أمس

في قدميه ويديه تشققات مثل النحت، وفي وجهه أحافيرُ يبسة وجفاف. من أعلى جبينه الأيسر، ناحية صدغه، ينحدر ندب ودياني يحفر طريقه ملتفا ليبتر الحاجب ويمتد منه قافزا العين إلى الجفن حتى يصل إلى حد الشارب النحيل. ملامحه لطيفة في وجه غير لطيف وسحنة كالحة. عيناه ضيقتان ولكن لامعتان. جسده ناحل وهزيل ولكن مشدود وفتي، ومن يديه تبرز عروق بازغة من عظامه الدقيقة ذات الشعر الكثيف، ومن ثوبه الأسود المفتوحة أزراه العلوية ينتؤ قفصُه الصدري الرهيف بشعيرات طويلة، ومن طرف الخرقة التي يضعها على رأسه تتناثر خصل شعر ناعمة وقذرة. يمسك بندقية المقمع، ويقف على تل، ويحدق في المسافة المفتوحة أمامه. يبسط يده فوق حاجبيه، ولكن لا فائدة. ينحدر أخيرا، ويمشي. يلبس في قدميه نعلين من جلد التيس، ويطأ في التراب، ويخطو بين العرفج وشجيرات الأثل، والشمس غائمة من فوقه.

يهب نسيم من الشمال، يحمل سَموما، فيركض ليفرز عرقا أكثر، ثم يتوقف وقد ترطب جسده كاملا، فيعاود النسيم الهبوب عليه ويتقشر العرق باردا على الجلد، ويستشعر نغزته القشعريرية في كل قشرة جلده.

يرى أمامه شجرة سدر كبيرة، فيتجه نحوها ويستريح جالسا تحتها. لازالت السماء مرقعة بقزع سحاب يخبئ الشمس الصاعدة من الشرق وراءه. يسمع صوت الريح في الأغصان، وأصواتَ البرية التي تتنوع بين سفْي التراب الزاحف في الأرض وصفير الهواء في الوديان البعيدة وأصوات أخرى مجهولة المصدر والكُنه. ويحدق أمامه، وهو يشرب من قربة صغيرة مدبوغة من جلد الماعز، ويرطب شفتيه المتشققتين بلسانه الكبير. يقوم بعد لحظات، يتخير أفضل الأغصان في السدر، وينتزع الورق، ويمضغه ثم يبتلعه بجرعة من الماء، ويمضي.

يسير أبعد، ولكن في اتجاه آخر، نحو الشرق. لاشيء في المسافة سوى الشيء وظله. الصخور والتلال والشجيرات. لمح أخيرا وراء الأرطى ذئبا. انبطح سريعا، ووجه بندقيته نحوه، ثم أطلق دون تردد. لم تحن لحظة تلكؤ واحدة، كل شيء حدث خلال ثوان، وكان الذئب ثاويا في دمه. اتجه نحوه، وجده ميتا، ولكنه ذكاه بسكينه، وحمله. وعاد نحو الغرب، والشمس ترتقي من ورائه.

هنالك ستة خيام متفرقة. خيمته في طرف قصي وصادّ منها. تقابله امرأة شابة، تقف بنقابها المبقور عن فتحتين واسعتين تبرز منهما عينان كحيلتان وجفنان مرتويان. تسأله: وش جبت؟ فيرد هاتفا بطريقة مسرحية: ذيب يا مرة ذييييييب. فتقول: وا قلبيه وين روّح الطلي روّحت روحك؟ فيرد بنفس الطريقة وهو يضع الجثة: الطلي راح يا مرة الطلي رااااااح. يخلع ثوبه المضرج بالدم، ويلبس آخر لا يقل قذارة. يشم رائحة القهوة الموضوعة على الأثافي، ويصدر صوتا مثقلا بالرغبة. يجلس على بساط في الخيمة، وتأتي هي لتأخذ الدلة بعد أن عاينت جثة الذئب، وتجلس بجانبه. كم بقي من القهوة؟ يسألها، فترد: ما بقى شي، عطيت جارتنا ذريرة. فيقول: اممممم، أمر ديرة الحضران اليوم وأشوف إذا يمدي على الحساب من الشايب. بينهما مركى صغير، مصنوع من الوبر. تجلس متربعة، أما هو فيجلس ثانياً قدمه ليتكئ على المركى، ويميل نحوها. ترفع الدلة بيدها اليمنى بجانبه، وهو يميل نحوها، مبتسما. رائحة القهوة. قميصها المشجر ونقابها الأسود أمام عينيها الكحيلتين، وهي ترفع الدلة وتصب القهوة برفق في الفنجال، تضرب في قاعه صفراء فاقعة الرائحة. متلاصقان تقريبا، تملأ الفنجال، وتمده له، فيأخذه ويشرب، وكمّا ثوبيهما متلاصقان.

الصورة موثقة في كتاب رحالة بريطاني كان قد مر بالخيمة حينها وطلب تصويره فوافق مقابل ريال فرانسي. “الزوجة المنقبة تصب الفنجال الخامس، والبدوي يميل نحوها بحب وألفة بعد عناء يوم طويل في الصيد، متلاصقان في جلستهما، يُسرّان الحديث بينهما وقد مالا على بعضهما، ويضحك البدوي بوجهه النحيل الحاد الذي تملؤه لحية قصيرة، ويبدو أنها تضحك من عينيها اللتان تضيقان، ثم تصب له الفنجال السادس”. هكذا كتب. يطالع الصورة ابن حفيده في مكتبة المدرسة المتوسطة، ويقول لأصدقائه: هذا جدي. ويتجمعون حوله، ويعلق شخص ضاحكا بتفاجئ مسرحي: شوفوا شوفوا جدته طالعة في الصورة طالعة في الصورة. فيرمي الكتاب ويتعاركان.

————————–

صورة القصر الطيني البدائي فوق المرتفع، مطلا على تجويف مزارع العائلة على اليمين، تنحدر لها بممر محجّر باللُّبن رصفه الجدان/الأخوان اللذان شيّدا هذه المستعمرة العائلية التي تضم الآن سبع عوائل خارج المدينة قبل قرنين تقريبا. صورة برك الماء المتفرقة على امتداد السهل المنبسط قبالة “القصر” كما يسمونه. الوقت صيف، وتحديد موسم المرزم، ولكن مطرا كثيرا نزل حينها مع رطوبة معتدلة في الجو، ولا أحد يفهم لماذا حدث هذا. والده يقول إن شيخا جليلا من الناصر دعى ربه بعد أن أوشك نخله على الموت فنزل المطر. ولكن لا أحد يعلم فعلا. كان الجو حارا نسبيا، وفي السماء قزع غيوم شفيفة. الوقت في آخر الظهر، وهو يسير في الطريق بعد أن أوصل الغداء لأبيه وإخوته في المزارع. سمع هناك أحاديث متفرقة. أغاظوه أولا بالقول إنه يتحجج بالمرض لئلا يعمل اليوم، وقد كان فعلا يتحجج بالمرض، ولكن لم يعجبه أن يفضحه الآخرون ويسخرون منه بناء على ذلك. “نشبة”، هذه الكلمة التي لفظها عليهم. كان لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، ولم يرغب في العمل في هذه الأجواء. جلسوا وأكلوا بين الشجر والسواقي التي تصدر خريرا حادا. سمعهم يقولون إن شعيب المندق سال، وكانوا يقولون هذا بذهول، الجميع متفاجئ من هذه الصورة الغرائبية، أن يسيل شعيب المندق في المرزم. وجلس هناك يحدق أمامه بين الشجر، وقميصه يلتصق بجلده مثل الصمغ بفعل العرق، ويتخيل ماء كثيرا في المجرى الواسع، باردا وعميقا، وشعر بلفحة هواء ترطب رقبته، وقام وهو ينوي الذهاب إلى هناك. مهوب بعيد؟ فكر في نفسه. لقد ذهب مع إخوته وأبناء عمومته إليه دائما. تذهب من منحدر المزارع مارا بتخوم التلال قبالة الخفس، تقطع “أخدود النار” الذي يقطع الصلوقعة الصلصالية قبل جبل السبابة. تمر على مزارع الخالد والبراهيم والعقيل، ثم تهبط إلى انحدار الشعيب. مسافة نصف نهار ذهابا وعودة. كان قد قال لأمه وخالتيه وعمتيه اللاتي كن مجتمعات في قهوة الرجال إنه ربما يجلس هناك. ولذا، الأمر مهيأ.

صورة قصر الخالد وهو يقترب منه، ووراءه النخيل الممتدة إلى بضع مئات من الأمتار، وعلى طرفها محالة يُخضّرون فيها الكوسة والبيدجان والقرع، ومن حواف جدرانهم تتدلى البلاّصات، وهي علبة بعنق مبرومة تُملؤ قازا وترمى فيها خرقة تعمل كفتيلة تُجر إلى خارج العنق وتُشعَل بالنار لتنير القصر للسائرين في الظلام، تلوح من بعيد وهجا نابضا وسط السواد. ولكن شمس الصيف الآن تبدأ بالانحدار فوق رؤوس النخل، مشعة تميل للاصفرار قليلا. الحريم يتحركون في الخارج، متفرقات يحملن ويضعن ويطبخن، ويعرفونه، إحداهن تصرخ فيه: وشلون أميمتك؟ فيقول طيبة الحمد لله. تدعوه ليأتي ويأخذ شيئا، ربما شرط فيه حلى أو تمر، ولكنه يرفض بيده ويقول: وأنا راجع أنا الحين عجل بروح للمندق. ويتوقف ويسألها وهو لازال يقف بعيدا: سعود فيه؟ فتقول لا، مع أبوه في المزرعة. ويكمل طريقه. يلاحظ أن ابنة تلحقه، أخت سعود، في التاسعة من عمرها، تلبس جلابية قصيرة منقشة يبرز من تحتها سروالها الأحمر. يهملها في الأول، ولا يلتفت لها، وهي تلحقه وتسير وراءه دون كلمة. قدماها مغبرتان ويبرز سروالها الطويل من تحت الجلابية التي تتوقف فوق الكعبين. يسيران بانحدار نحو الخفس والشمسُ ترافقهما منحدرة إلى الأسفل، وهو مازال يهملها، وهي مازالت تسير وراءه وتقترب حتى تصل إلى بعد خطوة عنه. يتوقف فجأة، يلتفت نحوها، يحدق فيها: دبشة أنت؟ وش تبين؟ يالله ارجعي. ولكنها تطالع فيه بنظرة بلهاء، وشعرها الطويل ينتشر على كتفيها. تسأله: بتروح للمندق؟ فيرد: وش دخلتس، يالله ارجعي. ولكنها لا تتحرك. يرفع يده وكأنه سيضربها فتنكمش حامية وجهها بيديها، ويظلان على تلك الصورة عدة ثواني، ثم يُنزل يده ويكمل السير، فتواصل اللحاق به، وهي على بعد خطوة وراءه. يمران إلى السهل حيث تستقر مزارع ومنازل الناصر ويلوح نخلها متلألئا تحت الشمس. شجيرات العرفج تنتشر على الامتداد مرقِّعة السطح الترابي النقي، مع عدة أشجار شبه ميتة من السدر. يستشعر العرق في رأسه حينما يهب النسيم فيرطبه، وتلذعه برودة ناعمة، وهو يدعس الحصى محاذيا مسار ساقٍ يخر فيه ماء المطر الصافي. يهملها تماما، ولكنه يسمع صوت أقدامها، والشمس تنحدر من الأفق وتحترق في قزع الغيم الخفيف.

انتبه الآن، دون أن ينبهه شيء محدد. ربما صوت حفيدته التي صرخت لأن أختها سحبت الأيباد منها، أو صوت زوجته غير الفصيح حينما تخلع أسنانها. ولكنه انتبه غالبا لأنه انتهى. تطلع أمامه، ورأى فوضى من الحياة والأجيال. سأل مخترقا كل شيء مثل شخص يقول كلمة بذيئة في مكان عام: متى بيصلون على شيخة الخالد؟ حدقت فيه زوجته ثم قالت بنزق: صلوا عليها وخلصوا الظهر اليوم، هماي أقولك يا خزياه ما درينا إلا متأخرين. هز رأسه ولم يضف شيئا فعاد كل شيء إلى سياقه. أخذ يمسد شعر لحيته ببطء وقد حمل فنجاله قريبا من فمه. بعد قليل سينسى كل شيء، ويعود للحديث مع أبنائه الثلاثة وبناته الأربع وزوجته، سينسى الجلابية المنقشة الناقعة بالماء، ولكنه الآن، لا يرى إلا هي، ولا يرى إلا وجه شيخة في الشعيب، وهي تضحك وتؤشر له وتصرخ: “المويه باردة تعال”.

—————–

المكان مظلم، ومن جهاز البروجكتر الممركز في المنتصف ينبعث ضوء قوي، تتجسد من خلاله شخوص الفيلم ومشاهده التي تملؤ الجدار. غرفة النادي الخلفية الصغيرة متكدسة كاملا بالزوار. كان فيلما مضى عليه ست سنوات، اسمه midnight cowboy، ولا أحد فهم أو يفهم قصته. بجانب البروجكتر يجلس رجل بلحية قصيرة مشذبة، عليه سيماء الكثيفين باعصي الجو. في كل لقطة تُظهر فيها امرأة لمحة أنثوية مبالغا فيها، لباسا أو حركة، بحسب معاييره، وقد كان الفيلم يضج بها ولكن ذلك لم يثنه: يضع إبهامه العملاق على بؤرة الضوء، فيختفي كل شيء، ويحل الظلام، وترتفع الأصوات الغاضبة في الغرفة الخانقة وتعلو التفلات اللزجة في الهواء. “ملعون أمك يبن الكلب شل أصبعك”. “تفو عليك وعلى قبيلتك الداجة”. “وخر أصبعك الله يلعنك طار الفيلم”، إلخ. وهو يجلس بكل صفاقة ولامبالاة، يرفعه قليلا ليتأكد، وحينما يبدو الوضع آمنا، يبعد اصبعه بشكل كامل.

أكثر المحسوسات تواجدا في الغرفة الضيقة، ثلاثة: العرق، والدخان، والضوء/انعدامه. الجميع تقريبا يدخن، ولذا تنبعث من المكان ألسنة دخان تصعد لترسم في انعكاس الضوء خطوطا ثعبانية. هنالك نافذة مفتوحة في أعلى الجدار، ولكن رائحة شجرة الكافور العملاقة لا تستطيع تغطية رائحة العرق، الذي ينتشر قويا ومركزا. يجلس مع ثلاثة من أصدقائه في الصف الرابع. نيويورك في الفيلم تبدو قذرة، وراتسو أكثر قذارة. الشعر اللامع بالجل، والذقن النابت، والسيجارة على طرف الفم. لا أحد يتحدث، الجميع يجلس وينصت، حتى الرجل ذو اللحية المشذبة. الدخان والضوء والعرق، وربما الصوت إذن. أخوه ماجد عاد من لندن قبل أسابيع، كان قد أخذ قرضا من الصندوق العقاري، وسافر به إلى لندن، وبذره كله هناك. “تشرب وتنيك وتفصخ لو تبي في الشارع. والحريم، قحاب في قحاب، كل وحدة ورا الثانية، كلهن قحاب”. في الثانية والعشرين، أكبر منه بثلاث سنوات، يخبره بذلك وهو – مع أصدقائه الثلاثة – يجلسون معه على كراسي محل صديقه في أسواق الجفرة. “عندهم ويسكي وواين، تقحن فيهن ألين تفقد، ثم تطلع برى وتتنقى من القحاب اللي قدامك برخص التراب”. كان جو بلاك يجوب شوارع نيويورك ليعرض نفسه على النساء، ولم يفهم هذا إلا بعد مدة من الفيلم، أنه يفعل ما تفعله القحبة، ولم يفهم كيف أن رجلا يستطيع فعل ذلك، وأن نساء سيرغبون في ذلك، ويفكر كم هو محظوظ. تخرج كاس في لقطة طويلة مع جو، يغطيها كاملا الرجل ذو اللحية المشذبة ويغرقون في الظلام والصراخ والتلعين والشتم، ولا يسمعون إلا الصوت، صوت الحوار الغامض المجهول، ويرتفع الصراخ حينما برز صوت القبل، “الله يلعن أمك شيييييل حرام عليك”، وتختفي ألسنة الدخان في انعكاس الضوء، حتى يرفع أصبعه ويكتشف أن المشهد قد قلّت حدة خلاعته، فيعيده على مضض، ويتفل شخص في اتجاهه فتصيب التفلة رقبته ويلتفت غاضبا لأول مرة: “والله لأصكه وامشي”، فيكتفي الجميع بالصمت، ويعودون للمشاهدة. لا يبدو الجميع مستمتعا، ولكنهم لا يخرجون، يستمرون في المشاهدة، ونيويورك تتكشف في كل مشهد عن منظر جديد مثير وقذر. لقد اعتادوا أن يشتروا العرق الذي يصنعه حساويّ في البطحاء ويشربونه في عزبة في سكيرينة. معه تويوتا كورونا قديمة أعطاها له والده الذي اشترى له تويوتا ماريكتو، يعتني بها أكثر من نفسه، ويلفون بها شوارع الرياض منذ الظهر وحتى الثانية فجرا. في الكورونا جامع الفتاة الوحيدة التي عرفها، كانت تعيش في حلة القصمان، لهجتها نجدية ولكنها تقول إنها لا تملك جنسية، تعيش مع والدتها العمياء، لم تأخذ منه مالا، وإنما طلبت منه أن يأخذها في جولة على الرياض، فخرجا منذ العصر، ومروا على أسواق الثميري والصفاة، واشترى لها حلقا رخيصا من القيصرية، ثم أكلا فلافل في السيارة على حافة الرياض في منفوحة، وبعد ذلك مارسا الجنس في المرتبة الخلفية، ولم يرها بعد ذلك اليوم، ولكنه تذكرها الآن وهو يشاهد كاس مع جو بلاك، وحينما وضع ذو اللحية المشذبة إبهامه على الضوء قفز غاضبا في الظلمة ولعن وشتم وبصق بشكل جعل المكان يبرك في صمت ثقيل، لدرجة أن إبهام الرجل سقط، فظهر هو في الضوء، منتصبا مثل وحش، وألسنة الدخان الثعبانية تتموج من حوله. “عسى ما شر؟” هذا ما قاله الرجل ذو اللحية المشذبة ببرود، ولكنه لم يرد، جلس صامتا، وعاد الفيلم ليعرض، ولكنه فقد رغبته في الاستمرار، فخرج، وتبعه أصدقاؤه.

كان الوقت آخر المغرب. أخرجوا ثلاث سيجارات وأخذوا يدخنون على الرصيف، وخمول مغربيات الحارات الهادئة حيث يشرب الأكثرية الآن قهوته في بيت العائلة يسيطر على المكان، وكل شيء يبدو نظيفا له. هجولوا في الكورونا حتى التاسعة مساء، واقترح أحدهم: خل نروح لليمامة طلعوا فلوسكم نشوف. كان الفندق في مرحلة انحدار نسبية بعد وجاهة، ولكن لازال يحتفظ بشيء من ألق. فيرد: نظيف. فيسأله: يعني تبي شي وصخ؟ ولكنه لا يرد. يقطعون منفوحة بالنوافذ المشرعة في آخر الصيف، ويفكر في أخيه الذي أخذ قرض الصندوق العقاري وذهب به إلى لندن.  

كانوا يقفون في المقبرة بعد لحظات من دفنه، ويترحمون عليه بتورط ودون انفعال. في آخر الستينات من عمرهم. وينقذهم أكبرهم: الله يرحمه عاش حياته طول بعرض، فسق في شبابه ألين مل منه ابليس ثم تاب، وهه الحين بيحصل دنيا وآخرة، الله يرحمه. فيرد أحدهم متصنعا: يخوي ليتك ما جيت، هذا كلامٍ ينقال؟ فيبرر متفاجئا: وأنا وش قلت؟ دنيا وآخرة، من ما يبي دنيا وآخرة؟ فيرد: إيه بس ما ينقال ذا الحتسي. ويطرق لحظة، ثم يكمل: مع انه والله فسق فسق الله يرحمه وقبل شهرين أشوفه المغرب في المسجد يقرا قرآن لين صلاة العشا. فيتمتمون: الله يرحمه.

—————-

خرجوا في تمام الساعة الثالثة والنصف عصرا. كان خميسا حارا. من الحارة تفوح رائحة المكيفات الصحراوية بقشها الرطب، وحساسية انعدام الحركة، وضمور القيلولة والنعاس الخفيف. صلوا العصر، ثم عادوا لشارع الحارة الضيق، حيث تفصل بين صفي البيوت المتقابلين قرابة ثمانية أمتار فقط، وعلى ضفتيهما تصطف سيارات الكابرس والهايلكس والكراسيدا والميتين إل موديلات 78-87، تتخللها عدة أشجار سدر وكافور ذات أغصان طويلة تقاوم الشمس العامودية بخيوطِ ظلال مقلمة. ملؤوا طشتا بالماء، وأخذوا يرشونه على الإسفلت الحارق ليبرده، ثم بدؤوا يلعبون الكرة. هو وابن جارهم سطام وأخوه الأصغر ناصر، لحق بهم آخرون من أهل الحارة، عددهم 4، فصاروا بذلك سبعة. كلما تمر سيارة يتوقفون عن اللعب، ثم يواصلون. مع منتصف العصر تفرقوا، ولم يبقى إلا هو وسطام. كانوا في الثانية عشرة من العمر. السكة الإسفلتية ظلالية تماما الآن، وبرودة العصر تسمح للكافور والسدر أن تنفث رائحة أكثر رطوبة. يسيران على امتداد شارع الحارة الضيق نحو البقالة في الزاوية وهما يتحدثان، يخرجان أموالهما، ريال ونصف، ويبدآن في حساب ما يستطيعان شراءه، ويتفاجآن بالهندي وهو يشير إلى عجوز ضخمة خرجت تتمايل من المحل وتسير في امتداد الحارة ممسكة بعباءتها تحت رقبتها وهو يقول: “عجوز خمسة ريال أنت هو”. فيشتريان ويكثران، بيبسي وكاكاو أبو ملعقة وريكو وتويكس. ويخرجان وهما يشربان ويأكلان متجهان نحو الشارع الرئيسي. هنالك محل أشرطة فيديو عليه صورة فيلم رامبو الجزء الثالث، ويبرز منه سلفستر ستالون معضلا مثل جبل. ولكنهما يتهيبان دخوله، ويتجاوزانه. يعودان من الحارات إلى شارع حارتهم. كان أخو سطام، سلطان، يقف بسيارته القراندي عند باب البيت، وينزل اسطوانتي غاز ثقيلتين. في أواسط العشرينات من عمره ويعمل في إدارة التعليم، متزوج ولديه ابنة صغيرة. يصرون على الركوب معه في سيارته. “عندي مشاوير منيب فاضي لكم”. فيرد: “نروح وين ما تروح”. فيقبل، ويركبان معه، سطام في الأمام، وهو في الخلف.

“ياخوي شغل لنا شي انا حتى تلفزيون ما عندنا. شغل حمد الطيار”. “وش حمد الطيار انت، تعرفه أصلا؟”. “لا. خالي دايم يقول لاخوي صالح اذا تبي تذنب أذنب على سنع واسمع حمد الطيار فتكرشه أمي”. وضع سلطان كاسيتا في المسجل. سأله: “منهو ذا”؟. “طلال، خويي مسجلها في شقته في جدة قبل سنتين”. دقات عود. يجلس متعلقا بين المرتبتين، ويحدق في الطريق أمامه. موال. “على رصيف الوقت، ولهان ويتيم”، ثم يرتفع اللحن “لا قلت باكر، صار أمس، وتمر بي شمسٍ وشمس، تمر بي شمس وشمس، تمر بي شمس وشمس”، وفي الخارج تتلألأ واجهات البنايات والإسفلت مطلية بالضوء. يسأله: “الحين هذا طلال بن مداح؟”. “مهوب طلال بن مداح، طلال مداح”. “وش الفرق؟”. “الفرق كل زق واسمع”. “شط البحر، أكتب به حروفي نثر، أكتب به حروفي شعر”. يحدق أمامه متعلقا بين المرتبتين، نحو شاشة الزجاجة الأمامية، حيث ينبسط شارع رث تصطف على جانبيه محلات تؤطر ظلها في الشمس الصفراء وسط العصر. يسأله: “بتروح لأفغانستان؟”. “انت ما تسكت؟ وش يوديني لأفغانستان؟”. “اخوي عبدالله له شهرين بيروح يجاهد في أفغانستان وكل يوم الصبح يجيه مغص ويهوّن”. ضحك سلطان بأعلى صوته. “أمي تقوله ان رحت بدعي عليك تطيح في حفرةٍ ما لها قاع وابوي يقول بجي أجلدك ثم امشي وأخليك مع الأفغان يلعنون سنسفيلك، فيقول اخواني يغتصبون ما أنا بفاعل، ثم يقوم الصبح وهو بطنه يوجعه ويهوّن ويفطر معنا”. أطرق لحظة وقد توقفوا عند إشارة، والظل يرسم في الشمس بنايات صغيرة وأشجارا وعواميد وشخوصا سوداء مثل الصبغة على الإسفلت المذهب. “جابه ابوي معه في الهيئة غديه يعقل لكنه جلد له مصري حرمته متحجبة في سوق الخميس فجلده ابوي قدام المصري الين عض الارض وقاله ما لك دخل في أحد انت اذا أذّن قل صلوا صلوا وبس”. فضحك سلطان مرة أخرى وهم يتوقفون عند عمارة تبنى. نزلوا معه. يوجّه عمالا باكستانيين، سووا هذا وذاك واتركوا هذا وذاك، يسمي أشياء كثيرة بأسماء غريبة ومنحوتة وتعلق في الذاكرة ويبدو أن الرجال يعرفونها فقط، والشمس تلون وجهه النحيل وشماغه الأحمر المنسوف وراء كتفيه. عادوا إلى السيارة. صلوا المغرب في مسجد السوق، ثم ذهبوا إلى مكتب عقار، وجلسوا قليلا أمام الرجل الذي كان يحادثه سلطان حول أمور أخرى ذات طبيعة محددة وتعلق في الذاكرة، قبل أن يملوا ويخرجوا، يركلون العلب المرمية ويتسابقون في شارع مكدس بالمحلات المتقزمة بعواميد ضوء كثيرة تشتبك مع أنوار اللوحات فتمسح أي أثر لظل، وتختلط الأصوات في الخلفية مع الضوء ويمتلئ الفضاء بالموجات والإشعاعات في صخب غير مزعج ولا يمنع اثنين من الحديث بوضوح وخلوة بجانب بعضهما. وقفوا عند بقالة وتصفحوا المجلات التي طُمست صور أجساد النساء فيها بلون أبيض، وأخذ يحدق في الأوجه الجميلة ويتصور منهمكا بقية الشكل الذي يختفي وراء اللون الأبيض. عادوا إلى المحل، ورجم سلطان المفتاح عليهم وهو يزأر: لعن الله ابوكم خذوه وانقلعوا. فشغلوا السيارة وصاروا يدخلون كاسيتا وراء كاسيت، أغلبها جلسات أغاني يغلبها ضحك ونكت وسواليف، لم يعرف أحدا منهم إلا طلال بن مداح، في أحدها يغني “تسعة وثلاثين عام”، ثم يضحك مع آخرين ويغيرها إلى “تسعة وخمسين عام” فيصرخون فيه ليعود ويغيرها من جديد بنبرة شبه ضاحكة “تسعة وأربعين عام، ضاعت، وسط الزحام”، ومن ورائه صوت قانون يشبه المطر على الإسفلت، خافت وبعيد وطربي. حينما أذن العشاء خرج سلطان وصلوا في نفس المسجد ثم عشاهما في بوفيه على سندوتشات شكشوكة وبيض، وفي الطريق وضع كاسيتا جديدا، هذه المرة لشخص اسمه عمر كدرس. ولكن الشيء الذي علق في رأسه من كل ما سمعه وظل يكرره بنفس النغم هي الأغنية الأولى. “يعني ما يمديني أقول بكرة بسوي كذا أو كذا، إلا يجي بكرة ثم يروح ثم يصير أمس”، شرحها له وهما في البوفيه، ولكنه لم يفهمها، وبدا له عجيبا قصر الكلمة وطول الشرح. وراحت. وفي وقت ما من الليلة، سرد له سطام أحداث الحلقة التاسعة من ليالي الحلمية، وظل ينصت للأحداث، ويسأل عن السياقات والأسماء، ويتخيل الصور والممثلين، حتى عاد إلى منزله في حدود التاسعة، وتعشى مع أهله رغم أنه كان قد دبغ ثلاث سندوتشات شكشوكة، ثم نام.

