه خام صافي. فتفحصاه جميعا وقال: زين جابك ذا الخشب، كم لك ما جيت؟ فرد وهو يفك الحبال عن الصرة: ما فرغت، لي فترة وانا اروح للرياض نهاية الاسبوع. أطرقا لحظة ثم سأله: لاتصير معرس في الرياض وانحن ما ندري. ولكنه اكتفى بالابتسام. فكاه بصمت وسحب أبو عبدالله واحدة منها وتفحصها، وهو يردد بين شفتيه المغلقتين همهمات رضى. ثم قال وهو يضع يده على مرفقه ويجره برفق: خلها ننزلها اذا جو العيال تعال خل أوريك اياها. سارا وسط النخيل، بعضهن تبلغ من العمر قرابة 150 عاما. أكثرهن تمر صقعي نضج في عذقه وصُرم في الأمس، أما بعض نخلات المقفزي فيتعلق العامل الهندي على النخلة ليتم خرافها، مرتكبا خطأ تقليب الشماريخ، ما دفع أبا عبدالله للوقوف وتنبيهه، وشاركه هو أيضا بتوجيه العامل، الذي يحدق نحوهما من المسافة، مثل قط. الوقت في صفرة المغرب، والطفح الأزرق لغياب الشمس يسيل شاحبا، والنخيل تكتسب مظهر الغروب الذي يتلخص في رائحة غريبة تصدر منها، وفي صفير العصافير المتجمعة حولها، والمنظر الشبحي الذي ترسمه غصونها حينما يتكالب السعف الجريدي وأنت تقف تحته إذ يتلون ظلا أسودا في انعكاس السماء الزرقاء مثل زخارف غامضة على سقف في الهواء الساكن تماما. سارا بينها بصمت بعد أن تجاوزا العامل نحو المحالة، ولاشيء بينهما إلا أصوات الغروب تلك بين النخيل، وخشوعٌ خامل تستفزه بامتزاجها مع تلك الرائحة الغريبة. أخرج غليونه، وبدأ يحشوه، ورائحة الزرع تثقل حواسه وتعزل كل شيء عداها. أحسن مكان تدخن فيه بين النخل. قال ذلك حينما اكتشفه أبو عبدالله ذات مرة، كان في الرابعة والعشرين، أي قبل 11 عاما تقريبا، أثناء إحدى زيارات نهاية الأسبوع، يقف بين الشجر، متكئا على نخلة، ويدخن، رافعا رأسه نحو قمة نخلة عملاقة، بصمت. لم يرتبك حينما رآه، ولم ينزل غليونه، ظل ممسكا به، بعناد يكاد يكون وقحا، وقال له بعد سواليف عن خَراف النخل: أمي عارفة. ورفعه أمامه. بس ما بغيت أدخن قدامك. فرد وهو يحدق في النخلة العملاقة نحو الشماريخ البارزة: أنت أكبر من أبوك الحين يوم يتوفى، ما عليك من أحد. وأعاد الموضوع إلى الخَراف والصرام. يبلغ أبو عبدالله من العمر 70 عاما الآن، تقاعد قبل خمس سنوات من وظيفته في مكتب العمل، وبدأ التركيز على المزرعة. في المحالة الجديدة كانوا يخضّرون البطاطس والقرع والكوسة والبيدجان. جلسا هناك عدة دقائق يتفحصون ويتحدثون. ثم عادا إلى الغرفة القديمة، حيث وجد أمه وسلم عليها، وأخته – من أمه طبعا – مع طفليها. العين أظلمت تقريبا، وبدأ النخل يختفي في الظل الذي يتحول ببطء إلى لون ينسكب على أسطح الأشياء، ثقيلا وغامضا. صلوا المغرب سويا، الرجلان في الأمام، والمرأتان في الخلف. رتل سبع آيات من سورة يوسف في الركعة الأولى، و4 آيات أخرى. أثناء جلوسه في انتظار القهوة بجانب زوج والدته، فتح جواله. عدة رسائل على الوتس، ورسالتان من خدمة نبض الإخبارية حول تفجير في ريف دمشق. كانت هنالك رسالة من مها كتبت فيها: “كلمني أبي أسولف معك”، فرد عليها: “أنا عند أهلي”، قرأتها مباشرة وكتبت: “كلمني الليلة أبي أسمع صوتك، لا تصير زعلت” بإيموجي ندم، فكتب “أبشري، أزعل وانت راعية الفضل؟”، يظهر إشعار أنها تكتب، وينتظر. “تراي من الحين أجهّز للخميس الجاي”، يبتسم وهو يكتب “ههههه”، ويظهر إشعار أنها تكتب، ولكنه يخرج من محادثتها، ويعود ليفتح القروبات الأخرى. والدته تقول وهي تدخل بالقهوة: وشلون هند والبنتين عساهن طابن؟ فيرد وهو يرفع رأسه: إيه طيبات، الزكمة هجدت عنهن من يومين. يرفع أبو عبدالله رأسه عن ريموت التلفاز الذي كان يقلب فيه بحثا عن قناة ويطالع في زوجته بنظرة معبرة: لو شفتيه تو وشلون أحمرّ وجهه وانا اقوله شكلك معرس في الرياض. يبتسم وهو يحدق في الجوال ويمر بشخطة أصبع على الرسايل، ويقول دون أن يرفع رأسه: الناس تكبر وتعقل وانتم تكبرون وتنهبلون. خلال ربع ساعة اكتمل نصاب العائلة، ثلاث إخوان بين الـ20 والـ33 عاما، وابنتان متزوجتان بأبناء تتراوح أعمارهم بين الـ8 أشهر والـ13 سنة. يتحلقون الآن أمام القهوة في الغرفة الواسعة القديمة، المطلية بصبغة بيضاء تتضح عليها كسور التقادم والاهتراء.

