كنوت هامسون، وخصوصية التجربة الذاتية

 

ككاتب، أستطيع أن أخبرك بأقسى ما يمكن أن تختبره، وهو أن يكون لديك شعور عميق تجاه شيء ما، ثم حينما تكتبه، يظهر مبتذلا! إنه شكل من الألم، أن ترى عاطفتك النبيلة تتحطم هكذا، دون أن تعلم لماذا بالضبط.

كيف يحدث الأدب الرديء؟

يحدث لأسباب عديدة طبعا، ولكن من أهمها في رأيي هو أن الكاتب يثق في انطباعية عواطفه الشفهية أكثر من اللازم.

إنطباعات الإنسان الحميمية خاصة جدا، إنها نتاج تجربة حسية وعصبية تفاعلية. ولذا فإن نقلها إلى خارجه يكون في الغالب مبتذلا لأنها تخسر أهم مواصفاتها: الخصوصية، زاوية الرؤية الشخصية. كيف تقنع شخصا خارجك بقدسية تجربتك الشعورية هذه؟ كيف تبيعه هذا الشعور؟ أعظم مهمة للأدب/الفن هو نقل هذه الحميمية بخصوصيتها. العواطف في حد ذاتها نتاج فائض، في كل مكان، متوفرة لدى رجل الشارع البسيط، لدى الطفل، لدى الجاهل، لدى المثقف، على حد سواء. ستجدها نبيلة حميمية مندفعة لديهم جميعا. العواطف – إذا جاز لنا إصدار حكم وعظي – لا تصنع أدبا عظيما. ما يصنع أدبا عظيما هو السياق الذي تعيش فيه هذه العواطف. وهنا يأتي أهم عنصر في أدب القرن العشرين: التجربة. أنت لا تقرأ، ولكنك تعيش. أنت لا تفكر، ولكنك تحس. أنت لا تُلقَّن، ولكنك تجمع.

في كل العصور تقريبا منذ “اختراع” الأدب، ستجد رأيا يقول أن الأدب استهلك نفسه. في رواية البريطاني جورج جيسينج المهمة new grub street عام 1891 ستجد تجسيدا لهذه النبوءة المتجددة في صراع مثقفين “يحترفون” الأدب – كتاب نقاد أكاديميون ناشرون – ويعيشون نوعا من اللاجدوى في ظل تلك التخمة التي كان يمر بها النشر عموما. إنه أسلوب دفاعي يستخدمه محترفوا الأدب مهما اختلف زمنهم لتبرير “فشلهم” المحتمل في إضافة شيء “جديد”، على اعتبار أن الجِدّة هي معيار القياس المتفق عليه تقريبا، إعطاء أنفسهم زخما دراميا بافتراض أنهم يعيشون زمنا صراعيا ضيقا يفصل علاقتهم بمهنتهم ويجعلهم هامشيين. وأنت تقرأ الرواية، ستشعر أن هذه النبرة لم تتغير، وأن الرواية قد تكون مكتوبة في 1991 وليس العكس. ولذا وأنت تقرؤها لن تصدق أنها كانت على أعتاب أهمّ ثورة أدبية/سردية توشك أن تحدث: هامسون وستريندبرغ هنري جيمس وموزيل وبروست وجويس وتوماس مان وكافكا وفوكنر. أكثر عمل يجوز القول أنه استهلّ هذه الثورة، هو رواية الجوع لهامسون. إنها مانيفستو الحداثة، أو كما يقال: أول روايات القرن العشرين التي كُتبت في القرن التاسع عشر!

ولكن لأشرح شكلية هامسون الثورية في الجوع تحديدا وما بعدها، يجب أن أتكلم عن ماهية هذا الشكل.

أولا، هنالك حدث مفصلي في حياة هامسون يجب الاستهلال به. فحينما كان في الخامسة والعشرين من العمر، تم “الحكم عليه بالموت” حين تم تشخيصه بمرض السل، إلا أنه تم إعادة تشخيص المرض كالتهاب شعيبي. في رسالة مهمة أرسلها هامسون إلى إريك سكرام في يوم البوكسينج داي عام 1888، نجده يصف ردة فعله بعد سماعه الخبر “لقد ألهمتني برغبة يائسة في أن أذهب إلى بيت دعارة في المدينة وأُذنب، أُذنب بفخامة وأقتل نفسي بفعل ذلك. أردت أن أموت في الخطيئة، أهتف منتصرا وألفظ أنفاسي في الفعل” ولكنه لم يفعل ذلك، وإنما وجد متنفسه في الضوء والنار، وهو أمر سأستفيض فيه أكثر في نقطة مهمة آخر المقال. فمن هذه الحادثة، ربما “تغذّت” – ولم تنشأ – تلك الرغبة الضمنية الغامضة في الخطيئة، التي هي متأصلة في كل روايات هامسون، كردة فعل احتقارية على الاقتراحات الميتافيزيقية/الشعرية التي يحاول الدين/الأخلاق تقديمها للإنسان. هامسون الرافض لكل الأجوبة، يجد ملاذه في الحس والذاتية، التي تكون منطلقا لكل روحانية أو صوفية لديه، كما سأشرح لاحقا.