استيقظ في جافا تايم الساعة 8 صباحا. كان قد وضع ابنته في جامعة الملك سعود لتجري اختبارها، وجاء ينتظرها هنا. طلب قهوة، وأخذ جريدة الرياض، رشف رشفتين من الشاهي، وقرأ خبرا عن التحالف العربي في اليمن، ثم غفى ممسكا بجريدته. رأى في غفوته سلطان وأخوه سطام، كانوا جميعا يجلسون في مكان ما على طريق الغاط، في آخر العصر، ويشربون الشاهي. حينما تنبه حدق أمامه شاردا وفاهيا، والمكان تغمره الشمس مثل هالة رقيقة، ويفكر متعجبا: “وش جابهم ذولي الحين؟!”.

—————

“ليش مثل ما أقولك تجي نوسع صدرنا جميع، اقولك تجي نحزن جميع؟ مزاجي الليلة كدر، طريق سريع في ليل، هواجيس وشوية سواليف، ودخان وقهوة. حزن المدن في سكك الاسفلت والاسمنت والحديد والقزاز، ومسافات الهجولة البعيدة بين العماير والبنيان من السويدي إلى صلبوخ. ترى تقدر تضحك مع أي أحد، بس ما تقدر تحزن مع أي أحد. تعال”. يقرأ الثوتة في باث، بتعبير حيادي، ثم يغلق الجوال، ويعود.

أصوات خطوات واحتكاك ملاعق في صحون وهسيسُ كلام متداخل. دائرة الضوء الأصفر فوق طاولة الخشب. يؤكد: “اللعبة خرافية”، يسأله أحد أصدقائه الأربعة الجالسين في مطعم فريدريكرز: “ما مرت علي. وش قلت اسمها؟”، فيرد: “لونغ دارك، مهيب مشهورة، لكن عجيبة وحلوة، أفضل لعبة سرفايفل ممكن تلعبها، فيها شوية رعب بس أحلى شي التشويق والصعوبة، ثلج في ثلج وكلش صعب، ودايم شوي وتموت، وتطلع من مكان لمكان وتقابل واحد غريب. كذا مزاجها مختلف”. ينقطع الحديث. يأتيه تنبيه على جواله، رسالة في الباث من سهام، يقرؤها: “تخسي”، فيكتب بسرعة: “تخسين أنت”. يفتح صفحة الباث وتويتر وانستجرام، لا جديد، يخرج. ويعود. صديقه يتحدث عن الجزء الجديد المتوقع نزوله العام المقبل من فار كراي. ينصت، ثم يقول أحدهم: “أحد منكم لعب نايت واتش؟” يهزون رؤوسهم نفيا، فيكمل: “مدري شتبي، واحد يتوظف مراقب في صحراء بأمريكا، ويقعد يدوج هناك ويسولف مع وحدة اللي في برج المراقبة، وانت تمشي تقدر تأشر على أي شي وعندك خيار تسألها، وتختار الردود اللي حطينها لك معصب والا تنكيتي والا رسمي”، يسأله: “طيب وبعدين؟”، فيهز كتفيه: “مدري، وبس، تبتل كذا” ثم يضيف: “الرسم خرافي، عجزت أخليها”. يصمتون عدة لحظات. يخرج جواله مرة أخرى، يشيك على تويتر، مقطع لفتاة تصور نفسها تمشي تحت الشمس. يخرج. يفتح رسائل الباث، 3 أشخاص لم تمسح رسائلهم بعد، يمر بإبهامه عليهم متخيرا، ولكنه يخرج إلى وتس أب، ويختار اسم مها ويكتب: “شفتي شي حلو في دبي والا الافلام داجة؟” ويخرج، يذهب إلى انستجرام، يرى صورة لرامي في فرع تشيليز في الخبر، يضع لها إعجابا ثم يخرج ويقفل الجوال، ويعود. كانوا يتحدثون من جديد.

يسيرون حينها في شارع الملك فهد حينما أطرق واعتراه صمت شارد، وهو يحدق أمامه بين دفتي الاسمنت والنور التي تنكفئ على الطريق المكتظ بعلب السيارات وخطوط ضوئها الكاشحة، ويهوجس. يركب في المرتبة الأمامية من سيارة صاحبه السوناتا التي اشتراها له والده قبل شهر بعد نجاحه من الثانوي. يظل صامتا ويحدق، وينزعج متململا، فيحاول العودة، ولكنه لا يستطيع، شيء ما حدث، ويحس الآن إثره بخمول وضمور. يفتح جواله، وهم يتحدثون. تويتر انستجرام باث وتس أب. سهام لم ترد، نهى لم ترد، صورتان جديدتان في انستجرام، لايك. يخرج، ولكنه لا يعود. ينتبه لصوت ينطق اسمه: “كم شريت ذاك السيف؟” يفكر لحظة، يجيب وهو لم يعد بشكل كامل: “ما اذكر، بمية أو مية وخمسين ما اذكر”. “مثل حقات الساموراي؟”. “أها”. ثم يقول: “ملينا خل نسمع شي”.

يسيرون في التخصصي، وتنطبع أضواء المحلات والبنايات على النوافذ مثل رسمة ذائبة، فلا تظهر أوجههم، وإنما قسمات غير واضحة تختلط بتصاوير انعكاس أضواء المدينة، وحينما ينسحبون إلى أول طريق تركي الأول تختفي الأضواء التشكيلية المنعكسة، ويظهرون من خلف نوافذهم المنطفئة الضوء واضحين وباهتين وقد أرجعوا مرتباتهم، وبدا على مظهرهم استرخاء متبطل، ومتورط، ومن سيارتهم يصدر صخب يرتفع حينا ويخفت حينا بحسب السواليف المجزأة، من رابح صقر إلى فيفتي سنت. يكسر النمط بأن يسمعهم أغنية ذا لونغ دارك من تريلر اللعبة. نبرة غموض في البداية، ترقب، برودة ثلج وتلصص، ثم صوت المغنية، تثير إحساسا معمقا بالغرابة والغربة، وهم يخترقون الطريق، وتعود لتنطبع على نوافذهم أضواء شارع الملك عبدالله وتحجبهم من جديد. تعيد الأغنية نفسها، ولا أحد يعترض، جميعهم على جوالاتهم، إلا هو. يصله تنبيه، فيرفع جواله، رسالة وتس أب من نهى، صورة لها وهي تقف مبتسمة أمام صالة سينما، وتخرج لسانها بحركة استفزازية، وفي الخلف لوحة كُتب عليها: “the big sick”. يحدق في الصورة، لسانها مدبب وأحمر ولزج، عيناها عسليتان ومكحولتان، ذقنها عريض وأنفها بارز، منابت شعرها المتفتقة من صفحة جبينها تبرز تحت الحجاب المنحسر للخلف. فوق هذه الصورة سيلفي آخر لها بشعرها المنسدل على جزء من وجهها، بينما يلمع الجزء الآخر عن ابتسامة إغراء غير متقنة، وفوقها سيلفي له وقد صحى للتو من النوم بشعر منكوث. يكتب: واضح انه فيلم بنات. ويضع إيموجي الـ unamused. يغلق الجوال، ويعود، الأغنية في نهايتها، يطفئها من جواله، ويحل صمت، يخترقه صوت السيارة والهواء. ثم يتحدث أحدهم. يتئدون المشي هوينىً على طريق عثمان بن عفان الواسع، حيث أُغلق معظم المحلات، وحلت عتمة على دفتي الطريق المتباعدتين، ولم يعد هنالك سوى أضواء عواميد الكهرب، التي تقف محدودبة وكأنها تحاول بكل تركيزها أن ترى الأشخاص الذين يجلسون في العلب المستطيلة المتمشية ببطء وتبطّل تحتها.

حب

صحن سيارة الددسن، موديل 1997، مملوء بأعواد الخشب المتراكمة فوق بعضها، تصنع شكلا مربعا ضخما وتبدو حوافها الأفقية من الخلف مثل الأشواك، مربوطة بأربعة حبال حمراء. يسير 60 كلم فقط على امتداد الطريق السريع (الرياض-القصيم) من عشيرة سدير إلى جوي بجانب المجمعة. لا يستطيع السير أكثر من ذلك بسبب الحمولة. المسافة تبلغ قرابة 60 كلم حتى يصل إلى مفرق المجمعة. الوقت قرابة الخامسة عصرا. اليوم الخميس. الفصل في أول الصيف. كان قد صلى العصر في مسجد حارتهم في عشيرة بعد أن تغدى فور خروجه من الدوام ونام قيلولته، ثم ذهب إلى المزرعة على حافة القرية، وبدأ يحمل أعواد الخشب المقطوعة بدقة هندسية مع العاملين، ويربطها بالحبال، ثم مضى في طريقه. يفتح النافذة عن آخرها، المكيف لا يعمل، ويتكئ بمرفقه على حافتها، يتجمع خط عرق على رقبته نحو صدره المفتوح عنه آخرُ زر في ثوبه، بينما يتخلل الهواء شعر رأسه ولحيته التي بدأ الشيب يلونهما وشعيرات ساعده الطويلة التي شمر أكمام ثوبه عنها. الشمس على حاجب عينه اليسرى، ولكنها لا تزعجه. يدخن غليونه المحشو بتبغ يشتريه من محل في معيقلية الرياض. تتجاوزه التريلات التي تمسك المسار الأيمن، وتمر بأصواتها المزعجة، فتحجب الشمس للحظات وراء جسدها الضخم، ثم تنقشع، وتظل تبتعد حتى تختفي لتلحقها أخرى. سيارات السيدان والدفع الرباعي توشّ مسرعة في الغالب، فلا يرى منها إلا عثورة مرورها. هنالك جيب شيفروليه، ممتلئ عن آخره بعائلة، يسير ببطء ويوازيه في المسار الأوسط. السائق، الأب، هو الوحيد المستيقظ، زوجته – غالبا – عن يمينه نائمة وشيلتها المرخاة منسحلة عن خصل شعر منسدلة على جبينها، أبناؤه الأربعة في الخلف نائمون أيضا، أحدهم يتكئ برأسه على حد النافذة، بشعره القصير الذي تلونه الشمس. الأب وحده فقط، يضع يده اليسرى على الدركسون، محدقا أمامه، وكأنه يقرأ شيئا في الطريق، بينما يغط الآخرون في السبات. يسير ببطء للحظات، ثم يدعس، ويختفي بعد دقيقة في البعد، ويتحول نقطة صغيرة. شمس أول الصيف تهبط سريعة في الأفق، كرة صفراء مرققة الحواف. جواله يرن برسالة وتس أب، رسالة من مها: “أنا ما رفضت أنا أعلمك بس اني ما اقدر الليلة، الاسبوع الجاي أكيد” بوجه مبتسم اعتذاري. يكتب: “اللي تشوفينه”، مع إيموجي قبلة. يستغل الفرصة لرؤية ما استقبله، ثلاث قروبات، أقل واحدة فيها رسالتان غير مقروءتين. القروبات هي “عماني”، “أخواني”، “الدوام”. يقرؤها وهو يراوح النظر بينها وبين الطريق. الطريق خط إسفلتي متمايل من مخرج عشيرة، يستقيم صراطا ثم يميل قبل كبري الحوطة مثل لسان ثعبان. على اليمين واليسار مساحات ترابية مفتوحة إلى امتداد البصر، تلوح فيها جِمال رعي، وتُحلق منها طيور، وتستقر عليها صخور وأتربة وتلال برثاثة تتشمس بغرة الأصيل الذي يطبخ محمرا ببطء في السماء، ويلوح عليها هدوء الحياد عن الزمن والتحرر اللامفتعل من الإحساس بالوقت، إذ تتلبس الخلود في كنهه الأصلي كانعكاس للثبات والملل والألفة والحب، وترافق الحجاج على خط السفر، ملوحة لهم وهم يتجاوزونها، دون أن يلقوا نظرة واحدة عليها، باستثناء طفل ما، ربما، يقرأ فيها غموضا غريبا شده للحظات، قبل أن يغلبه النوم ويغمض عينيه متكئا على حد النافذة والشمس تلون شعره. قرأ الرسائل كلها، بين ابتسامات باردة، ولحيتُه الناعمة القصيرة تهف مع الريح، وهو يخرج غليونه مرة أخرى، ويحشوه من جديد، وينفث دخانه.

قبيل جلاجل، كبّس له سائق كامري وضرب له البوري، مؤشّرا على الأخشاب. رفع يده شاكرا وتوقف بهدوء. أحد الحبال قد انفك. جبينه يلمع بالعرق الذي يتلألأ أيضا فوق رقبته وعلى يديه، يوم حار، وعيناه تضيقان أكثر بفعل الشمس، وشعره يتبعثر فوق رأسه. بدأ يفك الحبال كلها. يقف على مثلث كبري جلاجل، وتمر به السيارات خاطفة. مد الحبال من جديد بشكل أقوى، وهو يصعد فوق الصحن، ويجرها، بينما يتدفق العرق بشكل أكبر ليغطي كل إنش من جلده المكشوف، ويبدو وكأنه مرآة عليها لحية وشعر رأس. يجر الحبال إلى مقابض الصحن من الجهتين، ويجره بكل قوته والعروق تتفزر من خلال شعر ساعده، مرئية وواضحة، ويربطها، بكل قوته، ثم يذهب للجهة الأخرى، ويقوم بالشيء ذاته، حتى صار كل شيء في مكانه. وقف يتفحص الصورة، وصدره يرتفع وينخفض بسرعة أكثر من المعتاد، وأحس بالبرودة الثلجية على ظهره إذ يلمسه تيار هواء من الخلف، ويحدق في السريع لحظة وهو يدلق لسانه على شفته السفلى. الشمس الآن في منحدر الأفق، كرة صفراء متوردة، يتمايز فيها فيء الأصيل المرسوم تحت الأشياء القادرة على تكوين انتصاب لها، مثل التلال، والصخور، والسيارات التي تسير مسرعة بظلها الملتصق بها، وهي تختفي أمامه دون قدرة على رؤية أي شيء داخلها. يحدق وهو يطرد الإنهاك مع أنفاسه التي تستعيد رتابتها ويترك العرق يتيبس باردا على جلده، وتمر اللحظة ساحبة معها عدة دقائق، دون حركة واضحة، أصوات السيارات الشاخطة مثل القلم وظلال الأشياء المنتصبة في انعكاس الشمس. ثم عاد إلى سيارته.

توقف عند محطة الجبرين قبل كبري المجمعة. هنالك شخص يبسط بفصفص ومكسرات، وشايب يقف ليشتري وهو يتذوق. اشترى ماء من السوبرماركت. شربه كاملا وهو عند الباب، والمساحة المفتوحة لمبان مقامة وسط الخلاء والتراب تتحرك برثاثة عصر الخميس. طفل يركض، رجل يدخن قبالة حمامات المسجد مستظلا بنتوء، عائلة في فان، شابان ينتظران صاحبهما في السياراة. عاد إلى الددسن واستكمل طريقه، ودخل مفرق المجمعة من جهة جويّ، على طريق سدير القديم. الهواء الآن أرق، والشمس اختفت تماما وراء الحد، وبدأت زرقة المغرب بالانتشار. دخل مزارع جوي من الخلف، واتجه بين مزارع العقيل والعبدالجبار حتى وصل إلى مزرعة تمر إليها من خلال بوابة صغيرة تتمايل على سكة ترابية بجانبها ساقية محفورة في الأرض بعمق متر تقريبا، تستطيع استشعار رذاذ الماء الجاري من المثاعيب إذا أخرجت يدك اليسرى من النافذة. أوقف السيارة قبالة المباني القديمة في الداخل. المزرعة عبارة عن نخيل ممتد إلى اليسار في محيط 1500 متر، ثم محالة في مساحة 600 متر، واستراحة جديدة كبيرة ترمم بعيدا على الطرف الأيمن، ومبنى استراحة قديمة صغيرة تتكون من غرفتين وحمام ومطبخ، قريبا من النخل.

والده توفي وهو في الـ8 من عمره، ولذا عادت به والدته إلى أهلها في المجمعة. وحينما تقدم لها رجل، أخبرتها جدة ابنها وأعمامه أنهم سيكونون مضطرين لأخذ الطفل إن هي تزوجت، وسيقومون بإحضاره لها كل نهاية أسبوع وفي العطل الطويلة ليجلس عندها. رفضت في الأول الزواج، ثم حينما تقدم لها زوجها الآن، وهو صديق لأخيها الذي توفي في شبابه، قبلت الزواج منه، وسلمت الطفل لأعمامه، الذين وفوا بوعدهم، وتحديدا عمه صالح الذي تولى هذه المهمة، بالذهاب به كل نهاية أسبوع إلى المجمعة من عشيرة سدير ليزورها ويجلس عندها يومان ثم يعود لأخذه، حتى كبر وصار يأتي بنفسه بهذا الددسن الذي اشتروه له حينها.

فور نزوله بادره زوج والدته، أبو عبدالله، الذي خرج من الاستراحة القديمة: والله ما يستاهل. فقاطعه: ما اخذ مني تحميله نص ساعة بدال ما تشري من ذا النجارين وهو مجدوعٍ عندي، شف نوعه المسه خام صافي. فتفحصاه جميعا وقال: زين جابك ذا الخشب، كم لك ما جيت؟ فرد وهو يفك الحبال عن الصرة: ما فرغت، لي فترة وانا اروح للرياض نهاية الاسبوع. أطرقا لحظة ثم سأله: لاتصير معرس في الرياض وانحن ما ندري. ولكنه اكتفى بالابتسام. فكاه بصمت وسحب أبو عبدالله واحدة منها وتفحصها، وهو يردد بين شفتيه المغلقتين همهمات رضى. ثم قال وهو يضع يده على مرفقه ويجره برفق: خلها ننزلها اذا جو العيال تعال خل أوريك اياها. سارا وسط النخيل، بعضهن تبلغ من العمر قرابة 150 عاما. أكثرهن تمر صقعي نضج في عذقه وصُرم في الأمس، أما بعض نخلات المقفزي فيتعلق العامل الهندي على النخلة ليتم خرافها، مرتكبا خطأ تقليب الشماريخ، ما دفع أبا عبدالله للوقوف وتنبيهه، وشاركه هو أيضا بتوجيه العامل، الذي يحدق نحوهما من المسافة، مثل قط. الوقت في صفرة المغرب، والطفح الأزرق لغياب الشمس يسيل شاحبا، والنخيل تكتسب مظهر الغروب الذي يتلخص في رائحة غريبة تصدر منها، وفي صفير العصافير المتجمعة حولها، والمنظر الشبحي الذي ترسمه غصونها حينما يتكالب السعف الجريدي وأنت تقف تحته إذ يتلون ظلا أسودا في انعكاس السماء الزرقاء مثل زخارف غامضة على سقف في الهواء الساكن تماما. سارا بينها بصمت بعد أن تجاوزا العامل نحو المحالة، ولاشيء بينهما إلا أصوات الغروب تلك بين النخيل، وخشوعٌ خامل تستفزه بامتزاجها مع تلك الرائحة الغريبة. أخرج غليونه، وبدأ يحشوه، ورائحة الزرع تثقل حواسه وتعزل كل شيء عداها. أحسن مكان تدخن فيه بين النخل. قال ذلك حينما اكتشفه أبو عبدالله ذات مرة، كان في الرابعة والعشرين، أي قبل 11 عاما تقريبا، أثناء إحدى زيارات نهاية الأسبوع، يقف بين الشجر، متكئا على نخلة، ويدخن، رافعا رأسه نحو قمة نخلة عملاقة، بصمت. لم يرتبك حينما رآه، ولم ينزل غليونه، ظل ممسكا به، بعناد يكاد يكون وقحا، وقال له بعد سواليف عن خَراف النخل: أمي عارفة. ورفعه أمامه. بس ما بغيت أدخن قدامك. فرد وهو يحدق في النخلة العملاقة نحو الشماريخ البارزة: أنت أكبر من أبوك الحين يوم يتوفى، ما عليك من أحد. وأعاد الموضوع إلى الخَراف والصرام. يبلغ أبو عبدالله من العمر 70 عاما الآن، تقاعد قبل خمس سنوات من وظيفته في مكتب العمل، وبدأ التركيز على المزرعة. في المحالة الجديدة كانوا يخضّرون البطاطس والقرع والكوسة والبيدجان. جلسا هناك عدة دقائق يتفحصون ويتحدثون. ثم عادا إلى الغرفة القديمة، حيث وجد أمه وسلم عليها، وأخته – من أمه طبعا – مع طفليها. العين أظلمت تقريبا، وبدأ النخل يختفي في الظل الذي يتحول ببطء إلى لون ينسكب على أسطح الأشياء، ثقيلا وغامضا. صلوا المغرب سويا، الرجلان في الأمام، والمرأتان في الخلف. رتل سبع آيات من سورة يوسف في الركعة الأولى، و4 آيات أخرى. أثناء جلوسه في انتظار القهوة بجانب زوج والدته، فتح جواله. عدة رسائل على الوتس، ورسالتان من خدمة نبض الإخبارية حول تفجير في ريف دمشق. كانت هنالك رسالة من مها كتبت فيها: “كلمني أبي أسولف معك”، فرد عليها: “أنا عند أهلي”، قرأتها مباشرة وكتبت: “كلمني الليلة أبي أسمع صوتك، لا تصير زعلت” بإيموجي ندم، فكتب “أبشري، أزعل وانت راعية الفضل؟”، يظهر إشعار أنها تكتب، وينتظر. “تراي من الحين أجهّز للخميس الجاي”، يبتسم وهو يكتب “ههههه”، ويظهر إشعار أنها تكتب، ولكنه يخرج من محادثتها، ويعود ليفتح القروبات الأخرى. والدته تقول وهي تدخل بالقهوة: وشلون هند والبنتين عساهن طابن؟ فيرد وهو يرفع رأسه: إيه طيبات، الزكمة هجدت عنهن من يومين. يرفع أبو عبدالله رأسه عن ريموت التلفاز الذي كان يقلب فيه بحثا عن قناة ويطالع في زوجته بنظرة معبرة: لو شفتيه تو وشلون أحمرّ وجهه وانا اقوله شكلك معرس في الرياض. يبتسم وهو يحدق في الجوال ويمر بشخطة أصبع على الرسايل، ويقول دون أن يرفع رأسه: الناس تكبر وتعقل وانتم تكبرون وتنهبلون. خلال ربع ساعة اكتمل نصاب العائلة، ثلاث إخوان بين الـ20 والـ33 عاما، وابنتان متزوجتان بأبناء تتراوح أعمارهم بين الـ8 أشهر والـ13 سنة. يتحلقون الآن أمام القهوة في الغرفة الواسعة القديمة، المطلية بصبغة بيضاء تتضح عليها كسور التقادم والاهتراء.

الأعين تتجه نحوه. كانوا يتحدثون عن الأحلام، وحينما بدأ يتحدث بنبرته التي يستخدمها تحديدا حينما يريد أن يروي قصة، صمت الجميع. الصالون الأحمر اللي مع عمي صالح ترتفع حرارته هاك الحين، ما أمدانا ننكس راجعين من المجمعة يمّ عشيرة أول العصر إلا وقفنا، وفتح الكبوت عشان يبرد الأديتر. في صوته رنة مجرّحة وعنيفة، وفي طريقة نطقه لها بطؤ لامبال، تبرز من وجهه الملون بشعر لحيته ثقيلةً ومنومة، وكأنه يؤدي. الشمس كانت تطيح ورى كبري الحوطة، وحر وسط الصيف يخلي ثيابك تلاصق في جلدك تسنك سابح، الأديتر يبوّخ ورذاذه يطشر في وجهك، واقفينٍ في عرقنا ووصخنا، قلت له: شفت أمس حلمٍ غريب، كان راسه غايص داخل الكبوت بين المكينة والأديتر، ويسألني: وشو، قلت له شفت حرمةٍ كبيرة عرفت في الحلم انها أم جدتي حصة، اللي هي أمه وأم أبوي، واقفةٍ في غرفةٍ ضيقة، وسط بيت طين، والشمس برى ضعيفةٍ بالحيل حتى اني ما أقدر أشوف وجهها زين. يتحدث ممسكا بفنجاله وهو يتكئ على الجدار خلفه، ويأخذ رشفة، والمكان مليء بالصمت ورائحة القهوة والتمر. رفع عمي راسه من الكبوت وانتبه معي وهو للحين متكي بمرفقه على المكينة، للحين ما قرر السالفة تستاهل والا لا، والأديتر جنبنا يبوّخ ويتفل مويته، كملت وقلت له: كانت العجوز واقفةٍ جنب ساريةٍ عليها نقوش وتحافير في الغرفة، بحدبة ظهرها المايلة وشيلتها المربوطة على راسها وخصلة شعرٍ رمادية تلمع تحت حافتها، وتؤشر على المكان اللي جنب السارية، وتقول: يا ولد راضي، الذهيبات هنيا، تسمع؟ وأنا أقولها: إيه، أسمع. صلب عمي في وقفته، السالفة الحين تستاهل، وقال هذا شكله قصرنا القديم في العقيلة، العرق في جبهته يلمع مثل ذهب، كان وقتها في الأربعينات، لحيته مقصوصة فوق فكه الدقاق، شعر صدره النحيف متعثور من الزرار المفتوح مع الحر، كان في عز قوته وقتها. أطرق لحظة وكأنه يتخيله، يقف أمامه بجثته النحيلة والمليئة بالصحة والذكورية والعرق، ثم أكمل: ما قال كلمةٍ بعدها، ركبنا يوم ركد الأديتر وعبيناه موية، لف مع كبري الحوطة ومشى على الزفت ألين كسر من عند الرادمية ودخل في التراب، سألته وين بنروح، قال لي للقصر، عيونه مثل شخطة قلم مع الشمس اللي تضرب فيها، وشعر صدغه الأبيض رابص كله موية، لف بنا في جروف وخفوس ودخل بنا مزارع وطمر شعبان وسواقي، ألين وصلنا عند بيت طينٍ كبير، تهدم أكثره، ياقف على حافة خفسٍ به مزرعةٍ مهجورةٍ فيها نخلٍ عمره أكثر من ميتين سنة، يطيّح شماغك إذا رفعت راسك لعذوقه وانت تحته، دخلنا غرفةٍ من غرفه، التفت علي، النور خافت، قالي هذا هو؟ ناظرت قدامي، أهوجس منيب معه، مروعتني وقتها سوالف الجن، ردها علي: لا تخاف ما به جن، هذا اللي شفته والا لا؟ ناظرت وقلت: الظاهر انه هو، دخلنا من غرفةٍ للثانية، وانا وراه، بعض الجدران منتسفية، السقوف متصدعة، عسيب النخل مبقورٍ من حشا الطين، وفي المكان ريحة الشي اللي ما عمره وُطِي، تسن اللي كانوا ما كانوا ولا تسن أحد جا هنا من قبل، به قوارير ومواعين وثياب وأشياً متروكةٍ للزمن، والزمن ما قصر معها عفسها ألين نشبت في التراب وصارت من التراب. يوم وصلنا القهوة، مطمورٍ نصها بطبقة رمل، وفيه شقٍ في السقف يصعد بك للسماء، قلت له هذي هي الغرفة، كانت السارية قبالي، ووالله، والله العظيم، ما بقي إلا أشوف العجوز واقفةٍ جنبها، وتقول لي يا ولد راضي. راح يمها، وأنا واقف عند الباب، متوجس، وقف فوقها، ثم ناداني من الظلما: تعال، جيته ما بغيته يمسكها علي مثل سالفة الجن، عمي صالح عيار ولا ينسى، مشيت له وأنا في عظمي رعشةٍ تنفض العرق نفض، وقفت جنبه عند السارية، وناظرت تحت، وأثاري المكان محفور، حفرةٍ ما يجيلها نص متر في نص متر، وشكلها واضح ان بها شيٍّ مسحوبٍ منها سحب، مثل صندوق، وقفنا فوقها ولا فيه إلا أنا وهو وهجدة الصوت بيننا، ثم قالي: سبقونا، ناظرته وقلت له: منهم؟ قالي وهو يلتفت علي وأنا يالله أشوفه حوافّ في الظلما: اللي زارتهم جدتك قبلك أو بعدك. يتوقف عن الحديث تماما، ممسكا بفنجاله في يده المتدلية من ساعده التي يضعها على ركبته المثنية أمامه. الأعين معلقة عليه. استطرد: عاد يقولون صالح هو أكثر اللي يشبهون أبوي. رد أبو عبدالله: أبوك أطول منه واجد. طالعه مبتسما، وأراد أن يخبره أنه لم يقصد الشكل، ولكنه لم يقل شيئا. كان في الجو صمت مريح، ذلك الذي يعقب لحظات ذات معنى غامض ولكن ليس قويا لدرجة أن يكون واضحا ومزعجا. كسره الأخ الأصغر، وانفلتت من هنا الأصوات، بما فيها صوته، ولكن مشتبكا بغيره، وبدون تلك النبرة المميزة، التي لا يستخدمها إلا في مواضع محددة.

