رحلة إلى البقالة

مومباي مدينة ضخمة، والمدن الضخمة لا تتكشف بالكامل، رغم أنها تحصى ويقاس بناء عليها، ولذا يتعذر معرفتها بشكل قاطع في الوقت الذي تبدو فيه مألوفة، حيث يظل فيها الغموض الذي تختلط فيه معرفة الشيء بعدم معرفته فعلا، لأن الإنسان صنع من المدن نسخة من نفسه. مومباي مثلا تحتوي على أكثر من مليونين و656 ألف منزل، 204 آلاف منها لا غرف فيها، تخيل، موزعة على أكثر من 140 حيا كبيرا، يتفرع فيها أكثر من 12 مليون نفر، متكدسين في 233 ميل مربع. ربما لن نجد إحصائيات لـ كم عطسة وكحة وبصقة صدرت يوميا، أو كم ربطة عنق لبست مقابل قميص سادة، وكم حذاء تمزق في هذا اليوم، وكم زوجة ناكت زوجها قبل ذهابه للعمل وكم زوجة انتظرت ذهاب زوجها للعمل لتنيك جارهم، ولكن سنجد الأرقام الكافية لـ كم يُنتج من حديد في مصانع المدينة يوميا، وكم مترا مكعبا من الماء يستهلك، وكم واط كهرب أهدر على مدار 24 ساعة، وكم حاوية أُنزلت في الميناء الكبير. مثلما أننا سنجد أن الإنسان يحتوي على 60 بليون خلية في امتداد جسده الذي يبلغ متوسط طوله للرجال 175 سم وللنساء 160 سم، وأن النبضات في عمر الإنسان الطبيعي الممتد إلى 70 عاما تبلغ قرابة 3 مليارات نبضة، وأن هنالك ما بين 50 – 250 صفيحة دم تتجدد كل 5-10 أيام، وأن الدم يقطع قرابة 12 ألف ميل يوميا، وأن هنالك 70 ألف كيلومترا من الأوعية الدموية، في نفس الوقت الذي لا نعرف فيه أشياء كثيرة أيضا تحدث في هذا الجسم وتتمظهر في حركات أو سلوكيات لامنتهية الاحتمالات والتراكيب، بشكل قطعي، وربما لن بدل لم. ولهذا يقول جهانكير إن مومباي لا يمكن الإحاطة بها، رغم أنه عمل سائق تاكسي فيها. جهانكير يعمل في البقالة المجاورة لشقتي. يقول إن كل ما يهمه من مومباي هو عشوائيات حي دارافي الفقير المكون من بيوت الصفائح والصندقات، حيث يعيش من بقي من عائلته، وحيث توجد هنالك دكاكين وبقالات ابتاع منها آلافا من الأشياء على امتداد معيشته هناك طوال خمس وعشرين عاما. لا يعرف شارع محمد علي، وزار يوما وهو شاب على دبابه تل مالابار. يعمل في البقالة منذ 5 سنوات، هنا في حي العقيق بالرياض، ويعرفه الجميع بالإسم، ويحتفظ بدفتر يسجل فيه كل الأموال المؤجل دفعها على الزبائن. المسافة بيني وبين البقالة تبلغ قرابة 200 متر فقط، أقل بكثير من مدى البصر. أسيرها على قدمي، والخريطة الطبوغرافية للمكان تُرسم على شكل مصبِّ شوارعَ مخدّدةٍ وسط أكوام من الصخر منحوتةٌ بعناية فائقة على شكل عمارات يقطن في كل واحدة منها ما يتراوح بين 40 إلى70 شخصا، تتطاول لتلقي ظلالا يتراوح بين الانكماش في اشرئباب الظهيرة، والتمدد في الأصيل الفيئيّ المذهّب، وترصُّ على حوافها متاريسَ من السيارات المتلاصقة وتنسكب على جوانبها أسلاك مثل اللعاب المتجمد، وفي وسطها تستقر البقالة مثل نقطة مغناطيسية مركزية.