في مقال سابق عن بيرنهارد، تحدثت عن سلم كرونولوجي يتكون من: دوستويفسكي-هامسون-كافكا-بيكيت-بيرنهارد. وقد يضاف ستريندبرغ بين دوستويفسكي وهامسون. فبينما انطلق معظم الأدب السردي مما يحدث خارج الإنسان ثم إلى داخله، استهدف هؤلاء تقديم الإنسان من داخل تجربته النفسية ثم إلى خارجه. كل ما يحدث يحدث أولا في الداخل، ولأن داخل الإنسان وجودٌ شاسع، وغامض، والأهم من ذلك مضمر، وما دام مضمرا فهو مشبوه، فإنه معرض دائما لأن يكون غريبا، والغرابة مفردة معقدة، فوجودها ينفي دلالتها: ما دامت تحدث بكثرة فإنه لا يجوز تسميتها بالغرابة! الواقع يحتكره ظاهرٌ اختزالي يقدم نفسه على أنه نمط اعتيادي “طبيعي”. وبالتالي: ما هي الغرابة إذاً؟ أو بمعنى أصح: أين هي؟ الغرابة بالنسبة لهم هي الذاتية، هي الإنسان في حقيقته المضمرة، التي هي – بنِـسبٍ تزيد أو تقل – في كل واحد منا، ولكنها تختبئ في الهامش، إنها ليست في الهامش لأنها بالضرورة منبوذة، ولكن لنقل منفية، مطالبةٌ دائما بتبرير نفسها. هذا السلم الخماسي يجد شعريته المتحجرة الجافة في الغرابة، ويقدمها على أنها الحالة المزاجية للإنسان الحديث، ولذا هامسون كان يقول “إنني أرى أشياء أغرب مما كتبت وأنا أسير في الشارع”. أبطال هامسون في الجوع وأسرار وبان ليسوا غريبين، ليسوا نتاج واقع شاذ، وإنما هم وجود ينافح عن حقيقيته وطبيعيّته. ولكن لأنهم غالبا يفشلون في إقناع الآخرين بذلك، فإنهم يندحرون، إما يموتون أو ينهزمون أو يهربون. العصر الذي جاء فيه هامسون لم يكن عصر شك وسوداوية فحسب، ولكنه عصر البحث عن منافذ جديدة، عصر كيركجارد ودوستويفسكي وداروين ورامبو وستريندبرغ ونيتشه وفرويد وكونراد. الأخلاقيات/السلوكيات النمطية لإنسان الحضارة الغربية يتم تجريدها، إعادة صياغتها، غربلة البديهيات التي تعيد تشكيل الإنسان ككائن نفسي قبل أن يكون كائنا اجتماعيا، كائن فردي قبل أن يكون كائنا تفاعليا. ولهذا هامسون كان معجبا بدوستويفسكي وستريندبرغ، إنهما أبرز الأمثلة على الأدب النفسي، أدب التجربة الفردية، الذي يعيد الإنسان إلى فرديته، وبالتالي يعيد تبرير أخلاقياته ودوافعه ونزعاته وفق معطيات مختلفة. ولهذا كان يجد مشكلة مع تولستوي مثلا، ومن يشبهه. الأدب الذي يقدم أخلاقياتِ/سلوكياتِ الإنسان الغربي وفق ملحمية الخير والشر، التيه والوصول، البداية والنهاية، الوضوح واللاوضوح. في أغلب روايات هامسون، لا يوجد بداية أو نهاية بالمعنى الفاصل الحتمي، لا يوجد إجابات صريحة، أو حتى أسئلة، لا يوجد وضوح حاد، أو مباشَرة وعظية. كل ما يوجد هو الإنسان، الفرد، وداخله اللانهائي، الذي يتجدد في رصده ومونولوجاته وتجاربه وانفعالاته. ولأنه يتحدث عن الإنسان كفرد، برزت أهم ميزة في رواية الجوع وروايات هامسون عموما. فعندما كان يكتب الرواية أرسل رسالة إلى إدفارد براندز يخبره فيها أنه لا يريد أن يكتب للنرويجيين فحسب، وإنما “للبشر” بشكل عام أينما وَجدوا أنفسهم. الجوع سببت ضجة بسبب هذا، إنها قدمت التجربة الإنسانية من داخل الإنسان، بكل خصوصيتها وصداميتها. إنها رواية لاشفهية، محدودة المباشرة. رواية لاقصصية، محدودة القصة. رواية كيركجاردية بامتياز، رواية الحقيقة الذاتية الاكتفائية. رواية “محاولة وصف حياة العقل الغريبة الفريدة، غموض الحركة العصبية في جسد جائع” كما يصفها هامسون نفسه. رواية بطل، ولكن أي بطل؟ من يكون؟ من أين أتى؟ إلى أين يذهب؟ هذا لا يهم، كل هذا لا يهم. ما يهم، هو التجربة الآنية، هو ما يحدث الآن. ولكن ما الذي يحدث الآن؟ لاشيء في الحقيقة. بالضبط، لاشيء، ورغم ذلك: كل شيء. فكل شيء يظل يحدث حتى وإن لم يكن ثمة حدثٌ ما. كل شيء يحدث في نفس الوقت الذي لا يحدث فيه شيء. ومن هذه اللاشيئية/الشيئية النفسية يخلق هامسون بطلا ورواية وعمقا. من أول الرواية، وإلى نهايتها، أنت لست تقرأ، ولكنك – كما أسلفت – تعيش. إنك تعيش في “حالات غموض العقل” كما يسميها هامسون. الحياة – وهي كلمة معقدة – تجربة نفسية ذاتية. الإنسان من الداخل أولا كما تُصر وجودية كيركجارد ودوستويفسكي، وليس من الخارج. إنك تتنقل مع الشخصية في المدينة التي اكتسبت وجودا حسيا بوصفها الدقيق، أنت ترى الشوارع المرصوفة، أنت ترى الأزقة، أنت ترى الأوجه، البيوت الحجرية، الجوع، الهيام. ولكنك  ترى كل هذا من زاوية رؤية البطل، البطل الذي يتّحد جسده الهازل المستنزف بداخله الفوضوي اللاغائي. أنت تهيم، بالضبط كما يهيم البطل. دون هدف، دون غاية، دون وضوح. يروقني أن أفكر أنّ الرواية صراع بين الفردية والشمولية، بين الداخل والخارج، بين البطل الفنان ومدينة كريستيانيا (أوسلو حاليا). فالشخصية الأخرى الوحيدة الحاضرة بقوة، هي مدينة كريستيانيا. فالمدنيّة التي ظلت تتطاول في أوروبا القرن التاسع عشر صارت جزءا من الصراع الإنساني. ستجدها في سان بطرسبرغ عند دوستويفسكي من ناحية الجريمة والأخلاق، وقبلها في باريس عند بلزاك من ناحية الطبقية والنجاح، والآن عند هامسون وكريستيانيا من ناحية فردية الفنان وخصوصيته المعرضة للاستلاب. الإنسان كوجودٍ غامض لامعرف يواجه وجودا غامضا لامعرفا. الإنسان شبيه بالمدينة، فسيح، متعدد، ملموس، ولكنه أيضا متعذر، خفي، متغير. كريستيانيا موجودة في الرواية بكل تفاصيلها، وكأنها موازية للبطل، وكأن البطل يعيش مرة من خلال نفسه ثم يخرج منها ليعيش مرة أخرى من خلال المدينة والمجتمع التي تمثله بطبقاته وتنظيماته وقوانينه. ومن خلال هاتين الحياتين المتداخلتين يضيع الفرد، يتفكك، بل ويُسلب. الإنسان كحشرة كما يصف البطل نفسه وككائن عبثي في صراع لامتوازٍ مع قوى خفية. ربما هو يتخلص من أمواله، يهيم، يجوع، لأنه لا يريد من المدينة أن تسيطر عليه، لا يريد أن يخسر نفسه كفنان وكشخص. إنه يحتقر الخارج، ويرفض كل شيء يقدمه له. إن فيه نزعة فوضوية، ساخرة وناقمة. ولكن لأن المدنية طريق إجباريٌّ مسدود، حشدٌ عدائي احتكاري، فإنه يخسر، ويهرب إلى البحر. ولكنه لا ينهار، وهنا تبرز فرادة بطل هامسون، إنه يواصل، مثل سيزيف كامو – كما أشار لذلك سْفير لينجستاد – الذي يمثل صورة البطل الحداثي، يواصل دحرجة الصخرة، يواصل تأليف قصة وراء قصة، بل ويواصل الهرب من مكان إلى مكان. إنه لا يخضع لفكرة ميتافيزيقية، لا يبحث عن ترويض وجداني مثل أبطال دوستويفسكي، إنه يواصل، بكل عبثية ولاجدوى. لا إجابات، ولا حتى أسئلة. الفعل نفسه فقط، مكررا.

في مقالي عن برنهارد أيضا، تحدثت عن مفهوم التعددية، وهو مفهوم مهم جدا عند هذا السلم الخماسي تحديدا. التناقض التعددي الذي تقوم عليه تركيبة الفرد، وكيف أن تعدد النسخ جزء أساسي من تكوين الإنسان. هامسون أكثر تعقيدا في هذه النقطة. فمن ناحية، هامسون هو كل شخصياته تقريبا، على الأقل في رواياته المبكرة (وهو ما سأركز عليه لاحقا في تجربة الجوع)، مثل برنهارد، ولكن الفرق هو أن لكل شخصية “نبرة” خاصة جدا، تتغير ليس بتغير المكان فقط (كريستيانيا في الجوع، القرية في أسرار، الغابة في بان) ولكن أيضا في السَّـمْت، في صوت السارد نفسه، في إيقاع وصياغة النثر. شخصيات هامسون منصهرة في ذات السرد، في بنيته وطريقته وموسيقيته. وهو ما يصنع شيئا غريبا: جميع هؤلاء متشابهون تماما، ولكن لكل واحد منهم خصوصية متفردة تبعا لخصوصية الإيقاع في كل نص. وهي بذلك تتجاوز التعددية الخاصة لكل شخصية في روايتها الخاصة بفوضويتها واعتباطيتها إلى تعددية شاملة تجمعها بكل الشخصيات الأخرى في الروايات الأخرى ليشكلون جميعا بناء هرميا يعود إلى صوت واحد، ولكنه رغم ذلك يختلف في كل مرة اختلافا خصوصيا منفردا. وهو بذلك أعقد من برنهارد – أو كافكا – اللذان لا تختلف نبرة صوتيهما في رواياتهما. هامسون ينطبق ولا ينطبق عليه في نفس الوقت مفهوم: رواياته عبارة عن كتاب واحد، لأنها فعلا تتشابه ولكنها أيضا لا تتشابه!

ولأنه يهتم بآنيّة التجربة الذاتية لشخصياته، فإنه لا يهتم كثيرا بالإرهاصات والتاريخ، بل أنه أحيانا يعمد إلى تضليلنا، وهو في هذا يختلف نوعا ما عن دوستويفسكي، الذي يجنح إلى التبرير والشرح والبناء المنطقي لكيف وصل هذا إلى هنا وكيف صار ما هو عليه. وهامسون يبدو في هذه الناحية أشبه بكافكا المنفصل، المجتـزَأ، الذي “يحدث” فجأة .. كافكا بالفعل هو الامتداد المثالي لهامسون، ولا غرابة أنه تأثر به كثيرا.

ثمة فرق آخر بين دوستويفسكي وهامسون، ويربط هامسون بكافكا وبيكيت وبرنهارد: النبرة الساخرة. هامسون يصور عجز الفرد في كثير من الأحيان كشيء مضحك، مسل. العجز الذي يعيشه الفرد في صراعه مع المجتمع، مع خياله، مع متطلباته الشخصية، كلها تدعو إلى نوع من السخرية، ولكنها سخرية لا تهدف إلى الضحك، بقدر ما تهدف إلى الاستهزاء، ولذا هو مثل برنهارد لا يجب أن يؤخذ بجدية دائما. ففي أسرار، البطل يجد متعة في تحقير قناعات الآخرين، يهاجم ويتناقض ويتلاعب ويُحدث بذلك استخفافا ساخرا بكل ما هو عزيز على هؤلاء الأشخاص، لا عن قناعة بالضرورة، ولكن أحيانا لأسباب تافهة، ربما الملل! وفي الجوع، البطل تستفزه تقريبا جدية الآخرين، هذه الآلية المتناسقة التي تسير عليها حيواتهم الاستهلاكية المبتـلَعة في جوف المدنية/الخارج الجشع، ولذا يسخر منها ويسخر أثناء ذلك من نفسه أيضا حينما يُـقدِّم نفسه كأضحوكة، يتخلص برضى من كل شيء يربطه تقريبا بهذا الشكل من المعيشة، بأن يتشرد ويجوع ويفتقر ويصير مهرجا تعيسا، بل يجوز القول أنه “فخورٌ” بجوعه، إنه “يُعرّفه”، من دونه هو مثل غيره.