طبخوا العشاء في الخارج، قريبا من الأشجار. فرشوا فرشة كبيرة، وجلسوا يشوون اللحم. كانوا سيخرجون الشواية، ولكنه رفض رفضا قاطعا، وأخبرهم أنه لا يوجد ألذ من اللحم المطبوخ فوق الحطب. ولذا أنزلوا حطب أرطى من سقف الغرفة، ووضعها ورتبها كما يجب، ثم أشعلها، وبدأ هو يطبخ، بينما تجلس العائلة متحلقين. في الجلسة فوضوية السهرات العائلية. لا أحد يلتزم بجلسة معينة، أو بسواليف محددة. يتحركون بحرية، ينسدل بعضهم متصفحا جواله منفصلا عن الآخرين، يقوم آخر ليتجول بين الأشجار، يلاعب آخر الأطفال الذين يركضون في كل مكان. يغفو أبو عبدالله. تشارك أخواته في عملية الطبخ والتوجيه. يشعل غليونه، الوحيد الذي يدخن أمام عائلته، ولا أحد يعترض. وتمر الساعات، ويجهز العشاء، فيأكلون في مكانهم. يشربون الشاي الذي جهزته أخته على الحطب أيضا، ويدخن مرة أخرى، وهو يجلس متكئا على مركى في طرف الجلسة، بجانب الحطب المطفأ الآن، ورائحته النافذة القوية لازالت تعبق في كل مسامة من جلده، وتصل إلى قعر حواسه، فتملؤها، وهو يجلس متكئا، ممسكا ببيالة الشاي في يد، وبالغليون في يد، ويضحك على قصة يرويها أحد إخوانه. يبدأ الخمول بالتسرب إلى الجلسة بعد نشوة الشبع، وتعود الفوضوية إلى المكان، فيتفرقون في الوقت الذي تبدو فيه الجمعة غير منفضة، إلى أن تحين لحظة ما، تبدأ بكلمة أو استئذان أحدهم، ويبدأ الجميع بإدراك أن ما يحدث هنا أيا كان اسمه قد انتهى، وأن الوقت حان للرحيل. فيبدؤون بالقيام، والانسحاب، واحدا تلو الآخر. ويبقى هو واثنتين من أخواته وأصغر أخوانه، مع والدته وأبي عبدالله، والأطفال صامتون الآن، بعضهم يتحلقون حول أيباد، والأصغر نائمون. ثم يقوم أخيرا ويودعهم، ويركب سيارته التي حينما يغلق بابها، يبدو وكأنه انتقل إلى مكان آخر، حيث يراهم جالسين هناك، بجانب الحطب المطفأ، الذي لازال يملؤ كل مسامات جلده، يراهم عبر الزجاج، ولكنه لا يسمع صوتا، ولا يبدو أنه ينتمي لهذا المكان القريب جدا منه بعد الآن، وكأنه يراقبهم من خلال شاشة مربوطة في كاميرا، وهم لا يمكنهم رؤيته. ولكن أبا عبدالله يلتفت نحوه، ويرفع يده ملوحا له، فيرفع يده ويلوح له. يشعل السيارة التي تملؤ المكان صوتا، ثم يمضي إلى خارج المزرعة.

الطريق السريع، الذي يقطعه الآن في الظلام الدامس غرة الشهر، يسمى الرياض-القصيم، لأنهما نقطتا النهاية بالنسبة للطريق. ولكن بالنسبة له في صغره، كان الطريق يمثل المجمعة-عشيرة سدير، لأنهما كانتا نقطتا النهاية له. يقطعه أسبوعيا مع عمه صالح، وبعض أعمامه في أحيان نادرة، يأخذه من عشيرة ظهر الأربعاء بعد الغداء، يذهب به إلى والدته في المجمعة، يجلس هناك في إجازتي الخميس والجمعة، ثم يعود فجر السبت ليأخذه إلى عشيرة، وتحديدا إلى المدرسة. هذا الطريق كان عشيرة سدير-المجمعة بالنسبة له، لم يعرف غيرهما. إلى أن حانت ليلة من من ليالي الثلاثاء، قالت له جدته إنه لن يذهب غدا للمدرسة، حيث أن والدته وزوجها سيذهبون في عطلة نهاية الأسبوع (الخميس والجمعة) إلى الرياض، وسيمرون في الطريق لأخذه. في الصباح الباكر، قرابة الساعة الـ7، وصلت والدته وأبو عبدالله. كانت جدته تصحو مع طلعة الفجر، جهزت الفطور، وأقسمت على الاثنين أن يدخلا ليفطرا. جلسوا الأربعة في الصالة المشمسة، وتناولوا طعام الفطور. أمه الحامل، أبو عبدالله، جدته التي تغطي وجهها بشيلة رقيقة. ويتفاجأ حينها أن جدته تعرف عائلة أبي عبدالله جيدا، تسأله عنهم، يتحدثان عن مزارع العائلة في الجليّلة، قبل المجمعة، فيقول إنهم تركوها وأهملوها، وإن فيها نخلا يطيّح شماغك إذا رفعت راسك لعذوقه وانت تحته. يأتون بطاري مزارع وقرى مندثرة، مزارع الجبير في حشيلة على طريق شقراء، وقصر الحاير في سفيلة الحقيل. يساعد جدته ووالدته في المطبخ، يحمل الصينية التي وُضعت عليها بوادي الفول والزبادي والجبن، ويفطرون في الصالة والكبار يتحدثون، وهو ينصت حتى بدأ يشعر بالملل، فتركهم، وذهب ليتورط بنفسه متنقلا بين أمكنة عديدة في المنزل، حتى وصل إلى مدخله، جالسا بخمول رث، يحدق في الشارع الخاوي، التي لا توجد فيه شجرة، تستحله الشمس الساطعة دون ظل، ويطالع في اتجاه المدرسة حيث يجلس كل أصدقائه. مرت أمامه قطة، تمشي على هونها، حدق فيها حتى تجاوزته، وعيناه شخطة قلم بفعل الشمس، وعلى جبينه حبيبات عرق تلمع مثل الذهب. قام ببطء وتلقف حجرا كبيرا، وازن يده بكل هدوء، وتحيّن اللحظة المناسبة، ثم رجمه بكل قوته في رأس القطة التي تبعد عنه قرابة 4 أمتار، ترنحت عدة خطوات ثم سقطت، حدق فيها مترقبا إن كانت ستنهض، ولكنها كانت قد ماتت، لا شك في ذلك. عاد هو ليجلس على الدرج ويحدق في الشارع الخاوي بملل. خرجوا الساعة الثامنة والنصف تقريبا، وسلكوا الطريق إلى الرياض. استعاد حماسه، يحدق من النافذة، يجلس بين المرتبتين، يسأل أسئلة كثيرة، والشمس تقوى في الخارج، والطريق ينطوي أمامه، ويذهب به إلى أماكن لم يرها من قبل، ويبدأ الطريق يتوسع في هويته، ويتجاوز ثنائية عشيرة والمجمعة. في مرحلة ما من الرحلة، سأل أبا عبدالله سؤالا وسبقه بكلمة “يبه”، وكان يناديه خالي. لم يصححه أحد، لا هو ولا أمه، وراحت الكلمة وكأنها لم تحدث. ولكنه لم يستخدمها بعد ذلك، عاد بحذر ليستخدم مفردة خالي، منتبها لخطئه. فقبل هذا اليوم بأسابيع حدث شيء مقارب، حينما أخطأ وفعل الشيء نفسه مع عمه صالح. ولكن الأخير صححه قائلا بصرامة: أنا عمك مهوب ابوك. وبدا له وكأنه يأخذ الأمر بجدية وحدة، مضيفا بعد لحظة: لا تنسى أبوك. كانا على هذا الطريق، وكان الوقت ظهرا، بعد خروجه من المدرسة، وشمس الصيف تحرق وجهيهما. لا تنسى أبوك. لا توجد سيارات كثيرة تخرق ثقوب ضوء في الظلام الدامس، بدا وهو يحدق أمامه أنه الوحيد الذي يسير في هذا الطريق الآن في تلك الساعة، وقد كان هذا أمرا غريبا، حتى واجه أخيرا سيارة في المسار المواجه، تقترب سريعة، بثقبي الضوء، ثم تتجاوزه، ويعود الظلام الدامس مرة أخرى. بعد تخرجه من الثانوية، انتقل إلى الرياض ليدرس في جامعة الإمام. جلس ترما كاملا، كان يتردد خلاله أسبوعيا من هذا الطريق، يجلس عطلة عند أمه وعطلة عند جدته. ولكنه لم يتأقلم مع الوضع. المدينة واسعة ومزعجة، وأناسها مختلفون. يفتقد جمعات المغرب اليومية في بيت جدته، والمزرعة التي بدأ يعمل فيها بعد أن أهملها أعمامه، وطلعات الكشتة والصيد في بر سدير، ورمضان حينما حان وهو هناك، الزحام الذي يحدث في المطبخ قرابة المغرب حينما تتجمع عماته، والروائح التي تعثور قوية في البيت القديم الصغير. وأيضا إلى أحاديث الزراعة وطريقة الكلام ونوعية النكت والمزاح والحدة والتقشف في المكان، وأخيرا إلى جدته. أشياء خاصة ودقيقة. قرر العودة إلى عشيرة، وإلى الوظيفة في البلدية التي وعده عمه خالد بها. سكن مع جدته حتى توفيت قبل سبع سنوات، دمعت عيناه ولكن دون بكاء في جنازتها، ودمعت مرة أخرى بعدها بأيام ذات صباح اعتيادي. ثم تزوج مباشرة واستقر في البيت نفسه الذي تربى فيه والده، وصار له. رممه قبل سنتين، حتى اختلفت ملامحه، ولم يعد فيه شيء من البيت القديم. أحيانا تطرأ عليه تلك الفكرة، أنه أكبر منه حينما توفي، خصوصا قبل ترميم البيت، حينما يأتي طاري الغرفة التي كانت جدته تحب حكاية قصص عنها، غرفة والده قبل زواجه. الطريق مظلم، وهو الآن يستطيع السير بسرعة أكبر، ولكنه لا يفعل، يفتح الدريشة ويتكئ بساعده المشمَّر على حدها، ويحدق بهدوء أمامه، ويفكر في أنه لو قابل والده، سيكون أكبر منه، وسيعرف عن الحياة أشياء أكثر منه، ويبتسم باستعجاب أمام الفكرة الغريبة التي لم يستطع يوما استيعابها. أبوك مهوب أبو عبدالله ولا صالح، أبوك واحد أصغر منك بـ11 سنة. اقترب من كبري الحوطة، يلمع في الضوء، ومن ورائه بعيدا جدا في العمق المظلم قرية أم جدته، لا ترى طبعا في سواد العين وبُعد المسافة، والبيتُ الطيني الذي ذهب إليه مع عمه بحثا عن صندوق الذهب، ووجداه محفورا. يبعد 15 كلم تقريبا عن الكبري. تمر بطرق غير معبدة، ومزارع تفوح منها رائحة التراب الرطب، وأشعة شمس راكعة نحو الغرب تتسرب من بين أغصان النخيل الذي يزف الطريقَ من الحافة. هذا ما يذكره على الأقل. لم يذهب له بعد ذلك. يقترب من مدخل الكبري، ويتجاوزه، ويصير وراءه. يفتح جواله، ولكنه يغلقه، ويترك الرسائل التي تجمعت طوال ساعات غير مقروءة.

البيت مظلم تماما. يصعد إلى الأعلى، يدغدغ قدم زوجته ليوقظها، ولكنها تنفض قدمها وهي تنهره، فيدغدغ قدمها مرة أخيرة ويخرج. ينزل إلى المطبخ، يقف محدقا بعد أن أشعل الضوء، ويقرر. عمل سندوتشتا جبن، ثم أخذ يفتح أدراجا ويبحث عن أشياء، وعلى وجهه يعلو تعبير من التورط. كانت تقف عند باب المطبخ، ببطنها المنتفخ في شهرها السادس. وش تسوي؟ تسأله بوجه ناعس. فيرد ممسكا بإبريق: ذاك اللي سويتيه لي ذاك اليوم. تهز رأسها باستعجاب منهك: ببريق شاهي؟ فيحدق فيه ثم يرفع نظراته: إيه وش المشكلة؟ ولكنها تقترب منه وتسحب الإبريق، وتتولى قيادة الموضوع: اجلس أصلحه أنا. يجلس على كرسي أمام طاولة بلاستيكية عليها طوفرية فيها شوكولاتة مصففة ومجهزة لعزيمةٍ ظهر الغد في بيت أهلها. تتحرك أمامه، تخرج أدوات، ومقادير، وتشعل الضوء. بطنها أمامها مسافة نصف شبر تقريبا، وهي تلبس بيجامة نوم قطنية، يتطلع فيها، وهو يأكل ساندوتشته. على وجهها آثار نعاس، ولكنها تجهز له مشروبه، وهي تحمل ابنه داخل بطنها المنتفخ، بينما يجلس هو ويراقبها، بشبه ابتسامة، وفي المكان المضيء وسط عتمة البيت رائحة حليب وشكولاتة ونوم. تنتهي وتضع الكوب أمامه وتجلس قبالته. تلاحظ ملامحه باستغراب فتبتسم: وش فيك اليوم؟ فيرد مبتسما: ما فيني شي. يتمطق بلسانه ليزيل بقايا الأكل العالق في فمه. يخرج غليونه ويشعله ثم يقول لها وهو يتكئ على الطاولة: بقولتس سالفة. تسحب نفسا ملولا بطريقة مفتعلة. ولكنه يكبح اعتراضها: بتجوز لتس، تعرفين نفود الثويرات من جهة الزلفي؟ فترد ساخرة: أروح لها كل اسبوع. ولكنه يكمل وكأنه لم يسمعها: كنت طالع أنا واثنين من أخوياي آخر الشتا، توي ساحب على الجامعة وراجع من الرياض، جدتي لها كم أسبوع متوفية، مع طلعة العصر في اليوم الثالث خذت شوزني وقربة ماء ويممت بعيد وطويق عن يساري مثل حبة تمر، أبي أصيد لحالي، مشيت مشيت مشيت، بتلت أمشي. الرمل يا هند، يا الله الرمل، يلمع أحمر مثل الدم، ثم تستوي الأرض، ثم يرجع الرمل فاتح، والجو صافي ما به هبة هوا ولا رذاذ تراب، النقر الرفيعة والصغيرة ترقى وتنوّخ مثل موية بحر واقف، وحشا النفود إذا اندفنت رجلك فيه ينبض ببراد آخر الشتاء، النفود قدامك مثل ما الله خلق الأرض، بليا ترسبات وتعريات ووديان وجبال، ممدودة أليييين تسقط عينك. ترقى لك ضلعٍ عجيبٍ فوق خفس، وفي الخفس الغويط تشوف روس النقر الصغيرة، متراصة، مثل راس الرضيع أول ما ينولد، أو ثدي المرة اللي توها والْده، ثم تمر بزرع، خشاش وأرطى وعاذر وعرفج وغضى وحتى مرخ، منثورٍ فوق الرمل نثر، وتصادف سدرٍ فارع ياقف لحاله تحت نقرة، ينبت على حواف واحات وشعبان يابسة في طرف النفود. في امتداد خط عرفجٍ على حافة شعيب، شفت لي غزال، رقيت لي تلٍ صغيرٍ جنبي، وانبطحت على الرمل البارد، صوبت ناحيته، وأنا أتحراه، ثابت وهو رافع راسه للسحاب من فوق، ويناظر، ومن وراه مدّ النفود المتموج مثل البحر اللي يمكن يجرفه في أية لحظة، ولا حولنا أنا وهو إلا صوت المكان المهجور اللي تبرك فيه الريح، مرت دقيقة، ويدي على الزناد، والبراد الخاثر ينفل بطني وصدري، وأنا أشوفه مثل رسمة، والوقت بيننا خاثر ولا تحس به. يوم أطلقت طاح مع رنة الصوت في اذني، ظله الأسود هوى في مكانه، وتشوف رجله ترفس في الرمل. نزلت له، ألين وقفت فوقه، وطلعت سكيني أذكّيه، وأثاريني ما شحذتها، القطع ما تعدى ربع الأصبع في رقبته، والدم يخر مثل موية ساقي وعروقه متناثرة تنتفض وتعثْور، لكنه حي، وعينه اللي كلها رقعة سواد ينزل عليها رمشه الثقيل يغطيها ثم يفتح ثانية، وتحسب انه يشوفك بطرفها، أوسع من سحابة. ثم مات، قمت وشلته، على ظهري، وصلبت به للخيمة حد الجنوب، وأنا أحسب انها قريبة، وأثاريني بعيييييييد بعيد، رجلي تدعس في الرمل وتغيص ألين تنغزني برودة الحشا في أسفل الساق، وأنا ماشي، شايله على ظهري ألين نوّخ بي فسحبته وهو يحفر في الرمل ساقي. ما كملت كم متر إلا وطلع لي ذيب، ذيك المنطقة مشهورةٍ بالذيابة عند معاشب حصنٍ جنب وادٍ نسيت اسمه يجري مع السيل القوي. ناظرني وناظرته ثم ما دريت به إلا صوّب جهتي وطرحني وطيّر الشوزن عني. أطرق لحظة وهو يحدق في الفراغ بتفكر، ويُعمل أسنانه فوق لسانه ليتصيد رذاذ تبغ في فمه، حتى وصل به إلى شفته، فتلقفه بسبابته، وحدق فيه لحظة، ثم نقره بإبهامه، وأكمل متفكرا بوجوم: تدحوسنا في الرمل، والموت والله على طرف وريدي، أثمه المهجوج مثل مغارة قدام وجهي وأنا ماسكه بيمناي ويسراي مع رقبته، ريحة أسنانه ولسانه ولهاته لحم ودم وجلد وعفن، شيٍ ما تقدر توصفه، ريحة موت، قطّن وانصبغ به. أطرق مرة أخرى بتفكر أعمق. تقلبنا وأنا يدي في رقبته، عيوني تسددت بالرمل واستطعمته في قاع حلقي، لويت حدى سيقانه وأظني كسرتها، أرخى رقبته وحسيت به يقفي وهو يعوي مجروح، ثم هج يعرج، تركّيت بمرفقي، توي ما بعد استوعبت، والتراب منثورٍ على وجهي وشعري، ثم نقزت بسرعة وركضت للشوزن ووقفت وصوبت ناحيته وهو يركض ويصغر وأسمع عويه الجريح يتكسر في المسافة، ثم ثورت والصوت في أذني يرن، والرقعة السوداء لجسمه انهدت واستوت مع الأرض، مشيت له، وأنا فارد الشوزن على طرف ساقي ألين وصلت له، الرصاصة في بطنه وهو يعوي، عيونه ترمش، وهو مدري يناظرني والا يناظر فوقي، الهواء شرقي ويهفهف ثوبي وينفخ في جلدي، والرمل للحين في قاع حلقي ويصبغ مسامات وجهي، والشمس فوق سلاسل النقر تبرك وسيعة مثل ضحكة بزر، أذكرها زين تسنها الحين، وهو يعوي. ثورت في راسه وتناثر. ثم رجعت للغزال وشلته، وكملت، وأنا أقول الخيمة يمّي أكيد. غابت الشمس ولا لقيتها. مكسر ومعضوض وجوعان وفي عيني يبرك كل نوم العالم وتعبه. تخيرت لي شجرةٍ غريبة نسيت وشهي ونصبت جنبها، جمعت حطيبات وشبيت النار بولاعةٍ معي وشحذت السكين على حافة حصاةٍ حادة، علقت الغزال بلحى غصن على جذعٍ متين وبديت أصلخ وأنا يالله أشوف. صلخت اللي يكفي من الفخذ وتحته الساق وتلّيته كله ثم قطعت منه هبرةٍ أطبخها، وحطيتها على النار وأنا بطني يقرقر جوع وكل عظمةٍ في جسمي تخلخل. بعد حين، يمكن نص ساعة، سمعت خرفشةٍ حولي، تشوّفت وشفت نقطتينٍ تلمع قدامي، حمرا في لهيب النار مثل دم، قرب يمّي ألين صار قدامي، أقسم بالله انه هو إلا شوي، نفس اللون ونفس الحجم ونفس العين ونفس كل شي، لكن مهوب هو، ذاك يرقد هو وراسه المفجور ورى بعيد، لكن أقسم بالله انه هو الملعون. قمت بالشوزن أناظره، الجروح على وجهي تلسعني للحين، الشلوخ في يدي ورجلي توزّ للحين، ولقيتني أسأله: وش تبي؟ وهو يصر أسنانه ويكشر في وجهي. خذت الفخذ كاملة وجدعتها عليه، ثم ولا كأني قدامه، انكبّ عليها وسفهني، نساني، وجلست، أشوفه ينهش في اللحم، وأنا قدامي الهبرة الصغيرة أشويها على النار. توقف عن الحديث وهو يحدق أمامه مبتسما، ويبدو منهكا، فسألته ببرود ناعس: وش؟ في صوتها بحة الصمت الطويل. انتبه واتسعت ابتسامته: ما ودي أقول، تكفين، بتخرب السالفة. ولكنها لم تعلق، وتطلعت دون مبالاة، فأكمل: أنا واياه واحد. وضحك بخفة، مطلقا حركة لامبالاة ساخرة من يده. أطرق لحظة ثم أكمل: لذا يوم طلع ذيبٍ ثاني، رحت وتليت الباقي من الجذع وجدعته عليهم، وجلست قبالتهم والثالث طلع ودخل معهم، وأنا ماسك الشوزن، وآكل لحمتي اللي استوت، وهم ينهشون، ولا تسمع بيننا إلا صوت الأسنان في اللحم. ويوم خلصت جلست أناظرهم، وأسمع صوت الهرش يختلط مع خرفشة النار، واحتريتهم يخلصون، ثم أطلقت طلقتين في الهواء، فارتاعوا وكشروا في وجهي والدم يقطر من أسنانهم ثم سحبوا الباقي واختفوا في السواد، وجلست مستند على ساق الشجرة، وقدامي النار، وماسك الشوزن، ونمت بعد ساعة يمكن. يوم صحيت يممت غرب من جهة الجنوب، ألين طحت في الخيمة حزة الضحى، وأخوياي مختفين، واحتريتهم لين جوا من طلعتهم يدورون علي. أطرق لحظة وهو يحدق فيها بنظرة ذات معنى، مستندا بثقله على ظهر الكرسي، ممسكا بغليونه، ثم أكمل: هاك اليوم كان الثلاثاء في العطلة الطويلة، كان المفروض نرجع الاثنين، بس عشان الضيعة تأخرنا يوم، الثلاثاء هذا هو اليوم اللي جيت فيه لبيتكم مع عمي صالح، عشان الملْكة، تذكرين؟. انتبهتْ بتفحص وآثارُ النعاس لازالت تحدد ملامحها المليحة والحادة، فأكمل وهو يبتسم بشيء من الوقاحة ويسحب دخانا من غليونه وينفثه بصمت، يسمح للحظة أن تتمدد. هاك اليوم غريب، جاي وانا متعثور تراب ووصخ وممخوش ومجرح ومكسور، الوقت كان ظهر، والشمس تضرب في الأرض مثل تنور والديرة نايمة، وجالس في صالة بيتنا، جدتي لها كم أسبوع متوفية، ما تسمع ولا حس، يالله صوت النفَس، وانا جالس في وصخي، ريحة الدم للحين تنقع في جسمي ولزوجة العرق تلاصق في جلدي، دخلت في غفوة ونمت، قبل فترة من ذاك اليوم عرفت لي شايبٍ في سوق الزل بالرياض يوم اني ادرس بالجامعة وأسحب عليها وأروح أطقطق هناك، شريت منه زوالي لمسجد الدهش في المجمعة، يجي بترمسه وأمره، ونقعد نسولف، مريته ثلاث مرات، يقول بعد موت أخوي بست أيام، أتصل علي واحد ما أعرفه ولا أتبين صوته، يقولي تراكم دفنتوا أخوكم وهو حي، طيب من أنت؟ يقول أنا شفت أخوك مرةٍ وحدة في عرس، وجاني في الحلم، يقول قل لاخوي تراكم دفنتوني حي حسبي الله عليكم، الشايب يقصها علي وانحن جالسين قدام محله وشمس العصرية باردة في مطلع الشتا وورانا متكدسةٍ الزوالي اللي فيها حمرةٍ تفقع العين، والناس تسري حولنا والصوت ياصلنا همس وخشخشة، ويقولي وهو جامد ومحدودب مثل عامود نور: من يومها ما نمت نومة أوادم يا فلان. المهم، هالسالفة كان راح عليها أكثر من سنة ذاك اليوم وانا جالس في وصخي في الصالة بلحالي، والشمس حولي مثل سحابة، بس مدري وش جابها، جت وانا منسدح مكسر ومهدود، وقعدت أتخيل هاك الشايب واخوه، كان وراني صورةٍ له وهو واقف في الاستوديوهات القديمة بشنبه الخفيف وغالوقته المطقوقة على رقبته وملامح التسعينات الهجرية على وجهه، يوم غفيت شفته، الأخو، كان محمّل زوالي مسجد في ددسن وماسك خط القصيم وانا معه، ونمشي ساكتين ونطالع قدامنا في الغيم، وبس. أطرق ليأخذ نفسا من الدخان، والصمت لازال يقوم بدوره في شحذ اللحظة. قمت على صفرة المغرب، وعمي صالح يدق على البيت ويخسخس لي يالحمار يالهيس يالتبن قم تعال، قمت وسبحت وجيت لبيته، والشايب واخوه والذيب والغزال من قبلهم للحين يلفون مثل غيم في راسي والدم والمخوش والجروح للحين تزنّ في جسمي، وطمرنا لبيتكم، عقدنا الملكة مع المطوع وراسي الرطب يضربه هواء المكيف وفي جلدي للحين أثر الحر الناشف للنفود وماطى لسعة البرد في آخر ساقي وانا شايل الغزال على ظهري، بعدها طلع ابوتس واخوانتس وعمي، وقالوا اجلس لا تطلع، وانا ساكت وساج، ثم دخل أخوتس الصغير. وهنا بدأ يبتسم ابتسامة ضاحكة ذات معنى. ثم دخلت أنت، تذكرين؟ كنت لابسةٍ قطعتين، بلوزة حمراء عليها نقشاتٍ بيضٍ على الكتف، الصدر النابت شايلٍ القماش ورسمة الحلمة واضحة على أعلى نقطتين فيه مثل ذوليك التلال في النفود، وتحت لابسة تنورة كحلية طويلة، مهيب ضيقة ولا وسيعة، لكن رسم الفخذ والردف باين بالحواف المشدودة، وجلست، أذكر ان صدري انكمش تسني متروع وانسحب منه الهواء وصرت يالله أتنفس، وجهتس فيه أثر مكياج، مهوب كثير، ولمعة النور تسطع في الخد، وانا جالس والعرق أحس به يسيل على مسرى عظمة الظهر ويبوّخ في فروة راسي، نسيت البر ونسيت الغزال ونسيت الذيب ونسيت الشايب ونسيت انك تدفن وانت حي ونسيت موتة جدتي ونسيت كل شي، وما بقي إلا ذا البنت اللي جالسةٍ قدامي راسها صالب وظهرها فارع ولمعة النور تسطع في خدها، ولا يفصل بيني وبينها إلا اخوها. كان يرمقها مليا بتفكر عميق وواجم، يكاد يكون حزينا حينما انتهى، والدخان من غليونه الممسك به بجانب وجهه قد انطفأ. تطالعه بابتسامة تأمل ناعس طفيفة، يعتريها شيء من التفحص، وهنالك طفح احمرار يتلون تحت وجنتيها. في وجهها إنهاكٌ وشكّ. قالت مؤشرة بطرف رأسها: اشرب تراه بيبرد. فهز رأسه وهمس بنفس الوجوم الباسم: بشرب. وضع الغليون ورفع الكوب وشرب. يجلسان قبالة بعضهما. تمد هي ساقها اليمنى على الجنب، نحوه، لكيلا تضغط على بطنها المنتفخ الذي يلمس حافة الطاولة، وتتكئ بثقلها على ظهر الكرسي، بينما يجلس هو متكئا بمرفقيه على الطاولة، بارزا نحوها.