في الحاير، البلدة التي وُلد وعاش فيها والداي أول حياتهما، لم يكن يوجد هنالك دكاكين. هنالك بيت طيني كبير، يسمونه “قصر”، يجمع أربع عائلات متفرعة عن ثلاثة إخوة ابتنوا هذا الصرح البدائي، ومزارع على الطرف تمتد إلى انقطاع البصر. الدكاكين موجودة في المجمعة، والطريق إلى المجمعة وعر يمر بمسار ترابي تتخلله طلعات ونزلات وتعرجات. كان لدى والدي دباب، يركبه ويذهب إلى المجمعة. يطلع مع الطلعات وينزل مع النزلات ويلتف مع التعرجات، يمر بأشجار سدر تتوسط القفر الترابي، ويهتز باهتزاز المساحات الحصاتية التي تخض كل شحمة في بدنه، ويطمس ارتدادُ الهواء سمعه فيبدو وكأنه يخترق ديمومة الزمن الهزيزيَّة ويوشك على الإقلاع إلى الماضي، حتى أن خالي ركب معه ذات مرة، وحينما وصل إلى المجمعة لم يكن خالي معه، لقد سقط في وسط الطريق ببساطة. كان الدكان/البقالة رحلة إلى المجهول، حيث يسقط دبش مساكين من ظهر الدابة الآلية ولا يُدرى باختفائهم إلا بعد الوصول إلى النتيجة، وينغمس الرحّالة وسط الصوت ويتحد مع اختلاط الألوان الذائبة بفعل السرعة ودبدبة الطريق الوعر كمن يركض داخل رسمة تسيح فيها عوامل الفيزياء، بل ويصادف مظاهر غامضة، مثل جنيات يتجسدن فجأة على حواف الطريق ليقدمن لك “بقلا” شديد البياض ويعرضن الزواج عليك والذهاب بك إلى أقاصي الأرض، على حد زعمه. وتمتد الرحلة إلى المجهول، إلى حيث الدكاكين/البقالات. كان الحاير يتكون من بيت واحد، في محيط ما لا يزيد عن 400 متر فحسب، بينما في المجمعة أكثر من ألف بيت على الأقل، موزعة على امتداد ما لا يقل عن ألفي كيلومتر. ولكن والدي كان يعرف عدة شوارع، عدة دكاكين، وبس. قبل والدي بألف عام، كانت هنالك بغداد، وكان هنالك شخص يقال له النعمان بن ربيعة. يسكن النعمان في الجنوب، وكان مبتلى بحب الطعام، ولا يوجد حوله دكاكين تبيع زيت الزيتون المجلوب من ريف الشام، ولذا كان النعمان يختار يوما من الشهر يكون قد انتهى فيه مبكرا من العمل كاتبا في ديوان البريد، ويأخذ ما يلزمه من أغراض، ويسير على حواف سور بغداد نحو دكان رجل بيهقي. يسير على قدميه، وتـلوّنه مظاهر الحياة حينها. الدساكر الضيقة المخدّدة وسط بيوت متلاصقة فوق أرض حارة ورطبة وكأنك تمشي في فرج امرأة توشك أن تطبق فخذيها. تجارٌ داخل دكان حبوب يتلاعنون حول شيء ما. أطفال يلعبون. فراغ. شعراء. جواري. حمير. مزيد من الفراغ. الشمس تهبط مع أول العصر، ويطلي الأصيل المصفر زوايا المكان بظلِّ فيءٍ ذهبيٍّ فاقعِ اللون، وتلوح في سويقة عاهرة تتمايس بحذر احترافي جدير بالإعجاب، فهي تبدو امرأة شريفة ولكن تبحث عن متعة غامضة غير محددة، وفي مداها رجلُ حسبةٍ يخزقها بنظراته المتفحصة دون أن تعلم وهو يقف عند قصاب ويستجوبه عن حقيقة إهماله فصل لحم الضأن والعجل والماعز. وسكةٌ محفوفة بدكاكين أقمشة وسجاد، معلقةٌ مثل الجثث على الواجهات وتلمع الآن في الصفرة المحمرة للأصيل، وكأنك تسير في أنهار متوشحة من اللون، سجادات وستائر ومفارش منسوجة بأشكال متنوعة من خطوط كوفية وطواويس وزخرفات صاخبة متداخلة في حفلة ألوان ماجنة. وهكذا يمر آخر النهار وشطر من أول الليل.