ولأن هامسون عاش متشردا طوال الشطر الأول من حياته، فقد افترض الكثيرون أن هذا البطل ليس سوى هامسون. فقد كتب عدة رسائل ما بين 1880-1888 يصف كيف أنه يتعرض للجوع، كيف أنه رهن كل شيء يملكه، كيف أنه يعيش في عليّة تهب الريح من خلال جدرانها، كيف أنه يتصبر بمضع أعواد ثقاب منطفئة. حتى أن الناشر إدفارد براندز الذي استقبل هامسون وقد جاءه بمسودة الفصل الثاني من رواية الجوع – والتي ستنشر لاحقا تحت اسم مجهول في 1888 – وصف هامسون بأن في وجهه تعبيرا مستنزفا من التشرد والرثاثة والسفر، لدرجة أنه لم يستطع أن يمحوه من ذاكرته. إن هذا عنصر أساسي في كثير من أدب القرن العشرين، الكاتب صار متورطا في كتاباته، ولكن ليس كأفكار، فهنا يكمن الاختلاف عن رواية القرن التاسع عشر الحافلة بحضور المؤلف فكريا/تلقينيا، ولكن كتجربة، كشخص، مما يجعل الرواية عملا يتراوح بين الذاتي والرصدي. هامسون من أوائل من قدموا هذه التجربة، هذا المزيج المشوه، الذي يشتبك فيه ما هو خيالي بما هو حقيقي، أن يضيع المؤلف في احتمالية أن يكون هو بطله وأن لا يكون هو بطله في نفس الوقت (وستكون حاضرة بشكل أقوى في the wanderer). سمةٌ رأيناها عند ستريندبرغ وسنراها كثيرا عند كافكا وبرنهارد.

رواية الجوع تحديدا، وغالبية روايات هامسون عموما، هي روايات تجارب، ولذا فهي روايات نفسية. إنها لا تؤدي إلى شيء، لا تتحدث عن شيء، تعوم، تطرق أبواب كل شيء، ولكن لا تستقر في مكان. تذهب إلى مسارات عديدة، ولكنها لا تنتهي عند نقطة ما. وهو ما يقود إلى أهم سمات أدب هامسون: الإيقاع.

أعود لأكرر أهم ثيمة في هذا المقال، والتي سأعود لأكررها لاحقا، ولذا تحملوني: هامسون لا يُقرأ فقط، ولكن يُعاش. في الجوع مشهد عظيم، وثوري. حينما يسجن البطل في زنزانة مظلمة تماما، ويبدأ العقل بممارسة “حالاته الغريبة” بأن يخترع كلمة غامضة: كوبواا. هذه الكلمة المجهولة، التي تأتي من مصدر مجهول، ودون سياق معين، تعبر عن الظلمة التي يجلس فيها، “كلمة سوداء بما فيه الكفاية لتناسب الظلمة”. ربما سيلاحظ القارئ، وربما لن يلاحظ، ولكن الكلمة تساوي الظلمة، إيقاعيا. ولكن لماذا؟ ربما لأن اللغة ليست سوى مرادف شفهي للأجواء، للحس. لغة هامسون – مثل بيكيت وبيرنهارد – حسية، إن لها تركيبا موسيقيا ونمطا حركيا/سمعيا خاصا بها. في كل رواية، يصنع هامسون لغته متوازية إيقاعيا مع أجواء الرواية. ففي الجوع كان الإيقاع مزيجا من الهذيان والرصد، فوقية الرصد الذي يتميز به متسكع بلا جدوى يعيش رغم تسكعه في داخله ونرى العالم من خلال عينيه، إنه اعتباطي، “حالة عقلية” في متحرك مادي، يتفكك ولا يتَّسق في مسار تراتبي واحد، ولذا اللغة حادة ومبعثرة ولكن موحية، الراوي لا يتورط بل يُشتت، يفتح لك المسارات سطحيا وينتقل اعتباطيا وفوضويا إلى غيرها ويترك لك الحرية لتتورط بنفسك، ولذا هي – إذا أردنا استخدام تعبير رومانتيكي – لانهائية، أنت تتسكع اعتباطيا في أزقة الرواية، بالضبط كما يتسكع البطل في أزقة كريستيانيا، وتصل إلى لانتيجة، مثله تقريبا. وفي أسرار كان إيقاعه مونولوجيا متورطا، ولكنه يعمد عن طريق الكشف إلى التغميض، أي أنه بكشفه يزداد غموضا، ولذا لغته متناقضة متموجة متلاعبة ومتخمة، فيها الكثير من الكلام ولكن القليل من الوضوح، الكثير من الصور ولكن الكثير من الضبابية، يقطع ويتنقل ويتوقف ويسهب ويقتضب، فوضى خلاقة تبدأ من لاشيء (لماذا توقف نايجل في هذا المكان) وتنتهي عند لاشيء (لماذا اختار ما اختاره في النهاية). إنه من أوائل من فعلوا ذلك بإتقان، وقد ساعده في ذلك دقة وحدّة مقاصده، أنه ليس تلقينيا يعتمد على نثرية قصصه وأفكاره، وإنما على تصميم وشكلانية العمل. هامسون، رغم بساطته الظاهرة، إلا أنه من أعقد الكتاب الذين ستقرأ لهم من ناحية تصاميم عمله، في كل مرة تقرأ له تكتشف شيئا جديدا، ليس فكريا فقط، ولكن كطعم، كتذوق، كإحساس. وهنا يتكامل السحر الهامسوني في هذا المقال: الاندماج بين تلك الذاتية اللاغائية الفوضوية التي ينطلق منها غالبا وبين الإيقاع الشكلي المناسب الذي يبني عليه رواياته، يُـنتج: التجربة. تكاد تكون حسية. عواطفها، مشاعرها، روحها (نعم، سأستخدم كلمة إشكالية مثل هذه على مسؤوليتي). حينما تقرأ أسرار وبان والمتجول مثلا، ستجد أن هنالك حضورا عاطفيا طاغيا يكاد يكون محسوسا، رغم أن هامسون لا يصرح كثيرا بهذه العواطف على ألسنة أبطاله، وإن صرح بها فهي تكون مُمَنتجة ومشبوهة، إنه متقشف، وحاد، وذكوري. ولكنك ستشعر بحضور كل عاطفة، الإيقاعات الشكلية التي يستخدمها ليُخرج – لاشفهيا – كل ما يحس به أبطاله، هو شيء لا يمكن استنساخه.

ولهذا ربما ستجد عند هامسون ارتباطا وثيقا بالمحسوس واللامحسوس، بطريقة تكاد تكون صوفية، أو وثنية بعبارة أدق. تلك الرابطة مثلا في الضوء والنار كـ”حب حسي محض، شبق شهواني” كما يصفها هامسون في رسالته تلك لسكرام التي ذكرتها في أول المقال، والتي جعلَـته يفهم هوس نيرو بـ”التمجيد المتأتي من إحراق روما”، والتي ترتبط بشكل آيروتيكي جنسي في رواية الجوع بحالة البطل الذي يرى في الضوء خطيئة شبقية توحي بنار جحيمية، ولهذا – وهنا استكمال رسالته تلك – لم يقم هامسون بالموت في الخطيئة حينما اكتشف أنه سيموت، ولكنه عوضا عن ذلك وجد متنفسه في النار، حيث أحرق ستائر غرفته ذات يوم، “وبينما جلست هناك أراقب اللهب، شعرت – حرفيا وبكل حواسي – أنني كنت أذنب”. الضوء يرتبط بالنار، والنار جحيمية توحي بثنائية الخطيئة/العقاب.

وهنالك الارتباط بالطبيعة في رواية بان، التي تقدمها كصنم، كوثن، كشيء إلهي ولكنه مفرغٌ من الآيديولوجيا الإلهية، شيء محسوس، إله محسوس، يتعامل معه البطل كصنم، لا يعبد فحسب، ولكنه يُعشق، بل وربما يضاجع!

كخاتمة مناسبة للمقال، ربما يجوز القول أن هامسون لن يسقط في فخ امتهان عواطفه حينما ينقلها كتابيا، فهو من أبرع من ينقل حميمية التجربة الذاتية بكل خصوصيتها. ولهذا يستحيل أن تقرأ له عاطفة مبتذلة، كل شيء شيء يأتي حميميا، خاصا، والأهم: حسيا.

Advertisements

توماس برنهارد. العدمية والعدائية

“كل شيء يبدو سخيفا إذا فكر الشخص بالموت!”