الأعين تتجه نحوه. كانوا يتحدثون عن الأحلام، وحينما بدأ يتحدث بنبرته التي يستخدمها تحديدا حينما يريد أن يروي قصة، صمت الجميع. الصالون الأحمر اللي مع عمي صالح ترتفع حرارته هاك الحين، ما أمدانا ننكس راجعين من المجمعة يمّ عشيرة أول العصر إلا وقفنا، وفتح الكبوت عشان يبرد الأديتر. في صوته رنة مجرّحة وعنيفة، وفي طريقة نطقه لها بطؤ لامبال، تبرز من وجهه الملون بشعر لحيته ثقيلةً ومنومة، وكأنه يؤدي. الشمس كانت تطيح ورى كبري الحوطة، وحر وسط الصيف يخلي ثيابك تلاصق في جلدك تسنك سابح، الأديتر يبوّخ ورذاذه يطشر في وجهك، واقفينٍ في عرقنا ووصخنا، قلت له: شفت أمس حلمٍ غريب، كان راسه غايص داخل الكبوت بين المكينة والأديتر، ويسألني: وشو، قلت له شفت حرمةٍ كبيرة عرفت في الحلم انها أم جدتي حصة، اللي هي أمه وأم أبوي، واقفةٍ في غرفةٍ ضيقة، وسط بيت طين، والشمس برى ضعيفةٍ بالحيل حتى اني ما أقدر أشوف وجهها زين. يتحدث ممسكا بفنجاله وهو يتكئ على الجدار خلفه، ويأخذ رشفة، والمكان مليء بالصمت ورائحة القهوة والتمر. رفع عمي راسه من الكبوت وانتبه معي وهو للحين متكي بمرفقه على المكينة، للحين ما قرر السالفة تستاهل والا لا، والأديتر جنبنا يبوّخ ويتفل مويته، كملت وقلت له: كانت العجوز واقفةٍ جنب ساريةٍ عليها نقوش وتحافير في الغرفة، بحدبة ظهرها المايلة وشيلتها المربوطة على راسها وخصلة شعرٍ رمادية تلمع تحت حافتها، وتؤشر على المكان اللي جنب السارية، وتقول: يا ولد راضي، الذهيبات هنيا، تسمع؟ وأنا أقولها: إيه، أسمع. صلب عمي في وقفته، السالفة الحين تستاهل، وقال هذا شكله قصرنا القديم في العقيلة، العرق في جبهته يلمع مثل ذهب، كان وقتها في الأربعينات، لحيته مقصوصة فوق فكه الدقاق، شعر صدره النحيف متعثور من الزرار المفتوح مع الحر، كان في عز قوته وقتها. أطرق لحظة وكأنه يتخيله، يقف أمامه بجثته النحيلة والمليئة بالصحة والذكورية والعرق، ثم أكمل: ما قال كلمةٍ بعدها، ركبنا يوم ركد الأديتر وعبيناه موية، لف مع كبري الحوطة ومشى على الزفت ألين كسر من عند الرادمية ودخل في التراب، سألته وين بنروح، قال لي للقصر، عيونه مثل شخطة قلم مع الشمس اللي تضرب فيها، وشعر صدغه الأبيض رابص كله موية، لف بنا في جروف وخفوس ودخل بنا مزارع وطمر شعبان وسواقي، ألين وصلنا عند بيت طينٍ كبير، تهدم أكثره، ياقف على حافة خفسٍ به مزرعةٍ مهجورةٍ فيها نخلٍ عمره أكثر من ميتين سنة، يطيّح شماغك إذا رفعت راسك لعذوقه وانت تحته، دخلنا غرفةٍ من غرفه، التفت علي، النور خافت، قالي هذا هو؟ ناظرت قدامي، أهوجس منيب معه، مروعتني وقتها سوالف الجن، ردها علي: لا تخاف ما به جن، هذا اللي شفته والا لا؟ ناظرت وقلت: الظاهر انه هو، دخلنا من غرفةٍ للثانية، وانا وراه، بعض الجدران منتسفية، السقوف متصدعة، عسيب النخل مبقورٍ من حشا الطين، وفي المكان ريحة الشي اللي ما عمره وُطِي، تسن اللي كانوا ما كانوا ولا تسن أحد جا هنا من قبل، به قوارير ومواعين وثياب وأشياً متروكةٍ للزمن، والزمن ما قصر معها عفسها ألين نشبت في التراب وصارت من التراب. يوم وصلنا القهوة، مطمورٍ نصها بطبقة رمل، وفيه شقٍ في السقف يصعد بك للسماء، قلت له هذي هي الغرفة، كانت السارية قبالي، ووالله، والله العظيم، ما بقي إلا أشوف العجوز واقفةٍ جنبها، وتقول لي يا ولد راضي. راح يمها، وأنا واقف عند الباب، متوجس، وقف فوقها، ثم ناداني من الظلما: تعال، جيته ما بغيته يمسكها علي مثل سالفة الجن، عمي صالح عيار ولا ينسى، مشيت له وأنا في عظمي رعشةٍ تنفض العرق نفض، وقفت جنبه عند السارية، وناظرت تحت، وأثاري المكان محفور، حفرةٍ ما يجيلها نص متر في نص متر، وشكلها واضح ان بها شيٍّ مسحوبٍ منها سحب، مثل صندوق، وقفنا فوقها ولا فيه إلا أنا وهو وهجدة الصوت بيننا، ثم قالي: سبقونا، ناظرته وقلت له: منهم؟ قالي وهو يلتفت علي وأنا يالله أشوفه حوافّ في الظلما: اللي زارتهم جدتك قبلك أو بعدك. يتوقف عن الحديث تماما، ممسكا بفنجاله في يده المتدلية من ساعده التي يضعها على ركبته المثنية أمامه. الأعين معلقة عليه. استطرد: عاد يقولون صالح هو أكثر اللي يشبهون أبوي. رد أبو عبدالله: أبوك أطول منه واجد. طالعه مبتسما، وأراد أن يخبره أنه لم يقصد الشكل، ولكنه لم يقل شيئا. كان في الجو صمت مريح، ذلك الذي يعقب لحظات ذات معنى غامض ولكن ليس قويا لدرجة أن يكون واضحا ومزعجا. كسره الأخ الأصغر، وانفلتت من هنا الأصوات، بما فيها صوته، ولكن مشتبكا بغيره، وبدون تلك النبرة المميزة، التي لا يستخدمها إلا في مواضع محددة.

طبخوا العشاء في الخارج، قريبا من الأشجار. فرشوا فرشة كبيرة، وجلسوا يشوون اللحم. كانوا سيخرجون الشواية، ولكنه رفض رفضا قاطعا، وأخبرهم أنه لا يوجد ألذ من اللحم المطبوخ فوق الحطب. ولذا أنزلوا حطب أرطى من سقف الغرفة، ووضعها ورتبها كما يجب، ثم أشعلها، وبدأ هو يطبخ، بينما تجلس العائلة متحلقين. في الجلسة فوضوية السهرات العائلية. لا أحد يلتزم بجلسة معينة، أو بسواليف محددة. يتحركون بحرية، ينسدل بعضهم متصفحا جواله منفصلا عن الآخرين، يقوم آخر ليتجول بين الأشجار، يلاعب آخر الأطفال الذين يركضون في كل مكان. يغفو أبو عبدالله. تشارك أخواته في عملية الطبخ والتوجيه. يشعل غليونه، الوحيد الذي يدخن أمام عائلته، ولا أحد يعترض. وتمر الساعات، ويجهز العشاء، فيأكلون في مكانهم. يشربون الشاي الذي جهزته أخته على الحطب أيضا، ويدخن مرة أخرى، وهو يجلس متكئا على مركى في طرف الجلسة، بجانب الحطب المطفأ الآن، ورائحته النافذة القوية لازالت تعبق في كل مسامة من جلده، وتصل إلى قعر حواسه، فتملؤها، وهو يجلس متكئا، ممسكا ببيالة الشاي في يد، وبالغليون في يد، ويضحك على قصة يرويها أحد إخوانه. يبدأ الخمول بالتسرب إلى الجلسة بعد نشوة الشبع، وتعود الفوضوية إلى المكان، فيتفرقون في الوقت الذي تبدو فيه الجمعة غير منفضة، إلى أن تحين لحظة ما، تبدأ بكلمة أو استئذان أحدهم، ويبدأ الجميع بإدراك أن ما يحدث هنا أيا كان اسمه قد انتهى، وأن الوقت حان للرحيل. فيبدؤون بالقيام، والانسحاب، واحدا تلو الآخر. ويبقى هو واثنتين من أخواته وأصغر أخوانه، مع والدته وأبي عبدالله، والأطفال صامتون الآن، بعضهم يتحلقون حول أيباد، والأصغر نائمون. ثم يقوم أخيرا ويودعهم، ويركب سيارته التي حينما يغلق بابها، يبدو وكأنه انتقل إلى مكان آخر، حيث يراهم جالسين هناك، بجانب الحطب المطفأ، الذي لازال يملؤ كل مسامات جلده، يراهم عبر الزجاج، ولكنه لا يسمع صوتا، ولا يبدو أنه ينتمي لهذا المكان القريب جدا منه بعد الآن، وكأنه يراقبهم من خلال شاشة مربوطة في كاميرا، وهم لا يمكنهم رؤيته. ولكن أبا عبدالله يلتفت نحوه، ويرفع يده ملوحا له، فيرفع يده ويلوح له. يشعل السيارة التي تملؤ المكان صوتا، ثم يمضي إلى خارج المزرعة.

