Network .. قراءة في سيناريو بادي تشايفسكي

 

“هذه ليست مراجعة نموذجية .. هي أقرب لمحاولة تحليل ما طرحه تشايفسكي في نصه”

 

 

بعد أن عرض فيلم الشبكة في عام 1976، قال أحدهم لكاتب السيناريو بادي تشايفسكي “ما الذي حدث لك ؟! لقد تحولت إلى صناعة أفلام سريالية” فرد ببساطة “لازالت أعمالي واقعية، المشكلة أن الواقع نفسه هو الذي تحول إلى “مسخرة”

المؤسسات الإعلامية نوعان: حكومي، وآخر تجاري مستقل .. الأول يرتبط بآيديولوجيا الدولة، والثاني يرتبط بآيديولوجيا المادة والمجتمع .. في الفيلم يصر آرثر ينسن رئيس مجلس إدارة الشبكة على أن العالم لم يعد مقسما إلى أمم، وشعوب، وجغرافيا، وتاريخ، وإنما إلى شركات، إلى كيان متكامل تحكمه حركة الاقتصاد، والصناعة، والتبادل التجاري .. وبالتالي فإن الإعلام المستقل لا يختلف كثيرا عن الحكومي، كلاهما تحكمه نفس الفلسفة التي تحكم عالم العولمة: الشركات، بكل ربحيتها وأجنداتها وبرغماتيتها ..

ولكن الإعلام يحاول رغم ذلك أن يتبنى فرضية اقترانه بالواقع، كانعكاس له، ولكنه يسقط سريعا أمام مطالب الترفيه باعتباره معاكسا للواقع، الذي يتميز بكآبته وتعاسته الجامدة وانحلال فردية فرده .. الاختيار بين: الواقع – الترفيه، يمثل معضلة الإعلام، ولكنه ليس المعضلة الحقيقة، فهو تفصيل للأصل، والأصل هو دائرة مغلقة تبدأ بسؤال: لماذا يرتبط الإعلام أساسا بالترفيه ؟! .. الجواب أوضح من الإشارة إليه: الجمهور .. ولماذا الجمهور مهم ؟! لأنه مصدر المال والسلطة .. ومن يتحكم بالجمهور ؟! الإعلام .. ولكن كيف من الممكن أن يتحكم الإعلام بمن يحاول أن يرضيه ؟! .. هنا تبرز النقطة الأهم: الإعلام هو كل شيء، هو من يحكم ومن يُرضي ومن يُـرفِّه ومن يصنع، هو منبع كل متناقض، ومن هذا التناقض يكتسب سلطته، لأنه يخلق الوهم ويحاول أن يشبعك به، يقنعك بأنه مجرد أداة تحاول إرضاء رغباتك، ولكنه في الحقيقة هو من صنع كثيرا من هذه الرغبات .. أداة الديكتاتورية العبقرية، حيث تظهر بمظهر أبعد ما يكون عن الديكتاتورية، تماما كما كان يصف تشومسكي الإعلام الأمريكي بأن الحكومة منحته الحرية، ولكنها تتحكم به، فما الفائدة ؟! .. هذا العصر كما كتبت ذات مرة عصر تسويقي، تسويق الماساة، تسويق الفكر، تسويق الريادة، تسويق النموذج، تسويق القوة، تسويق يتلاعب بالحقيقة، ويجعل كل شيء عرضة للتشكيك .. هنالك دول، وآيديولوجيات، ومجتمعات كاملة، تحيا وتتغذى على الإعلام، على التسويق والنفخ الذي يمارسه باسمها .

الصناعة كانت ثورة القرن التاسع عشر، أما ثورة القرن العشرين فهو الإعلام .. لقد أعاد ترتيب الأولويات، من خلاله أصبح يدار الرأي العام الذي يدير بدوره حرية الرأي المزعومة، من خلاله يتم صناعة الرموز وتحطيمها، ومن خلاله تصاغ عقلية المجتمع وتقاليده .. ما تسمعه في الراديو قديما وتراه في التلفاز سابقا وتقرأه في الانترنت حاليا يصبح الحقيقة، الواقع، “الموضة”، كل ما يحدث من حولك هو المشكوك فيه كما تقول شخصية ماكس شوماخر .