 

نساء

كانوا في الصحراء بعيدا عن البيت الطيني الكبير الذي يضم عائلة زوجها المتكونة من ثلاثة إخوة، بجانب مزارعهم الممتدة على طول وادي الجايرة. الصباح لازال في مطلعه والشمس تصعد وراء التلال. كانوا على امتداد شعيب المرزب، وهي تحمل بندقية المقمع في يدها. والدها وزوجها عن يمينها ويسارها. يقفون متفرقين في المساحة المفتوحة ممسكين ببنادقهم، ويترصدون. كانوا رسمة زيتية، أو فزاعات تلمع في انعكاس الضوء، يقفون متفرقين ببنادقهم في طلعة الشمس وينتظرون الحبارى أن تحلق من مخابئها. يدها اليسرى تقبض على السبطانة الجلدية، البندقية التي حارب بها والد زوجها مع عبدالله بن فيصل، واليد الأخرى على الزناد. شعرها يخرج من شيلتها ويتبعثر على وجهها الفتي الغض، ذو الملامح الحادة، وسبابتها تدق على حديدة الزناد في حركة نغمية لملئ توتر الانتظار، الذي يبرك برثاثة وثقل دون كسر وسط الصحراء عديمة الحركة. ومع ارتفاع أول طير، لفّت بالبندقية بشكل أسرع من والدها وزوجها، وضغطت بكل قوتها على الزناد، وسمعت صوت ارتداد المطرقة بجانب أذنها ينفجر، ومن فوهة بندقيتها ينبعث دخان يتعثور في الضوء مثل اللسان، ومن خلال زاوية رؤيتها المعلقة على الحديدة نحو الطير، ترى خياله يسقط ويتهاوى من عل، ويحط على الأرض، وتبتسم. ويزحف ضحك والدها بعيدا وقصيا وهو يقول: والله وصادته الدبشة. تسمعه وهي تراه يذهب إلى الطير ممسكا ببندقيته المنسدلة على فخذه، يتهادى مثل حيوان بري قوي، ويقف فوق الجثة لينضم زوجها إليه، يشبهه، مثل حيوان بري قوي، ويلوحان لها من بعيد، وهما تحت الشمس، عبارة عن ظلين عملاقين. تعالي. فتذهب وهي تركض.

تبلغ من العمر 80 عاما. نُقلت إلى الغرفة المفردة عصر أمس بعد 20 يوما أمضتها في العناية المركزة بمستشفى الحرس بالرياض. علامات التغضن والاستنزاف تزيد حدة التجعدات وانثناءات الجلد. النحول الحاد يحفر اللحم حول عظامها. الجفنان المتهدلان على عظمة الخد المجوف، والحواجب البيضاء المكحوتة، وتصحُّر القسمات الذي يذكر بوقوفك على عتبة باب تطل على صحراء في صيف حار. تستطيع استشراف ثقل تاريخها الطويل من خلال دراسة جلدها الذي يتكسر مع كل سنة تقضيها، مخططا على شكل مسطح رمل تُجعّده ريح هادئة. كانت مستلقية على السرير، والفجر يدخل طفحا أزرقا شاحبا، وهي تحاول أن تنطق بصعوبة اسم ابنتها الكبيرة النائمة بجانبها، فيتحشرج في حلقها ويتوقف. ولذا تحدق في الزرقة الطفحية الشاحبة، وهي تثقل أكثر مثل لون زيتي، تحاول ترطيب حلقها بلعابها الذي تبلعه، ثم تقول: مها. ولكن صوتها ضعيف جدا لدرجة أنه لا يحدث صدعا في السكون، يضرب ويتكسر ويتلاشى، وتحدق في الطفح ينتشر، ويمر على وجهها فيلوّن قسماته. تقوم ابنتها بعد ساعة تقريبا، تساعدها على النهوض، على الذهاب إلى دورة المياه والتبول والتبرز والوضوء، ثم يصليان معا. كانت ترد بإيماءات على أسئلة ابنتها، وجسدها بأكمله لوحة معبرة ودقيقة لما بعد انهيار طويل ويومي. لقد جلست في العناية المركزة 20 يوما، لم تكن أول أيام تمضيها هناك، ولكنها كانت الأغرب. وصلت إلى مكان لم تعد فيه موجودة، وصار الألم وغياب الإحساس بالألم يتناوبان إلى درجة تذكرها أنها لم تعد تنتمي إلى هذا العالم، وأن كل شيء يقترب من نهايته، ولذا اقتنعت في لحظات الصحو أنها النهاية، وحدقت في أوجه أبنائها وأحفادها للمرة الأخيرة. ولكنها مع مرور الوقت، كانت لم تمت بعد، وفي يديها أسلاك وبجانب رأسها طنين وعلى عينيها غشاوة وفي حلقها جفاف متجرح، ولم تفهم. كان كل شيء مقررا، حتى أنها حلمت بوالدها وزوجها وعماتها وأخواتها، بل وبأمها التي لا تذكرها جيدا. كانت أمام قصر طيني كبير يطل على مساحة مفتوحة شاسعة، وأبوها وزوجها وأمها وعماتها وأخواتها وصديقاتها في الزمن القديم يتداخلون في المشاهد بطريقة غامضة لا تذكرها، تكتسب طبيعة لاسياقية. تتذكر فقط رائحة البر والتراب والنخيل، وتتذكر الملامح المميزة للأشخاص الذين كانوا، والذين ينتظرونها، وحركة الأفواه اللامصحوبة بالكلام، والانطباعات الحلمية اللامعرفة التي تنطبع في ذاكرة الرائي المغبشة ووجدانه، وكانت هي في الطريق إليهم، أو أنها معهم، أو أنهم جميعا مع بعضهم، ثم استفاقت هنا، في هذه الغرفة، وهي لا تفهم. مرت أيام وهي لا تتحدث، تتعاقب بناتها السبع على زيارتها ومرافقتها، ثم بدأت بالتحسن، وانشدت ملامح وجهها أكثر، وصارت تتنفس بشكل أوضح، وحينما تنطق اسم ابنتها كان يحدث صدعا في الصمت، كما كان من قبل، أو أكثر. أبوي هو اللي علمني. تقول لحفيدتها التي أتت عصرا مع أمها. حتى يوم أعرست بتلت أصيد، أميمتي ماتت وانا جذعة وأبونا اصلا خوي ابوي بيني وبينه 25 سنة، مع انهم ما يتشابهون أبيّي هادي وحبيّب وحكيم، حطني عنده ورحت لبيتهم قصر الخالد جنب حاير الحقيل، وكان أبوي يمرنا العصر في قهوتنا يوم وأبونا يمره في قهوته يوم. استوقفتها حفيدتها: اصبري يا جدة أبونا هذا منهو الحين لخبطتينا؟ فشرحت والدتها وهي تخرج الترمس من السلة: أبونا يعني زوجي. وأكملت الجدة: إيه أبونا يعني أبو العايلة، مهوب رجلي والا زوجي، رجلتس هو أبوتس، المهم، هاك النوبة أبوي جاينا العصر، وقعدنا في القهوة، وأثاريهم يبون يطلعون يصيدون، إلا وأنا أنشب فيهم غديني أخاويهم، كان عمري 17 وتوي حاملة بمساعد واونس وجعن في ظهري مثل السكاكين، بس ما أطلدزتهم وهم يهزّبوني وينابزوني ويقولون لي يا دبشة ويا صحيّحة ويا تسذا وتسذا وأنا ما علي منهم ناشبتن فيهم مثل العصبة، ألين قالوا تطلعين معنا خلاص وطلعنا صبح الجمعة، صدت هاك اليوم أكثر من أبونا وقال لأبوي عز الله بنتك هالدبشة فشلتنا، كانوا اذا بغوا يحارشوني يقولون صبي القهوة يا دبشة جيبي مويه يا دبشة سوي وافعلي يا دبشة، صار إذا قالها لي نوبتن ثانية أقوله الدبشة صادت أكثر منك، فيرجمني باللي في يده إذا صار معصب والا يقعد يضحك، مرة من المرات فلقني هنا وصعرر راسي مثل القرع. وأشارت على موضع من جبينها. ثم راح واشترى لي بقل من البدو اللي ورانا بيراضيني به، الله من زين الترضاة الله يرحمه. أطرقت قليلا وطالعت في حفيدتها التي تبتسم: كم عمرتس أنت الحين؟ فردت: 16 سنة. فأكملت وهي تأخذ الفنجال من ابنتها: إذا طلعت بنروح للنزيّه ورى مزارعنا أول هي أزين محل، وبعلمتس وشلون تصوبين حتى اني بجيب بندق أبونا المقمع، للحين عندي جاذيتها قبل كم سنة، والمرة الثانية اذا رفع أبوكم حسه على امتس تشوتينه بوحدتن في مكوته. حوقلت ابنتها وضحكت الفتاة. قالت الابنة: اللي يسمعك يقول طخيتي ابوي، راح عمره وهو يسميك دبشة ولا سويتي شي. فقالت بجدية: ومن قال اني ما تحسفت ليتني شايتّه بوحدتن في مكوته. التفتت الابنة على الحفيدة وقالت: لا تلعب عليك، كانت تحتريه كل ما سافر وتكتب فيه قصايد وتوزي له القهوة الزينة وتعطينا الغسال واذا رجع مغير تدلله وتدلعه وتسحب علينا. ردت وهي تفتعل الدهشة: تخسين والله. كانت الغرفة قد بدأت بالاكتظاظ، الجميع أتى تقريبا، الكثير من الأصوات والأوجه والألوان والقبل، وأكبر أبنائها مساعد الذي تجاوز الستين من عمره يقول لها إن الطبيب قد يكتب لها الخروج بعد يومين. ولكن بنهاية اليومين تلك، عادت الأسلاك إلى جسدها، واستجدّت تلك اللحظة الأبدية التي توحي بنهاية لا تحين، وهي تفيق من جديد وضوء الفجر منسكب على وجهها، وتعجز عن تحريك أي أصبع في يدها.

يدها اليمنى تحفر في تراب المحالة على حافة النخيل لتُحدث فراغا قمعيا. زوجها هناك، يتعلق بنخلة طويلة، ويصرم العذوق. تستطيع رؤيته من بين الأشجار، الجسد الضخم فوق الشجرة، مثل حيوان. كانت في الثامنة عشرة من عمرها، وتخضّر يوميا في المحالة. تعود إلى البيت الطيني الكبير الذي يجمع عوائل الإخوة الثلاثة فوق الخفس حيث تمتد المزارع، تصعد مرتقى صخريا مثل الدرج. الوقت في آخر الضحى، والشمس تضرب بقوة. ترفع شيلتها في خلوة المسير الحار، فينسدل شعرها ثابتا على جبينها المتعرق في الهواء الساكن. خارج البيت الطيني، أم زوجها تخض الحليب، والبقرات تتجول مثل مراهقات. الفتيات الصغار يتوزعن عشوائيا. يتعشون سويا، النساء داخل البيت الكبير والرجال خارجه، تراهم وهم يجلسون في الهواء الطلق. ثم يدخلون للنوم. تنام مع زوجها في غرفة صغيرة، وبجانبها ابنها مساعد. لم يكمل شهره العاشر. حينما يبكي يلكزها زوجها ويقول يا مَرَة قومي، فتقوم. تأخذه أحيانا للسطح، وتجلس هناك. تقول إنه يحب النجوم، وإنه لا يصمت إلا هناك، فتجلس بعينيها المنتفختين بسبب النوم، تحدق إما في السماء المرقعة بالحبيبات المنيرة، أو في امتداد الصحراء الملون بأضوائها، وهو أمام صدرها، يتلقف ثديها أحيانا، ويشرب، وهي تنعس، وتنام وحلمتها في فمه، ثم ينام هو، ويظلان على هذه الحالة حتى تنتبه بعد مدة. أحيانا تلاحظ شهبا تتساقط، تبرز مثل طير شديد السرعة، وتفكر بابتسامة إن كانت تستطيع صيده بالبندقية. تصنع الحصير مع الزوجات الأخريات والأخوات غير المتزوجات في الظهر. الكثير من الضحك والنميمة والأسماء والتقريع، خصوصا بين الكبيرات. عمتها تقول لها وهي تقرص أذنها بخفة: فيتس كسل لو وزعناه على أهل الدزابلة تسفاهم، خوصي خاصتس بليس. تريد هي والفتيات الأخريات الخروج، ويخططن للذهاب إلى شعيب الخويشات، وينجحن في التسلل أول العصر، وتتذكر أن تلبس عباة مختلفة وتغير طريقة مشيها، ويمررن بجانب والدها التاكي عند دكة العزيزي بجانب التل، ويسبحن في الشعيب الممتلئ عن آخره، ويخبرها والدها غدا في قهوة زوجها: أنت اللي مارتن أمس أعرفتس لو تغيرين مشيتس وتَندِسِين مثل الضب. ويوبخها زوجها: الحين ما قلت لكن لا تسبحن بلحالكن ثم تغرقن علينا ونبلش بكن. فتقول بوقاحة: أعرف أسبح أزين منك. ويتظاهر هو برجم الفنجال عليها فتحمي وجهها بيديها ويمده وهو يضحك: خذي لعن الله ابوتس. فيرد أبوها عليه: لعن الله ابوك أنت. يضاجعها في ليال ينام فيها طفلاها الآن مع الأطفال الآخرين، وتختفي تحت جسده الضخم، وهي تغرس أصابعها في ظهره، وتكتم صرخاتها المحشورة في حلقها، وتنام في حضنه، مثل صوص صغير. تذهب كل يوم جمعة إلى بيت والدها لترى أخواتها المتزوجات وإخوانها. وتحمل بالطفل الرابع. الحج، في اللوريات المسقوفة بالخشب، وسقوط جارهم الصالح من أعلاها أثناء الوقوف عند الميقات وظهور جسده الضخم عاريا بأعضائه التناسلية الصغيرة. الكعبة والبكاء عند مقام إبراهيم. وفاة والدها، وأيام البكاء الثلاثين، وزوجها وهو يجلس في القهوة عصرا، ويجهز الدلة بنفسه، وتدخل هي، ليصب لها الفنجال بصمت، وتحدق فيه، وفي المكان الذي يفترض أن يجلس فيه والدها، بينما يحدق هو في الفراغ بملل منهك، ويروي قصة قديمة جدا تجمعهما، حينما كانا صغيران وسبحا لأول مرة في شعيب المزرب، ولاشيء فوق جسديهما إلا الماء والشمس. وينتقلون إلى المدينة. زوجها يضطر للعمل فراشا في البلدية. تخرج كل عصر تقريبا، ويصرخ فيها: قسم بالله لأحش رجليتس حش فشلتينا كل يوم طالعة راعصتن عباتس على مكوتس. فتركد أسبوعا ثم تعود للظهور. اجتماعات العصرية تحت مكيفات الشباك الهادرة والفصفص والنميمة، وساعات المشي وهي تحمل طفلا وتجر آخرين في شوارع الحارة نحو منازل أم محمد وأم عبدالله وأم ناصر. يبدأ الشعر الأبيض بالظهور مبكرا، مع الطفل السابع تقريبا. تعصد الجريش في اجتماعات الجمعة، وتصرخ في بناتها وهي توجههن بصوتها المجلجل، والمطبخ يضج بالصخب والأصوات والألوان والعرق والنقمة والمشاعر. رمضان، لحوم الأعياد، عملية الظهر لزوجها، زواج أول بناتها والعرس في الحوش الخلفي والبكاء عند الباب وقت الوداع. توظُّف مساعد معلما في الخرج، الرحلة لمكة بسيارته الكراسيدا، حيث الطريق السريع الذي يخترق صحراء مطلقة لا حدود لها، الميقات، وسالفة جارهم الصالح بأعضائه التناسلية الصغيرة تُروى من جديد وسط ضحك هستيري، الكعبة، والبكاء مرة أخرى عند مقام إبراهيم وهي تقول يا حبني له الله يرحمه. وفاة زوجها بالجلطة وإصرارها على تركه يوما دون دفنه لتنفيذ وصيته بالتأكد من وفاته، على خلفية وسوسته النابعة من أقاويل سمعها وهو صغير عن أن أحد أخواله دفن حيا ظناًّ بأنه قد توفي. زواج بناتها وأبنائها، تناقصهم، ثم اختفاؤهم، وجلوسها في البيت لوحدها، وتوزيع أيام الأسبوع على البنات للمجيء إليها يوميا منذ العصر، وجَمعة قهوة المغرب الثابتة للأبناء كل يوم. وهكذا.

تقيأت في وسط دورة المياه دما في اللعاب المخلوط بسوائل الشوربة والماء والأدوية. تجفَّر وجهها مع الوقت، وعلا سحنتها استنزاف عقود من الحركة تنتقم بأن ترسم على وجهها زرقة تشبه أثر اللكمات، وتقمصت نظراتُها زوغانَ الحيرة التي تحدث لشخص سقط خارج زمنه، ولم يعد يدرك شيئا مما حوله. لا تأكل شيئا، وتنحف حتى يلتصق جلدها بعظمها، وترى قفصها الصدري حينما تحممها ابنتها أو الممرضة مثل أشجار مزرعتهم المتراصة وبينها السواقي، حينما كانت تراها من فوق بيتهم الطيني على التل بجانب خفس المزرعة. تنام بصعوبة وتستيقظ وسط الليل، وهي ترى حوافا وتميز ألوانا وتسمع وشيشا، ويبدؤ الشك يفرض نفسه في كل شيء حولها، هل ترى ما تراه أو تسمع ما تسمعه فعلا؟ وتشاهد ظلا بين النوم واليقظة لشخص عملاق، وتقول بصوتها المبحوح: يبه؟ ولكن شيئا يجرها للنوم، وتنام 20 ساعة، وتنسى أنها رأت شيئا. تعجز أحيانا عن فتح فمها بسبب انعدام الريق، وكأن صمغا يتفزر من لثتها، ويصير لفتح الفم إجهاد مضاعف يبدو غير مجد، فتبقيه مغلقا وتصمت. يزورها أخوها الكبير سعد ذات عصر، في الثالثة والتسعين من عمره ويدفه شاب على عربية، لم تره منذ أشهر، تفز من استلقائها وجسدها مفكك بالكامل، ولكنها تجر عظامها لتجلس مستوية وتحاول تقبيل رأسه أثناء سلامه عليها، ويجلسان هناك، تحاول أن تشرح له مستجدات حالتها، ولكنها تتوقف بإنهاك في منتصف الحديث، ويصمت هو، ويسألها أسئلة عامة، وتجيب هي بصعوبة تدفعها للرغبة في انتهاء الكلام، ثم ينتهي اللقاء بأن يقبل رأسها وهي تحاول تقبيل رأسه، ويذهب. تذهب ابنتها في الساعة الـ12 ليلا، وتبقى هي لتنام، قبل أن تأتيها ابنتها الأخرى صباحا. جوالها الذي أتقنت استخدامه منذ مدة بجانب رأسها، تأتيها رسالة من أصغر أبنائها خالد، تعرفه بصورته، يدرس في أمريكا، في الأربعين من عمره، يسجل لها كل ليلتين أو ثلاث ليال رسائل صوتية، ينشد لها شعرا أو يقص عليها قصة أو يتحدث فقط. ولكنه الآن أرسل رسالة نصية، حدقت فيها، وأحست بذعر، ترى الأحرف أمامها، متراصة في سطر واحد، ولكنها لا تعرف ما المكتوب، وتفكر في أبشع الاحتمالات. قامت بصعوبة من سريرها. كانت قد تبولت على نفسها قبل قليل، فقامت الممرضة بإلباسها ثوب الفحص الطبي الذي يُربط من الخلف، بعد أن أخذت ابنتها جميع ملابسها لتنظيفها وإعادتها غدا. خرجت من الغرفة نحو الرواق المظلم. لا صوت يسمع في جناح الترقيد، عدا رنين خافت لأجهزة بعيدة ومكممة وراء جدران، ومن المسافة تلوح طاولة الاستقبال الدائرية. تسير بخطوات قصيرة، ممسكة بجوالها، حتى تصل بعد دقائق، فتفز الممرضة مرعوبة وتقرّعها على فعلتها وعدم ضغط زر الاستدعاء. لا تهتم بها، تمد جوالها لها، ولكنها بالطبع لا تعرف قراءة الرسالة. تغضب، وتطالب بحضور أحد يقرأ الرسالة، ويُسمع صوتها المبحوح المجرح خارج الجناح في ذلك الوقت المتأخر من الليل، ويدخل طبيب شاب، فتذهب إليه، وهو يحدق بذهول فيها، بينما تمد له الجوال وتقول بغضب: دوك اقرالي الرسالة. كان شعرها منفوشا وواقفا مثل أسلاك متشابكة، نحرها المتيبس ظاهر في الغالوقة الدائرية المتوقفة عند بروز صدرها، وهي تقف أمامه حاسرة تماما بنظرات حادة زائغة. يأخذ الجوال، ويقرأ الرسالة: اللي عند أمي يعلمها انهم أجلوا رحلتي للجمعة بدل الخميس جوالي خربان مكرفونه. تسأله بتفكر: ما قال ليش؟ فيرد الطبيب المرتبك: لا يمه ما قال. فتهز رأسها مهمهمة وتقول: شكلهم أجلوا مناقشة رسالته. وتأخذ الجوال. تستدير والممرضة ترافقها، ويستطيع الطبيب رؤية ظهرها ومؤخرتها تظهر من خلال فرجة القميص غير المغلقة بإحكام، جلد متجعد ومتصحر على عظم بارز. ويعرك جبينه وهو يستغفر، ثم يضحك بخفوت وتأنيب ضمير وهو يهز رأسه ويهمس: الله يلعن شيفت الليل.

كان الوقت عصرا، وقد نجحت في إقناع والدها، رغم اعتراض والدتها، بتعليمها السباحة في القليب وسط المزرعة. هذا هو اليوم الثالث. ربطها بحبل، وأخواها الأكبر منها يحارشانها: بتغرقين يا دبشة. فترجم أحدهما بالنعلة ويركل الآخر مؤخرتها. يتحركون كلهم حول الأب الضخم مثل الأصواص. يدلّيها في البئر الواسع، حتى تصل إلى الماء، ويظل ممسكا بالحبل، ولكنه يرخيه لتجدف بيديها. تطافش أولا في الماء، لا يمكن رؤيتها بوضوح في القعر المظلم، مجرد حواف، ولكن ضحكاتها تصل إليهم، قوية وحيوية ملحوقة بصدى يجعلها وكأنها تضحك بمئة صوت. يرخي الحبل أكثر، ويعطيها تعليمات، وقد بدأت تجدف، وتتحرك في دائرة القليب. ثم يسحبها، وهي ناقعة بالماء، تضحك وتقفز حول أبيها وهي تجر ثوبه وتخبره بكل ما حدث هناك في الأسفل. كانت في الثامنة من عمرها. ساعدت والدتها وأخواتها الكبار على الغداء، وفي العصر ذهبت مع بنات الخالد الصغار – أخوات زوجها لاحقا – إلى شعيب الخويشات مع أخيها سعد، يتراكضون حوله وهم يقطعون الطريق الذي يتجاوز كيلومترا إلى مصب مزارع العثمان، حيث هناك زوجة سعد، وحيث هناك الشعيب. تخبرهم أنها تجيد السباحة الآن. وينزلون ليسبحوا في الشعيب. وتجيء بنات العثمان أيضا، يلحقهن طفلان صغيران في الرابعة والخامسة. تضحك البنات عليهما، فيرجمانهما بالحصى، تخرج اثنتان منهما نحوهما فيهربان، ثم يعودان ويقفان ليراقبا البنات يسبحن. تخرج هي هذه المرة وتأخذهما بيديها، وتجرهما وهما مترددان ليسبحا في الماء الضحل عند اليابسة، تخلع ملابسهما، ويتشبثان هما بيديها. في الليل كان الجميع هناك، أعمامها وأبناؤهم وبناتهم في عشاء ليلة الجمعة. الحريم في القصر الطيني والرجال خارجه. تجيء هي للجلسة وتجلس بجانب والدها الذي يتجاهل البقية وينفرد ليسولف معها. يقول سعد: بنتك ذا العوبا أعوذ بالله منها، تراها تفصخ عيال العثمان اليوم في الشعيب. فيضحك والدها والبقية، ويضيف سعد: الله يرحم حال اخواتي وانت تجلدهن بالعسيب وذي في صدر المجلس. فيقول والدها: العسيب ما يجي إلا اللي يستاهله واذا استاهلته ذا العوبا يجيها مثل غيرها. ثم يسألها مؤشرا على القهوة والتمر والبقل: آمري وش تبين؟ فترد: أبي كل شيء.

كان الدور على أصغر بناتها، في الـ35 من عمرها. جاءت في الصباح الباكر. وجدت والدتها تجلس على كرسي أمام النافذة، وفي الغرفة رائحةٌ تصرع. كانت قد خلعت حفاظتها للذهاب إلى دورة المياه، ولكن في المنتصف، فقدت السيطرة، وتبرزت على نفسها، لتتساقط قطع على الأرض. كبحت ابنتها قيئا صعد إلى أعلى حلقها. اقتربت من أمها، كانت تجلس تحت النافذة، والشمس تغسل شعرها، وتلون جلدها، وكأنها تنبض نورا، وتحدق أمامها في حالة استسلام تامة، وقطع براز سائحة تنتشر متفرقة على الأرض. أخذت بيدها، وهي تحادثها مثل طفل، وضغطت زر استدعاء الممرضة، وأدخلتها دورة المياه، وبدأت تنظفها وهي تبتسم لها مثل طفل وتخبرها أن هذا يحدث وأنها جاءت بـ11 طفلا وأن مثل هذا ليس غريبا عليها بل وطبيعي. كان البراز يغطي فخذيها، ويلطخ قميصها. على وجه ابنتها يعلو تعبير خليط من الصدمة والتقزز، فهذا مختلف، وتستحث الصورةُ هذه صورا مناقضة في الذاكرة عن قوتها وجبروتها قبل سنوات بعيدة، حينما كانت، ويتعالى التعبير المرتبك على وجه الابنة، الذي يدرك أن هذا شيء لا ينساه المرء بسهولة، ويحفر رعبه الخاص فيك وفي مخاوفك الخاصة واحتمالات أن تكون يوما ما على الطرف الآخر. أما هي فلم تعد تستشعر ذلك بقوة، لقد تعرت ولوثت نفسها ولُمست في كل مكان وصارت هدفا مكشوفا عشرات المرات طوال أكثر من سنة. في أول الأمر، وتحديدا في الطيحة الأولى، كانت حينما تشعر بمهانة وثقل كل هذا، توبخ الأطباء بعصبية: أنتم الحين وراكم ما تخلوني أموت زي خلق الله؟ ثم تسرد لهم أموات العائلة. أبوي مات في حزته، دخلوا عليه لقوه طايحن على الأرض وميت، أبونا ارتفع عليه الضغط ومات بعد يومين، أمي جاها لاوي وذبحها في اسبوع. أما الآن فصار تبلد منهزم يغلبها حينما يحصل أي من هذا، وعلى ملامحها صمت زائغ مطرق، لا تعبير فيه تقريبا، وكأنها لم تعد تفكر في الموت أصلا، وصارت هذه الحالة تبدو حكما أبديا، وهي تمضي فيه دون تفكير.