الطريق السريع، الذي يقطعه الآن في الظلام الدامس غرة الشهر، يسمى الرياض-القصيم، لأنهما نقطتا النهاية بالنسبة للطريق. ولكن بالنسبة له في صغره، كان الطريق يمثل المجمعة-عشيرة سدير، لأنهما كانتا نقطتا النهاية له. يقطعه أسبوعيا مع عمه صالح، وبعض أعمامه في أحيان نادرة، يأخذه من عشيرة ظهر الأربعاء بعد الغداء، يذهب به إلى والدته في المجمعة، يجلس هناك في إجازتي الخميس والجمعة، ثم يعود فجر السبت ليأخذه إلى عشيرة، وتحديدا إلى المدرسة. هذا الطريق كان عشيرة سدير-المجمعة بالنسبة له، لم يعرف غيرهما. إلى أن حانت ليلة من من ليالي الثلاثاء، قالت له جدته إنه لن يذهب غدا للمدرسة، حيث أن والدته وزوجها سيذهبون في عطلة نهاية الأسبوع (الخميس والجمعة) إلى الرياض، وسيمرون في الطريق لأخذه. في الصباح الباكر، قرابة الساعة الـ7، وصلت والدته وأبو عبدالله. كانت جدته تصحو مع طلعة الفجر، جهزت الفطور، وأقسمت على الاثنين أن يدخلا ليفطرا. جلسوا الأربعة في الصالة المشمسة، وتناولوا طعام الفطور. أمه الحامل، أبو عبدالله، جدته التي تغطي وجهها بشيلة رقيقة. ويتفاجأ حينها أن جدته تعرف عائلة أبي عبدالله جيدا، تسأله عنهم، يتحدثان عن مزارع العائلة في الجليّلة، قبل المجمعة، فيقول إنهم تركوها وأهملوها، وإن فيها نخلا يطيّح شماغك إذا رفعت راسك لعذوقه وانت تحته. يأتون بطاري مزارع وقرى مندثرة، مزارع الجبير في حشيلة على طريق شقراء، وقصر الحاير في سفيلة الحقيل. يساعد جدته ووالدته في المطبخ، يحمل الصينية التي وُضعت عليها بوادي الفول والزبادي والجبن، ويفطرون في الصالة والكبار يتحدثون، وهو ينصت حتى بدأ يشعر بالملل، فتركهم، وذهب ليتورط بنفسه متنقلا بين أمكنة عديدة في المنزل، حتى وصل إلى مدخله، جالسا بخمول رث، يحدق في الشارع الخاوي، التي لا توجد فيه شجرة، تستحله الشمس الساطعة دون ظل، ويطالع في اتجاه المدرسة حيث يجلس كل أصدقائه. مرت أمامه قطة، تمشي على هونها، حدق فيها حتى تجاوزته، وعيناه شخطة قلم بفعل الشمس، وعلى جبينه حبيبات عرق تلمع مثل الذهب. قام ببطء وتلقف حجرا كبيرا، وازن يده بكل هدوء، وتحيّن اللحظة المناسبة، ثم رجمه بكل قوته في رأس القطة التي تبعد عنه قرابة 4 أمتار، ترنحت عدة خطوات ثم سقطت، حدق فيها مترقبا إن كانت ستنهض، ولكنها كانت قد ماتت، لا شك في ذلك. عاد هو ليجلس على الدرج ويحدق في الشارع الخاوي بملل. خرجوا الساعة الثامنة والنصف تقريبا، وسلكوا الطريق إلى الرياض. استعاد حماسه، يحدق من النافذة، يجلس بين المرتبتين، يسأل أسئلة كثيرة، والشمس تقوى في الخارج، والطريق ينطوي أمامه، ويذهب به إلى أماكن لم يرها من قبل، ويبدأ الطريق يتوسع في هويته، ويتجاوز ثنائية عشيرة والمجمعة. في مرحلة ما من الرحلة، سأل أبا عبدالله سؤالا وسبقه بكلمة “يبه”، وكان يناديه خالي. لم يصححه أحد، لا هو ولا أمه، وراحت الكلمة وكأنها لم تحدث. ولكنه لم يستخدمها بعد ذلك، عاد بحذر ليستخدم مفردة خالي، منتبها لخطئه. فقبل هذا اليوم بأسابيع حدث شيء مقارب، حينما أخطأ وفعل الشيء نفسه مع عمه صالح. ولكن الأخير صححه قائلا بصرامة: أنا عمك مهوب ابوك. وبدا له وكأنه يأخذ الأمر بجدية وحدة، مضيفا بعد لحظة: لا تنسى أبوك. كانا على هذا الطريق، وكان الوقت ظهرا، بعد خروجه من المدرسة، وشمس الصيف تحرق وجهيهما. لا تنسى أبوك. لا توجد سيارات كثيرة تخرق ثقوب ضوء في الظلام الدامس، بدا وهو يحدق أمامه أنه الوحيد الذي يسير في هذا الطريق الآن في تلك الساعة، وقد كان هذا أمرا غريبا، حتى واجه أخيرا سيارة في المسار المواجه، تقترب سريعة، بثقبي الضوء، ثم تتجاوزه، ويعود الظلام الدامس مرة أخرى. بعد تخرجه من الثانوية، انتقل إلى الرياض ليدرس في جامعة الإمام. جلس ترما كاملا، كان