ولهذا فالإعلام يُسيّـر لغرضين: الترفيه، والتعبئة .. صناعة المتعة، وصناعة الفكرة .. وما بينهما يسقط هاورد بيل، الرسول الغاضب الذي يشجب نفاق هذا الزمن من جهة، والمجنون الذي يقع فريسة ثورة متبصرة ماورائية من جهة أخرى .. ما بين معضلة الترفيه الذي يركن في زاويته بخوف وجزع، غير آبه بما يحدث في العالم، مكتفيا بأن ينعزل كما يقول بيل في عالمه الصغير الذي يضيق بمرور الوقت، بكل الجزع من مواجهة الخارج والاكتفاء بملهياته التافهة .. وما بين الفكرة التي تسيطر عليها أنساق الأرقام، والمادة، وهوس السيطرة على العقول، التي لا تأبه بتقديم الواقع، أو الحقيقة، الإعلام بالنسبة لهم مجرد سيناريوهات، كما هي حالة ديانا، تركيبة من خيال منفصل عن الواقع، يحاول أن يقدم المشاهد كجزء من مسرحية ضخمة، لا علاقة لها بمهنية البحث .

حينما صنع تشايفسكي شخصية هاوارد بيل، هل كان يتنبأ كما قال روجر إيبرت بما سيحدث لاحقا ؟! بشخصيات مثل جاري سبرينجر وهاورد ستيرن بل وحتى عروض المصارعة الحرة ؟! جميع هؤلاء الذين جسدوا كل أشكال الجنون والهوس والتعليب الإعلامي الذي جسده بيل ؟! .. ولهذا السبب يبدو العمل خالدا، يتجدد مع كل فترة تشاهده فيها، لأنه يتوقع ما سيحدث، ليس بسبب براعته في توقع المستقبل، ولكن لأنه ببساطة قرأ تركيبة الوضع بدقة صريحة متجردة، وقدمها بطريقة ساخرة لا تحاول محاكاة الواقع كما قال تشايفسكي، وإنما لعكس الصورة التي يهيؤها الواقع للحدوث لاحقا، وهو ما حدث .

هاورد بيل هو التطور العكسي لهولدن كولفيلد، شخصية الروائي سالنجر في “الحارس في حقل الشوفان”، والذي اقتبس اسمه بالمناسبة من ويليام هولدن أحد أبطال هذا العمل .. الشخصية الأسطورية التي جسدت انحطاط العالم المادي، الحسي، الحركي، بكل غموضه وهامشيته، بكل صوره وكليشيهاته وسرعته .. بغض عن الفروق الشاسعة بين المستوى الفني والتاريخي للشخصيتين، والمحسوب طبعا لشخصية سالنجر، إلا أنهما يشتركان في نفس الغضب المهووس تجاه تفاهة الأشياء، وإن كانا يختلفان في المنطلقات والنتائج، ولكن كلاهما يظل تجسيدا لشخصية الأمريكي الحديث، الأسير في عدمية السرعة وتفاهة القشور التي يتشبث بها، بانعدام المعنى وضياع الأنا الفردية وسط آلاف من الأنساق المتلاطمة، بخوفه وجزعه من كل ما يحيط به، مما يجعله لعبة في يد كل شيء .. الفرق بينهما أن هولدن يكتفي بغضبه الواعي دون محاولة الصراخ به في وجه الجميع، أما بيل فيريد من كل شخص أن يخرج من نافذته ليصرخ “أنا غاضب كالجحيم، ولن أقبل بذلك بعد الآن” مجرد الغضب، محررا من الحلول، أو المطالب، أو التوقعات .. مجرد الغضب الصاخب، الشاتم، الذي لا يعي جيدا ما الذي يحدث ولكنه يدرك انه غاضب، يشبه الصراخ لمجرد أن تثبت للعالم أنك موجود، أن حياتك كفرد كما يقول بيل “لها قيمة”