القهوة تقع في زاوية البيت الطيني، على جدارها نافذة كبيرة تطل على الخارج، ومن خلالها تستطيع رؤية النخل في المزرعة. تقف أمامها، وتحدق في السعف الذي يتحرك مع الهواء. في الواحدة والعشرين من عمرها، حامل بطفلها الثالث في شهره الأخير. يُقرّعها زوجها: عقلتس رايح وش بلاتس. وتعطيها أم زوجها شرابا تتقيأه فور أن تشربه. حينما يدخلان، زوجها ووالدها، لاتزال هي واقفة أمام النافذة، تراقب سعف الشجر المتشابه بجانب بعضه. يجر زوجها يد والدها ويهمس: شف. ويراقبانها. تقف هناك ببطنها المنتفخ، وهي تحدق من النافذة نحو الخارج، في السعف. تحس بهما فتلتفت بنظرة حادة، يحدق الثلاثة في بعضهم ويقول والدها باستغراب: وش فيتس؟ فتحدق فيه ثم تقول: ما فيني شي. ويقول زوجها: ما قلت لك، لها شهر مهيب صاحية. ولكنها تتجاهلهما وتجلس بصعوبة أمام الدلة، فيجلسان في موضعيهما المعتادين. تصب فنجالا لوالدها وتمده، ثم فنجالا لزوجها وتمده، وتضع الدلة. يراقبانها. يسألها زوجها: منتيب شاربة؟! فترد: ما أشتهي. فيقول والدها: لا عز الله مهيب صاحية، ما يقحن الدلة الا انت وش السالفة؟! ولكنها تتجاهلهما، ثم يستسلمان للأمر، ويستكملان حديثهما حول أنباء سفلتة طريق من المدينة إلى هنا. وهي جالسة، متكئة على مركى خلفها، ولا تتحدث، أو حتى تنصت. تحدق في الفراغ أمامها.

 

————————————-

 

كان الوقت في منتصف العصر، والبحر في خليج سلمان بدأ بالاكتظاظ، ولكن ليس بعد. والدها يركب مع عمها قاربا حوافه خشبية مطلية بصبغة بيضاء متقشرة، وهي تعوم سابحة بجسدها الصغير وراءه وقد بدأ يبحر. كانت تلك أول مرة تسبح في البحر لوحدها هكذا، مبتعدة عن الشاطئ وعن أمها وأخويها وأختها. يعوم بها متموجا وهي تحس بعمقه معتدل البرودة في آخر الشتاء يغطي جسدها بالكامل، مختبئة داخله وتراقب العالم برأسها البارز الذي ينغزه الرذاذ المتطاير. يطلي الماء ما بين فخذيها وبطنها وصدرها ويتوقف حول رقبتها، مثل طبقة جلد آخر، وتحس به فعلا مثل جلد، وتباعد بين أصابع قدميها في العمق ليتغلغل الماء ويرطب غشاء الجلد الرقيق الذي تنتهي إليه أعصاب تصل دغدغتها إلى المخ فيرسل نبضة ارتعاشة ملتذة لكافة الجسد. الشمس دافئة وساطعة تتلألأ فوق السطح المائي، وهي تسبح بيديها الصغيرتين وراء القارب، ومن المسافة يبرز والدها الواقف على حافته وهو يركع منشغلا بربط شيء ما، ويتصاغر في البعد، وهي تسبح، تخبط بيدين في الماء وتحرك ساقين في العمق كأنها زعنفة صغيرة. وحينما رفعت رأسها المبلل متوقفة كان القارب قد اختفى، وكل ما يبرز هو رقعة ضوء منبعثة من انعكاس الماء المتموج، الذي يمتد شاسعا، لا قوارب في بعده المتشابه الأزرق. ظلت واقفة تعوم، في حفرة الماء معتدلة البرودة تلك، واليابسة خلفها تنكتم في البعد ويصل منها همسٌ ومخارج حروف متداخلة على شكل هسيس يتكمم في رجرجة البحر الراكدة وتلوح على شكل نقاط معتمة ومتعذرة الحواف والملامح. سمعت صوت والدها، واضحا: لا تبعدين عن الشاطي. لم تكن تستطيع رؤيته، كان مختفيا وراء الزرقة المشعة، ولكن صوته كان واضحا، يأتي من المكان المتعذر رؤيته: لا تبعدين عن الشاطي. مجرد صوت، تحمله الريح مع الماء، واضحا وصافيا ونقيا، وكأن الصوت يخرج من داخلها، من أذنها، من ذاتها. لا تبعدين. وهي تعوم في مكانها، وكل ما حولها أزرق ومشع.

كان الظلام دامسا في الخارج، وصوت المؤذن يأتي رقيقا وناعسا من مكان بعيد. خرجت من غرفة النوم في الفندق بجانب البحر في الخبر، وألقت بجسدها على كنبة الصالة الصغيرة، حيث يأتي ضوء خافت من دفتي الشرفة الزجاجيتين. تعلم أن زوجها يستلقي هناك على السرير، ولكنها لا تستطيع رؤيته في الظلمة، وتسمع صوته، يشخر بصوت خافت كأنه خنزير صغير. ظلت جالسة للحظات، شبه عارية. ثم قامت وأصلحت لها شايا بالغلاية الصغيرة، ولبست بيجامة، وخرجت إلى الشرفة في الدور العاشر، حيث هنالك لفحة هواء معتدلة البرودة، وجميع الأشياء تبدو عليها ملامح النوم العميق، الغرف والشارع والبحر المركون في السواد، ووقفت هناك. ثم عادت إلى الداخل، تسللت وأخذت بكت الدخان من ثوب زوجها وهي تختلس النظر إليه، أو إلى الظلمة التي تحتويه، ويخيل لها أنه ينظر إليها من هناك، ويختار أن يصمت. ثم عادت إلى الشرفة، وبدأت تدخن وتشرب الشاي، متكئة على السياج الحديدي.

جاءت تركض إليه حينما عاد من القارب، وقد رسى به على الشط، ونزل قافزا منه وهو يحمل أشياء في يديه. لم يتبعها أخواها وأختها، كانوا منشغلين بالعوث في الطين. نطت نحوه بحماس وهي تردد: يبه هناك في البحر وأنت سمعت هذا. الكلمات تزدحم بكثرة فتجد صعوبة في ترتيبها، كانت في العاشرة ولم تتقن بعد عملية التعبير الأوتوماتيكية، خصوصا في لحظات الانفعال. كان يفك أكياسا ويربط حبالا ويقوم بأشياء كثيرة تزغلل عينيها، لم ينتبه لما تقول واكتفى بأن يقاطعها قائلا بابتسامة متباهية: تعالي تعالي شوفي وش صدت. وقد نجح ذلك في إغرائها ونسيت قصة الصوت، واستغرقت في رؤية سمكة هامور كبيرة، أقصر منها بقليل. تحدق فيها بفمها المفتوح المبالغ فيه بدراماتيكية طفولية. كان أبوها، في الخامسة والثلاثين من عمره، يحمل السمكة بيده مستعرضا بفخر، تبرز من ساعده وأمام أكمام ثوبه المثنية عروق منتفخة، ويلوّن وجهَه شعرُ لحية غير محلوق منذ أسبوعين، وفي قسماته وعضلاته وسحنته قوة ذكورية وحشية لازالت تتذكرها، وهو يجثو هناك، يمسك السمكة حتى تراها، مبتسما عن أسنان بيضاء في وجه مليء بالدم والفتوة، ولا أحد حولهما، هما فقط، والسمكة، وهو يقول: شوفي وش جبت لتس. بعد ذلك بسنوات، في إحدى ليالي شهر العسل، كانا في فندق في منطقة بيليك شرقي الأناضول، وأخبرته بالقصة. لم تكن قد سافرت من قبل إلى الخارج، في الثانية والعشرين من عمرها، وتستلقي بجانب رجل وسيم وقوي ينصت لها، وهي تلتصق به، بينما يفوح منه مزيج رائحة تحبها، عبارة عن عبق منطفئ لعطر ناعم ودخان سجائر بارد. تقول إن السمكة التي اصطادها كانت أكبر شيء رأته، طبخوها في تلك الليلة، وجلسوا أمام البحر والنار يأكلونها. أنصت لها ولكن القصة انتهت عند هذا الحد، فلم يكن واضحا لأي منهما ما يمكن استخلاصه منها. لازالت تذكر تلك الليلة جيدا، كانت من أسعد الليالي التي مرت بها. مارسا الجنس ثلاث مرات في ليل ربيعي عليل، في مكان ساحر بعيد، بعد أن هدأت وبدأت تعتاد عليه عنها وتوقفت عن البكاء، والبحر المتوسط تحتهما يعوم أمامهما ويُسمع صوته من الشرفة المطلة. أخبرها أنه يحبها، وأنه لم يضاجع امرأة قبلها، وقد صدقته، كان حياويا رغم صلافته. نزلت في منتصف الليل بعد أن نامت قليلا واستيقظت ولم تتمكن من العودة للنوم. مشت على امتداد الشاطئ. هنالك جماعات تفترش الرمل وتوقد النار وتسهر هناك، تخترق أصواتهم ستر الليل المتواطئ مع أشيش البحر. وضعت قدميها في ماء المتوسط، وقد كان لطيفا وباردا، وفكرت في السياق الذي دفعها لأن تقول تلك القصة، ما الذي جاء بها وهما مستلقيان على السرير؟ فتذكرت أنها كانت ستخبره بقصة الصوت، ولكن لسبب ما، لم تقلها، ربما نسيت، بررت لنفسها. كان والدها يبعد عنها بمئات آلاف الكيلومترات، لقد أجرى عملية تركيب أسياخ في ظهره بعد حادث سيارة سببت خللا في فقرات عاموده الفقري، وبدأت تحنيه حدبة تتقوس ببطء تحت رقبته، وقد أكمل الخامسة والأربعين.

جثت بجانب السرير، أمام وجه زوجها في العتمة، وهو يبدو لطخة غامقة. سلمان. همست، وكررت، حتى أصدر صوتا. وش؟ وحينما انتبه أنها ليست مستلقية عن يساره، وإنما أمامه على جانب السرير، اعتدل متكئا بذهول على مرفقه بين النوم واليقظة: وش صار؟ ضحكت: ولا شي. سألته: ما تبي نقوم ننزل نقعد شوي ثم نطلع نفطر؟ ظل يحدق ولحيته القصيرة مبعثرة، وكأنه يبحث عن أي أثر للشمس فلا يراه. صاحية انت؟ تعالي نومي بس. وعاد للنوم. لبست ثيابها وعباءتها وأخذت ثلاث سجائر من بكت زوجها، وخرجت. الفندق لا صوت فيه تقريبا. البهو مضاء بشكل كامل، وفارغ كليا، ووسط كل هذا الضوء تجثو طاقة نعاس ثقيلة. خرجت وسارت طويلا، قرابة 5 كيلومترات، حتى وصلت إلى البحر. زرقة الفجر قد طفحت حبراً في السماء، وبدأت تجف. ومن الشرق، وراء البحر، هنالك خيط شعاع يبرز، ولا أحد هنا في الشاطئ، هي والماء فقط.

كان والدها يشتغل في البيع والشراء. يسافر كثيرا. يختفي لأسابيع ثم يعود بشعر لحيته النابت وجسده الضخم وقد علت سحنته صبغة سفر ثقيلة. قصصه التي كان يرويها عن الطرق السريعة التي قطعها ونام في بعضها والناس الذين قابلهم والقرى والمدن التي مر بها لا تكاد تنتهي. عاد في يوم من أيام الربيع، بعد غياب أطول من غيره، ليجد أن ابنه الأكبر ممسوك في قضية حيازة حشيش. أخرجه من السجن، وجاء به إلى البيت، بصمت، ثم ضربه أمام كل أهله بطريقة وحشية. كانت في الثانية عشرة من عمرها تقريبا، وتتذكر المنظر المخيف، بعقاله الصوف الثقيل، يضربه بحقد، والعروق تتفزر على وجهه القوي، وهو يضربه، والفتى يحاول الهرب، بينما يلاحقه ويحشره ويضربه مثل حيوان مسعور، والجميع يحاول التدخل ولكن دون فائدة. لم تكن أول مرة، ولكنها الأعنف. طوال اليوم، الجميع تقريبا يتجنب الحديث إليه، وهو يجلس، وكأنه لا يبالي. يأكلون ويشربون قهوة المغرب، والأخ المجلود مختف عن الأنظار. تجلس في ربعة الغرفة، وتحل واجبها قبل العشاء. تلبس قميصا جديدا اشترته له والدتها، وتبدو جميلة للغاية فيه. لمحته وهو ينظر نحوها بطرف عينه نظرة نافذة متأملة، يقرص شفته السفلى بإبهامه وسبابته، والتلفاز يستحوذ على الصوت وتتداخل معه أصوات من المطبخ بعيدة ومكممة. فور أن لاحظها تلاحظه عاد محدقا في التلفاز، وهو يقرص شفته بإبهامه وسبابته. كان على منظره أثر السفر، لازال عالقا في سحنته بل وثيابه المغسولة، لم يُنفض عنه بعد ولم يحلق لحيته، وكأنه يتوقف فقط وسيرحل قريبا. انتهى الصوت في التلفاز وحل مكانه آخر فأخبرها: طفيه. قامت وأطفأته وعادت بثوبها الجديد. وحل صمت، وهي تكتب واجبها. في ذلك الجو الغريب، تذكرت قصة كان قد أخبرها بها قبل سنة أو سنتين، لا تذكر، كان قد تغدا للتو معهم بعد أن حلق لحيته إثر رجوعه من السفر، تراه لأول مرة منذ شهر وقد جلب معه مكسرات من الطائف، وابتدأ القصة وهو متكئ بظهره على مركى بشبه استلقاء، بينما تجلس هي بجانبه: أمي كان معها ليّ، لي المزارع اللي أول أعرض من رجلك، ما لحقتي عليه. والده توفي وهو في الثالثة عشرة من عمره، وربته مع إخوته الثلاثة الأصغر منه أمه التي تزوجت لاحقا ابن عمها. كنا نلعب في السكة، وهاك اليوم شتنا الكورة على دريشة بيت أبو محمد جارنا وانكسرت، طلعت جلدتنا وليصتنا بذاك الليّ تلييص، كان عمري 15، كبر الثور، وكانت تضرب فيني بالليّ ضرب ألين انطبع الدم على فنيلتي من ورى، ثم خذتني لأبو محمد وقالت دوك اياه، يوم شافني تروع الرجال وقال ما تسوى خلاص، في الليل كنت أصيح من الوجع خذتني وغسلت الجروح اللي ورى وقالت لي عيب تصيح وسولفت معي وقالت أنت رجال البيت ولازم تسترجل وما يصلح أمك تضربك. أطرق لحظة وهو يبتسم بوجهه المحلوق الكبير الذي يطفح بالشبع والصحة. بعد كم اسبوع كسرنا الدريشة الجديدة اللي ركبها أبو محمد. وضحك هنا وهو يتكئ على المركى ممسكا ببيالة شاي على بطنه. جت أمي بتلزخني بالليّ فجريته منها وجدعته، ثم رحت لأبو محمد وقلتله لك عليّ اني أشتغل في مزرعتك ألين أوفي لك قيمة الدريشة، في الليلة ذيك يوم رجعت من مزرعته لقيت أمي مسوية لحم، ومتى يجينا اللحم ذيك الأيام، قلتلها غريبة وش الطاري، قالت وهي تناظرني: أبونا يستاهل اللحم. كان الوقت ظهرا حينما قص عليها هذه القصة، وهو شبه مستلق، وهي بجانبه، وقد تغدوا للتو، وفي المكان رائحة قيلولة ولحم. تذكرتها وهي تكتب واجبها في تلك الربعة، وتلاحظه وهو يقرص شفته السفلى بإبهامه وسبابته ويبتسم إذ يختلس النظرات نحوها، وهي في ذلك القميص الأبيض الموشح بالورود، وتبدو جميلة جدا فيه. ولكنه يظل صامتا، يقرص شفته بابتسامة لا تكاد ترى، ويحدق أمامه، بعناد.

جلست أمام البحر على الشاطئ، والشمس تصعد ببطء من الأسفل. ولكنها لم تنتبه لها كثيرا. الصوت كان أكثر استحواذا على انتباهها. لم يكن هنالك تقريبا صوت عدى صوت الماء، في مدّه وجزره، وفي رجرجة تموجه الضخم المتثاقل. أحيانا تبرز أصوات سيارات من الشارع وراء الشاطئ، ولكنها خافتة جدا وسريعة جدا، بل وتضفي مزيدا من الغموض على الحالة الصوتية هذه، وكأنها رشقة منتزعة من مكان خفي تبادر بالتلاشي سريعا. إذن صوت الماء فقط. المد والجزر، والرجرجة العملاقة لذلك الوحش الشفاف أمامها. ليس هنالك صوت آخر، لا اسمها، ولا صوت قارب يبتعد، ولا صوت أحد ينادي.

البارحة، مارسا الجنس لأول مرة منذ شهرين تقريبا. كانا بعيدين في مكان مختلف ولوحدهما، وتحتهما البحر أيضا يعوم من حولهما ويُسمع صوته من الشرفة المطلة، وتذكرت تلك الليلة في بيليك، حينما قال لها إنه يحبها وإنه لم ينم مع امرأة غيرها وهو يفوح بتلك الرائحة المميزة، ثم أخبرته بقصة السمكة التي اصطادها والدها. وتذكرت والدها، وابتسامته الواسعة وهو يجثو في خليج سلمان ممسكا بالسمكة الكبيرة، وعروقه تبرز منتفخة من أكمامه المثنية. وفي خضم ولوجه فيها وأصوات اللهاث الخافتة بينهما وتلك الرائحة المميزة له بعطره الذي يستخدمه منذ عشرين سنة وقد اختلط برائحة السجائر المنطفئة، تلك الرائحة التي كانت تشمها في ثيابه حينما تشتهيه وهو مسافر في انتدابات الوزارة الكثيرة، أوقفته وضمته بشكل أقوى وقالت: تحبني؟ ورأى في عينيها نظرة غريبة تشبه الذعر، كسرت حاجز صلافته التي تلجأ دائما إلى السخرية في مثل تلك المواضع، ولذا قال برقة منهزمة تبرق في وجهه المشدود بلحية غير محلوقة منذ أيام: إيه طبعا أكيد. وقبّلها، ثم أكمل وهو ملتصق بها، ويكاد يشعر أنها توشك على البكاء. لم يمر شهر على ذهابها إلى بيت أهلها. ضرب ابنهما البكر البالغ من العمر 13 عاما بعد أن اكتشف حسابه على “سناب شات” ورأى أشياء صادمة، على حد تعبيره، يرقص بطريقة بدت شديدة الغرابة له، وكأنه فتاة. أخذته وأخذت ابنها وابنتيها الآخرين وذهبت بهم إلى بيت أهلها. لم يطل الموضوع، جاء من الغد مندهشا حينما لم يجدهم، وجهه المشدود كان ينطق ذهولا مخلوطا بعناد مفتعل مكشوف. أنت شفتيني أطقهم قبل كذا؟ فترد: ما يهمني. ويتساومان. يقول إن الجوال يجب أخذه منه، فتتفق معه على ذلك. ويتساومان على شروط أكثر دقة، ويتفقان، وكأنهما في صفقة تجارية. وتقول كلمة واحدة تختم بها المساومة: لا تخلي الزمن هو اللي يخليك تعرف قيمة عيالك. ويسألها بامتعاض من لا يقتنع بمثل هذه الحكم المعلبة: وش معنى ذا الكلام الفاضي يعني؟ وترد: إذا ما فهمتها منتب فاهمها. وتعود معه في نفس اليوم، وهي تحس أنها حققت انتصارا مهما.

الشمس الآن تبرك بشكل كامل فوق البحر. ولأن في السماء كدرة غبار، تبرز الكرة الصفراء مضببة الحواف، وغير نقية في استدارتها وصفرتها. ولكنها رغم ذلك هناك، بكل جبروتها فوق البحر. كانت تقف في الجزْر، وقدماها في الماء إلى منتصف الساقين. حينما تفرد أصابع قدميها يتغلغل الماء ويرطب غشاء الجلد الرقيق الذي تنتهي إليه أعصاب تصل دغدغتها إلى المخ فيرسل نبضة ارتعاشة ملتذة لكافة الجسد. رن جوالها، وعلى الشاشة ظهر اسم سلمان. ردت فبادرها: وين رحتي؟ قالت: عند الشاطي اللي طلعنا له أمس. أطرق لحظة ثم قال باستغراب: وش موديتس هناك ووشلون رحتي؟ شرحت له أنها سارت على قدميها، وأن المدينة نائمة وتصحو الآن من حولها، وأنها تقف هذه اللحظة وقدماها في الماء، وأنه يجب أن يأتي. أطرق مرة أخرى ثم قال: طيب بجيب فطور وأجي. أغلقت المكالمة، وطالعت في جوالها لحظة. ذهبت إلى رقم جوال والدها. 20 سنة مضت منذ أن طلق والدتها، وصار يمرهم بعد عودته من سفرياته تلك، كل ثلاثة أشهر وفيها، يراهم مرة أو مرتين ثم يختفي. وكبروا على هذه الحالة. لديه عائلة أخرى الآن مكونة من ثلاثة أبناء، أكبرهم في الـ18 من عمره. تمره في الأعياد والعطل، وتتصل عليه كل شهر أو شهرين. يتصل عليها أحيانا، ولكن نادرا. ظهره المحدودب، وابتسامته المتسعة أكثر بفعل تساقط أسنانه، ولحيته الطويلة البيضاء. يسألها عن أشياء لم يكن يسألها عنها من قبل، ويستخدم مفردات لم يكن يستخدمها، ويقترب من أن يقول الأشياء التي كان يفترض – بحسب رأيها – أن تقال في زمن ما، ولكنه لا يقولها، وتحترم هي مجرد المحاولة. وحينما تغلق السماعة منه، أو تخرج من بيته، تجلس عدة دقائق وهي تفكر شاردة، وفي ذهنها سلسلة صور ومشاهد وانطباعات متشابكة. أخذت تسير على امتداد الشاطئ، وعلى قدميها طبقات من الرمل. حينما جاء زوجها كان بعيدا، ورأته من ذلك البعد، وهي تسير نحوه. تراه واقفا، يتلفت، ممسكا بكيسة وسلة، والهواء الخفيف يُلصق ثوبه بجسده، وهي تأتي إليه من بعيد. تبتسم وتهتف له: سلمان. فيتلفت من حوله. لا يستطيع رؤيتها، حيث تسير فيما يشبه الخفس، وهي تضحك، وتناديه مرة أخرى: سلمان. فيتلفت أكثر بحيرة، وهو يشكل في نفسه، حتى برزت له. جلسا هناك وقد فرشا فرشة صغيرة. جاء بسندوتشات بيض وكبدة، وعبأ ترمس الشاي من البوفيه. قالت له: تصدق تو بغيت أتهور وأطب أسبح. فرد وهو يرشف الشاي باستنكار: وش تسبحين أنت قدام العالم، أنهبلتي. فترد وهي تأخذ لقمة: من فيه وين العالم ما فيه أحد. فيقول وهو يمد بيالة الشاي لها: ولو، طبعا لا. وتأخذها، ويجلسان هناك يأكلان ويشربان.

كان الوقت ليلا، وكانت تسير في الحوش، وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها. فجأة كان يركض خلفها، ممسكا بليّ كبير. لحيته طويلة لم يحلقها بعد، يركض ملوحا بالليّ وهو يصرخ فيها بكل وحشية اصبري بس أحط يدي عليتس يا بنت الزنو. وهي تركض مرعوبة في الأسياب المعتمة المرقعة بأضواء عواميد الكهرب في الخارج، تبحث عن مخرج ولكن كل الأبواب مغلقة، وهو يركض وراءها مثل وحش، عيناه الجاحظتان وفمه الملتوي وجسده الضخم الذي يصنع الضوءُ منه ظلا عملاقا يبرك أمامها، وهي تركض لاهثة ولا تفهم لماذا سيضربها، وقلبها ينبض بقوة في صدرها ويخيل لها في لحظة أنها تحلم. حتى فُتح باب البيت صدفة وولجت منه مسرعة دون أن تنظر إلى ما حولها وركضت إلى الأعلى واختفت في غرفة السطح، تتنفس بقوة متكومة في ربعة وتكاد تلفظ قلبها من فمها، وتحدق وهي تترقب اللحظة التي سيدخل فيها من الباب. ولكنه لم يأتي. ولازالت حتى هذه اللحظة تعجز عن فهم ما حدث. حتى هو لا يعرف. حينما سألته لاحقا، ضحك بفمه الخالي من الأسنان، مستعجبا من المشهد الغريب، وسألها إن كانت متأكدة أنها لم تكن تحلم، ثم ختم بضحكة: أكيد مسويه شي والا منيب ضاربتس بدون سبب منيب بهيمة. تبتسم له ابتسامة مفتعلة في بيته الجديد، وترد ردا فيه جرأة ساخرة. كانت في الثالثة والثلاثين من عمرها وتعمل مديرة للموارد البشرية في شركة تضم 83 موظفا، كل شيء بعيد جدا وهي – وهو حينها أيضا – في مكانين مختلفين، وسيذهبان منهما إلى مكانين مختلفين آخرين، ولكن هذا لا يمثل فرقا. هذه الصور ستظل موجودة لتصنع كل الأمكنة التي سيذهبان إليها.

 

————————————-

 

كانت مستيقظة. وحينما فتحت والدتها باب الغرفة، بدت وهي تقف ظلا عند حد الباب المضاء مثل شبح. دخلت وأقفلته. راقبت والدتها، وهي تفتح عينيها مغطية رأسها باللحاف، وكأنها في لعبة. تُخرج والدتها مطرحة من الدولاب، ولحافا، وتعد لها مرقدا. يلونها ضوء النافذة، وتراقبها تتحرك. كانت الأصوات قد أيقظتها من نومها السطحي قبل دقائق، بعكس أختها المستغرقة في النوم على السرير المجانب، والدها كان يقول كلاما بذيئا، وأمها كانت تبصق أيضا كلاما لا يقل بذاءة، ثم هجم صمت مطبق، أعقبها منظر والدتها، مثل الشبح، على حد الباب. راقبتها وهي تستلقي على الأرض، بين سريرها وسرير أخيها، وتجزم أنها تحدق في السقف، شاخصة العينين. أرادت بصدق أن تنهض، وأن تقترب منها، وأن تنام بجانبها، ولكن الوقت كان قد فات، ولعبتها تجاوزت الحد المسموح، فاستلقت هناك، تحدق في والدتها، حتى نامت وهي تفكر في لحظات الوسن الأولى أنهما نامتا سويا ودخلتا إلى الأحلام من نفس البوابة. استيقظت قبل الجميع، ووجدت والدها في الأسفل يجلس على الكنب أمام التلفاز ويأكل من علبة فول بلاستيكية تملؤ المكان برائحة نافذة وقوية. حينما انتبه لها حدق متفاجئا. وش مقومتس اليوم ويكند؟! وقفت بعينين شبه مغلقتين بفعل النوم. أشار لها تعالي. أجلسها بجانبه، ومد لها لقمة. ولكنها اكتفت بهز رأسها والتحديق فيه. ما تبين فول؟ هزت رأسها بنفس الطريقة. وش تبين أجل؟ حدقت فيه ثم قالت: أمي نامت عندنا أمس. كانت في السابعة من عمرها في ذلك الوقت. أشاح وجهه نحو التلفاز، وابتلع اللقمة المخصصة لها. شعرُ صدغه فيه شيب، فكه يتحرك بقوة خلف ذقنه المخضر وهو يمضغ، جسده نحيل وهزيل. كان يقول لزوجته شيئا عن خروج الابنة الكبيرة ليلا، مع السائق، وأن يراها الناس في الساعة الـ12 تدخل البيت مثل قحبة. ظلت تحدق فيه ثم انضمت إليه في مطالعة التلفاز. مسلسل كويتي. قال لها دون أن يلتفت: هاه وش تبين؟ ولكنها لم ترد، واستلقت بجانبه، وغفت ورأسها على فخذه.