إذن: الرحلة إلى البقالة، هي رحلة في خريطة البيئة وهويتها. الرحلة إلى أكثر وجهة بديهية، مثل بقالة، كفيل بأن يوحي لك هوية مدينة وبيئة كاملة، وكأنك تعرفها، ولكنها في الحقيقة ستظل غامضة، لأن هذا التكشف ليس قطعيا وشاملا. فالمدن مثل الإنسان كما قلنا، يبدو الشخص مألوفا ومفهوما، ولكن غموضا سيظل يحيط به، مهما حاولت اكتشافه بشكل قطعي كامل. في مومباي مثلا يقول جهانكير إن هنالك دكاكين كثيرة في عشوائيات دارافي، وحينما يكون معه أموال قليلة يذهب إلى الأكشاك القذرة التي يباع فيها رز متعفن وذرة متيبسة ولحم مجهول المصدر. يقول إن الأكشاك تتغير بين حين وآخر. تسير في سكة ضيقة مخندقة بالصندقات الألومنيومية ومغطاة بالقذارة وكأنها طبقة أرضية بديلة، وتجد رجلا بلحية كثة يتدلى منها مخاط عالق منذ يوم أمس، يقف وراء طاولة في صندوق صغير ويبيع علبا وبجانب الكشك تتكوم قطعة خراء إنساني تتموضع بشكل اعتيادي وكأنها جزء من الديكور الطبيعي للبيئة. تجيء بعد أيام ويكون الرجل قد اختفى، وبقيت البقعة لطخة قذارة ولكن دون لحية عثة تتأطر بها، وفي موضع الاختفاء انتقلت قطعة خراء جديدة تعيد التشكل مع البيئة المتغيرة للمكان. تجده ربما لاحقا في مكان آخر، وربما لا تجده. هنالك احتمال كبير أنه قد مات، وتختلف أسباب الموت بين المرض والتسمم والعدوى والقتل بل والجوع. يقول إن الناس هناك يموتون أو يختفون دائما، ولذا الرحلة إلى مكان بديهي مثل بقالة، هي رحلة بين الموت والحياة، أو بمعنى أدق، بين أن تكون موجودا وأن لا تكون موجودا، بين الغموض الذي يحتويه مكان يتأرجح بين احتمالات آنية لا يمكن التحكم بها، تتقلب وتتغير مثل بقعة الخراء الإنساني الذي يتغير مكانها وشكلها ولكنها لا تزول وتظل مألوفة دائما. والدي حينما كان يقطع الطريق الترابي بين الحاير والمجمعة بدبابه، يقول إن الأشجار يتغير مكانُها، ووالدي رجل فلاح شديد الدقة بطبيعته الفلاحية غصبا عنه، وفوق ذلك جافٌّ لا يؤمن بالرومانتيكيات الخارقة للطبيعة، أساسا لا وقت لديه ليؤمن بالخرافات، ولكن، رغم ذلك، يقول إن الأشجار تتغير. وجهة نظره هي أن الأشجار يغيرها الجن، والغرض ربما أن يسببوا ربكة للإنسان الذي يسلك الطريق، ما يؤدي إلى توهانه وسقوطه في فخهم، أو أن لديهم أسبابا أخرى ذات طبيعة “جنية” لا يمكن أن نكتشفها لأننا لسنا جنا. أكرر مرة أخرى، والدي ليس ذا خرافة، فما تراه خرافة هو لا يراه كذلك، بل يراه نتيجة منطقية للبيئة التي يمر بها، ولذا رحلته إلى البقالة هي رحلة في المجهول، في الغامض المستتر من الطبيعة حيث تتغير الأشجار بشكل مبهم وتتجه أكثر الاتهامات المنطقية نحو وجود قوى خفية تغيّر مواضع الشجر لأغراض مشبوهة. أما النعمان، فيقول إن بضاعة النساجين تنفد فتضمر حفلة اللون الماجنة ويحل محلها بهوت خافت للأصيل الذي يتلون فيئُه فوق الرؤوس بكآبة رتيبة وهو يسيح مثل الدهان في الدكاكين، وتبدو معه الأوجه مختلفة، حتى وإن كانت سعيدة، وكأن شخصا أطفأ الضوء فجأة. أما الأطفال فيتوقفون عن اللعب أحيانا، ويجلسون على العتبات يتحدثون مثل رجال بالغين لسبب ما. وهي أمور طبيعية، ولكنه يقول أيضا إن الشعراء يختفون فجأة ويحل محلهم منجمون في الأزقة يتنبؤون بأشياء غريبة، مثل نهاية العالم بعد حرب كبيرة واحتمالية العثور على كنوز تحت منازل في تدمر وخروج نساء يلبسن بناطيل زرقاء.