برنهارد الفضائحي، العدائي. التشدق الاندفاعي/المتزن في نفس الوقت, الكره المقنن تجاه كل شيء تقريبا: الإنسان، النمسا (دولته)، الثقافة، المدنية، الطبقية. أحدّ نسخ الصوت الحاقد الذي يكمن في كلنا، ولكننا – لأسباب عديدة – أكثر ترددا من أن نسمح له بالخروج. ولهذا هو يخيف ويستفز. أكثر الأشخاص/الكتاب المتهكمين المستهترين الذين ستقابلهم، حياته/رواياته جملة من المتناقضات المتناسقة مع بعضها، لأن الإنسان، حسب تعبيره، ليس سياقا واحدا، وإنما عدة سياقات تختلف باختلاف الزمن والمزاج والحالة. برنهارد الذي سيهزأ بهذه المقالة التي تكتب عنه، وسيهاجم كاتبها بعنف، وسيقلل من ثقافته ووعيه، وسيعيب خضوعه البورجوازي الذي يجبره على ضرورة تفسير كل شيء!

1931-1989. النمسا. عاش معظم حياته في صحبة مرض السل الرؤوي الذي كان “فنه الثاني”. ينحدر من أب لا يعرفه، وأم طورت نزعة القص لديه بأن كانت تنصت لأكاذيبه وهو يروي هروبهما إلى مناطق بعيدة، وجدّ – من جهة أمه – ذو ثقافة علمية واسعة تولى تعليمه ورسّخ في ذهنه صورة الكاتب الفاشل الذي يريد من العالم أن يتمحور حول تجربته الإبداعية. رفض تسلم الجوائز في آخر حياته لعدم حاجته للمال، بينما كان يقبلها سابقا، لأن من الجنون – حسب تعبيره – أن ترفض مالاً أنت في حاجة له، ولكنه يعوض رضوخه بخطابات استلام لاذعة. فحينما تسلّم جائزة الدولة للأدب في عام 1967، ألقى خطابا عدائيا قاد وزير الثقافة وعددا من الحضور إلى الخروج من القاعة. “الوزير المحترم. الضيوف المحترمون. ليس هنالك شيء ليُحمد، شيء ليُلعَن، شيء ليُتهم، ولكن الكثير منه تافه. بالفعل، كل شيء تافه حينما يفكر الشخص بالموت … عصرنا أحمق، الشيطانيّ الكامن فينا سجنٌ وطني أبدي تصير فيه مقومات الغباء والرعونة حاجةً يومية … نحن نمساويون، فاتروا الشعور، حيواتنا تفضح انحطاط لامبالاتنا بالحياة. أفكارنا مهترئة، تجاربنا فوضوية، هويتنا مبهمة. لا يجب علينا أن نخجل، ولكننا لاشيء، ولانستحق شيئا سوى الفوضى”. وكرر نفس الحركة في عام 1972 أثناء تسلمه جائزة غريلبارتزر. وفي عام 1988 أثارت مسرحيته Heldenplaz (ساحة الأبطال في فيينا التي أعلن فيها هتلر ضم النمسا إلى ألمانيا) جدلا هائلا وردة فعل “حكومية” وشعبية تجييشية، إذ تتحدث عن انتحار بروفيسور يهودي بعد عودته إلى بلده النمسا واكتشاف أن النازية لازالت آثارها باقية. وحينما توفي، كشفت وصيته فضيحته الختامية، الضحكة الأخيرة التهكمية، إذ اشترط ألا تعاد طباعة كتبه أو تمثيل مسرحياته في النمسا طوال مدة حقوق الملكية لكل عمل .. إذاً، لا يكاد يمر له عمل (رواية، كتاب، مسرحية) إلا ويهاجم فيها النمسا. المثقفون، السياسيون، الكنيسة، التعليم، البرجوازيون، التاريخ، بل وحتى المفهوم العائلي. كل شيء يتعلق بالنمسا، فهو محل هجوم محتمل. ولكن، لم تكن النمسا الوحيدة في هذا الهجوم. برنهارد هاجم كل شيء تقريبا، الحياة – وهي مفردة إشكالية بالنسبة لبرنهارد – بمجملها كانت فرصة لعداء مشخصن بالنسبة له. يقول “أن أهزّ وأستفز الناس، هذه متعتي الحقيقية”. إن النمسا لم تكن إذاً استثناء. العدائية أو العدمية هي ردة الفعل “الآمنة ذوقيا” تجاه الحياة. فبحسب برنهارد، محاولة تقديم الحياة بصيغة مثالية هي عملية معرضة دائما للتشكيك، حيث أن المتلقي قد يشعر أنك تحاول أن تبيعه شيئا يناقض الواقع، بينما الوقوف في عداء – مبرر – هو ردة فعل حذرة، بل ربما حيادية، وبالتالي متحررة، لامبالية، تقترح موقفا معارضا لكل ما يحدث أمامك، وكل موقف معارض هو مساحة محتملة لفوقية استهزائية مستهترة. إذاً يجوز القول أن عدائية برنهارد ليست شخصية فحسب، ولكن ذوقية أيضا! نظرته المتهكمة، الساخرة، الضاحكة، الفوقية، هي ردة فعله الحانقة المقننة “اللاانفعالية” على كل محاولات التلميع التي يقوم بها الآخرون، الترويج المبتذل لكل مظاهر الامتنان المفتعل، المدنية التي تحاول أن تثبت أنها وصلت بالإنسان إلى الحضارة، الثقافة التي تحاول أن تثبت أنها وصلت بالإنسان إلى التعالي. إنه شخص مهووس بالأصالة، لدرجة أنه لم يعد يراها إلا في حالات نادرة. هذا الهوس بالاستفزاز، الذي يدفعه استفزاز الآخرين، قاده لأن يحارب الجميع، إلا “البسطاء” على حد تعبيره، الذين لا يستطيعون أصلا قراءة أدبه، ولا يعرفونه إلا بفضائحه، ولذا يعاديه بعضهم! حينما يلقي الصحفي سؤالا على برنهارد: لماذا أدبك ينتشر خارج النمسا أكثر؟ يجيبه: لأن الأدب في النمسا مستحقر. ولكن هل هو مستحقر فعلا؟ النمسا أبرزت عديدا من الكتاب المهمين. فبرنهارد، لا يجب أن يؤخذ حرفيا، ويجب أن يؤخذ حرفيا أيضا! كل ما يقوله صادق، وليس صادقا أيضا. لأن هذه هي العقلية المناسبة للمواجهة، العقلية الكافكاوية، التي تقدم كل شيء على أنه سخرية كبيرة، مزحة هائلة عبثية تقف لتراقبها من مكان متعال، عامودها الفقري التناقض التعددي اللامبالي. يجب أن تؤخذ بجدية وألا تؤخذ بجدية أيضا. تخيل أنك أمام شخص يصرخ بغضب، ثم تلمح – أثناء صراخه – زاوية فمه ترتعش قليلا عن ضحكة مكتومة! ولذا يجب الإشارة إلى أهم ما يكسر الصورة النمطية عن برنهارد، وهو أنه ليس كاتبا انفعاليا، هذيانيا. إنه في منتهى الاتزان والحدة، في منتهى الأناقة الأدبية الرفيعة. إنه يكره ويغضب ويندفع ولكن بهدوء مقنن لاارتجالي.

وهذا يقود إلى فهم العدمية البرنهاردية .. مأزق الذين يهاجمون أدب العدمية، وخصوصا الساخر منه، أدب بيكيت وبرنهارد وفيرديناند سيلين كأمثلة، أنهم يحجّمون فهمهم له. يربطون العدمية بالرفض، وليس الإقرار بالقبح والرداءة، ومن ثم الضحك سويا على أننا مجبرون على مجاراة هذا القبح والرداءة. نعم صحيح، هذا أمر مضحك! ينظرون من زاوية “النقيض” الأحادية، إثبات الشيء بضده. بينما بيكيت وبرنهارد وسيلين ينظرون إلى العدمية كحقيقة لا مفر منها، ولذا لا يخططون للفرار منها، ويسخرون من أنهم لا يستطيعون الفرار منها. حينما وجهت صحفية سؤالا لبرنهارد: هل يحدث يوما أن كنت سعيدا؟ رد: في كل يوم أنت سعيد، لأنك لم تمت! (لاحظ كيف أجاب بصيغة الـ “هُو” وليس الأنا) الحياة سيئة، تافهة، رديئة، خصوصا إذا كنت مصابا بسل رئوي. ولكنها منحة، هبة. عدميتهم تحوي نوعا من الامتنان المبطن، المخفى عمدا، وكأنهم مُقـرّون بعدميتهم لدرجة أن ذلك ينتج لامبالاة تطهيرية. ولهذا أدبهم قوي، لأنه أصيل. عدميته، بدل أن تحدث ضمورا وانكماشا، تحقق – وبانسيابية – شكلا من الرضا والنشوة، إشباع الكراهية والغضب والشك الكامن في كلنا، الذي ينقلب بفعل تلك الفوقية الاعترافية إلى سخرية، استهتار. ولهذا يوصف برنهارد أنه أحب النمسا رغم كل هذا الهجوم، رغم كل هذا العداء المعلن. إذ كان الوحيد من الكتاب النمساويين الكبار – هاندكه، كانيتي، سيلان – الذي لم يهاجر. كانت تستفزه محاولات “التلميع”، ابتكار لعبة نفسية لمواجهة القبح: أن تُخفي عوراته لتتقبله دون تأنيب ضمير، دون أن تشعر أنك “بعت” موقفك. ولكن هذا مرفوض، يجب أن يُكشف، أن يُعرّى، أن يهاجم. ويجب أن يحدث كل هذا بطريقة ساخرة مستهترة تتهكم بكل ما هو عزيز وأثير على أولائك الذين يلمّعون كل شيء بزيف مستفز. كان يستمتع بذلك، تحطيم تلك القدسيات الهشة، تلك الخصوصيات الأثيرة. ولكنه لم يكن يفعل ذلك بوقاحة، وإنما في منتهى التأنق الأدبي الرفيع. وبرنهارد لا يقوم بهذا لأنه فارس نبيل، لأنه يحمل نبوءة ما، إنه أكثر أنانية ونرجسية من ذلك، ولكنه يقوم بهذا لأن لا أحد يقوم به، ولهذا هو يحقق أعظم انتصار يبدو فخورا به: التفرد. برنهارد، حتى لو رفض الإقرار بذلك، ولا أعلم أنه أقر بذلك صراحة، يحب أنه يبدو خارج السياق، أنه يسير عكس التيار، أنه من قوة الاكتفاء الذاتي قادر على خلق نمطه الخاص. وهو من الكتاب الذين بالفعل، لديهم نمط خاص، يضاف كامتداد للسلّم الرباعي: دوستويفسكي، هامسون، كافكا، بيكيت.