في يوم ما اختفت أختها الكبيرة، حدث هذا قبل زواجها بعام. وحينما عادت من المكان الذي كانت فيه، الصمت المتوتر سيطر على كل المنزل، ثم فجأة صراخ. كانت في غرفة الألعاب مع أختها الصغيرة، وجاء الصراخ قويا. لم تسمع أحدا يصرخ من قبل بهذه الطريقة الوحشية، كان شيئا مرعبا. تتعرف على صوت والدها بصعوبة وهي تقف مرعوبة بجانب أختها التي لم تتجاوز السنة الثالثة على حد الدرجة العلوية. صوت أختها حادا، وصوت والدتها، وصوته هو فوق الجميع بعنف منفعل، من شدة انفعاله يتقطع وتداخله بحة ناشفة. ثم أختها تصعد باكية ولكن بغضب، تلحقها والدتها. بعد انتهاء المشهد، واللحظات المتوترة التي أعقبتها، نزلت هي إلى الأسفل، تلحقها أختها الصغيرة، بينما تدفعها إلى الخلف، حتى صعدت الدرج نحو أمها. وقفت عند باب المكتب الصغير. كانت في الثامنة من عمرها في ذلك الحين. والدها يجلس على الكنبة. آثار الزكمة القوية واضحة على وجهه. يجلس محدودبا بجسده النحيل، يتكئ بمرفقيه على ركبتيه، وفي هيئته استنزاف مرضي. ظلت واقفة عند حد الباب تطالعه، تتأمل هيئته المنكسرة. استلقى أخيرا فوق الكنبة على جنبه الأيمن، متكئا على سجادة ملفوفة، ولم يعد يتحرك. بدا متوقفا تماما. تقدمت نحوه بعد لحظات، جثت أمامه، واقتربت من وجهه حتى كادت أن تلتصق به، تحاول الإنصات، فتسمع صوت أنفاسه وتحس بحرارتها. فتح عينيه بصعوبة وقد انتبه لها وحدق فيها بقلة فهم، وكأنه لم يستوعب أنه لا يحلم. همس بين اليقظة والنوم: وش تسوين؟ فهمست أيضا وكأنها لا تريد إطاشة نعاسه: بشوف أنت تتنفس والا لا. حدقا في بعضهما لحظة. ثم أغلق عينيه، وظلت تطالع وجهه للحظات، وأنفاسه تتردد بخفوت. حينما تأكدت أنه يتنفس بشكل طبيعي، قامت وجلست على كرسي المكتب عدة دقائق، هنالك أوراق متناثرة، كثير منها عليها شعار هيئة الاستثمار. رسمت على ورقة فارغة – كان قد أخبرها بالأوراق التي تستطيع الرسم عليها وتلك التي لا تستطيع – صورة بحر وعليه قارب. انتهت وجلست دقائق تلف نصف دائرة بالكرسي وهي تطالع فيه من وراء المكتب، لم يتحرك. ثم قامت وخرجت. جدتها، والدة والدها، كانت تحيّي ابنها في كل مرة يزورها بأبو البنات. سألت أمها ذات مرة: ليش ما عندنا أخو؟ فابتسمت الأم: وش تبين بالأخو؟ يتأمر عليتس ولا تستفيدين منه شي. ولم يتضح لها هل كانت تمزح أم ماذا. ولكنها لم تفهم، لماذا سيتأمر عليها؟

الوقت في قرابة الساعة الثالثة منتصف الليل، بعد ساعات من دخول أمها، أحست بصرير باب غرفتها يفتح، وحينما تيقظت، في اللحظة الأولى، كان هنالك ظل كبير يقف في الحد المضاء، مثل شبح أيضا. لوهلة لم تتعرف عليه، أو حتى على ماهيته، وحينما بدأ يقترب استوعبت أنه شخص، وأنه والدها. توقف في المنتصف، أمام المطرحة التي تنام عليها أمها، يطالع حوله، ولازال ظلا أمام الباب الموارب، ولكنه أكبر. ثم استدار بخطوات بطيئة ووقف عند الحد الشبحي ثانية، موليا وجهه إلى الخارج دون أن يلتفت، ثم أغلق الباب من جديد. ظلت تحدق في الباب، القابع في الظلام، واللحظاتُ تمر مثقلة بأثر النوم ذي الطبيعة المتموجة الرخيمة، ورمشاها يثقلان أكثر، ويطبقان على بعضهما لوقت أطول حينما تطرف، وهي تحاول الإبقاء على نفسها واعية كي ترى الباب يفتح من جديد، حتى أطبق الرمشان مرة أخيرة ولم ينفرجا، وغطت في سبات عميق.

حينما كانت في السادسة من عمرها، تذكر ذلك جيدا، ضربتها أختها الكبيرة لسبب ما. لا تذكر السبب، تذكر فقط حادثة الضرب، والإهانة التي أحست بها. كانت الفتاة، في الثامنة عشرة حينها، غاضبة دائما وتشكو باستمرار من الملل. تذكر أيضا أنها أتت إليها في الليل، وحاولت مصالحتها، حتى رضيت. كانت لهجتها أكثر استرخاء، تذكّر بوقت سابق. جلسا على سريرها الملاصق للنافذة المغلقة، وتحدثا، وريح قوية تنحت صريرا في الصوت، يُذكّر بصوت الطائرات المقلعة. روت لها قصة عن صديقة لها، زارت البرازيل مع أهلها، وقالت لها إن البرازيل تبعد نومتين كاملتين، تذكر هذا التشبيه جيدا، وإنها قابلت شابا صغيرا. وصفت لها شواطئ ريو دي جانيرو، وكيف أن رمالها ناعمة إلى درجة أن القدم تغيص فيها وتختفي. تحدثا طويلا، عن أشياء كثيرة. أخبرتها أنها تريد أن تهرب، وحينما سألتها بذهول ليه؟ قالت لها كلاما لم تفهمه ولم تحفظه تحديدا، مر كشكل ونبرة فقط. في آخر السنة الغريبة تلك، التي سبقت الزواج وحفلت بالمواقف المتفاوتة بين أختها ووالدها، كانت العلاقة بدأت تعود إلى طبيعتها تدريجيا، بل أن أختها ضحكت مرة أو مرتين مع والدها وسُمح لها في وقت ما أن تخرج لوحدها، ثم في مرة من المرات خرجوا إلى شراء الآيسكريم من محل على طريق التخصصي، وأخبرها والدها أنه حينما يحين الزواج فسيضع لها حفلا لم تشهد العائلة مثله ولن يبالي برأي أحد وسيأتي بفرق موسيقية وسيرقص حتى تتكسر ركبتاه، وضحكت هي بملل. وقد فعل ذلك ولكن دون الفرق الموسيقية، رقص في البيت بينهم في ليلة الملكة بعد أيام من آيسكريم التخصصي. كان يرقص معها ومع أختها الصغيرة على أنغام شيلة يا سعود العلي، ووالدتها وأختها الكبيرة تراقبان. أول كلمة قالها بعد توقفه وهو يلهث ويؤشر بأصبعه: الحمد لله افتكيت من هالبنت، اللي بعدوا. كانت أختها في الواحدة والعشرين حينها. أخبرتها أنها ستتزوج قبل الملْكة بأيام، ولكنها كانت تعلم منذ اليوم الذي أتى فيه ذلك الرجل الغامض إلى المنزل ورأت أختها تتمكيج وتدخل مجلس الرجال. جلسا على السرير نفسه بجانب تلك النافذة يتحدثان، وأخبرتها هي بحماس عما تعرفه عن الزواج، وأنها يجب أن تفعله مثل الفنانات الأمريكيات حينما يلبسن فستانا أبيضا واسعا ويسرن على سجادة حمراء. أخبرتها أختها أنها تتزوج لتهرب فقط وذكرت أسبابا أخرى شبيهة بتلك التي لم تحفظها قبل ثلاث سنوات، وبالطبع لم تفهم مرة أخرى ما الذي يعينه حديثها، ولكنها على الأقل حفظته هذه المرة، ولم يمر كشكل ونبرة.

كان الوقت صباحا، يوم الجمعة. سافرت أمها وأختها الصغيرة مع أخوالها إلى الشرقية لحضور عزاء خالتها، وبقيا معا. أفاقت في الساعة التاسعة، ورأته يحلق ذقنه. وقفت بجانبه تطالعه، وهو يمر بالموس الكبير على ذقنه النحيف، ويبرز الجلد الحاد لامعا. حينما انتهى أخبرته: يبه جوعانة. رد: خلي الشغالة تسوي لك شي. فقالت: وينك فيه أنت الشغالة رايحة من شهر. خرجا بالسيارة. كانت سعيدة جدا. تحب طلعات الصباح تلك في الويكند، الشمس والمباني والشوارع والمطاعم وصوت الراديو الذي يسرد أخبارا. كان والدها صامتا، وحزينا تقريبا. ستذكر جيدا منظره ذلك، جانبُ وجهه الحليق وشعره الناعم الممشط، وهو يقود محدقا أمامه، ممسكا بالدركسون. نزلا في بوفيه، وطلب ثلاث سندوتشات. حينما همت بالجلوس أخذها بيده وهو يقول منحب ماكلين هنا. جلسا في السيارة، وأكل سندوتشته بسرعة، وجلس هناك صامتا. أحست به يراقبها في لحظة ما، وحينما التفتت والشمس تغلق عينها اليسرى، كان يطالعها فعلا، وابتسم لها، بوجهه الحليق الناعم وشعره الممشط. سألها عن الدراسة، وتحدثا قليلا. كان يبدو حزينا فعلا. قال إنه يذكر الأيام التي كان يأخذه فيها والده إلى المزرعة في الصباح الباكر ويفطران هناك، وإنه كرهها لأنه كره والده. وتوقف عن الكلام، محدقا أمامه في الفراغ. أبوي، ما كنت أسولف أنا واياه واجد. في صوته هدوء مجوف وإطراقاتُ فواصل متلكئة. ألين كبر وصار الظاهر يخاف من الموت وانه يقعد لحاله، وصار يسألني وشلوني ويدق علي يسولف معي بالساعات وأنا أسلّك له وأقول في نفسي الله يلعن الساعة اللي بيسوي ولدي معي زي كذا، لذا منيب داق على عيالي اللي يبيني يكلمني. أطرق لحظة ثم أكمل: أمي، كنت أسولف أنا واياها دايم، كانت تقولي يا حمد ضاعت حياتي مع ذا الشايب واذا فكرت في اللي راح حسيت اني سخيفة واني ضيعت عمري عبث، وترسلي أشرطة كاسيت يومي في الجامعة وهي تهيجن على نفسها وأحيانا معها عمتي وكل ما سمعتها ضاق صدري وطقتني غلقة. أطرق طويلا محدقا أمامه بتكشيرة: خرابيط قسم بالله انلعب علينا وبس. قبل أن يلتفت نحوها مرة أخرى. يطأطئ رأسه فوقها، بجسده ووجهه النحيلين، وعينيه النافذتين، وابتسامته المتواطئة الحزينة، يغطي السماء عنها رغم نحوله مثل سحابة كبيرة، وتلون الشمس وجهه المليء بالعاطفة والذبول، ويقول: وين تبين نروح له؟ هذه الصورة ستبقى محفورة في ذهنها. بعدها بأيام ودعهم وسافر إلى الخارج. حينما تسأل أمها عنه، تقول إنه في مكان بعيد، وإنه هناك للعمل. وحينما تتصل لا يسميها إلا بألقاب الدلع ويقول إنه مشتاق إليها ويحاول أن يبسّط لها ماذا يفعل هناك دون أن تفهم. ويمر الوقت، وتكبر هي، وتلك الصورة عنه، لا تختفي، بل تكبر بمرور الوقت، وتتسع، لتحتوي نظرتها الإجمالية عن العالم، وتصير ترى الأشياء من خلالها، من خلال وجودها وغيابه المزدوجين، ولكن دون أن تحس، تتشكل في الخلف، كما تفعل أكثر الأشياء في هذا السن. ثم عاد بعد عام تقريبا. له لحية مشذبة، وفيها شيب كثير. الليلة تلك، حينما وصل، كانت مزدحمة بكل شيء، بالأجساد والأصوات والطعام والشراب والضحك والصراخ، تحت أضواء البيت المشعة في ليل صيفي، وفي حضرة كل من يستطيع أن يَفتِش أمامه، والداه وأخواته وأبناؤهن وإخوانه وأبناؤهم، الرجال في المجلس والمقلط، والحريم والأطفال في بقية المنزل، وهو يتنقل بين المكانين. أخبرهم أن الثلج كان كثيرا في منسك، وروى قصة طريفة بسبب عدم إجادته الروسية أو الانجليزية بشكل متقن. سولف معها في وقت ما من الليلة، لوحدهما، تجلس على ركبته والضجيج يحوّطهما ولكنه منشغل عنهما، مثل ماء لا يبللهما. سألته أكثر عن الثلج والبرد، وأجابها أنه في مرة من المرات حك أذنه فلاحظ أنها تجمدت، وحينما لواها انكسر غطاء الصقيع حولها وكأنها انكسرت. وصف بياض الثلج المزعج في كل مكان والوحدة التي شعر بها وهو يفكر فيهم وكيف أنه كان لا يستطيع العودة. ثم استحوذت هي على الحديث، وروت له أشياء كثيرة، وهي لا تفتأ تلمس لحيته والشعيرات البيضاء فيها وكأنها تشك أنها بسبب الثلج وأنها حينما تحكها ستعود سوداء. كل هذا حدث في 10 دقائق تقريبا. انقطعت السواليف وسط الضجيج الذي عاد للانتباه لهما ليبللهما، فانشغل عنها ثم نزلت عن ركبته وذهبت تلعب. بعد ساعات بدأ الجميع يخرجون، ولم يبقى إلا إحدى عماتها في المطبخ مع أمها، وأبوها في المقلط مع أحد إخوته. تجلس بجانب أختها الكبرى، وتلتصق بهما أختهما الصغيرة التي تبلغ الآن 8 سنوات. تريهما صورا من رحلتها لبالي، ورمال الشواطئ الناعمة تلك. تسألها أسئلة مندفعة حماسية، هل رأت فتيانا هناك وكيف كانوا، فتضحك وهي تقول: معي رجلي يالخبلة وشلون أشوف عيال أنت صاحية. وتطالع هي في الصور، وتسطو بأصبعها على الشاشة طاردة أصبع أختها، وتتولى عملية التقليب بينها، وهي تطالع بنظرة مبسوطة، وتدفع أختها الصغيرة التي تزاحمها. تطالعها أختها الكبيرة بنظرة ذات معنى، لقد تخرجت من الجامعة وستعمل محامية بعد أشهر. يتحدثان عن أشياء كثيرة، وتقول أختها: بيختلف الوضع معك. أنا قعدوا 11 سنة ما جابوا غيري كانوا فاضين لي، بيتغير الوضع، وأبوي بعد بدا يشيب. قالت بنبرة تكاد تكون ساخرة: يعني ما يحتاج أعرس على طول مثلك. ولكن أختها ضحكت. مهنا فرق، كلهم رجال، تروحين من واحد تطيحين في الثاني. وعادا يتصفحان الصور.

الطريق إلى الشرقية يتكدس بالشاحنات الضخمة. الشمس قوية جدا في منتصف الظهر، ولكنها تفشل في اختراق النوافذ المظللة، وتكتفي بالزجاجة الأمامية. تجلس في الخلف، بجانب أختها التي ارتفع عمرها إلى تسع سنوات، بينما ارتفع عمرها هي إلى 12 عاما. الجميع نائم، عدى والدها بالطبع، وهي كانت نائمة أيضا. استيقظت من غفوة سطحية على صوت همس، ولاحظت أن والدها في المرتبة الأمامية يكلم نفسه، بهمس خافت. أمها ملقية رأسها نحو اليمين، أختها متكئة على مخدة. الجو ملون بامتزاج ظل التظليلة والشمس القادمة من الزجاجة الأمامية، ووسط هذا كله صوت والدها وهو يهمس، مخارج حروف ليس إلا، تتبعها لحظات صمت، ثم مخارج حروف أخرى. نطقت فجأة: يبه. فأطرق وكأنه اكتُشف. وش تبين؟ قال بحدة. جرت نفسها إلى ما بين المرتبتين، وقابلها ضوء الزجاجة الأمامية، قويا وساطعا، ولكنها لم تتراجع عنه، اتكأت بخدها على مرتبة السائق، وأخذت تحدق في الطريق. السيارة المسرعة تبدو وكأنها تأكل المسافة، وتقضم الإسفلت والصحاري والتريلات والمراكب الأخرى لتنحت مسارها، ويختفي كل شيء في الخلف، حيث يتجدد الطريق. تلتفت بخمول ناعس نحو والدها، وهي لازالت تتكئ بخدها على المرتبة، يحدق صامتا الآن، بلا صوت بتاتا. سألته: نقدر نشغل ذيك الأغنية؟ فرد: ما تشوفينهن نايمات. لحظة صمت، وصوت الطريق المجوف يستحل السمع مثل ڤـ. سألته: منهو المغني؟ رد: فوزي محسون. لحظة صمت وهي تحدق فيه، في صدغه الأيمن، بجانبه، ثم تحدق أمامها، وتبدو وكأنها تشاركه قيادة السيارة. قالت له: يبه مابي أتزوج. ابتسم. وش جاب طاريه الحين. قالت: ما له فايدة. أطرق لحظة ثم قال: إذا أعرست بجيب فوزي محسون يغني في عرسك، وبرقص فيه ألين تكسر رجليني. بعد لحظات قال لها: ارجعي ارجعي خطر كذا ما يصلح توقفين، روحي نومي. فعادت إلى الخف، وجلست وسط الظل، أمام الزجاجة المضيئة، حتى بدأت تغفو، وحينها، بين النوم واليقظة، سمعت والدها يعود ليهمس بمخارج حروف غير واضحة.


هايلكس 96

“شف يا استاد الموتر توي مرهم مكينته عند سقنل الهندي في ورشة الملحم ومغير الرفرف حقه بعد ما انخدش وشاري طاسات جديدة ومنجّد مراتبه. الموتر جاهز لو تبي مشينا اليوم. أنا ماشي ماشي للرياض. تونا رايحين أنا والعيال. بعد المدرسة يوم الأربعاء حركنا. كان لي غرض في البطحاء بجيبه، شاري لي غتر وشمغ وصراويل وفنايل من هناك وبايعهن جملة على هنود المحلات اللي هنا بزيادة نص ريال في القطعة. إذا رحت للبطحاء مر بوفيه لواحد مصري يقاله سليم، بيعطيك فول تسنه خرسانة وشاهي أسود تحسب انه كحل منقع في مويه، بيكبس على بطنك ساعة. يوم نروح ذاك اليوم كانت مباراة الوحدة والنصر يلعبون العصر. أنت عارفني منيب راعي كورة، بس رحنا. العالم مشتية والفصفص من كثره يدسه عليك اللي جنبك. أنت عارف اني أدخن انا منيب أحب اتسذب، قعدنا في الملز والشمس تنزل علينا حارة والصبات تتفل علينا برد المربعانية من تحت، ونسولف ونقشم وندخن ألين جاب لاعب الظاهر اسمه خالد ماطر هدف ثم طلع بعدها مصاب، واحد تسنه كفر زلق عليه عطب اصبعه. لكن المهم اسمع، الورش هناك ممتازة، بس اذا السالفة قطع غيار أوديك لواحد في سكاكا. تطلع مع طلعة الشمس، وتخاويها ألين ترتفع مع الظهر وتوقف تريّح في حايل ثم تكمل، ألين تنزل الشمس وراك مع دخلة العصر والسما تزرق إذا جت صفرة المغرب، وبين العشاوين قهوتنا عند خالي عبدالمحسن. هناك أعرف واحد يجيب قطع الغيار من الأردن، تقدر تشريها وتجي تبيعها على الورش، وتدخل دبل الربح. سويتها من قبل وبسويها انشالله في هالصيفية بروح لسكاكا. إيه أنا عارف أنا قلت لك ذاك اليوم أنا مالي في الدراسة حقتكم ذي. تعرف ابو عبدالله خال أبوي؟ اللي كان عنده قبل أربعين سنة مزرعة جنب حويّر الحقيل؟ الحين عنده محلين في المعيقلية وشقق في المروج، فتح أول واحد يوم ترك المزرعة وراح للرياض، لا يقرا ولا يكتب، ويسلف أخوه سعود اللي متخرج من البترول. خلنا نروح بس، والله اني جاد، حتى لو انك ما تبي تصلح موترك بصره، خلنا نحرك ياخي، اليوم ذا ما عندي شي وانت ما عندك شي هذانا جايين فاضين المناهج خلصت والاختبارات بعد اسبوع أزعجتونا وأبلشتونا بذا الدراسة، خل نروح للدمام موب لازم نروح للرياض. قد رحت للدمام يا استاد؟ خلنا نركب مع الشمس اليوم ونخاويها للدمام. بوديك للبحر، مهوب البحر الي تطلع له الناس، بوديك للصيادية، وبركبك في قارب، وبنصيد. أهلك؟ أهلك وش فيهم بيموتون يعني؟ مع طلعة الشمس بكرة نحرك راجعين هنا. ياخي ما جربت قضبة الخط عشان بس قضبة الخط؟ والله يا بو خالد اني أمسك أحيانا الخط عشان أمسكه بس، واني اروح لشقرا عشان أجيب خضرة أبيعها في السوق وانا منيب محتاج، بس عشان أمسك الخط. اذا دعست مية فاتح الدريشة والهوا يهف على وجهك وشعرك وما عاد فيه إلا أنت والدركسون بس، إذا حركت من جهة وْشَيّ مع نزلة الشمس في العصرية وهي قدامك بين الجبال والخفوس تسنك ناصيها، وتوقف عند بدو الداهنة تقهوى عند أبو خوينا هنا عبدالله تراه ساكن هناك، ثم تسري مع المغرب لشقرا وتتعشى فيذاك عند مطعم كبسة يقاله حنيذ وتعوّد مع نزلة الليل وانت ماشي في سكة أقسم بالله مثل العمى ما لك فيها إلا كبسين هالنور وهي تشق كحل الليل. أبي والله أوديك يا استاد صدق، أنت رجال ذبحتك القعدة وتوك شباب لا حرمة ولا عرس ولا شي واخوي خويك وابي أخدمك. توي والله مرهمه، تسمع مكينته توشّ ما فيها ولا نتعة ولا نقرة، وانت مهدّي تمشي مية على الخط وفاتح الدريشة والهوا يلعب في شعرك ومخاوي الشمس. مشينا بس”.

محمد عثمان عبدالله الجريّم. مواليد 1982. توفي عام 2005، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، بعد ذهابه إلى مناطق الصراع في العراق. في التاسع من شهر مارس عام 2017، وأثناء التجوال في معارض النسيم بالرياض، صادفت هايلكس موديل 96. بدأ الأمر بلحظة استذكار لامبالية، أعقبها شك استدعى مزيدا من التفحص، وبعد المعاينة تأكدت أنه نفس الموتر المعني. هنالك صدمة طفيفة فوق رفرف الكفر، حدثت ونحن نخرج حينها من منحدر سد الكلبي في 2003 حسب ما أتوقع، بالإضافة لعدة ملاحظات ترجح المعلومة إياها. المراتب تم تنجيدها بلا شك، ربما قبل سنوات. عزل السيارة لازال جيدا، حيث أن الأصوات تصل من الخارج مكممة بعد إقفال الأبواب والنوافذ، تستطيع أن تجلس هناك وتحدق في الأوجه والحركة في الخارج، ولا يصل منها إلا دبيب خافت. رائحة عدم الاستعمال والإهمال قوية جدا، ربما استُخدمت السيارة في مزرعة لحمل العلف وتنقل العمالة.