إذن تفصل بيني وبين البقالة 200 متر تقريبا. تستطيع أن تقطعها بالطريقة التي تحب، بالرقم القياسي في السرعة ليوسن بولت خلال 19.19 ثانية، أو بالرقم القياسي في البطء لوالدي الذي استغرق ذات مرة تسع دقائق ليقطعها. اللي تبي. أول ما سيجذب انتباهك هو أصص زهر تلوح من حد نافذة في الدور الثاني من عمارة شقتي، ستائر النافذة مشرعة دائما، وترى من الزاوية نحت الجبص المتآكل، وتفكر أنها غرفة نوم. لن تكون محظوظا بمعرفة من يقطنها، إلا إذا كنت شخصا شديد الملاحظة. ستعلم أن زوجين لبنانيين يسكنانها، ومعهما ابنة صغيرة. الزوج وسيم بلحية مشذبة ومحددة بدقة استعراضية، والمرأة بارعة الجمال وفارعة الطول. منظرهما يوحي بإحساس عميق بالنظافة والألق، ذلك الذي تشعر به حينما ترى شخصين جميلين وكأنهما منحوتان من قطعة رخام، ويبدو لك لطيفا ومقلقا في نفس الوقت تخيل منظرهما وهما يتمرغان على سريرهما في ظل خلوتهما المستترة خلف تلك الأصص التي تهتز بخفة مع النسيم. في المواقف، هنالك سيارة فورد متوقفة منذ أسابيع. صاحبها سعودي يغير مكانها بين فترة وأخرى، لكنته جنوبية تخالطها لهجة أهل الرياض المهجنة والمدجنة فتكاد تدفنها لولا كَسرة صوت عسيري تخرج دائما في آخر كلمات معينة، يقول إنه يعمل في استخبارات الجيش ويسافر كثيرا، يحب أن يروي قصصا عن المناظر البشعة التي رآها، ولكنه أحيانا يبدو صامتا وحذرا، ولا تستطيع فهم أو توقع مزاجه بشكل واضح. هنالك محل لإصلاح المكيفات والثلاجات، صغير يكاد يكون أشبه بفجوة في جدار، مكدس بمواطير وخردة يغطيها شحم فحميٌّ متيبس، وتفوح من المكان رائحة الرثاثة القذرة لبقعة تشعر وأنت تقف داخلها أنك في رئة مدخن مصاب بالسرطان. يعمل فيها باكتساني عملاق، أصبع قدمه أكبر من وجهي. يجلس دائما على كرسي خارج المحل، ويشرب الشاي من ترمس. أصلح ذات مرة ماطور مكيفي بالمجان قائلا إنني جار وإنه يراني أمر أمام محله دائما، وعلمت حينها أنه موزع مخدرات حتما وأن هذا العبث كله مجرد خدعة. شربت معه الشاي ذات عصر وقد توقفت أمامه في الطريق إلى البقالة، وأخبرني عن قريته، اسمها سخى سرور، ولكنها لا تنطق هكذا، ولم أعرف حتى الآن كيف أنطقها. أما السيارات التي تمر من الحارة، فهي أكثر الأشياء المثيرة للاهتمام. لم أرى سيارة تتكرر في مرورها يوما ما. أعلم أن هامش التكرار في ظل المدة الزمنية المحدودة التي أقطع فيها الطريق ضئيلة، ولكنني أؤكد لك أنها لا تتكرر إلا قليلا، تعرف من أوجه السائقين أن معظمهم لم يأتي هنا من قبل، أو لم يعتد على الأقل، يطالعون حولهم بنظرة استفهامية، مكرتَـنين داخل صناديق الألومنيوم. في تلك اللحظات فقط، تتضح لي كرتونية قيادة السيارة. تخيل أن ترى شخصا جالسا على الكرسي، والكرسي يطير في الهواء. سيبدو شكله سخيفا فعلا. في تلك اللحظات يبدون فعلا مثل أشخاص يجلسون على كراسٍ طائرة، وكأن صندوق الألومنيوم هذا الذي يكرتنهم مجرد واجهة مفتعلة لتغطية ذلك المنظر المضحك لشخص يجلس متصلبا على كرسي طائر. يمرون من هنا، ويختفون. مثل أطياف، مثل أشباح، مثل خيالات، على تلك الكراسي الطائرة. من هم؟ من يكونون؟ لماذا هم هنا؟ الأسئلة الرومانتيكية المعتادة. لا يعطونك فرصة للإجابة، ويتركونك فريسة ذلك الفضول الرومانتيكي السخيف المستعصي عن التجاوز في هوسك بالغرباء، الذي تولّد معك كاتبا وتغذى بك صحفيا ونضج فيك شخصا وصار جزءا منك. أحدهم يمر بك متأنقا بكامل أناقته في الساعة الواحدة ليلا، يتوقف معك عند البقالة التي يتأخر جهانكير في إغلاقها أحيانا، تحدق فيه بطرف عينك، وتفكر من هذا الذي يتأنق بهذه الطريقة المتطرفة في الساعة الواحدة ليلا، بل أنه يصلح مرزامه ويضبط تشخيصته، وتستفزك رغبة قذرة في أن تلحق به، ولكنك لا تفعل طبعا، ويمضي فوق كرسيه الطائر ويختفي وهو يرستك مرزامه وتشخصيته في المرآة. حينما تقف قبالة البقالة، وتلتفت، سترى على زاوية الرؤية المقعرة مكعباتٍ متطاولة من الاسمنت، تسمى عمائر الشقق السكنية، فيها ثقوب هندسية تسمى نوافذ، وعليها تشكيلات ألوان ومنحوتات مبلطة وحواف قرميدية. تقف هناك متلاصقة بجانب بعضها، بأطوال وأحجام متشابهة، تُـترِّس الشوارع التي تبدو مثل خنادق محفورة وسطها، وكأنك تسير في أخاديد من الاسمنت المكعب المثقب. هنالك مئات من النوافذ، الفُرجات التي يلفظ سوادُها المغمَّض إغراءَ ما هو مبهم، وتستفزُّ من الشخص المأخوذ بفكرة الغرباء رغبةَ الوصول إلى كنه ذلك الفَـرْج وسط الجدار، وتذره منطفئا بلذة الحرمان، المتعة المازوخية لامتناع لذة عن الحدوث رغم أنها في متناول اليد. كم من الشخوص والقصص والحركات واللفتات والإيماءات والزفرات واللذات والألم يحدث كل لحظة وراء كل ثقب في هذه المكعبات؟ وتبتسم لنفسك وأنت تقف أمام البقالة وتدخن سيجارتك محدقا في ذلك المنظر الغرائبي/الاعتيادي متصالحا غاية التصالح مع فكرة أنك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحيط بمدينة، كما أنك لن تحيط بأي حال من الأحوال بإنسان، لأن المدن مثل الإنسان، لا تتكشف بالكامل، تظل مألوفة رغم تعذرها عن الإحاطة. وتجد نفسك متصالحا مع هذا الفكرة، لا بأس، وتفكر أنه مهما امتدت الرحلة إلى ما وراء البقالة، إلى أماكن أعمق، إلى أسواق أبعد، إلى برار، إلى أهداف تخترق عمق البيئة وتستهلك كل حياتك إلى أن تموت: لن يكشف ذلك الكثير، ولن يحقق لك أكثر من رحلة إلى بقالة، كما قد تظن عكس ذلك. بل على النقيض، المزيد من البحث، المزيد من التعمق، يورث المزيد من الغموض والجهل. وهي قاعدة فيزيائية تقريبا. حينما اكتشف آيزنشتاين النسبية، جلب معها آلافا من المناطق الغامضة التي لم يكن معلوما غموضها قبل هذا “الاكتشاف”. ولذا الرحلة للبقالة قد تكون أكثر دقة من الرحلة المتواصلة المتعمقة إلى أحشاء الحارات المخندقة وسط مساحات المدينة الشاسعة. النتيجة واحدة، ستخرج أقل فهما واستيعابا. أعدك بذلك.