“مثلي، جميعهم كانوا يتوقون إلى الموت، وجميعهم، كما قلت سابقا، حققوا أمنيتهم … من بينهم، الشرطي السابق Immervoll (تعني بالألمانية الممتلئ دائما) الذي كان في غرفة المصحة المجاورة لي، والذي – طالما كان في حالة تسمح بذلك – يجيء إلى غرفتي كل يوم ليلعب لعبة pontoon معي. فاز هو وخسرت أنا، لأسابيع، فاز هو وخسرت أنا، إلى أن مات هو ولم أمت أنا. كلانا لاعبان شغوفان بالـ pontoon، لعبناها لنقتل الوقت، إلى أن لم يكن الوقت الذي قُتل، وإنما هو.” My Prizes: An Accounting

أذكر أنني جلستُ أسبوعا كاملا بعد أن انتهيت دفعة واحدة من قراءة أربع روايات لبرنهارد، وأنا عاجز تماما عن قراءة أي شي، عاجز فيزيولوجيا ونفسيا! هذه الكتابة المتصلبة، التي تنحشر جميعها في براجراف واحد، خرسانة هائلة لانهائية، بحر زبدي يترجرج ككتلة واحدة، تعتمد إيقاعا موسيقيا يزعم برنهارد أن لا مثيل له في الأدب الألماني، حيث أن الكتّاب الألمان تنقصهم الأذن الموسيقية، حسب تعبيره. ولأجل هذا (وهو ما سيتضح في النسخة الأصلية الألمانية، التي لم أكن محظوظا بقراءتها) يختار برنهارد كل مفردة بعناية نغمية، تشبه تلك النظرية التي روّج لها تي إس إليوت حول موسيقية النطق الحرفي، حيث أن كل مفردة تكون نغمة في هذا السياق الموسيقي، كل مفردة تساهم بطريقة نطقها صوتيا وحركيا في تكثيف الجوّ المطلوب للجملة (وربما لهذا السبب لم يكن برنهارد مقتنعا أن أعماله قابلة للترجمة بشكل كامل). ولأنه يحب ثبات ونسقية باخ أكثر من درامية وذروة وغائية موزارت؛ تأتي بُـنية أعماله غالبا قائمة على هذا التكتل الذي يكاد يكون لاغائيا في جانبه الشكلي، حيث يسير متشابكا متداخلا مختلطا في مونولوجية متصلة إلى لانتيجة أو ذروة واضحة، بنبرات التكرار والإلحاح والمبالغة. “تصميم” الكتابة الخرسانية هذه لدى برنهارد لها جانب موسيقي وشكلي، فلو انتزعت عدة أسطر إلى صفحة فارغة، فستلاحظ ترهلا نوعيا، وإن كانت ستظل تحتفظ بجودتها، حيث أن جمل برنهارد هي اتساق متناغم، حالة صوتية وبصرية متزاوجة في تدفق الما بعد والما قبل، لو انتزعت أحدها فسيبدو هذا مثل انتزاع قطعة من ألعاب الـJigsaw، كما أنها – تصميميا – تحقق تلك الصورة التي تعكس إحساسا باللاتوقف، الاندفاع، بل واللهاث. ولذا يقول على لسان راوي Concrete “غالبا نكتب جملة بشكل مبكر جدا، وفي أخرى بشكل متأخر جدا، ما يجب علينا فعله هو أن نكتبها في الوقت المناسب، وإلا فهي مهدرة”. تخيل هذا الكم المتشابك المتثاقل المحشور بالأفكار والتحليلات، يقوم أساسا على التشريح، على تجزيء كل شخصية، كل حدث، كل صورة، إلى شظايا، ومن ثم تحليل موقفها من عدة زوايا رؤية. Correction على سبيل المثال، هي شكل مخروطي عملاق من الاستطراد والتكرار والتناص وسط متاهة تؤدي إلى نهايات عديدة، لدرجة أنها تكتسب انطباعا “حسيا” مع مرور الوقت، أنت تكاد أن “تحس باللغة”! ولهذا أرى في روايات برنهارد شيئا من الواقعية، ولكنها واقعية فريدة من نوعها، متعالية إن جاز التعبير، وهو ما يبدو مهملا أثناء دراسة أعماله لدى البعض، إنها تحمل سمات الإيقاعية الموجودة في الواقع، الكثافة المونولوجية الراصدة المتواصلة مع استطرادات التداخل والتنوع والتشكل، كلها مجموعة في ذلك الحس الفوقي من السخرية والتهكم والشكية المنغّم في إيقاع موسيقي، أنت أمام مشهد حياتي فردي، أنت أمام تجربة عقلية واقعية، أكثر من أن يتم احتواؤها تماما، ولكن بدل أن يكون مصنوعا بالصور والإيماءات والأشكال، يكون مصنوعا بالحروف والكلمات والإيحاءات. برنهارد أحد قديسي اللغة. اللغة بالنسبة له مساحة أبدية من الخيارات اللانهائية، بإمكانه ان يكتب عن أي شيء، عن أي لحظة، عن أي حدث، وأن يمطه إلى أقصى حد ممكن، وأن يستخرج منه كل الإيماءات وكل الإيحاءات وكل الصور على شكل كلمات منتقاة بعناية، بحذر، بحب! نعم بحب، كلمة عاطفية لا تناسب برنهارد، لكنني سأستخدمها: بحب. ولهذا هو يرفض أدب الثيمات، المواضيع والقوالب، ويطالب الكاتب أن يعبر عما يريد قوله بتحرر وانسيابية دون جدولة. رواياته حتما تحتاج أكثر من قراءة. ولكنه لا يتوقف عند اللغة فحسب، هنالك طبقات متعددة في أعماله. التناص، النبرات، الإحالات، جميعها تسير في بناء معماري بوليفوني بسيط ولكن معقد في نفس الوقت. مثلا: لتقرأ correction بشكل صحيح، يُفضّل أن تكون مطلعا على تصاميم المعماري فرانك لويد رايت، لأن نبرة الرواية تقتبس نبرات وتصاميم مشابهة. حينما تريد قراءة the loser، يفضّل أيضا أن تكون مطلعا على the goldberg variations لباخ، وتحديدا الأداء الذي قام به قلين قولد، البطل الذي يقتبس برنهارد شخصيته في الرواية، ويصنع بين طريقة “تفسيره لمعزوفة باخ” (المصطلح الذي يطلقه على أداء عازف البيانو لمقطوعة ما) وبين تشابه سرده نوعا من التنساق والتناظر. ونفس الارتباط في old masters برسومات غويا، وفي woodcutters بمسرحية إيبسن the wild ducks. وهو ما يقود إلى الحديث عن التناص، أحد أهم ميزات أدب برنهارد. حيث استدعى في رواياته عدة شخصيات حقيقية، الموسيقار فيلكس مندلسون في Concrete، صديقه باول فيتجنشتاين في Wittgenstein’s Nephew، وعمه الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين المقتبس في أكثر من رواية، عازف البيانو قلين قلولد في The Loser. ولكن، برنهارد غير مهتم بالتوثيق، وإنما بالتورية. قلين قولد لدى برنهارد مختلف عن قلين قولد الحقيقي في عدة أشياء، لأن برنهارد لا يحتاج قلين قولد الحقيقي، وإنما – كما قال مارك أندرسون – يريد “صورة” قلين قولد، عازف البيانو العظيم الذي يشترك معه في طريقة الأداء العبقري المتخلق من أصالة حدس فني لا يحتاج الآخرين لإثبات نفسه، ولذا يعتزل الحفلات الموسيقية للإبقاء على شكل من الأصالة اللامساومة. يأخذه، ويحرفه، ليجيء متوازيا مع برنهارد نفسه. لأن قلين قولد (لاحظ الميزتان السابقتان: الأداء العظيم المتشابه، العزلة الفنية الفوقية الاختيارية)، مثله مثل كل شخصيات برنهارد، هو انعكاس محرف لبرنهارد نفسه. ففي The Loser, أحد أكثر رواياته التي تجسد هذا “التناص التعددي”، نرى أن برنهارد هو مزيج الشخصيات الثلاثة جميعا. هو قلين قولد، وهو الراوي اللامحدد الاسم، بل وهو فيرتايمر (الذي يقتبس بعض مواصفات فيتجنشتاين أيضا). في أعمال برنهارد المتأخرة تحديدا، يشتبك الواقع والخيال إلى حد بعيد. إن برنهارد يخلق نسخته الخاصة من الواقع. لماذا؟ لأنه يريد ذلك، لأنه يعيد صياغة نبرته الحيادية المحاكمة، ولذا لا يبالي بتلك الاختلافات بين نسخة قلين قولد الواقعية وبين النسخة البرنهاردية. برنهارد هو كل شخصياته، وهو في نفس الوقت لا أحد من شخصياته، فهو قد وزع نفسه بينهم لدرجة أنك لا تستطيع ربطه بشخصية واحدة، ولكن في كل واحد منهم شيء منه. وهو ما يبرر فكرة التناقض مرة أخرى، العودة إلى ذلك التداخل بين الانطباعات، المفاهيم، المواقف، بل والسلوك. الإنسان المتنوع بطبيعته، التعددي، ولذا هو يقبل – بل يجب عليه – احتواء أشكال مختلفة ومواقف متنوعة، حيث أن من الصحي أن تكون متناقضا، أن تكون حاضنا لمزاجات وحالات مختلفة تسير في نمط تفكير واحد (ولهذا هو يختار شخصيات معينة تجسد الوحدة والقلق والشك دائما)، وأن أكثر الناس الذين يجب أن تنفر منهم هم اللامتناقضون، الأحاديّون الذين يبدون كنمط أوتوماتيكي. برنهارد يضيع في تعددية تناصه الأدبي، وفي “لاجدية” آرائه “الجادة”. إنه شخص لا يمكن القبض عليه تماما، إنه يبعث دائما شعورا على الخداع، ذلك الرجل الغاضب الذي يكتم ضحكته. إنه كل شيء، ولاشيء في نفس الوقت!