آخر مرة رأيت فيها هذا الموتر، كان في يوم دفنه. يوم غريب. بعد قرابة سنة من التأكد من وفاته، تذهب لتصلي على جنازته. بعد سنة من تنقل والده بين مختلف الدوائر الحكومية، من وزارة الخارجية إلى الداخلية إلى الاستخبارات إلى الديوان الملكي، تصل جثته. أبوه عثمان كان رجلا في الخمسين من عمره. له شارب خفيف، وشعر صدغيه أبيض بياضا فاتحا، وليس في عينيه أي شيء يدل على قرويته. من الجيل الأول في عائلته ممن ولدوا وتربوا في المدينة عوضا عن المزرعة. عاش حياته في أحياء الخالدية واليرموك، ودرس في جامعة الإمام بالرياض، وتزوج امرأة من عائلته درست إلى ثالث ابتدائي لا تكاد تقرأ أو تكتب، ثم عاد معلما في ثانوية الأرطاوية، ثم ابتدائية فلسطين، وبعد ذلك تزوج امرأة ثانية تدرّس في كلية البنات، وأنجب أبناء آخرين، وهكذا. كان يبدو منهكا على الدوام، وحينما حدث ما حدث بدا منهكا أكثر. يخبرك عن كل رحلاته في أروقة الدوائر الحكومية، بوصف دقيق وممل، وكأنه يشاركك عدم الاستيعاب الذي يمر به، وكيف لف كل مكان إلى أن وصل أخيرا إلى مسؤول كبير في الخارجية. يقول إن مكتبه مشمس بنافذة كأنها جدار زجاجي تطل على ساحة كبيرة داخل المبنى، وعلى حوافه أصص شجيرات تلمع، ووراء الكرسي رفوف تحوي كتبا. لم يذهب الرجل لكرسيه حينما دخل المكتب وعرّف بنفسه وسلم عليه، بل جلس على حافة الطاولة أمامه مكتفا يديه، وأخبره ببساطة ونبرة هادئة أن ابنه قام بتفجير نفسه في سوق وسط بغداد. يقول إنه جلس دقيقة صامتا، وفي حلقه بحة، والرجل يحدق بأناة في وجهه. يقول إنه نطق أخيرا أن ابنه لا يمكن أن يفعل ذلك، جملة واحدة فقط، بلا إضافات، وغالبا قيلت بشك. أخبره الرجل أنه ربما خدع، أو ربما تم إجباره، المهم أن المؤشرات تجنح للتأكيد على أنه هو من فعل ذلك، ولكنهم سيحققون أكثر في الأمر للتأكد، وجلسا يحدقان في بعضهما. خرج الرجل من المكتب لحظة، وجلس عثمان الخمسيني يحدق في الأصص التي تلمع، وهو يسمع الرجل يحادث موظفا في الخارج، ويجد صعوبة في ترتيب أفكاره، ويعجز عن تحديد ما يجب قوله. أخبروه أن العثور على الجثة شبه مستحيل، فغالبا ما يدفن هناك في مكان ما، ولا يُعلم أصلا أين هو. يروي لي كل هذا بجدية واهتمام، رغم أن فارق 28 سنة يفصل بيننا. كان يأتي قليلا إلى بيتهم الواقع في اليرموك، قريبا من بيتنا، يقضي أغلب وقته في بيته الآخر. عرفته قبل أن أعرف ابنه. كنت في الحادية عشرة بالضبط، وقد استفرغت في الفصل حينها، وبكيت وأنا أطلب الذهاب للمنزل. استدعى المرشدُ عثمانَ الذي كان يعمل حينها مدرسا للصفين الخامس والسادس، وطلب منه: تقدر توصله على دربك وانت رايح للمستشفى عجزت ألقى أبوه في البلدية؟ فقال عثمان مهيب مشكلة، وربّت على رأسي وقد عرفني ثم سألني: تبي تخاويني؟ خرجنا، وركبت معه في الهايلكس الجديد الذي اشتراه قبل أيام كما قال، موديل 96، رائحة الجدة في القماش والتجليد والآلات تصيب بالخدور والسعادة. كانت الساعة الثامنة والنصف، أذكرها جيدا وأنا أرى الرقم الإلكتروني على واجهة الطبلون، وشوارع المجمعة القديمة وهي تنشط بخمولِ ورثاثة المدن الصغيرة في الصباح. أتذكر أوجه العمالة على امتداد شارع الملك فيصل، وواجهة بنك الرياض القديم، والناس تخرج وتدخل منه، ونحن نخطف بجانبه سريعا نحو السوق الداخلي، والشمس فوق عيني ترتفع في السماء وتلمع على أسطح أشياء وأماكن لم تعد موجودة الآن. هذه الذكرى قوية جدا في عقلي بشكل عجيب. لم يكن هنالك أحد في منزلنا، ولأنه يعرف والدي قال إنه سيأخذني معه إلى المنزل ويعيدني لاحقا. تخاويني للبيت؟ هاه وش رايك؟ يسألني دون أن يلتفت، يغلق عينيه نصف إغلاقة بفعل الشمس وهو يحرك بيده القوية قير السيارة. بالطبع لم يكن لديه موعد في المستشفى، كان ببساطة يريد العودة لبيته اليوم ولا خلق له للدوام. منزله الثاني، في حي الأفق، كان مهذبا ولطيفا. لازلت أذكر الشمس وهي تدخل من المنور والنوافذ وتضيء المكان بأكمله بقشرةِ الصفار الغامقة تلك التي تميز البيوت قبل الضحى. زوجته هناك، كانت في مرحلة النفاس، وابنته التي تكبرني بعام أيضا، غابت بحجة المرض الذي تلاشى سريعا بشكل سحري حسب قول والدتها. أفطرنا سويا في الغرفة، أذكر الطوفرية الاستيل وبوادي الفول والجبن. ثم لعبت مع البنت، اسمها سارة، أذكر أننا كنا نضحك ونركض، في الأسياب والأروقة والدرج ونجلس أمام نافذة ونتحرك في رقعة ضوء ونمر بروائح مميزة أكاد أشمها الآن، حمسة ولحم وقهوة، وأذكر شعور اللذة الغامرة التي أشعر بها نقية وواضحة وتتمثل في أن الوقت صباح وأنا لست في المدرسة. كانت تلك لحظة وعي عظيمة. أدخلتني على الرضيع، تسللنا ووقفنا أمامه نحدق فيه برهة، وهو يفرفش مبتسما بانعدام القدرة العصبية على السيطرة، ويبتسم لنا من سريره. ثم جلسنا أمام التلفاز مع والدها نشاهد مسلسلا وهو ينشغل بقراءة الجريدة حتى أذّن الظهر. لم أرها بعد ذلك اليوم، حتى مع أخيها لم يكن ذكرها يطرأ أبدا، لم تكن عائلتا الأب تتقاطعان كثيرا، إلى أن قابلت والدها عند مسجدنا وأنا عائد يوم الخميس إلى المجمعة من الجامعة، أثناء رحلة لفه على الدوائر الحكومية تلك، وأخبرني أن ابنته سارة ستتزوج، وأنه لم يجد الوقت للتفرغ للزواج وقد يضطر لتأجيله بسبب أخيها، وبصق سبة حاقدة عليه. كان مشغولا بذلك التفجير، ظل يبحث عن أخبار عنه، وحينما أتقن البحث عبر الكمبيوتر في أحد المقاهي التي انتشرت في المجمعة بأجار 15 ريالا للساعة، وجد صور جثث مرعبة لأطفال ونساء، وهو يجلس في ذلك الكشك المظلم ونظارة قراءته تقف على أرنبة أنفه، ممزقة ومريعة إلى حد لم يستطع استيعابه. تفل سبة حاقدة وهو يحدق في الفراغ ونحن أمام المسجد، وكأنه يبصق عليه من البعد. الله يلعنه ذا الخبل وش سوى فينا، جهنم الحمرا. ويلتفت نحوي، فأخبره أن في الأمر خطأ، وأنه يستحيل أن يكون قد فعل ما يقال. أقول ذلك دون قناعة، ويتضح له ذلك، فيهز رأسه بتواطؤ ويصمت.

الشريطي في معرض النسيم يطلب في السيارة 4 آلاف ريال. يقول إنها هنا لتنقل إلى التشليح أصلا ولم يكن يتوقع أن أحدا سيسومها. اشتريتها وحملتها بالسطحة معي إلى المجمعة. ابنتي في السادسة كشرت في وجه السيارة، وقالت وكأنها عجوز تعترض على ما اختارت ابنتها لبسه في عرس عائلي: وش ذا؟! كان صعبا وغريبا تبرير ما حدث. كنت جالسا في السيارة، بعزلها الذي لازال جيدا، ولذا الصوت منكتم ومكمم، الآخرون حولها في المعرض يبرزون من المرايا الأمامية والجانبية. كانت مثل التلفاز، وأنت تشاهد أشخاصا يقومون بأفعال واقعية ولكنهم غير حقيقيين، هم يتواجدون وراء الزجاج أو وراء الشاشة ولكنهم ليسوا فعلا هناك، أنت في السيارة ولذا الحقيقي هو ما كان في السيارة، أصواتها وروائحها، ومن ثم ذكرياتها. من الصعب وصف ما شعرت به، كنت مخدرا، كان لي في كل شبر من هذه السيارة ذكرى، وقد تم قطعها بطريقة عنيفة. أعني لقد ابتعدنا عنه عدة أشهر، ذهبنا للجامعة وجلس هو. كان يقول هذا لا يصح، والخوف لا معنى له، ويجب أن نكون رجالا، ولكن. المهم أنني لا أفكر حتى ولو مجرد تفكير في محاولة فهم ما حدث. لا أقول إننا كنا أقرب صديقين، ولكن كنا نعرف أسرار بعضنا، وهذا شيء له معنى، أعني أنه كان يعرف أسرارا لي، أما أسراره فكان يعرفها الجميع، ولكنه يشعرك أنك الوحيد التي تعرفها. كنت أجلس هناك في السيارة، وكانت كل هذه الأشياء تغمرني، ولكنها ضبابية ولا صورة لها، ولي في كل شبر منها قصة ما، تافهة وهامشية ويومية، ولو سألتني عنها لما علمت كيف أقصها عليك، لأنها فارغة تقريبا من أي تفاصيل. كان أكبر منا بثلاث سنوات وقد أعاد الثانوية مرتين. كان وجهه منحوتا، وكأنه تمثال، له عارضان فيهما عظمتان بارزتان، عيناه مدورتان وغائرتان تحت حاجبين ثقيلين، كان جميلا وقويا، وكنا جميعا نحبه، حينما يحدق فيك يبدو وكأنه يعرف أشياء لا تعرفها، وقد كان يعرف فعلا أشياء كثيرة لا نعرفها، ويعبّر عنها بطريقة تحسسك أنه رجل بالفعل، وأنه يستحق أن ينصت الآخرون له، وقد كانوا يفعلون ذلك. في روضة الخشم كنا أنا وهو وشخص يقال له سعود الكثير. وضعت الشاي على الدافور مع طلعة الصبح، وجلست هناك أتشمس في الربيع، وأنا أسمع الماء يطبخ وأشم رائحة الحشائش الندية، بين أشجار السدر المتفرقة. من بينها تستطيع رؤية خياله، يقف هناك نحو الجنوب، حيث امتداد ضوء الشمس المشرقة للتو من الخلف يصل خافتا وليس وراءه إلا السماء الصافية الواسعة مثل جبين عملاق، وهو ظل، وعلى كتفه يريح شوزلا، ويقف وهو ينتظر، بكل الأناة الرائقة الممكنة في هذا العالم. لم يكن يتحرك، تستطيع رؤية ماسورة البندقية البارزة من جسمه، وطريقة وقوفه الثابتة، وكأنه يتأمل شيئا في السماء، وفي لحظة يخيل لك أنه فزاعة. ثم يرفع الشوزل بلمحة بصر، ويطلق رصاصة نحو طائر يحلق، وترى خيال الطائر الظلي أيضا يتهاوى، وتراه يمشي نحوه، بكل هدوء، وهو لازال ظلا، يتمشى، ويلتقطه، ويتجه عائدا، نحوك، البندقية في يد والطير في الأخرى، وتكاد ترى قطرات الدم في انعكاس الضوء تسقط من أصابعه حيث يمسك الجثة.

حينما وجدوا الجثة أخيرا قالوا إنها كانت سليمة بالكامل، ولم يكن يعتريها أي شيء. لم تكن جثة شخص قام بتفجير نفسه، هكذا قالوا لوالده. أثناء جلوسه في ذلك المكتب المشمس الواسع، أخبره الرجل أن ابنه كان ضابطا في الخلية، رغم صغر سنه ما يمثل حالة لا تتكرر كثيرا، السعودي الوحيد الذي يعمل ضابطا في تلك الخلية، ولم يكن مجرد جندي كما هي العادة، وبحسب التحقيقات تم التعرف على لقبه، أبو عثمان، وقد اشتُهر بأنه من يضع خطط التفجير ويختار مواقعها، والأهم أنه يختار من ينفذها، ويخبره في ذلك المكتب المشمس أنه قد دفع بجنود سعوديين لتنفيذ عدة تفجيرات في أماكن متفرقة من العراق. قبضت عليه القوات الأمريكية، وأُعدم قبل ثلاثة أيام، رغم تأكيد الأمريكيين أنه كان اغتيالا من أحد المساجين وليس إعداما. قرر عثمان أنه لا يريد أي علاقة بالموضوع، ولم أسمع وجهة نظره، لأنه اختفى من الحارة وركن في بيته الآخر، ولم يعد يأتي إلى بيته هنا في اليرموك وإلى المسجد المجاور ليقص علي وعلى غيري ما يحدث. كل ما وصلني أنه يرفض، وأنه لن يحضر الجنازة إذا جاءت الجثة. جلسَت أشهرا قبل وصولها. وصلت أولا إلى الرياض، وتأخرت هناك، ثم شُحنت إلى المجمعة. كان مشهدا غريبا كما قلت. الوفاة حدثت منذ فترة طويلة، وصاحبَها وما صاحبها من عزاء أو تبرؤ، ولكن ها هي الجثة الآن، وها هم الناس الآن يتجمعون. أتيت من الرياض في يوم ثلاثاء، ولم ألحق على الصلاة في مسجد الديرة. كنا في أول الشتاء، والسماء مليئة بغيم أسود. في المقبرة كان عثمان موجودا، لقد أتى ووقف هناك بصمت. كان هنالك قرابة 30 شخصا في المقبرة على طريق شقراء قبل شارع الجوّ، يزيدون أو يقلون. الكل يقف بصمت وارتباك، أعرف أكثرهم. نرفع رؤوسنا كل لحظة، ونقرأ الغيم في السماء، ونخبر الذي بجانبنا: شكلها بتمطر، فيهز رأسه غالبا وهو يقرأ الغيم: شكلها. شيءٌ ما يدفعني لأن أرى الجثة، وراء الكفن، ولكن هذا لا يمكن طبعا. يقولون إن هنالك ثقبان صغيران في صدغيه، وآخران في صدره. حركة حول القبر، وتراب يرمى، ثم يبدو قبرا، وبس. عثمان يقف مثل الذي لا علاقة له بالموقف. سلمت عليه بالتواطؤ المعتاد الذي يوحي بوجود سر بيننا، وطرأت سارة في بالي، فسألته: عسى العرس بيتم الحين انشالله؟ كنت في الثانية والعشرين، وأنهيت السنة الثانية من قسم اللغة العربية في جامعة سعود، أسكن في شقة، ولدي سيارة أمسك بها خطوطا سريعة، وأصدقاء جدد، كنت قد بدأت أشعر أنني رجل فعلا. ابتسم وقال لي بنفس التواطؤ: قريب انشالله. لم أرى عثمان بعد ذلك اليوم. لم يعد يأتي إلى بيته الأول في حي اليرموك، ولم يدعنا إلى عرس ابنته، ولو فعل ذلك لا أظن أنني أو والدي أو إخواني كنا سنذهب. ربما رأيته ذات مرة في مطعم اسكندرون، قبل سنة، ولكنني لست متأكدا، كان الوقت بعد العشاء على رصيف الشارع العام المزدحم أمام أسواق الراية، وكان هو يقف ودائرة صلع تنحت يافوخه ويغطيها شعر أبيض مقصوص، وأنا لا أرى إلى مؤخرة رأسه ووقفته المحدودبة، أظنه هو. تغديت مع أهلي في ذلك الثلاثاء، وخرجت العصر أجلس بملل على عتبة المنزل، وأحدق في الحركة الرتيبة لشارع الأربعين على يميني، والسيارات التي تأتي منه إلى سكتنا، والأوجه المختلفة التي تمر برثاثة المدن الصغيرة نفسها. وهناك على بعد 300 متر حيث كان منزلهم، تقف الهايلكس. كان عمري اثنان وعشرين عاما ولدي شقة خاصة وأصدقاء جدد، وكنت رجلا، وأنا الآن أكثر من رجل، رجل بشيب يغطي صدغيه وثلاثة أطفال.

لم يبدو منظر السيارة غريبا إلا حينما خرجت في الصباح، ومعي أطفالي. كانت تقف هناك، في الطرف الآخر من الشارع، والضوء المشع يلمع فوق تندتها، ويسطع على نوافذها. قررت الذهاب بهم إلى المدرسة فيها. لم أقد سيارة بقير عادي منذ سنوات. روضة ومدرستان بجانب بعضهن، ومن هناك إلى شارع الملك فيصل، حيث بنك الرياض القديم الذي بقيت بنايته منذ سنوات كما هي متروكة للذكرى، وحيث الأشياء والأماكن التي لم تعد موجودة، ومنه إلى السوق الداخلي، الذي كان مغلقا، ولا أحد من العمالة قد بدأ يمشي فيه، والرثاثة الهادئة لمدينة لم تعد صغيرة مثل الماضي ولكن تظل صغيرة بشكل أو بآخر لازالت موجودة. أمسكت طريق شقراء، وأنزلت النافذة. الشمس ترتفع كرة صفراء فوق بيوت الطين القديمة التي تحولت إلى عزب مأهولة، وفوق جدار المقبرة المفتوحة حيث دُفن قبل 11 عاما، وتحطّ على رؤوس النخل في شارع الجوّ. كان الهواء يهف على وجهي وشعري. لم أستطع الوصول بها إلى سرعة مئة كيلو، كانت تصدر حينها أصواتا مزعجة. كنت أسير خمسين فحسب، ولكنني لم أدري بنفسي إلا وأنا أنحدر من نزلة وْشَيّ، بين الجبال التي يشقها الطريق الإسفلتي، والمزارع التي تركت لأيام الويكند، حيث يلوح فيها هندي وحيد مع ثلاث نعجات وبقرة، وتتجاوزها إلى المرتفع المشقوق وسط الجبال أيضا، وتجد نفسك متجها نحو الداهنة، حيث تلوح على يمينك غرف عتيقة للرعي، ومزارع مسيجة ومهملة، ولا أحد في الطريق، أنت والدركسون فقط، والشمس ترافقك وهي ترتفع. كنا في الطريق نحو وادي الدواسر، أنا وهو فقط، ولا أذكر لماذا. الطريق مظلم، ذلك النوع من الظلمة الدامسة التي تبدو مثل صبغة “بوية”، حتى ضوء الهايلكس، الكبسان المشعان يرتطمان باللون ويتكسر نورهما، وتستطيع رؤية شظايا تهشمهما أمامك. وكان يتحدث، بنبرته الرخوة الهادئة تلك، وبلغته التي تنساب متناسقة بلا نتوء وكأنه يقرأ من كتاب. ظلام وصوت، صوته وصوت الطريق. لا تستطيع رؤيته، حتى إذا التفت عليه، وحاولت، كان مختفيا في الظلام، مثلي، مثل كل شيء هناك في تلك اللحظة، وسيخيل إليك أنك ترى حوافا لوجه وابتسامة وملامح، ولكنك لست متأكدا هل ترى ذلك أم أنك توهم، وسيحدث ذلك الشك قشعريرة غريبة في جلدك. ويتحدث، بتلك الانسيابية الاستطرادية عن أشياء غريبة لم أفكر فيها من قبل، ولن أفكر فيها إلا بعد عدة سنوات وأنا أكبر وأشيب. يتحدث في زاوية الظلام الحوافية تلك، وكأنه شبحٌ أو جني، أو شيطان. ثم أذكر أنه أغلق نور السيارة، وصرنا نمشي في تلك الظلمة اللونية، وأنا أصرخ فيه يا مهبول بتذبحنا، ولا أستطيع رؤيته، وهو يقول إننا مثل الذين يسيرون في النوم ولاشيء أظلم من النوم.

في العصر أعطيت السيارة باكستانيا أعرفه يعمل في محل إصلاح مكيفات بجانب بيت أهلي في اليرموك، وأخذت منه 500 ريال عليها وأخبرته أنني سأتكفل بنقل الملكية. قال إنه سيضعها في مزرعة لكفيله، ورحل بها. سألتني ابنتي في الصباح التالي: وين هذيك السيارة الخردة يبه؟ استنكرت باستغراب: وشو؟ ثم تذكرت فقلت إيه الهايلكس، بعتها أمس خلاص. كان صباحٌ جديد قد خرج، وكنت لوهلة قد نسيتها فعلا، وقد فاجأني ذلك وأشعرني بارتياح وأنا أقطع الرثاثة الصبحية نفسها للمدينة متجها إلى الروضة والمدرستين، وأرى دمياتي الصغيرة تنزل من سيارتي تركض أمامي، وأبتسم بامتنان. كل شيء قد انتهى.

“… من طلعة الغاط إلى القصيم ومن جبل شمر إلى عرعر ومنها للحد ثم على امتداد الحد للكويت ومنها للخفجي ومن الخفجي لامتداد الحسا ومنها للخبر إلى الساحل ومن الساحل إلى تحت تحت تحت ألين عمان ألين اليمن ألين الجنوب ألين عسير ثم ترقى ثانية ألين تلمس الحد ولا توقف هالمرة عند الحد ترقى منه إلى الشام إلى العراق إلى إلى إلى. خل الطريق وراك ياكل كل اللي تعديته ولا توقف. هيه. أنت. نايم؟ تستهبل. خادر ليه؟ الحين الجو ذا يجيب النوم؟ يا حبيبي ما فيه أحلى من قضبة الخط في الليل وسواليف الليل قم سولف بس. تبي نوقف عند السليل؟ قم ياللهصحصح. وانت لازم يعني تشوف شي عشان تشوف؟ طيب شف اذا سكرت النور …”.


من الهامش.. إنتروبي

كان يسوع، وهو يقود ركبا من العبيد، يتجه في طريقه إلى أنطاكية، التي لم يزرها منذ أن زحف البارثيون للاستيلاء عليها. قابل حول باب المدينة جيش يوليوس قيصر العائد من الاسكندرية بعد أن لحق ببومبيوس الذي كان قد فر إليها إثر هزيمته في معركة فارسلوس. احتفلت المدينة بزيارة القيصر التي صادفت الذكرى السنوية لتأسيسها على يد سلوقس نيكتاتور. استقر يسوع في أنطاكية، يعمل تاجرا في سوق النخاسة. تزوج امرأة تدعى هيلانة، تعمل في الخياطة، وأنجب خمسة أبناء. لا يشيخ، علامات شيب في صدغه لا تزيد، تجعدات ثلاثينية لا تتغير، يربط أصله بأب يدعى يوحنا، عمل كل عمره نجارا في بيت لحم. بعد أربعين سنة، وفي الوقت المحدد، خرج من المدينة بعد أن ودع زوجته التي شاخت وأبناءه الذين يبدون مثل إخوته، مدعيا أنه سيقوم برحلة تجارية إلى اليمن. قسم أمواله، وأخذ نصفها، وترك الباقي لعائلته.

استقر في أورشليم، واختار أن يعمل بائعا للأقمشة. لم يرى ضرورة لتغيير اسمه أو قصته. كثّف علاقاته مع الحكام الرومان للمنطقة، بحكم معرفته بطبيعتهم وعاداتهم أثناء فترة استقرار سابقة في روما، وصار بعد مدة حلقة وصل بينهم وبين الأمم اللامجنسة رومانيا. حضر عدة اجتماعات ليهود غاضبين على الاحتلال الروماني، جلس في حلقات يقودها مبشرون جدد ينشرون يهودية جديدة ويجوبون القرى عابرين في شقاء زاهد، جلس مع مسؤولين رومان يتحدثون عن خطر الغفلة عن سياسات الهيكل أو ثورات الشعب الغاضب. ولكنه ظل في الحياد، لا أحد يعرف عنه شيئا مهما. تزوج امرأة تدعى مريم، وأنجب ثلاثة أطفال. بلغه اللغط الذي أثير حول ابن نجار خرج من الناصرة، يدعى يسوع. يتندر به الناس حول تشابه الاسم ومهنة الأب، فيبتسم بصمته المعتاد، ويطالب الآخرين بلغته المغمغمة المترصدة ألا يورطوه في الأمر. استدعاه رجل من حاشية بيلاطس البنطي، وأدخله على الوالي الروماني لولاية يهوذا في قلعة أنطونيو الملتصقة بزاوية المعبد. “يا لها من إهانة” أخبره ذات يوم جوال يهودي يبشر بيهودية جديدة أيضا. “أن يسكن رجل كهذا في المعبد، يا للعار!”. سأله بيلاطس عدة أسئلة عما يروِّج له الشاب الغامض، بعد أن عجز عن فهمه وفشل في التخلص منه إلى نظيره أغريباس حاكم ولاية الجليل. ولكن يسوع تحاشى أن يخبره بشيء، أخبره فقط أنه سمع مثل غيره بهؤلاء الجوالين المبشرين بدين جديد. سأله بيلاطس إن كان يريد مقابلة الفتى، علّه يفهم ما الذي يروج له بالضبط، ولكن يسوع رفض بعناد كاد أن يسقطه في غضبة بيلاطس. وقف منزويا وسط ثلة المتجمهرين المتبطلين في تل الجلجثة، وراقب الشاب يصلب، ويموت ببطء، والجميع يتبعثر بخمول عن المكان. لقد رأى ستة كهؤلاء يصلبون بنفس الطريقة. أغلق المحل، ونأى بنفسه مدة من الزمن. وحينما خرج وفتح المحل مرة أخرى، كان قد هيأ كل شيء حوله ليساعده على أن يكون هامشيا وغير ملحوظ قدر الإمكان، وقد تم له ذلك، حيث عاد إلى حياته حتى أكمل الأربعين سنة، ثم خرج من أورشليم بحزمة ثياب وأموال قليلة، مدعيا السفر لأنطاكية، تاركا كل ما بقي لعائلته.

ابتاع مزرعة على حواف مدينة إيلا (العقبة)، واستقر هناك في عزلة غامضة. تسمى باسم غريب خارج عن سياق المكان، حمورابي، فسماه الجميع “الدخيل”. كان يزرع البلح ويبيعه إلى تجار المدينة الذين يأتون لشرائه، ولا يكاد يختلط ببشر غيرهم. مر به جوال يهودي آخر يبشر بدين جديد، استضافه في كوخه الصغير وظل طوال الليل ينصت له تحت ضوء الشمعة. “سينزل الله، وسيزيل الظلم” يقول له، ولكن حمورابي لا يرد، يتكئ على يده أمام طاولة خشب نحتها من شجرة صفصاف، تخطط وجهَه صفرةُ الشمعة الداكنة. “لا تقل لي كيف سينزل، ولكنه سيفعل” صوته في الصمت الريفي المعزول رخيم وناعم، وجهه الشاحب بالتعب تلوح من ورائه نعومة رفاهية قديمة. “إنك لا تتحدث كثيرا يا سيد” يقول الجوال المتوقد مبتسما، فيبتسم حمورابي ويرفع يده عن فمه ويقول بزفرة اعتذارية “لا”. ويختفي الشاب في الصباح، ويواصل هو زراعة البلح، والجلوس أمام طاولة البلوط كل ليلة. يستيقظ أحيانا ليراقب الشروق من فوق تل صخري صغير، وينحت مزيدا من الطاولات من أشجار صفصاف قريبة. ويستغرق وقتا طويلا في طبخ طبق من الجبن والكوسة ولحم الضأن، وهو يشمه كل لحظة ثم يأكله ببطء يقارب الصلاة. تصله عن تجار المدينة أخبار الثورات التي تقوم بها عصبة تتبع “المشايح”، ولا يعلم أيهم هو، هل قابله ذات يوم؟ هل هو الشاب الذي جاءه قبل سنوات هنا؟ أم أنه الذي استدعاه بيلاطس ليسأله عنه؟ أم أنه آخر من الذين صُلبوا على تل الجلجثة؟ أم شيء مختلف تماما؟ ينصت لهم وهم يحملون أكياس البلح، ويكتفي بالصمت محدقا في الفراغ، ويتمتم أحيانا بعبارات مسايرة لاسياقية. عاش 100 سنة هناك، حتى سرى ذكره في الأقطار، الرجل الذي لا يشيخ، وصار يزوره رجال عابرون على طرق السفر والحج، يبحثون عن حكمة أو معلومة أو صورة ما. فحزم أمتعته، وخرج من إيلا.