Advertisements

الرياض، بعد 12 ليلا

 

IMG_1573

 

بسبب طبيعة عملي، فأنا مضطر لأن أتابع أكثر الأخبار لعانة في العالم.

قبل مدة مثلا، قضيت ساعتين وأنا أتقصى صورة لرجل مقطوع الرأس ممزق الجسد، لأثبت هل هي فعلا صورة حسين ياغي الذي قتل في تفجيرات بيروت.

لا مشكلة، العنف لم يعد نشازا. كما أنني أحب مهنتي، وأجيدها الى حد كبير.

أخرج في الساعة الثانية عشر ليلا. الشوارع هادئة وجميلة، الرياض كريستالية في نقائها ولمعانها الشفيف. البيوت معتمة بهدوء رقيق الى حد ممرض، تبدو حميمية في أمان الاجساد النائمة داخلها. العالم يظهر حينها لطيفا، وجميلا. لا شيء سيء يمكن أن يحدث.

تتصل علي أمي أحيانا وأنا طالع. ربما يجب القول أن أمي امرأة أمّية تقليدية، تظن أن الناس مهما كانوا سيئين، ولا تستثني نفسها، يظلون غير قادرين على تجاوز حد معين من اللباقة والعطف. المهم، بعد كل الحديث الهامشي المسالم، أحيانا وليس دائما؛ تسألني أخيرا عن الكوارث، انفجارات/صواريخ/حروب/قتل عموما، ربما كنوع من التكفير حينما يحدث شيء في ذلك اليوم يجعلها تقتنع أننا محظوظون لأن البراميل المتفجرة لا تسقط علينا ولأننا لا نُـنحر باسم هذا أو ذاك ولأن حياتنا لا تُهدَر بضغطة زر في طيارة لا نعرفها ولا تعرفنا ورغم ذلك ترسل صاروخا علينا. تسألني وهي تظن أن الصحفيين يعرفون كل شيء يحدث في العالم. أخبرها، أحيانا وليس دائما أيضا، وبدون تفاصيل سيئة أكثر من اللازم، ولا تفشل مبالاتها التي تبدو صادقة على الأقل في إثارة اهتمامي كل مرة، وأحيانا امتعاضي، كيف تحافظ على هذا القدر من المبالاة أو الرغبة بادعاء المبالاة على الأقل؟ إنه عصر تجريدي، هذا الذي نعيش فيه، حيث كل شيء سيء يحدث في العالم: يصلك، ولكنه يحدث خارجك. أنت في الطرف الآخر الخارجي من الشاشة، تراقب، ولكن دون أن تتورط. هذه التجريدية تشبه اللامبالاة، ولكنها أدق وأكثر تعقيدا. إنها آلية نستخدمها لنتأقلم مع غرابة وبشاعة وكرتونية ما يحدث، آلية ناجعة ومهمة، لولاها لكنا لا نتوقف عن الغضب والقهر على سخافة وفظاعة ما يصلنا. تكرر أمي الطيبة امتعاضاتها، ثم تختم بالقول أن العالم تعيس، وأنه مخيف، وتُذكّر بالحديث الذي حفظته منذ أن كانت طفلة لأنه يثبت لها أن العالم الذي عاشت فيه كان وسيظل أفضل من عالمنا هذا “يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال يفر من الفتن” وأتخيل وأنا أقطع الشوارع الكريستالية اللطيفة النائمة، ماذا لو أنني بعيد فعلا؟ في مكان بدائي وحشي لا حياة فيه سوى عزلتك اللاملطخة بوحل كل هذا الخراء؟ وأدرك أنني أكثر ضعفا من فعل هذا، ربما لأنني أحب نفسي ومتعي ولذاتي وأحب الناس والمدن والحركة. وأدرك أنني تبعا لذلك سأظل في هذه العزلة التجريدية، وأن ملايين الناس مثلي، وأن هذه الشوارع الكريستالية اللطيفة لو حدث لها ولأناسها شيء فلن يبالي الآخرون بنا، وسيراقبوننا نموت كما نراقب غيرنا يموت. وهنا؛ في الأحيان التي أكون مباليا على غير العادة: تحين لحظة نرفزة حاقدة خاطفة. ولكنها تتلاشى سريعا، لأنني أقف عند المطعم، وأهمُّ شيء يحدث الآن بالنسبة لي هو أنني جائع، وأشتهي ان آكل.


رثاء فتوّة وحشية

كنا الأمس واليوم والغد، كنا ما حدث وما سيحدث، كنا أكبر من الكلمة وأرحب من الورقة البيضاء وأرسخ من الشك. كنا مثل لعنة مقدسة، نريد ابتلاع كل شيء، نريد اختطاف كل شيء، كل الأماكن والصور والافتراضات والخبايا والأسرار والأفكار، كل شيء، كل شيء، كنا نشتهيه بعنف، نتوق له بشهوة مفترسة. كان الجوع يقتلنا، يقتلنا ونحن نعلم أن في العالم أشياء لا نراها، أشياء لسنا حولها، أشياء تحدث ونحن في غيبة البُعد أو الزمن. كنا نعتبر أن التاريخ خيانةٌ لوجودنا لأننا لم نلحق عليه، كنا نعتبر أن المكان خيانة لوجودنا لأننا لا نستطيع احتواءه. كنا نضرب الطرق بخطوات ثقيلة، كنا نلفت الانتباه بصراخ نشوة مستفزة. كنا نطالب بالمزيد ونعتبر أي حرمان هجوما متعمدا ضدنا. كنا نعادي الاحتمال والحظ والقانون والمحدودية، كنا نفترض أن كل موجود حقٌّ مجاني، كنا نتداول التجارب على أنها حقائق، كنا نطالب العالم أن يصدق قصصنا الخرافية، كنا نعادي ونضرب ونسحق ونتعافى ونهرب أمام كل احتمال بأن أحدا لا يمنحنا انتباها كافيا. كنا نبكي أحيانا، ولكن من الضحك. كنا نتوقف أحيانا، ولكن لنلتقط شيئا. كنا نُغلق أعيننا أحيانا، ولكن لننام. كنا نركل الخيبة كشيء لم يحدث، كنا نحب بعنف وننكر أننا نحب، كنا نكره لنثبت أن لدينا ما يكفي من القسوة لنكون رجالا، كنا نَجبُر ما انكسر قبل أن يكون العالم مستعدا ليضربنا من جديد، كنا نتجرع العاطفة بخفة المتحرر من ثقل المبالاة. كنا مشردين، أبناءُ طبيعة وعرة، تربيةُ بدائيةٍ خشنة. كان الموت لا يملك ضدنا ورقة ضغط لأننا لا نهتم بشيء، كان الخوف مثيرا لأن كل غامض يستفزنا، كانت الأحلام مكرسة لعنفوان واقع افتراضي، كان ما وراء البحار وعْداً بالمزيد، آه المزيد، المزيد المقدس، المزيد من كل شيء، المزيد من الزمان، المزيد من المكان، المزيد من الأرجل، المزيد من الأيدي، المزيد من العقول، المزيد من الأعين، المزيد من الإدراك. الحياة جملةُ الركض وراء المزيد، التخمة التي لا تشبع، الارتواء الذي لا ينقع. كان الدم مثل معدن مصهور، يغلي تحت الجلد المحمرّ بالانفعال. كانت الرجولة صورة السواعد المتخمة والعرق اللزج والصراخ الهمجي والانقضاض الوحشي. كنا قطاع طرق رغم أننا لم نقتل أحدا، كنا لصوصا رغم أننا لم نسرق شيئا، كنا محاربين رغم أننا لم نعرف حربا، كنا صراخا مقدسا مزيفا يملؤ العالم بهديره، كنا طاقةً ترمي بشررٍ شهوةً تُهدَر في كرنفالِ فتوة مؤقتة. كنا …