“الشخصيات الضعيفة لا تتحول إلى أكثر من فنانين ضعفاء … فيرتايمر أثبت هذه النظرية، كان لديه ما يمكن تسميته بالسلوك الفني المفتعل، قلين قولد لم يكن في حاجة لذلك. كان فيرتايمر يسأل الأسئلة دائما، قلين لم يسأل أي سؤال أبدا. فيرتايمر كان خائفا على الدوام من أن يثقل كاهل قوته، بينما لم يخطر في بال قلين أن من الممكن أن يثقل كاهل قوته. فيرتايمر كان يعتذر دائما على شيء لم يكن يحتاج حتى الاعتذار، بينما لم يكن مفهوم الاعتذار أصلا مألوفا لدى قلين. فيرتايمر كان يجب أن يعرف دائما ماذا يعتقد الناس عنه، قلين لم يكن يبالي بذلك ولو قليلا، أنا أيضا لم أكن أبالي بذلك ولو قليلا” The Loser

وخروجا من التناص، والتعددية، تعمل هذه الأعمال على طبقات أخرى: الإحالات المكانية، إن جاز التعبير، فكل مكان تمر به الشخصيات، هو إحالة إلى حدث نمساوي، غالبا ما يكون سلبيا، أو حدث فردي، يعود إلى برنهارد نفسه، وهو ما يمنح هذه الأعمال صبغة غائية أحيانا، وتجعلها تبدو – ولو بشكل غامض – تتجه إلى نتيجة أو رسالة ما (رغم التحفظ الذي سيبديه برنهارد نفسه على هذين المفردتين المباشرتين). بالإضافة إلى الإيحاءات والإحالات الثقافية، المتسقة مع الآراء التي يستخدم برنهارد شخصياته للتعبير عنها، ولكن بدون مباشرة، بدون نتوءات، جميعها ملائمة تماما مثل القفاز في اليد.

الخاتمة الأفضل للمقال، أقتبسها من الروائي والناقد دالي بَـك “ربما هو أمر جيد أن برنهارد ليس أكثر رواجا في العالم، ربما هذا النوع من الاحتفاء سيخنق خصوصية نصه بالتفاسير الملطفة بعولمتها. لاشك أنني أساهم في هذه العملية بهذه الكلمات، وفي هذه الحالة ربما أفضل ما يمكنك أن تفعله هو أن تنسى كل شيء أخبرتك به، وتذهب بدلا من ذلك إلى قراءة أحد كتب برنهارد”

“يجب أن نسمح لأنفسنا بالتفكير، يجب أن نجرؤ على أن نفكر، رغم أننا نفشل. إنها طبيعة الأشياء أن نفشل دائما، لأننا نكتشف فجأة أن من المستحيل أن نرتب أفكارنا، لأن عملية التفكير تتطلب منا أن نأخذ بالاعتبار كل فكرة موجودة، كل فكرة ممكنة. بشكل أساسي، نفشل دائما، مثل الآخرين، أياًّ كانوا، حتى أصحاب العقول العظيمة، في نقطة ما، يفشلون فجأة وينهار نظامهم، كما تثبت بذلك كتاباتهم التي نحترمها لأنها تتجاسر أبعد في الفشل. أن تفكر، هو أن تفشل” Correction

 

شارع الحوانيت المعتمة لموديانو، وتقاطعات الذاكرة مع بروست وسيبالد

192377

 

تقاطعتُ أول مرة مع موديانو قبل أشهر من فوزه بنوبل، حينما ذكره بيتر هاندكه كأحد الفرنسيين الذين قام بترجمتهم إلى الألمانية. ولكنني حينها لم أبالي كثيرا بملاحقته. ثم فاز بنوبل، وكذلك لم أبالي كثيرا بملاحقته (يجب ألا تجعل الجوائز تتحكم في توجيهك القرائي فضلا عن أن تثق بها أصلا). ثم صادفته في قائمة الأسماء التي تتلمذت على يد ريمون كينو، أحد مجانين السرد في فرنسا أثناء أربعينيات القرن العشرين. فكرة اهتمام طفيفة تتكوّن. ثم قرأت أخيرا إشارة من الألماني سيبالد يذكر فيها قدرة موديانو على النفوذ إلى الذاكرة بدقة حميمية حلمية. ولأن سيبالد يعتبر من أفضل كتاب الذاكرة، تشكلت فكرة الاهتمام بموديانو بشكل نهائي.

ولكن قبله، لا بد أن أعود إلى مارسيل بروست. لا بدّ دائما أن تعود إلى مارسيل بروست مع الفرنسيين.

لماذا موديانو إذاً؟ لماذا يقدم كوارث شرعي لبروست؟

بروست من أمهر من تعاملوا مع الذاكرة. الذاكرة البانورمية التي يتم تفكيكها إلى فسيفساء مدببة من الاستطرادات والتشابك والتيه. كل عضلة تستجيب عصبيا لحركة السارد اللامقصودة تدفعه إلى استرجاع ذكرى تقاطعت مع ذات العضلة، أوتوماتيكيا. ذاكرة بروست حسية وإجبارية بدرجة كبيرة، وكأن الشخص مجموعة ذكريات تتحكم في المسار الحاضر. ولذا لا يوجد ما هو حاضر، كل شيء انعكاس للماضي، فالحاضر ليس إلا تكرار حدوث الماضي كما يقول أوجين أونيل. ولهذا يُعبِّـر عنها بتدفق تأملي وشعري كثيف. موديانو ذهب بالذاكرة إلى مسار مختلف، مسار الانفصال عوضا عن المحسوس. الذاكرة محرك خارجي يعمل خارج الذات. الشخص في هذه الرواية لا يتذكر من يكون، لا يعرف شيئا من ماضيه القديم، تخدعه الصور والشكوك التي تقنعه ببساطة أنه كان ما يراه الآن، ثم يكتشف لاحقا أنه لم يكن. حتى الشكل، ملامح الوجه، الصورة الحسية لك، لا يمكن الثقة بها، معرضة للتشابه الذي قد يخدعك حينما تقتنع أنك ترى وجهك في صورة فوتوغرافية لشخص ما ثم تكتشف لاحقا أنك لم تكن هو. الذاكرة لدى موديانو متاهة من الانفصال، من اللاانتماء، من الفجوة التي تفصل بين الحاضر والماضي. موديانو يعكس معادلة بروست ويؤكد أننا لسنا الماضي، وإنما الماضي هو الكذبة الكبيرة المشكوك في وجودها، ولذا شخصياته مجوفة، مفرغة من انتمائها، جميعهم يتذكرون ماضيهم وكأنه لم يكن، وكأنه شيء حدث خارج محيط ذاتهم، وهو ما يجعلهم يفقدون شعورهم بذاتهم، فما هي هذه الذات؟! من أنا؟! موديانو يُعمّق سؤال كافكا القديم: هل أنا نفسي فعلا أم صنع مني الآخرون الشخص الذي أنا عليه؟! ويطرح سؤالا معاكسا: هل أنا الذي صنع مني الآخرون الشخص الذي أنا عليه؟! هل أنا فعلا ما أنا عليه الآن؟! شخصيات موديانو عبارة عن بخار، طيف، جملة أوصاف حسية قابلة للتلاشي مع أول نفثة هواء.