النص يطرح فكرة مباشرة: إما أن تكون صانع رأي لتصبح فردا، أو أنك ستُعدُّ مجرد رقم .. رقم اقتصادي في المشاريع والقوائم، رقم إعلامي في معدلات المشاهدين، رقم إحصائي في قوائم الدراسات .. انعدام الفردية ليس أمرا مستجدا، فهي جزء من التشكيل البشري القائم على “العقل الجمعي” الذي يسلب فردية الإنسان، الفردية التي تحاول الحضارة المدنية الحديثة أن تنتصر عبثا لها، ولكنها تفشل في كل اختباراتها .. الإعلام جزء من لعبة الشركات كما يقول ينسن، لعبة فقدان القيمة الذاتية للفرد كما يقول بيل، لعبة تحويل المجتمع ومشاكله إلى سيناريوهات ترفيه كما تفعل دايانا .. ولكن من هو الفرد حقيقة ؟! هاوارد بيل لا يصرخ هوسا بانحطاط العالم، فالعالم منحط منذ الأزل، وإنما يصرخ بعدم انتصار الحضارة الحديثة لفردية الفرد، فشلها في أن تمنعه من أن يتحول أشد من ذي قبل إلى دمية قابلة للتحكم، والسخرية .. ولهذا يقول تشايفسكي بأن أفلامه لم تتحول إلى السريالية كما اتهمه البعض ساخرا، وإنما العالم هو الذي تحول إلى “مسخرة”

أن تضع هذا كله في نص بهذا الوضوح والمباشرة، أن تستطيع تشريح الوضع الاجتماعي الذي أصبح انعكاسا لسطوة الإعلام، هو أمر مثير للإعجاب .. وهو ما جعله قابلا للنجاح على يد أي مخرج، ولكن سقوطه في يد مخرج كسيدني لوميت يجيد صناعة التوتر داخل المشهد وصل به إلى أقصى مراحل ديناميكيته العصبية .. العمل كصورة لا يبدو متمددا بشكل مثير، صُـنع كما في 12 رجل غاضب بعقلية مسرحية، تتجرد من مؤثرات الموسيقى والصورة، تقوم على التفاعل الدرامي وسط المشهد، على تراكم الحدة التي تتزايد مع كل شخصية، وحوار، وانفعال، حتى تصل إلى الذروة، ولهذا يتميز العمل بحوارات عظيمة، بأفكار مباشرة تتوغل في دقة الوصف، الدرامي والواقعي للحالة .. جميعها تصاغ في مشهدية حادة محتدمة يجيدها سيدني لوميت، وبطاقم أداء يعد من الأفضل على الإطلاق .

ونتيجة لهذا، توجد لحظات جبارة لا تنسى، يشترك فيها إتقان الفكرة وعظمة الأداء وجودة التنفيذ .. الانفعالات الدرامية التي تشترك مع عمق الدلالة الفكرية وحدَّة التفاعل المحتدم، أنتجت عدة مشاهد تنحفر كالنحت، غير قابلة للنسيان .. مشهد الـ”بول شيت”، مشهد الغضب، مشهد الانهيار الأول لبيل واعتراف التبصّر الماورائي، مشهد خطاب “العالم تجارة مستر بيل”، مشهد “أنا حقيقي، أنا أعيش هنا، لا تستطيعين الانتقال إلى قناة أخرى”، مشهد النهاية السعيدة ظاهريا واليائسة باطنيا لشوماخر .. ثم مشهد الاغتيال الكاريكاتيري .