بيوغرافيا نهر مندرس في شبه الجزيرة

يُـجدّف بوجوده اللاّمحدد الأبدي ..

كان منذ أن كانت اليابسة الطافحة بالماء كحساء بقشور من الخبز ..

في عصور الدينصورات القديمة، المخلوقات الخرافية التي تتقاتل فوقه أثناء نموّه، جثثها التي يتشرّبها في باطنه السحيق ويقوم على رُفاتها . حوافه التي تنحفر مع استقلال مجراه، ماؤه الذي ينهمر لامنطقعا من السماء، ذاكرته التي تتشكل بوعي وجودها الهلامي . الزمن مثله، فيضٌ لاأفقي من انعدام الوضوح .. 

رائحة القمح الغامضة في غابات السافانا التي اشرأبّت حوله، تُـطلّ عليه بقامتها الممشوقة وأشجار الكوردايتيس الشاهقة . التماسيح والأسماك والصدفيات التي تربو في داخله، وتموت منحدرة إلى العمق بصمت لا تأبين فيه . الوحوش الضارية التي استحلت فراغ الدينصورات، تجثو أمام مرآته لترى انعكاسها فيه، غير واعية بموقفها، مكتفية بأن تحدث فقط، والأنعام السابلة التي تزرد ماءه بنظرة بلهاء، وتُـزجي الوقت في انتظار أن تُـفترس … يراقب تكوّن أول وثيقة عرفية لقوانين الغابة ..

لذعة الجفاف الطفيفة في الهواء … قشرة الرطوبة المائية التي تتكسر، تتآكل، تتساقط ريحا جافة في الأثير ..

وتندثر أوجهٌ من حوله، وتتجدد أوجه من حوله … وتغيب أشكال تستبدلها أشكال أخرى وأشجار تستحل مكان أشجار منقرضة … وتضيع ملاحظتُه في سرعة تشظي الحركة والزمان والذاكرة . ولكنه يظل يُجدّف في وجوده اللامحدد الأبدي بعذرية لا تهتكها رتابة التكرار، يلمع في ضوء الظهيرة مثل حديد مذاب، ويسطع في الغروب بلحاءِ صُفرةٍ فاقعة كالذهب المصهور، ويتلألأ في الليل القمري كسبخةِ فضة سائلة . ويحدس الشهور بالريح والروائح التي تحملها، ويسميها بأسماء لا أبجدية فيها، ويشيخ في اختلاط الصور والدلالات والتلميحات مع تدفق الزمن الفيضيّ، ويظل يستقبل الجثث والأصوات والحركة بحياد نشاز يفتقر لتراتبية الفهم .