الذاكرة لدى الألماني سيبالد مختلفة أيضا. إنه يتناول الذاكرة بعقلية محقق، تحرّي. الذاكرة لديه مرادف للتاريخ، حيث أنها جملة من الأحداث والصور الموثقة واللاموثقة. ولذا سيبالد في روايته يخترق الذاكرة وكأنها شارع تسير فيه وتسجل معلومات البيوت على حافته: اللون، الحجم، المظهر، الأشخاص. سيبالد في the ring of Saturn يخترق الريف الإنجليزي ويتحدث عن الموسوعيّ توماس براون وقصرٍ أرستقراطيٍّ فقد بريقه ليتحول إلى متحف ومطاحنٍ قديمة على حافة شواطئ مهجورة وأكاديميين زاملهم في فترة ما. سيبالد يتعامل مع الذاكرة كأكاديمي فوقي، يسجل ملاحظاته ويتوارى سريعا بصمت. ولكنه يتوه تماما كما يتوه موديانو وبروست، ولكن توهانه يأتي من كونه ليس مهتما بالاكتشاف الذاتي، بالتوثيق المصيري. إنه منفصل عن الذاكرة، يعاملها كمستودع محايد للمعلومات، ولذا يضيع كل شيء عدا المعلومة، ويبدو وكأنه يخوض في حلم. هو أقل حميمية ولكنه أكثر بانورامية، وإن جاز لي القول أكثر عمقا. شخصيات موديانو بسيطة، لديها نزعة أوتوماتيكية للتحدث عن ذكرياتها، لا يتعب البطل في محاولة استخراج ما يحتاجه من معلومات، لأن الجميع متورط في رغبة الحديث عما كان. شخصيات موديانو متورطة جدا رغم أنها تريد الانفصال بتناقض، إنها الحراك الوجداني للذاكرة الفردية المثقلة، الذاكرة التي تكاد ترى آثار صورها الدخانية على كل الشوارع والأسطح والبيوت التي مرت بها. وأنت تقرأ الرواية ستشعر بذلك فعلا، بأن كل مكان يمر به البطل تبدو على أسطحه صور كل ما مر به، حتى صورة البطل نفسه تبخر منه إلى المكان لتنضم إلى البقية، في حفلة دخان باهت هو الذي يسبب شحوب الأماكن القديمة التي نرتادها: إنه شحوب ذكرياتنا كلنا.

ذاكرة موديانو موغلة في الكآبة، الحزن الرتيب الذي يطبع الأشياء التي تقف فوق الأرصفة برثاثة أزلية، تُـكرر تيه انعدام قدرة الاكتشاف والقبض على شيء ما. شخصيات حزينة، موغلة في الحزن الجامد مثل الوجه الذي تصحّر بفعل الشيخوخة حتى اختفت ملامحه، أو تكاد. شخصيات مظلمة تعيش في ظلٍّ شاحب وتحاول قدر المستطاع أن تثبت لنفسها وللآخر أنها “تتذكر” بأن تسرد ذكرياتها المشوشة. هنالك ثقل تطهيري في هذه الرواية، ثقل الوحدة التي يشعر بها كل واحد منا حينما يتذكر شيئا قديما يؤكد له أنه يشيخ وأن ما ذهب لن يعود وأن بقية حياته تكرار لهذا: أشياء تجيء ثم تذهب ولا تعود، ولا يبقى منها شيء كما يقول البطل ولو حتى سحابة الضوء المنبعثة من دودة براقة. هذه الرواية ألم لطيف، ألم ضروري. والأهم: ألم نقي. لا يحاول فرض نفسه، لا يشرعن وجوده بشعرية اكسسواراتية. إنه أكثر حدة من أن يكون مزيفا، أكثر رتابة من أن لا يكون أصيلا. إنه كما يفترض من الذاكرة المثقلة أن تكون. الاستسلام الشاحب المستقر في الظل، ينتظر مصيرا يشبه الانطفاء.

الشياطين .. دوستويفسكي

 

 

الشر لا يمكن أن يُعرف لوحده، فوجوده يكتمل بتضاده مع الخير، ولا يمكن للخير أيضا أن يعرف لوحده، فوجوده يكتمل كذلك بتضاده مع الشر .. التناقض يخلق كثافة في الوجود الإنساني، يمنحنا قدرة على رؤية الضد، مما يجعلنا قادرين على أن نتخيل الحياة مجردة من مبدأ ما، بأن نعاين ضده .. تماما كما يحاول أن يفرضه الإيطالي كالفينو في روايته “الفيسكونت المشطور”، باعتبار أن الشر ليس منفصلا عن الخير، وباعتبار أن الخير ليس منفصلا عن الشر .. كلاهما يعرف الآخر .

ولذا لا توجد قضية أكثر تعقيدا من الأخلاق، تمثل انعكاسا مثاليا لمعضلة الأضداد هذه، والوقوف أمام مفترق طرق تؤدي إلى دروب متضادة، لا يمكن الجمع بينهما .. وهي موضوع دوستويفسكي المفضل، في جُل رواياته، والشياطين لا تعد استثناء .

 

هل كتب الرواية مندفعا بتجربته الخاصة مع جماعة بتراشفسكي، التي أدت إلى الحكم عليه بالإعدام ثم التخفيف بالسجن والنفي ؟ أم أنه كتبها فعلا بعد حادثة مقتل الطالب إيفانوف على يد جماعة سرية في جامعة بطرس الأول ؟ أم كان مدفوعا بدعاوى الاشتراكية الجديدة التي طالبت بالدم والنار ؟

ربما كانت جميع تلك الاسباب .. إلا أنها كانت مجرد شرارة، ولم تسيطر على توجهات العمل .

إذ أن ما كان محبطا بالنسبة للقارئ بادئ الأمر، أن دوستويفسكي بدى وكأنه لا يمنحك قدرة على الاختيار، يقوم مندفعا بتصلبه الفكري إلى إطلاق أحكام مسبقة على شياطينه، بداية من العنوان، تضعهم كانعكاس مباشر للشر، مما يثير القلق بتحول العمل إلى أشبه بموعظة كبيرة .. ولكن مع امتداد القراءة تبدأ في التساؤل: من هم الشياطين فعلا ؟! هذا لم يكن واضحا .. ربما كان يقصد الثوريين المخربين في الصورة العامة والفكرة الجوهرية، ولكن تفاصيل العمل لم تبدو موجهة لهم فقط، كانوا جزء منها، بل أنهم لم يكونوا جزء مركزيا يدير العمل وشخصياته .

ومع نهاية الرواية، بدأت أفهم جيدا لماذا .. أن يصر دوستويفسكي مثلا على فرض ستيفان تروفيموفتش كأحد محركات العمل الأساسية، رغم أنه لم يكن مؤثرا في موضوع الثورة الذي يمثل جوهر الرواية .. ولماذا في المقابل قدم بطرس ستيفانوفيتش كمثال وحيد للشياطين، باستثناء أتباعه الهامشيين الذين كان يفترض أن يكون حضورهم طاغيا على العمل باعتباره موجها لهم .. ولماذا أقحم ستافروجين بحيادية تناقضاته التي منحت شخصيته اعتدالا دراميا أكثر من الآخرين .

لقد ضحك على ستيفان، باعتباره مناضلا كرتونيا رومانتيكيا يفهم الحياة وفق أصوله الشاعرية المثالية، معاكسا طبيعة الإنسان الهوجاء، تخدعه أبَّهة المنطق الرصينة فيظن بأنه يفهم كل شيء، ويدرك كل شيء، ينساق وراء شاعرية الرجل الحر حينما يهرب، فيقابل بائعة الكتاب المقدس، ليدرك متأخرا ودون وعي واضح للأسف بأنه أحقر بكثير مما كان يظن، بأن الحياة بأكملها أحقر بكثير مما كان يظن، بأننا جميعا مجرد ذرات رماد ستذروها الريح، فيغلق عيناه بجانب المرأة التي أحبها سرا مستسلما للموت المريح، لشهادة الفشل الأخيرة التي تختم حياته الفارغة .

واحتقر بطرس، باعتباره حقيرا يحاول أن يلعب دور القدر بكل قسوته وعشوائيته، إما لخدمة أفكار لا تبدو مختلفة في خياليتها عن أبيه ستيفان، أو لتحقيق مصالح غامضة .. رجل يبيع الوهم، يسوّق للإنسان باعتباره كائنا رفيعا قادرا على قيادة مصيره الوجودي، فلا يختلف في هذا أيضا عن أبيه، ولا يبالي في خضمّ ذلك بأي شيء يهدد وجاهة النصر الوهمي، الذي يجب أن يتسلق على سقوط الأخلاق، والدين، والله .