يتردد خلاله أسبوعيا من هذا الطريق، يجلس عطلة عند أمه وعطلة عند جدته. ولكنه لم يتأقلم مع الوضع. المدينة واسعة ومزعجة، وأناسها مختلفون. يفتقد جمعات المغرب اليومية في بيت جدته، والمزرعة التي بدأ يعمل فيها بعد أن أهملها أعمامه، وطلعات الكشتة والصيد في بر سدير، ورمضان حينما حان وهو هناك، الزحام الذي يحدث في المطبخ قرابة المغرب حينما تتجمع عماته، والروائح التي تعثور قوية في البيت القديم الصغير. وأيضا إلى أحاديث الزراعة وطريقة الكلام ونوعية النكت والمزاح والحدة والتقشف في المكان، وأخيرا إلى جدته. أشياء خاصة ودقيقة. قرر العودة إلى عشيرة، وإلى الوظيفة في البلدية التي وعده عمه خالد بها. سكن مع جدته حتى توفيت قبل سبع سنوات، دمعت عيناه ولكن دون بكاء في جنازتها، ودمعت مرة أخرى بعدها بأيام ذات صباح اعتيادي. ثم تزوج مباشرة واستقر في البيت نفسه الذي تربى فيه والده، وصار له. رممه قبل سنتين، حتى اختلفت ملامحه، ولم يعد فيه شيء من البيت القديم. أحيانا تطرأ عليه تلك الفكرة، أنه أكبر منه حينما توفي، خصوصا قبل ترميم البيت، حينما يأتي طاري الغرفة التي كانت جدته تحب حكاية قصص عنها، غرفة والده قبل زواجه. الطريق مظلم، وهو الآن يستطيع السير بسرعة أكبر، ولكنه لا يفعل، يفتح الدريشة ويتكئ بساعده المشمَّر على حدها، ويحدق بهدوء أمامه، ويفكر في أنه لو قابل والده، سيكون أكبر منه، وسيعرف عن الحياة أشياء أكثر منه، ويبتسم باستعجاب أمام الفكرة الغريبة التي لم يستطع يوما استيعابها. أبوك مهوب أبو عبدالله ولا صالح، أبوك واحد أصغر منك بـ11 سنة. اقترب من كبري الحوطة، يلمع في الضوء، ومن ورائه بعيدا جدا في العمق المظلم قرية أم جدته، لا ترى طبعا في سواد العين وبُعد المسافة، والبيتُ الطيني الذي ذهب إليه مع عمه بحثا عن صندوق الذهب، ووجداه محفورا. يبعد 15 كلم تقريبا عن الكبري. تمر بطرق غير معبدة، ومزارع تفوح منها رائحة التراب الرطب، وأشعة شمس راكعة نحو الغرب تتسرب من بين أغصان النخيل الذي يزف الطريقَ من الحافة. هذا ما يذكره على الأقل. لم يذهب له بعد ذلك. يقترب من مدخل الكبري، ويتجاوزه، ويصير وراءه. يفتح جواله، ولكنه يغلقه، ويترك الرسائل التي تجمعت طوال ساعات غير مقروءة.

البيت مظلم تماما. يصعد إلى الأعلى، يدغدغ قدم زوجته ليوقظها، ولكنها تنفض قدمها وهي تنهره، فيدغدغ قدمها مرة أخيرة ويخرج. ينزل إلى المطبخ، يقف محدقا بعد أن أشعل الضوء، ويقرر. عمل سندوتشتا جبن، ثم أخذ يفتح أدراجا ويبحث عن أشياء، وعلى وجهه يعلو تعبير من التورط. كانت تقف عند باب المطبخ، ببطنها المنتفخ في شهرها السادس. وش تسوي؟ تسأله بوجه ناعس. فيرد ممسكا بإبريق: ذاك اللي سويتيه لي ذاك اليوم. تهز رأسها باستعجاب منهك: ببريق شاهي؟ فيحدق فيه ثم يرفع نظراته: إيه وش المشكلة؟ ولكنها تقترب منه وتسحب الإبريق، وتتولى قيادة الموضوع: اجلس أصلحه أنا. يجلس على كرسي أمام طاولة بلاستيكية عليها طوفرية فيها شوكولاتة مصففة ومجهزة لعزيمةٍ ظهر الغد في بيت أهلها. تتحرك أمامه، تخرج أدوات، ومقادير، وتشعل الضوء. بطنها أمامها مسافة نصف شبر تقريبا، وهي تلبس بيجامة نوم قطنية، يتطلع فيها، وهو يأكل ساندوتشته. على وجهها آثار نعاس، ولكنها تجهز له مشروبه، وهي تحمل ابنه داخل بطنها المنتفخ، بينما يجلس هو ويراقبها، بشبه ابتسامة، وفي المكان المضيء وسط عتمة البيت رائحة حليب وشكولاتة ونوم. تنتهي وتضع الكوب أمامه وتجلس قبالته. تلاحظ ملامحه باستغراب فتبتسم: وش فيك اليوم؟ فيرد مبتسما: ما فيني شي. يتمطق بلسانه ليزيل بقايا الأكل العالق في فمه. يخرج غليونه ويشعله ثم يقول لها وهو يتكئ على الطاولة: بقولتس سالفة. تسحب نفسا ملولا بطريقة مفتعلة. ولكنه يكبح اعتراضها: بتجوز لتس، تعرفين نفود الثويرات من جهة الزلفي؟ فترد ساخرة: أروح لها كل اسبوع. ولكنه يكمل وكأنه لم يسمعها: كنت طالع أنا واثنين من أخوياي آخر الشتا، توي ساحب على الجامعة وراجع من الرياض، جدتي لها كم أسبوع متوفية، مع طلعة العصر في اليوم الثالث خذت شوزني وقربة ماء ويممت بعيد وطويق عن يساري مثل حبة تمر، أبي أصيد لحالي، مشيت مشيت مشيت، بتلت أمشي. الرمل يا هند، يا الله الرمل، يلمع أحمر مثل الدم، ثم تستوي الأرض، ثم يرجع الرمل فاتح، والجو صافي ما به هبة هوا ولا رذاذ تراب، النقر الرفيعة والصغيرة ترقى وتنوّخ مثل موية بحر واقف، وحشا النفود إذا اندفنت رجلك فيه ينبض ببراد آخر الشتاء، النفود قدامك مثل ما الله خلق الأرض، بليا ترسبات وتعريات ووديان وجبال، ممدودة أليييين تسقط عينك. ترقى لك ضلعٍ عجيبٍ فوق خفس، وفي الخفس الغويط تشوف روس النقر الصغيرة، متراصة، مثل راس الرضيع أول ما ينولد، أو ثدي المرة اللي توها والْده، ثم تمر بزرع، خشاش وأرطى وعاذر وعرفج وغضى وحتى مرخ، منثورٍ فوق الرمل نثر، وتصادف سدرٍ فارع ياقف لحاله تحت نقرة، ينبت على حواف واحات وشعبان يابسة في طرف النفود. في امتداد خط عرفجٍ على حافة شعيب، شفت لي غزال، رقيت لي تلٍ صغيرٍ جنبي، وانبطحت على الرمل البارد، صوبت ناحيته، وأنا أتحراه، ثابت وهو رافع راسه للسحاب من فوق، ويناظر، ومن وراه مدّ النفود المتموج مثل البحر اللي يمكن يجرفه في أية لحظة، ولا حولنا أنا وهو إلا صوت المكان المهجور اللي تبرك فيه الريح، مرت دقيقة، ويدي على الزناد، والبراد الخاثر ينفل بطني وصدري، وأنا أشوفه مثل رسمة، والوقت بيننا خاثر ولا تحس به. يوم أطلقت طاح مع رنة الصوت في اذني، ظله الأسود هوى في مكانه، وتشوف رجله ترفس في الرمل. نزلت له، ألين وقفت فوقه، وطلعت سكيني أذكّيه، وأثاريني ما شحذتها، القطع ما تعدى ربع الأصبع في رقبته، والدم يخر مثل موية ساقي وعروقه متناثرة تنتفض وتعثْور، لكنه حي، وعينه اللي كلها رقعة سواد ينزل عليها رمشه الثقيل يغطيها ثم يفتح ثانية، وتحسب انه يشوفك بطرفها، أوسع من سحابة. ثم مات، قمت وشلته، على ظهري، وصلبت به للخيمة حد الجنوب، وأنا أحسب انها قريبة، وأثاريني بعيييييييد بعيد، رجلي تدعس في الرمل وتغيص ألين تنغزني برودة الحشا في أسفل الساق، وأنا ماشي، شايله على ظهري ألين نوّخ بي فسحبته وهو يحفر في الرمل ساقي. ما كملت كم متر إلا وطلع لي ذيب، ذيك المنطقة مشهورةٍ بالذيابة عند معاشب حصنٍ جنب وادٍ نسيت اسمه يجري مع السيل القوي. ناظرني وناظرته ثم ما دريت به إلا صوّب جهتي وطرحني وطيّر الشوزن عني. أطرق لحظة وهو يحدق في الفراغ بتفكر، ويُعمل أسنانه فوق لسانه ليتصيد رذاذ تبغ في فمه، حتى وصل به إلى شفته، فتلقفه بسبابته، وحدق فيه لحظة، ثم نقره بإبهامه، وأكمل متفكرا بوجوم: تدحوسنا في الرمل، والموت والله على طرف وريدي، أثمه المهجوج مثل مغارة قدام وجهي وأنا ماسكه بيمناي ويسراي مع رقبته، ريحة أسنانه ولسانه ولهاته لحم ودم وجلد وعفن، شيٍ ما تقدر توصفه، ريحة موت، قطّن وانصبغ به. أطرق مرة أخرى بتفكر أعمق. تقلبنا وأنا يدي في رقبته، عيوني تسددت بالرمل واستطعمته في قاع حلقي، لويت حدى سيقانه وأظني كسرتها، أرخى رقبته وحسيت به يقفي وهو يعوي مجروح، ثم هج يعرج، تركّيت بمرفقي، توي ما بعد استوعبت، والتراب منثورٍ على وجهي وشعري، ثم نقزت بسرعة وركضت للشوزن ووقفت وصوبت ناحيته وهو يركض ويصغر وأسمع عويه الجريح يتكسر في المسافة، ثم ثورت والصوت في أذني يرن، والرقعة السوداء لجسمه انهدت واستوت مع الأرض، مشيت له، وأنا فارد الشوزن على طرف ساقي ألين وصلت له، الرصاصة في بطنه وهو يعوي، عيونه ترمش، وهو مدري يناظرني والا يناظر فوقي، الهواء شرقي ويهفهف ثوبي وينفخ في جلدي، والرمل