ما يؤخذ كثيرا على السيناريو أنه “مباشر”، بلا حواشي، شخصياته وأطروحاته مجردة بشكل يكاد يكون مخلا .. وهو أمر رغم صحته النسبية إلا أننا من الممكن أن نتغاضى عنه، فالعمل قائم على المشهدية، على التفاعل الدرامي داخل المشهد، التركيبة الفردية للشخصية مسرحية إلى حد بعيد، بانفعالاتها الدراماتيكية وحواراتها المباشرة، تُـقدَّم وتُـشرَّح من خلال تفاعلها هذا، وليس بتقديم قصة حياتها وطريقة تفكيرها وتفاعلها الذهني على مراحل تطورها الدرامي .. ولكن هذا لا يمنع وجود نوع من الخلل، خصوصا في الاعتماد على التفاعل الاستعراضي في أكثر من مشهد لإيصال الحالة العاطفية للشخصية، ولكن لأنها تطرح بجاذبية كبيرة، حواريا وأدائيا، فلا يبدو الخلل واضحا، غير أنه يظل ثغرة في مجمل النص كتركيبة متكاملة .

شخصيتا بيل ودايانا هما الأكثر تأثيرا، رغم براعة أداء وليام هولدن لشخصية شوماخر ولكنها تظل طافية وراء السطح، ليست محركا رئيسيا للحدث، وإنما هي أشبه بموعظة رومانتيكية لما يحدث، بين ما كان وما أصبح عليه العالم، انقياد هولدن ممثلُ الأصالة – رغم هشاشتها أصلا – لدايانا ممثلة الحاضر بسطوة خاضعة، حتى في عملية الجنس، يمثل خضوعا للفرد، ثم انعتاقه الذي يعد انتصارا له، في نفس الوقت الذي يعد فيه اغتيال بيل انتصار للعالم الذي يتحكم بعقلية الفرد .

رفض كثير من الممثلين أداء هاورد بيل، هنري فوندا وصفه بـ “الهستيري”، وحينما تم اختيار بيتر فينش كان يعاني من بداية أعراض مرض القلب، وهو ما لم يكن يعلمه المخرج لوميت، حتى أن المشهد الأكثر شهرة “أريدكم أن تغضبوا” تم تصويره في محاولتين فقط .. ثنائية بيل ودايانا تتأرجح بين شكلين هستيريين: الهوس بالسيناريوهات المصنوعة في حضارة الوهم الإعلامي، والهوس بالفرد داخل داخل هذه السيناريوهات .. الهوس بالأرقام، والهوس بتحطيم الأصنام .. التطرف الذي صنعت بهما الشخصيتان والذي كان مثار جدل حين صدور الفيلم، هو السبب الرئيسي في نجاحهما، المبالغة في تصوير الفكرة تكشف كمية “المسخرة” التي وصل إليها الوضع، والمحيط الذي تدور فيه الشخصيات .

المثير للسخرية حول تعليب الإعلام والكيل بمكيالين، أن تشايفسكي نفسه كان مؤيدا لإسرائيل، وحينما اقترح لوميت اختيار الإنجليزية فانيسا ريدجريف لدور دايانا اعترض تشايفسكي بسبب دعمها لإقامة دولة فلسطينية، فأخبره لوميت أن هذا يعد كوضع “لائحة سوداء”، فرد السيناريست “ليس إذا فعله يهودي لغير يهودي” .. ربما كان ساخرا، رغم أنه عرف بعنصريته، ولكن هذا – رغم الافتراضات – يعد انتصارا لفكرة تشايفسكي نفسها، وهي أن أكثر الناس وعيا بالمشكلة، قد لا يكونون قادرين على عدم التورط فيها .

العمل رغم مشاكل الصياغة وبناء الحالة الذهنية للشخصيات على مستوى التحولات والتبدلات، إلا أنه يظل عملا مهما للغاية، وطليعيا، وتنبأ بكثير مما حدث، بأداءات عظيمة، وأفكار تستحق التداول .. قراءته كما فعل بعض النقاد كانعكاس غير معقول للواقع هو إهمال لقيمته الساخرة، العابثة تجاه هذا الواقع .


Advertisements