ويمر به الإنسان أخيرا، كمخلوق مختلف عن ذاك الذي وقف على ضفته قبل دهرٍ غير واع بوجوده . يرى الآن صورته في مرآته، ويبدو غير مكْـتفٍ بأنه يحدث فقط . يبتني بيوتا على ضفافه، ويحمل إليه أفواجا ممن يشبهونه . يُقنن الحركة من حوله، فيستعيد النهر تراتبية ملاحظته . ينشغل بتغذية القرى والبساتين التي تنمو قريبة من مصابّه، ويخترقُ عباءةَ الصراخ الحيواني اللامعرّف صخبُ حركةٍ بشرية بأصوات ذات تركيبة مختلفة، بإيقاعِ شفراتٍ متفق عليها، تتكرر، تتماثل، تتشابه . يتعلم بصعوبة لغة الإنسان، يكاد يفهمها، ولكنه يظل غير قادر على الإمساك بكل المفردات المسمَّرة في جدران غرف الأبجديات المطلقة في متاهتها اللانهائية، حيث تنشأ كل يومٍ شفرةٌ جديدة وتركل الكلمة إلى مدى لا يمكن اللحاق به، فينصت كأجنبي يفهم المعنى ولا يستوعب القالب، يفهم اعترافات الحب ولا يفرق بين طريقة تعبير الشاعر والفلاح … وتكبر الحقول، وتنمو الغابات، وتتكاثف المساكن التي تزحف منها روائح الطبخ والأطفال والحليب والقهوة والنشارة والجص وأصوات البكاء والضحك والنوم واحتكاك الأجساد ومحسوسات اللذة والحزن والسعادة والقلق والشعر والكتابة، وتُـطلّ عليه رؤوسُ أحجارٍ متراصة صنعها الإنسان، تتطاول مثل أشجار الكوردايتيس المنقرضة . ويتقاتلون أيضا على ضفتيه، ويتشرب جثثَهم في باطنه السحيق . وتمر عليه قصص تضحيات الشرف والذعر والظلم والحلم بما هو آت . ويسمع ابتهالات خاشعة لآلهةٍ غامضة لم يسمع بها من قبل . ويُنصت لهمهمات رجل وحيد يُلقي تحديقاتِ رثاءٍ بليدة وهو يجلس بمحاذاته . ويستوعب معنى الموت في قبور تُحتفر بجانبه، ويتشرّب طاقة الولادة برضّع يُغمسون في مائه، ويستقبل آخر لعنة لأناس يُهدرون حياتهم في أعماقه ..

ويتقشف الهواء أكثر، وتتقيح الريح أكثر، ويجثم على الأثير جحيم حارق … ويُسرع الزمن بتطرف حاد يجرح خمول ملاحظته … ويحلُّ قحطٌ طويل، وتتآكل الحقول، وتترمّد الغابات، وتتخشّب سيقان الشجر، وتتفسخ بعيدا عنه جثثٌ لا يراها، وتغيب في امتداده صيحات الوحوش الضارية، وتنسحب مساكن الإنسان أبعد، وتبقى آثار الحجر تتآكل في الريح، وينسى اللغة التي تعلمها والتجارب التي تشرّبها، وينشغل بإمساك الرمق الأخير لمائه الذي يسرع في التبخر … ويقترب من قاعه، أحشاؤه التي لم يقابلها منذ أزل ما … ويجف، وهو يرى السماء صافية دون سحاب، ويتذكر انعكاس زرقتها في وجهه، ويشك إن كان ذلك حدث فعلا … وينغمس في عمق تربته، وتصطلي قشرته بفوران حرارة جحيمية … وتتآكل ذاكرته، ويتقعّر في احتدابةِ فراغه المجدب، ويفقد دلالة الماء فينسى أنه كان نهرا، ويسأل ما هو النهر؟! … وتطأ ترابَه أقدامٌ غريبة لا تعود، فيفكر أنه فلاة، أو تل، أو حديقة مهجورة . يشعر في أحشائه السحيقة ببلل التربة الصلصالية، ولكنه لا يستطيع تبريرها، لأنه لا يعرف الماء، فما هو البلل؟! وكيف أتى؟! وماذا يعني؟! . يفقد الأجوبة البديهية التي يستفزه عجزُ انعدامِ القدرة على إيجادها، ويظل يتصحر بوجوده اللامعرف الأبدي، خندقٌ مجدب بأزهار اللوبيا المتحجرة وأشواك السعدان المتيبسة وحفر الثعابين المندسة وخطوات الوحر السريعة وأوكار الذئاب الوحشية … وتنطبق على وجهه المحدِّق في السماء عواصفُ الرمل، وتستحله نُدف التراب النملية التي لا تعترف بحقوق الملكية، ويظل يفقد أطرافا من جسده ينسى في اليوم التالي أنها كانت له … ويتناقص، وتندرس ذاكرته تماما، ويفقد حضوره الآني، حتى ينطمر … وينطفئ عميقا في البعد السحيق … وهو لا يعلم أنه كان، ولا يبقى منه أثر ليعلم أحد آخر أنه قد كان ..