للحين في قاع حلقي ويصبغ مسامات وجهي، والشمس فوق سلاسل النقر تبرك وسيعة مثل ضحكة بزر، أذكرها زين تسنها الحين، وهو يعوي. ثورت في راسه وتناثر. ثم رجعت للغزال وشلته، وكملت، وأنا أقول الخيمة يمّي أكيد. غابت الشمس ولا لقيتها. مكسر ومعضوض وجوعان وفي عيني يبرك كل نوم العالم وتعبه. تخيرت لي شجرةٍ غريبة نسيت وشهي ونصبت جنبها، جمعت حطيبات وشبيت النار بولاعةٍ معي وشحذت السكين على حافة حصاةٍ حادة، علقت الغزال بلحى غصن على جذعٍ متين وبديت أصلخ وأنا يالله أشوف. صلخت اللي يكفي من الفخذ وتحته الساق وتلّيته كله ثم قطعت منه هبرةٍ أطبخها، وحطيتها على النار وأنا بطني يقرقر جوع وكل عظمةٍ في جسمي تخلخل. بعد حين، يمكن نص ساعة، سمعت خرفشةٍ حولي، تشوّفت وشفت نقطتينٍ تلمع قدامي، حمرا في لهيب النار مثل دم، قرب يمّي ألين صار قدامي، أقسم بالله انه هو إلا شوي، نفس اللون ونفس الحجم ونفس العين ونفس كل شي، لكن مهوب هو، ذاك يرقد هو وراسه المفجور ورى بعيد، لكن أقسم بالله انه هو الملعون. قمت بالشوزن أناظره، الجروح على وجهي تلسعني للحين، الشلوخ في يدي ورجلي توزّ للحين، ولقيتني أسأله: وش تبي؟ وهو يصر أسنانه ويكشر في وجهي. خذت الفخذ كاملة وجدعتها عليه، ثم ولا كأني قدامه، انكبّ عليها وسفهني، نساني، وجلست، أشوفه ينهش في اللحم، وأنا قدامي الهبرة الصغيرة أشويها على النار. توقف عن الحديث وهو يحدق أمامه مبتسما، ويبدو منهكا، فسألته ببرود ناعس: وش؟ في صوتها بحة الصمت الطويل. انتبه واتسعت ابتسامته: ما ودي أقول، تكفين، بتخرب السالفة. ولكنها لم تعلق، وتطلعت دون مبالاة، فأكمل: أنا واياه واحد. وضحك بخفة، مطلقا حركة لامبالاة ساخرة من يده. أطرق لحظة ثم أكمل: لذا يوم طلع ذيبٍ ثاني، رحت وتليت الباقي من الجذع وجدعته عليهم، وجلست قبالتهم والثالث طلع ودخل معهم، وأنا ماسك الشوزن، وآكل لحمتي اللي استوت، وهم ينهشون، ولا تسمع بيننا إلا صوت الأسنان في اللحم. ويوم خلصت جلست أناظرهم، وأسمع صوت الهرش يختلط مع خرفشة النار، واحتريتهم يخلصون، ثم أطلقت طلقتين في الهواء، فارتاعوا وكشروا في وجهي والدم يقطر من أسنانهم ثم سحبوا الباقي واختفوا في السواد، وجلست مستند على ساق الشجرة، وقدامي النار، وماسك الشوزن، ونمت بعد ساعة يمكن. يوم صحيت يممت غرب من جهة الجنوب، ألين طحت في الخيمة حزة الضحى، وأخوياي مختفين، واحتريتهم لين جوا من طلعتهم يدورون علي. أطرق لحظة وهو يحدق فيها بنظرة ذات معنى، مستندا بثقله على ظهر الكرسي، ممسكا بغليونه، ثم أكمل: هاك اليوم كان الثلاثاء في العطلة الطويلة، كان المفروض نرجع الاثنين، بس عشان الضيعة تأخرنا يوم، الثلاثاء هذا هو اليوم اللي جيت فيه لبيتكم مع عمي صالح، عشان الملْكة، تذكرين؟. انتبهتْ بتفحص وآثارُ النعاس لازالت تحدد ملامحها المليحة والحادة، فأكمل وهو يبتسم بشيء من الوقاحة ويسحب دخانا من غليونه وينفثه بصمت، يسمح للحظة أن تتمدد. هاك اليوم غريب، جاي وانا متعثور تراب ووصخ وممخوش ومجرح ومكسور، الوقت كان ظهر، والشمس تضرب في الأرض مثل تنور والديرة نايمة، وجالس في صالة بيتنا، جدتي لها كم أسبوع متوفية، ما تسمع ولا حس، يالله صوت النفَس، وانا جالس في وصخي، ريحة الدم للحين تنقع في جسمي ولزوجة العرق تلاصق في جلدي، دخلت في غفوة ونمت، قبل فترة من ذاك اليوم عرفت لي شايبٍ في سوق الزل بالرياض يوم اني ادرس بالجامعة وأسحب عليها وأروح أطقطق هناك، شريت منه زوالي لمسجد الدهش في المجمعة، يجي بترمسه وأمره، ونقعد نسولف، مريته ثلاث مرات، يقول بعد موت أخوي بست أيام، أتصل علي واحد ما أعرفه ولا أتبين صوته، يقولي تراكم دفنتوا أخوكم وهو حي، طيب من أنت؟ يقول أنا شفت أخوك مرةٍ وحدة في عرس، وجاني في الحلم، يقول قل لاخوي تراكم دفنتوني حي حسبي الله عليكم، الشايب يقصها علي وانحن جالسين قدام محله وشمس العصرية باردة في مطلع الشتا وورانا متكدسةٍ الزوالي اللي فيها حمرةٍ تفقع العين، والناس تسري حولنا والصوت ياصلنا همس وخشخشة، ويقولي وهو جامد ومحدودب مثل عامود نور: من يومها ما نمت نومة أوادم يا فلان. المهم، هالسالفة كان راح عليها أكثر من سنة ذاك اليوم وانا جالس في وصخي في الصالة بلحالي، والشمس حولي مثل سحابة، بس مدري وش جابها، جت وانا منسدح مكسر ومهدود، وقعدت أتخيل هاك الشايب واخوه، كان وراني صورةٍ له وهو واقف في الاستوديوهات القديمة بشنبه الخفيف وغالوقته المطقوقة على رقبته وملامح التسعينات الهجرية على وجهه، يوم غفيت شفته، الأخو، كان محمّل زوالي مسجد في ددسن وماسك خط القصيم وانا معه، ونمشي ساكتين ونطالع قدامنا في الغيم، وبس. أطرق ليأخذ نفسا من الدخان، والصمت لازال يقوم بدوره في شحذ اللحظة. قمت على صفرة المغرب، وعمي صالح يدق على البيت ويخسخس لي يالحمار يالهيس يالتبن قم تعال، قمت وسبحت وجيت لبيته، والشايب واخوه والذيب والغزال من قبلهم للحين يلفون مثل غيم في راسي والدم والمخوش والجروح للحين تزنّ في جسمي، وطمرنا لبيتكم، عقدنا الملكة مع المطوع وراسي الرطب يضربه هواء المكيف وفي جلدي للحين أثر الحر الناشف للنفود وماطى لسعة البرد في آخر ساقي وانا شايل الغزال على ظهري، بعدها طلع ابوتس واخوانتس وعمي، وقالوا اجلس لا تطلع، وانا ساكت وساج، ثم دخل أخوتس الصغير. وهنا بدأ يبتسم ابتسامة ضاحكة ذات معنى. ثم دخلت أنت، تذكرين؟ كنت لابسةٍ قطعتين، بلوزة حمراء عليها نقشاتٍ بيضٍ على الكتف، الصدر النابت شايلٍ القماش ورسمة الحلمة واضحة على أعلى نقطتين فيه مثل ذوليك التلال في النفود، وتحت لابسة تنورة كحلية طويلة، مهيب ضيقة ولا وسيعة، لكن رسم الفخذ والردف باين بالحواف المشدودة، وجلست، أذكر ان صدري انكمش تسني متروع وانسحب منه الهواء وصرت يالله أتنفس، وجهتس فيه أثر مكياج، مهوب كثير، ولمعة النور تسطع في الخد، وانا جالس والعرق أحس به يسيل على مسرى عظمة الظهر ويبوّخ في فروة راسي، نسيت البر ونسيت الغزال ونسيت الذيب ونسيت الشايب ونسيت انك تدفن وانت حي ونسيت موتة جدتي ونسيت كل شي، وما بقي إلا ذا البنت اللي جالسةٍ قدامي راسها صالب وظهرها فارع ولمعة النور تسطع في خدها، ولا يفصل بيني وبينها إلا اخوها. كان يرمقها مليا بتفكر عميق وواجم، يكاد يكون حزينا حينما انتهى، والدخان من غليونه الممسك به بجانب وجهه قد انطفأ. تطالعه بابتسامة تأمل ناعس طفيفة، يعتريها شيء من التفحص، وهنالك طفح احمرار يتلون تحت وجنتيها. في وجهها إنهاكٌ وشكّ. قالت مؤشرة بطرف رأسها: اشرب تراه بيبرد. فهز رأسه وهمس بنفس الوجوم الباسم: بشرب. وضع الغليون ورفع الكوب وشرب. يجلسان قبالة بعضهما. تمد هي ساقها اليمنى على الجنب، نحوه، لكيلا تضغط على بطنها المنتفخ الذي يلمس حافة الطاولة، وتتكئ بثقلها على ظهر الكرسي، بينما يجلس هو متكئا بمرفقيه على الطاولة، بارزا نحوها.


 

Advertisements

One thought on “حب

  1. احمد الحقيل … ايها المتعب …
    لقد اتعبتنا مايكفي ونحن ندور في دوائرك حتى تعبنا اكثر من ضاري .
    واصبحنا (على حافة الوعي) ونكاد نفقدة من تزاحم الافكار . اللهاث خلف كلماتك المتعبة (الجميلة)
    ……
    وهأانت الان تاخذنا لمزرعت ابو عبدالله وتعيدنا ثم تذهب بنا في صحراء موحشة ليس بها الا الذئاب التي اكلت غزالك الوحيد …..
    احمد الحقيل …. من يقراء لك يجب ان يكون مستعدا ل الركض والتعب
    مع شخوصك وسردك ومفرداتك .
    …. لك اجمل تحية من احد الراكضين خلف كلماتك ومفرداتك …
    محمد القدمان . جنوب الاردن

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s