ولكنه تناول ستافروجين بعناية فائقة، تكشف بأنه يمثل الصورة الحقيقية للإنسان، كمجموعة من المتناقضات، من الخير والشر، من الطموح واليأس، من الحب والكره، من اللذة والتطهير، تتجاذبه شخوص الثورة والمثالية .. تناقضاته التي تكشف عن ضعف في التوجيه الروحاني، ثم انتحاره، كلاهما يعدان انتصارا للضمير بمعناه الدوستويفسكي الإيماني، انهزام أمام بشاعة الحياة المتورطة في ما ليس له مرجع روحاني ثابت .. يقدم اعترافه الصادم للكاهن تيخون ليكشف عقدة الإنسان الأزلية: خضوع اللذة للضمير .. ذلك الوخز المتفسخ السادي الذي يشعر به، حينما يؤذي الفتاة الصغيرة لإشباع شعور غامض باللذة، يدفعه إليه إغراء القدرة على ذلك، وكأنه يخوض رهانا ضد ضميره بأن يتحداه، يخبره بأنه قادر على هزيمته، فيظن بأنه فاز حينما يضحك على صورة أصبعها المرفوعة المهددة، ليدرك لاحقا أن فوزه غطاء لهزيمة نكراء، حولت تلك الأصبع المضحكة إلى صورة تجسد العذاب .. وحينما يتزوج ماريا تيموفئفنا، احتقارا لكل شيء جاد، لكل قيود المجتمع التي تشعره بعبوديته، دون اعتبار لوجود تلك الكائنة المعذبة .. حينما يحاول اقتلاع أنف ذلك الرجل، ويقوم بعض أذن الحاكم، ويرفض قتل متحديه في المبارزة؛ كل ذلك يجسد رغبة غامرة بالتحرر، بعدم الانقياد، بالثورة الهوجاء على كل شيء، بما فيها نفسه، إلا أن ذلك يتخذ شكلا عنيفا يقوده اضطراب روحه المثقلة بالغموض والذنب .

لم يكن دوستويفسكي يرغب في الحديث عن الثورات، أو الجماعات السرية، أو العدل والظلم .. كان يريد الحديث عن شخصيات ثلاث، تمثل صلب الطبيعة الإنسانية التي تضج في عالم الشياطين .. وبنهاية الرواية يكشف ما سيحدث: فشل المثالية (ستيفان)، وانهزام الشر (بطرس)، وانتصار الضمير (ستافروجين) .. كل ما يحدث بينهم، شاتوف وليبوتين وليامشين وليزا وفرجنسكي وفرفارا وماريا وجوليا وفدكا ولبيادكين، جميعهم يتحركون وفق هؤلاء الشخصيات الثلاث، يخضعون لها كالقدر، فيُـقتل شاتوف وتموت ليزا بسبب شر بطرس، وتنكسر فرفارا وينحرف بطرس بسبب مثالية ستيفان وتبطله الفارغ، وتنتحر الطفلة وتُـقتل ماريا بسبب نزوات ستافروجين .. الشياطين هم هؤلاء جميعا، ليسوا عمال المصنع الذين أحرقوا الحي، أو بطرس لوحده، أو أفراد الحركة، أو أركل وليبوتين وفدكا، أو الثورة والخراب والدمار .. هو الإنسان بمختلف أشكاله، أكبر شيطان يجر الموت والدمار إلى من حوله، حينما يساهم في انحطاط مبادئه ويستسلم لشياطين الضلال .

هذه الشخصيات تقدم صورة الإنسان المجرد في حمأة كبريائه .. حينما يحاول البحث عن الأجوبة في عالم يضج بالأسئلة، يختلق الصراعات ويصنع الشر ويؤذي الآخرين ويسحق نفسه فيسحق غيره معه، لمجرد أنه يعيش وهما بأنه قادر على تحديد مصيره، بأن في استطاعته أن يتحكم بمصائر الآخرين، وأن ينساق وراء هذيان نفسه ونزواته .

جميع هؤلاء الشخصيات، تضج في انغلاق روحاني، وضبابية تسيطر على قناعاتها .. ما بين عبثية ليزا واضطراب شاتوف وتناقضات ستافروجين وسذاجة ستيفان وسخافة فرفارا وجوليا تبرز الخلاصة العابثة: لا أحد من هؤلاء يستحق النعيم، والعدل، والراحة .. جميعهم قد باع وجوده لعدمية الإنسان الفارغة، فتحول إلى مخلوق تحركه نوازع لا مرجع لها، تتلقفه الشياطين ليتحول شيطانا، انطلاقا من مبدأ الحديث الشريف “الساكت عن الحق شيطان أخرس”، الفلسفة التي تتبناها جميع الأديان التي تؤكد مسؤولية الإنسان في مجابهة شرور نفسه .. لا يوجد في هذه الرواية شخصية تحاول فهم الحياة باعتبارها امتدادا روحانيا لحقيقة أعظم من وهم اللذة الزائفة والشعارات الرنانة السخيفة، لحقيقة وجود إلهي يسير الكون، حتى شاتوف أكثرهم قربا من المفهوم اللاهوتي للحياة، يلح عليه ستافروجين “هل تؤمن بالله؟” فيجيب متمتما “سأؤمن بالله” .. ولذا تنقاد جميعها إلى دمارها راضية مستكينة، ينتبه شاتوف بعد شهوده معجزة ولادة ابنه باعتبارها انعكاسا إلهيا، وتثوب ليزا إثر شعور الخطيئة العارم بعد مقتل ليبيادكين وزوجته، فيدرك كلاهما أن الحياة التي عاشها كل منهما كانت مجرد وهم أحمق .. إلا أن الأوان قد فات، فقضى عليهما ما كانا يحاولان الهرب منه .

ولكن دوستويفسكي بعبقريته يضع شخصية تجسد عقدة جديدة، تتمثل في كيريلوف .. إذ يبدو أكثر الشخصيات تحررا، رغم كل أوهام الجنون التي يضج بها، رغم دعاوى الإلحاد التي يدعيها وتتداخل مع أعمق مشاعر الإيمان الخفية .. كيريلوف يبدو الوحيد في العصبة اللعينة ممن تحرر من سطوتها، لم يبالي بموت شاتوف، ولم يعبأ بمواقف ستافروجين، ولم يقبل الدخول إلى الحركة، وكره شر بطرس .. طوال الرواية، كان منزويا في عمق سحيق، وكأنه يراقب الجميع من فوق، ينظر إلى كل ذلك الدمار بعين لامبالية، يدمن شرب الشاي – كما كان ديستويفسكي في مرحلة من حياته – ويسهر الليل جيئة وذهابا في غرفته، متفكرا في الموت، كوسيلة للتحرر من عبودية الجسد والطبيعة، ومدخلا لألوهية ذاتية يفرضها اتحاد عميق مع الله .. كيريلوف كما قال عنه بطرس لم يكن في الحقيقة ملحدا، لقد كان أكثر إيمانا من غيره، ولكن بطريقة أكثر شذوذا من أن لا تكون مؤمنا، ولذا لم يكن متورطا فيما يضج من حوله، العالم بالنسبة له انهيار متواصل لا نهاية له، الحياة لا توجد في كتلة الشياطين التي تدب من حوله، جميعهم يقتاتون من عدمية وجودهم السحيقة .. ولأن كيريلوف يدرك ذلك جيدا، فهو لا ينظر للحياة بمسؤولية، إنها مجرد سجن كبير، نلتزم الجلوس فيه رغم أن الباب مفتوح لأن نرحل متى نشاء، ومن يرحل منه فقد اختار أن يكون حرا، يتحول إلى إله باعتباره قد قرر مصيره بنفسه، كما كان يظن ستيفان مع الجمال، وبطرس مع الثورة، الإنسان المتكبر الذي يظن بأنه قادر على تحديد مصيره .. ولذا كان كيريلوف مؤمنا بالله، ولكنه لم يكن يعلم من هو الله، ولذا آمن بنفسه باعتباره انعكاسا لله، ولم يفهم أن الحياة امتداد لوجود الله .. ولهذا هو شيطان أيضا، يقتات من عدمية وجوده كغيره .

 

هذه الرواية بأكملها، انتصار للإيمان، واحتقار لدونية الإنسان .. بكل تناقضاته التي تتراوح بين الخير والشر، فتفرض وجودا هلاميا لن يتحقق خلاصه إلا بإيمان بالله، باعتبار الله حقيقة أكبر وجودا من حقيقة الإنسان الذي يجسد فكرة زائلة، واستسلام روحاني يسيس الخير والشر معا، في قالب واحد .. فالشيطان ليس من يرتكب الجريمة فقط، بل هو كل من يساهم فيها، من يقف مكتوفا أمامها .. ولهذا؛ أظن أن جميع من في الرواية شياطين .