 

―――――――――

 

في مدينة أسبالطو على ساحل الأدرياتيكي في دلماسيا، كان معروفا باسم يوليوس. يحمل الطوب والحديد والنحاس والذهب لبناء قصر الإمبراطور الروماني ديوكلتيانوس. مئات من البشر يحتشدون هناك، يتحركون مثل خلية النحل. يتعالا البناء مرتفعا ويتوسع متمددا، يرف على منحدرات الكراست المتصدعة بجانب البحر، ويزحف ظلُّه المتطاول فوق المسافات يوما إثر يوم. في أوقات فراغه يسير في التلال الجيرية التي تتخللها بحيرات زرقاء شديدة الزرقة في أول الصباح، والريح التي تتنقل بين فصل السنة قارصةً في الشتاء ودافئة في الربيع تجري على يديه وقدميه المتشققتين. يسهرون على ضفاف الأدرياتيكي، رجال أشداء قساة من مناطق مختلفة في العالم، يجمعهم هدف واحد، بيتٌ لعطلة رجل واحد. يموت منهم أناس ويهرب منهم آخرون. مرت عشر سنوات وهو يحمل الطوب والحديد والنحاس والذهب حتى اكتمل الصرح الكبير المهيأ لتقاعد ديوكلتيانوس، حيث عاش فيه عشر سنوات أيضا. رحل يوليوس من أسبالطو وقد كان جاءها من رحلة ممتدة على طول الهلال الخصيب إلى دلماسيا. كان اسمه فيها مختلفا دائما. تزوج خلالها مرتين، وأنجب ثلاثة أبناء. ولكنه لم يكن يجلس أربعين سنة، كان يرتحل فجأة في غسق الليل أو في ذروة النهار، ويتوجه إلى مدينة بعيدة. يخرج الآن راكبا حمارا يحمل عليه متاعا مكوما في صرة قماشية، يسير في المساحات التي تشكّل مسطحات خضراء تحفرها مواطئ حجاج نحتوا آثار سفرهم عليها، وتصّعد إلى تلال متجيرة تحفها أشجار صنوبر طويلة في امتداد غابات شاسعة. يمر بقرى مثل الحلم، تلوح فوانيسها في الليل وتفوح روائحها في النهار دخانية وسط كل هذه العزلة النائية في الامتداد التضاريسي المتعرج، وتظهر الأوجه البشرية وهي تحدق بإرهاق في المرتحل الذي يعبر طريق السفر، ولكنه لا يدخل، يظل يقطع المسافات نزولا من دلماسيا إلى البلقان، ومنها إلى بلغاريا، وحتى الأناضول. يتكسر الزمن في تراتبية الشمس والظلام، ويصير الوقت شعاعا وظلالا، نورا وسوادا، مجرد ألوان تحدث ولا مسار لها أو غائية من ورائها، حيث تتواطؤ التضاريس معه إذ تقلده في الثبات، ويتواطؤ معها بأن يتحمل مثلها في المسطحات والمستنقعات والغابات زمهريرَ الشتاء وجفاف الصيف. مات حماره منذ مدة، وهو يرتقي جبال رودروب وشار والألب الوعرة حيث يصادف جثثا لمسافرين أو مغامرين انقرضوا هنا. يلجأ إلى مبيت بين أشجار متكالبة التيجان تبدو مثل سقف لا يعبر منه خيط ضوء أو ندفة ثلج، ويرى وحوشا تمر وتتسلق في الخفاء. ويُقتل ولكن لا يموت. يعيش مدة على ضفاف أنهار الدانوب ودرينا. ويصل إلى مرحلة من الصمت لدرجة أنه يرى الأفكار الأفكار التي تدور في عقله، ويشم تفاصيل المشاهد التي ترافقها، وحينما يمر بفنار منعزل على حافة بحر المرمرة ويقابل الرجل الذي يعمل فيه، يجلسان هناك بصمت أمام النار، ولا أحد منهما يعرف كيف يتحدث، ويمر الوقت محملا بالرثاثة التي مسح السكونُ الطويل الكامن فيها كل قدرة على التعبير الفصيح، ولم يبقى إلا الجمل المتقطعة المنهكة واللامبالية. يقول الرجل والنار تهسهس إن هنالك بدوا في خيام تحت جبل يقال له رمس. يشرب إيردن – الاسم الذي اتخذه حينما سأله الرجل عن اسمه – مشروبا غريبا، ولكن لا يسأل ما هو. يستعرض الرجلُ الذي يقول إنه نَـفى نفسه إلى هنا لأنه ارتكب إثما فظيعا كيفيةَ عمل الفنار، كيف يشع الضوء ليدل البحارين على الاتجاهات، ويقفان أمام الكوة ليراقبا الوتد الأفقي المنير وهو يخترق اللون الأسود مثل حبل غسيل، وخريرُ البحر والمد والجزر يتكسر مظلما تحتهما. مر على البدو في رمس، وظنوا للحظة أنه منهم وأنهم لسبب ما فادح لا يتذكرونه، وحينما اكتشفوا أنه يشبههم فقط كان الوقت قد فات عن سحب ثقتهم بهذا الغريب، على اعتبار أن العاطفة التواطئية شيء لا يسحب بسهولة. عمل لديهم عدة أشهر، تزوج فتاة في الخامسة عشرة، ونام معها أول ليلة في خيمة لوحدهما، وعلمها أشياء كثيرة كانت تقابلها بالضحك الخجول أولا ثم بالهيجان المليء بالحب والعاطفة والتصابي، حتى حبلت منه. وحينما هب الشتاء قارصا فوق الهضاب المتشعبة قبل هادريانوبوليس ارتحلوا نحو المدينة، ولكن عاصفة ثلجية انفجرت في هزيع الليل، مسحت كل رؤية وحولت المسافات المحيطة بهم إلى رقعة بياض جحيمي وطمست الأصواتَ والأبصار إلى حد ضياع كلي محتجزٍ في عجز وعدم إدراك كاملين. وحينما اعتدل الجو واستفاق هو من نومه كانوا قد تفرقوا، يقف لوحده تحت صخرة عملاقة محدودبة فوق تل. ظل يحدق في المسافة المصبوغة بنثار الثلج المتعلق في الهواء بحثا عن أثر، والصفير الحاد للصمت الذي يعقب عاصفة، وحينما لم يجده، بوجهه المصبوغ بالصقيع وعينيه المجروحتين بلسعات البرد، استسلم خاير بين الاتجاهات الأربعة واختار شمالا. مضى يغرس قدميه في البياض الساطع المعمي، إلى أن صادف آثارا فوقه متجهة إلى وجهته، حدق فيها عدة لحظات، وتعرف فيها عليهم، ولكنه استدار واتجه جنوبا.

 

―――――――――

 

كانت كنيسة بدائية قبيل أنطاكية بمسيرة يومين أثناء حروب الساسانيين والبيزنطيين، وفيها أناس يبدون مثل المشردين، يشبهون النبي الذي زاره في مزرعته في إيلا والآخر الذي صلب على الجلجثة. كان قد توقف هنا وهو بين أشجار الزان العالية، قادما من قرية لم تعد موجودة بعد أن أٌحرقت بالكامل. الجنود الساسانيون الذين اقتحموها اغتصبوا النساء وقتلوا الأطفال ثم صلبوا الرجال ليموتوا صبرا. وهو الآن بعد مقتلةٍ ومسيرة يومين يقف ملطخا بالدم، دمه ودم زوجته وأبنائه الثلاثة. كان البناء مشيدا بالخشب مثل كوخ. ارتقى في منحدراتٍ تخشخش بتراب داكن يختلط فيه أثر بياض الثلج بالأوراق المصفرة في امتزاج مبكر بين الخريف والشتاء. ومر على انعطافات وديانية خندقية تجثو فوقها أشجار زان وكأنها تزف الماء الذي يسير داخلها ويتجمد في الشتاء. وقطع المسافات المملوءة بحيوانات غريبة وشجيرات مثمرة وسراديب مبقورة في الأرض. حتى وصل فجأة إلى ذلك البناء الخشبي، الذي يقف هكذا في الغابة، وكأنه نبت من الشجر نفسه. كان الذين يجلسون فيه يتدثرون بقمصان ممزقة وبناطيل مشققة، وعلى أوجههم لطخاتُ قذارة وبقعُ تورّمٍ وتقرح، وفي المكان رائحة بيض متعفن. أحدهم همس له “رؤيته تتطلب منك أن تنتظر طويلا”، حدق فيه ولم يقل شيئا، فاستطرد الرجل بفمه الخالي من الأسنان ووجهه المتحفر “أنت إذن لست من هنا؟! اسمع يا هذا، لن يخرج لك حواري عاش منذ المسيحية المبكرة قبل مئات السنوات بمجرد حضورك، بعضنا ينتظر هنا منذ عقود. هيا اذهب!”. أخذ يحدق بوجوم حاد داخل الكنيسة، ويفكر في هذا الذي لم يمت منذ سنوات. يراوح النظر بين المكان والأشخاص، وتعلو فمه تكشيرة تحتل نظرة التفحص، ويخرج متفكرا. يحدق في البناء الخشبي الغريب حيث يقف بخشوع وسط الطبيعة، ويكتشف أن وراءه بحيرة محوطة بأشجار سنديان متشابكة وشديدة الخضرة، وكأنها تصلي لجثة الماء. سار على الحافة نحو الضفة المجانبة، ووقف يحدق. البناء على يساره، الشجر واقفٌ وهو يركع قليلا إلى الأمام، والماء يتلألأ نقيا مثل سماء أخرى. صوت الخرير والنسيم الذي يتخلل الأغصان، ورائحة الورق المبتل والأرض الخشخاشية. هنالك ندف ثلج بدأت تسقط ببطء شديد، تسبح في البحيرة التي تغشي وتنبض. سمع أصواتا خافتة جدا، حدق متفحصا في المكان، وحينها بدأت الأصوات ترتفع. صوتان بالتحديد، امرأة ورجل. رأى شبح جسديهما أمامه بين أشجار السنديان المُصلِّية. الرجل مستلق على سجاد، والمرأة جالسة فوقه. عاريان. الرجل ينيكها مرتفعا ومنخفضا بقوة وخصيتاه تهتزان وكأنهما ستنفصلان من قوة الدفع، والمرأة تقفز فوق ذكره وإليتاها الكبيرتان تترجرجان بفعل الارتقاء والانخفاض السريعين، وهي تصرخ بصوت حاد “رباه رباه”، بينما الرجل يجلجل صاخبا “رباه رباه”. أخذ يحدق جامدا فيهما بعينين مزمومتين. انتبه لشيء يتحرك بجانبه، التفت ببطء، وإذا بمسنٍّ قذر يقف على بعد مترين عن يمينه، أخرج ذكره من بنطاله وبدأ يدعكه، وهو يراقب الرجل والمرأة. التفت المسن القذر ببطء وقد أحس بنظرات تجرح صدغه، وحدقا في بعضهما بحيادية وتورط، ثم عاد القذر ببساطة ودون تعبير أو ردة فعل لدعك ذكره الكبير النائم محدقا في المرأة والرجل وقد غيّرا وضعيتهما حيث انبطحت هي رافعةً عجيزتها واعتلاها هو مثل حيوان ضخم ومشعر. التفت إلى الخلف في محاولة لمعرفة مكان خروج هذا الرجل القذر الغامض، فلاحظ أن هنالك قرية كبيرة حيث تنقطع غابة السنديان هذه، وأن البناء الخشبي هذا لم ينبت من الشجر نفسه، وأن هنالك حياة وحركة قذرة على مقربة منه. وقف يحدق في القرية، والبحيرة قد اختبأت خلف ستارة الشجر الراكع عليها وخبأت معها منظر الكوخ والمتنايكان والمستمني وأصواتهم، ويرى أناسا يتحركون في أزقة طينية وحلية في المنحدر تحته.

 

―――――――――

 

في الحيرة كان مسيحيا نسطوريا يدعى يعقوب. تزوج فتاة صغيرة في السادسة عشرة من عمرها، وعمل حطابا يجوب حواف المدينة منذ الصباح ليقتلع أشجار البلوط والحوَر ويحملها على ظهر حماره، ثم افتتح دكانا يبيع فيه أواني الفخار التي صار يصنعها بيده. في اليوم الذي أتم فيه أربعين سنة، اعتزل في غرفة لديه، وفرض على عائلته ألا يقاطعوا خلوته، وجلس هناك دون صوت، وحينما خرج في الليلة الثالثة لم يخبر زوجته أن عليه السفر، بل جلس على سفرة العشاء وأكل معهم. مكث عشر سنوات أخرى، سقطت أسنان زوجته، كبر أبناؤه، صار يستقبل مع الوقت نظرات وتلميحات غامضة يُشيح عنها صامتا. إلى أن جاءه رجل ذات عصر وهو في دكانه، وقف أمامه، تبدو عليه وعثاء السفر وكآبة المنظر، سأله يعقوب إن كان يريد شيئا، فازدردر الرجل ريقه بما يشبه الوجل، ثم قال له لقد أتيت من مكان بعيد، ولي ابن مريض، ولا أريد إلا بركتك. جلس في الليلة حينها على سفرة الطعام، وأخبر زوجته وأبناءه أن عليه السفر.

في الطريق بعيدا عن الحيرة، كان الكلام قد كثر عن وفاة النبي العربي بعيدا في الحجاز. هبت رياح عاتية كادت تقتلع أشجار اليوكاليبتوس العملاقة من جذورها وتطوح بها، فاختبأ في كهف يؤدي إلى مغارة فيها عظام متحللة لجثث حيوانية وبشرية، وحينما هدأت الريح بعد يومين، لم يغادر الكهف، جلس فيه عدة أشهر، يصيد وعولا في المفازات المطلقة التي تمتد إلى الفرات، يحمل الماء لساعات طوال من النهر عائدا إلى الكهف، ويجلس في العصر محدقا في الفراغ، حيث يعبر مسافرون من طريق حفرته الأرجل بعيدا عنه، ويرى خيالاتهم المائية وهي تتهادى أمام الأفق المنكفئ وراءهم. ثم غادر ذات صباح بعد أن رأى في السحاب القزعي المتشكل في الشروق أشكالا متموجة، حيث كان هنالك خطان سحابيان كثيفان يسيران متقابلين وبينهما مجرى فراغ ملأه شعاعُ شمس أصفر، وكأنه نهر ذهبي مصهور بين ضفتين من ثلج. سار في طريق محدد، يتبع النجم، ويراقب السماء، يحسب الجبال ويعد الفراسخ في عقله، حتى وصل. لم يكن هنالك نهر، لقد غير الفرات مساره. ولكن آثارا مطمورة في التراب تبرز مثل الجثث المدفونة. كان الوقت غسقا، والصفرة الحمراء تغطي الآثار المقبورة وتتمايز مع فيء الأصيل الشفيف. ظل لأسابيع يحفر. تقتله شدة التعب والعطش، ولكنه لا يموت. ثم هطل المطر فخزن مياها وصاد أرانب وطيورا تحلق كل فجر في السماء. وظل يحفر. لم يكن يحدق فيما يحفره، يجلس مع غروب الشمس تحت ظل صخرة بيدين عليهما آثار دماء وهو يشرب ماء ويحدق في الفراغ، ثم ينام حتى قبيل الفجر. إلى أن وصل إلى نقطة لم يعد يظن أن باستطاعته أن يتجاوزها، توقف، وأخذ فرصته لأن يتراجع إلى الخلف ويحدق في الصورة. كان قد حفر شارعا صغيرا من مدينة كاملة لازالت مطمورة. أخذ يسير بين الجدران والبيوت، بنظرة حياد لا تعبير فيه. منازل مهدمة في شوارع ضيقة، وأخرى سليمة، تغطي كُتل التراب المتعقد أُسكُفّات الأبواب وحواف النوافذ. وقف في بقعة ترابية مدفونة، حدق فيها طويلا وهو يحسب المسافة في عقله. حفرها طوال الليل، حتى وصل مع الفجر إلى عمق اختفى فيه رأسه. وجد أولا لوحا عليه كتابة مسمارية تشير إلى وفاة الملك السومري أورنمو، لمس الحروف المحفورة بيده، يرتسم على ملامحه جمود تذكر عميق. حفر في عدة أمكنة، استخرج أوعية نحاسية وسجادات وسيوفا. دار المكان بحثا عن أثر لشيء لم يعد موجودا، ظل يبحث عنه حتى استسلم، فاستقر بالأغراض التي استخرجها في غرفة مدفونة صارت مثل سرداب يلج إليها من فتحة في الأرض. احتفر بئرا، واشتغل بالصيد، وطرد الخفافيش بالنار. عاش في الجحر أكثر من مائة وخمسين سنة تقريبا.

 

―――――――――

 

كان الوقت ظهرا، وهو لازال في بغداد. اسمه الوليد، تسمى به بعد وفاة صديقه صريع الغواني قبل قرن تقريبا، حينما كان يحضر مجلسه في البصرة وكان اسمه حماد. لم يتزوج، يتعشق مغنية في الكوفة ويخسر عليها نصف معيشته، اعتاد أن يضرب لها الطريق بعد صلاة الجمعة ليجلسا على طيار في الفرات، يقطعان ما بين الضفتين حتى تقسب الشمس، وهما يتسامران ويشربان النبيذ ويتبادلان الرضاب ويتمطقان بهما بينما تنحدر الشمس من فوقهما صفراء في سكنة النهر والغروب، حيث ترف أشجار صفصاف طويلة على ضفتي الماء ويلوح مترجلون يجوبون المساحات أزواجا وأصدقاء وعشاقا وعائلات. ثم يذهبان إلى دكاكين السوقة على الضفة الأخرى ويشتري لها القماش والأساور وهما يتمشيان بين الحرير والفوانيس والأوجه المألوفة. في الصيف كان هنالك مجمع لمغنين يجلسون في امتداد منعزل على ضفاف الفرات ليلة كل جمعة، وقد افترشوا الرمل وضمّخوا أنفسهم بخلوق رخيص، وكانا يأويان إليهم وهو يعرف أجدادهم منذ أيام البصرة. يسهران هناك وينصتان لعمر بن أبي ربيعة وأبي نواس وصريع الغواني يعودون إلى الحياة، والجسد في الجسد، والخمرة في اليد واللسان، والنار تلوّن المكان بوميض أصفر متورد ينبض فوق الوجوه المحمرة الباسمة. أما في الشتاء فكانوا يلجؤون إلى ضيعة أحدهم ويسهرون هناك في خلوة الدفئ. كان يقضي الأيام في انتظار يوم الجمعة هذا وهو يعمل حاجبا في ديوان الوزارة. وذات يوم خرج من بغداد وقد حضر الخطبة وصلى وولى وجهه نحو الكوفة. كان الوقت في أول الشتاء، وقد بدأ مطر يندف متقطعا على طول الطريق. تمر برستاق تلوح فوقه شمس يسيح ضوءها بين الغيوم وتذكر بالصيف، ثم تغطيك سحابة ساطعة فوق بطحاء ترقعها شجيرات الأثل والسوس والعاقول وتتساقط فوق رأسك حبيبات المطر مثل القطن، تعقبها نفحة ربيع لازال يقاوم إذ يمد ساق نسيم فاتر نحوك وأنت تقطع سهلا يتموج بأشجار اللوز. وكأنك تمشي بين الفصول. يمشي بخيله الذي يسميه متندرا والبةُ بن الحباب مستمتعا دون خبب، وقد تغطى بدثار صوفي فوق رأسه. رأى عند رستاق أطفالا يلعبون بسيوف من خشب، استوقفه أحدهم ليجلب سيفا رمى به صاحبه في مرتقى تل وعر بصخور جرانيتية. وقف وتسلق التل وجلب السيف ثم نزل. أخذ يلاعبهم مدة من الوقت  وهو يشرح لهم كيف يتحركون أثناء الإمساك بالسيف، وسط ندف ماء تنبعث من السحاب خفيفة جدا مثل رذاذ البحر عند واجهة السفينة، ويوضح أن أهم ما في القتال بالسيوف هي حركة الأقدام، ويستعرض ذلك بالتطبيق عليهم. ركب أخيرا خيله ومضى. مر بمفازة صلصالية في بُعدها الطارف شجرة برتقال. حاد عن الطريق نحوها. كان ظلُّ الغيمة التي فوقها يظللها. قطّع له برتقالة وأخذ يأكلها وهو يحدق في البعد، حيث تتشابه الصور المتطابقة للتلال المتلاصقة في المدى، ومن فرجات السحاب عواميد ضوء حادة الأبعاد وكأنها أوتاد تمنع السماء من السقوط. قبيل الكوفة وقد ابتعد عن الطريق الذي نحتته حوافر المسافرين، صادف بستانا كبيرا يحوطه سور عليه بوابة كبيرة مشرعة، وبجانبها نُحت على الجدار “كُلُوا واشْرَبُوا ولا تعْثُوا فِي الأرْضِ مُفسِدِين”. كان البستان عبارة عن متاهة ضخمة من الأشجار والشجيرات، برتقال وتفاح وليمون وعنب وكرز، وأثناء المسارات مصاطب للجلوس مزينةٌ بالورود. مر بكرْم تلوح من بين حصرمه عناقيد ناضجة، قطفها وأخذ يلتهم منها وهو يمشي. مر بمسار فيه قواديس معلقة على طول الإنسان، توازي أرنبةَ أنفه، مليئةٌ بالخمر، تفك صرتها فتقطر حبيبات النبيذ نحو الفم وأنت تحتها. وصل أخيرا إلى نهاية السور وقد نُحت عليه “فَكُلُوا مِمَّا رزَقَكُمُ اللَّه حلَالًا طيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَة اللَّه إِنْ كُنْتم إِيَّاهُ تَعْبُدون”، فعاد إلى البوابة المشرعة وركب خيله ومضى. حينما وصل إلى الكوفة في الأصيل اتجه إلى بيتها. لاحظ أن لديها رجلا آخر، فذهب إلى سوق خرازين مجاور فيه حركة هادئة قبيل الأذان، وأخذ يتأمل خرازا يثقب لؤلؤا مستخدما النار، يعمل منكبا بكامل تركيزه فوق القطعة الصغيرة تحت عينيه، وقد احدودب وكأن العالم منكفء بين يديه. صلى المغرب مع الجماعة وعاد إلى البيت فكان الرجل قد خرج، والفتاة تجلس أمام مرآة وتمشط شعرها. حينما رأته في المرآة التفتت ووجهها يشرق بابتسامة مبتهجة وسألته: متى أتيت؟ فرد: الآن. فعادت لتمشط شعرها أمام المرآة مبتسمة بألق: كذاب.

 

―――――――――

 

في رستاق قبيل بغداد، كانت هنالك عدة بيوت طينية صغيرة، مرقعة فوق بقعة تلالية من الأرض. يعملون في زراعة البلح، وبعضهم يشتغل في صناعة النبيذ. من بينهم رجل يدعى مرزوق. يعمل فلاحا. أتى إلى هنا ولا أحد يعرف من أين أتى. عمل عشر سنوات في حقل صغير لرجل يدعى أبو الفضل، تزوج ابنته مروانة، وورث الحقل بعد وفاة حماه، وأنجب ابنا وفتاتين. في تمام الساعة الخامسة صباحا من كل يوم، يستيقظ. الغشاء الأزرق للبكور يلوح رقيقا ونقيا في خريف الرستاق. يجلس على طرف فراشه، والنافذتان المحفورتان في جدار الطين مشرعتان على القرية النائمة. لا يتحرك، يسمح للمكان أن يتكوم من حوله. الهالة الزرقاء، الصمت الشفيف، أصوات القرية: العصافير وصرير الأبواب وحفيف الهواء، والروائح: الحليب ورطوبة الزرع الندي. وصلت للرستاق أنباء زحف المغول. تلقف سيفه وأخذ خيله ومضى في الاتجاه التي أتت منه الأخبار غربا. ارتقى قبيل نهر الدجيل جبلا مرتفعا، وجلس هناك ساعات وضباب الصباح الباكر يثقل مثل القطن ثم يتلاشى قطعة قطعة، فيكشف في الأسفل جيشا عظيما لا نهاية له. انخرط وسطه، وسمع لغات عديدة تُنطق فيه، ورأى أوجها كالحة يعرفها وسيوفا تلمع وقد نظفها أصحابها. عاد إلى الرستاق، أكل طعام العشاء مع عائلته، أيقظهم في الفجر، والغشاء الأزرق للبكور لازال ينسكب رقيقا على أسطح الأشياء، وطلبهم خارج المنزل. فرق زوجته عن أبنائه بأن وضعهم في خلف بينما وضعها في الأمام، وهي تحدق فيه باستغراب وتجد صمتا جامدا أمام أسئلتها. عصب أعين الأطفال، كانوا بين الرابعة والتاسعة حينها، وأجاب على أسئلتهم باقتضاب أنهم سيلعبون لعبة، ثم عاد إلى زوجته، بادرها من الخلف وحز رقبتها بشكل سريع، انتفضت قليلا وقد انفجر الشريان السباتي بنافورة دم انقذفت منطلقة وهو يمسكها، ثم سقطت. ذهب إلى الأطفال الثلاثة وحز رقابهم بشكل سريع وحاسم وهو يكتم أفواههم الصغيرة بيده فلا يعلم الآخر المعصوب بجانبهما ما الذي يحدث ويكتفي بضحك الطفل المتحمس لشيء غامض يكاد يحدث له. دفنهم جميعا خلف المنزل، ثم جمع أغراضا بسطية ومضى. ظل يسير شمالا، يخترق الشام، ومنها إلى الأناضول، نحو الساحل إلى أزمير ومنها إلى الدردنيل على إيجة ومرمرة ثم إلى اليونان. غابات ومفازات وسهول ومتاهات ومستنقعات وجبال شاهقة وموت متكرر وشتاء قارس وصيف حارق. كان يتجه إلى غاية محددة، يصّعد في المرتقيات المتعالية لغابات داديا الممتدة على جبال إفروس الشاهقة، المنحدرات والمرتفعات المتراصة بغابات الصنوبر والبلوط والتنوب الكثيفة وفي أحشائها المدفونة بالشجر ممرات مسافرين وعابرين وبقايا عظام لبشر وحيوانات ومغارات وكهوف ووحوش وصمت مهيب لا خدش فيه، ثم مسطحات مفتوحة بتراب داكن تحوم فوقه نسور وطيور من أشكال لا حصر لها. ظل يراجع الطريق ولكن دون جدوى. قتله حيوان غريب الشكل لم يرى مثله من قبل، وحينما استفاق كان في كهف ونصف بطنه مبقور. حينما رآه الحيوان وقف مذهولا، وهو يحدق دون أن يفهم. وحينما تحرك تراجع الحيوان المتوثب، وظل يتراجع مفسحا الطريق له وهو في حالة توثب مستمرة، حتى خرج من الكهف، وهو يحس بألم اللحم الذي ينبت في أحشائه. في إحدى المسطحات لاحت له مدينة مهجورة، عدة منازل يتوسطها قصر عملاق ضخم، متهدم ومتهالك. أكواب هنا وهناك، فخار، أسرة، زرع، غطاء نباتي معشوشب متعملق فوق كل شيء. حشائش نجيلية نبتت بين شقوق الصخر وتدلت على حواف الجدران. رائحتها النافذة تضرب في الرمل والفراغ والأدوات المهجورة التي فقدت رائحتها منذ دهر. إنه في مكانه، يستحوذ على مساحة شاسعة من الأرض. تشرق عليه الشمس كل يوم، فتهبط على أسطح جدرانه وأسقفه، ينبت الزرع في الربيع على أرضه، ويغطي الثلج في الشتاء ملامح أسطحه. تستطيع أن تجده في كل زمن، سيظل موجودا حتى تمسحه يد ربما لن تأتي، ولذا سيظل موجودا، وستظل الشمس تشرق عليه وسيظل الليل يهبط فوقه وسيظل الشتاء يغطيه بثلجه وسيظل الربيع يُـلبسه بزرعه. يعاينه وهو يقف قبالته. صفرة العصر تطلي أسطح كل شيء، أشجار التنوب المتعملقة وحشائش الزرع الدغلية وورود الأوركيد والبابونج تنبت في كل شبر منه. ويسير في غرفه، خاوية ومتهدمة ومرقعة بغطاء نباتي، عبثت بها الريح فبعثرت أدوات متروكة، أباريق وسجادات وأبواب مخلوعة، وجدران مصدعة بفعل تطاول أصول وجذوع الأشجار. يقف أمام نبتة غامضة تتدلى منها فاكهة فاقعة الحمرة، نضجت في صالة تتموضع فيها أرائك مسودة وأرفف فارغة. عاش هناك قرابة قرنين من الزمن، قبل أن يمر بالقصر رحالة على خيله، عرف من سحنته وطريقة كلامه أنه من البندقية. ارتعب الرجل أمام منظره المهذب بلحية مجزوزة وهيئة مرتبة تناقض الموقف، وظن أنه شيطان نبت في هذه البقعة الغامضة. سأله عن اسمه فقال إنه أرسطوطاليس. اقترب الرحالة مشدوها وهو يحاول أن يرسمه، فوقف أرسطوطاليس يطالعه متفحصا دون حركة، ثم فجأة وبحركة واحدة غير انفعالية بادره بضربة على رأسه فسقط الرجل. ظل واقفا فوقه يحدق أمامه. جمع أغراضه وأخذ الخيل وحينما هم بركوبه وقف، حدق في الرجل المستلقي لحظة ثم اتجه نحوه وهو يخرج سكينا مذهبة تنتمي للقصر الكبير، وطعنه وهو مجندل على ظهره في قلبه تماما، فانتفض لحظة كمن صحى من نوم إثر كابوس ثم همد، ومضى وقد ترك السكين بمقبضها البارز شاخصة فوق الجثة، مثل شاهد قبر.

 

―――――――――

 

في لندن، كانت نافذة الغرفة التي تستقر فوق مجزر، تطل على الساحة الموحلة بعد مطر غزير. الوقت لازال فجرا، وهو يقف ممسكا بكوب في يده، عاريا في البرد الشديد. النافذة قطع زجاج ملصقة بشرائط الرصاص، تمثل حفرةً في قالب خشبي داكن. يوجد سرير من حديد في الزاوية، وطاولة منحوتة من خشب البلوط. المرأة التي تنام على السرير عارية أيضا، وشعرها ينتشر على الوسادة. كان يدعى ويليام، ويعمل جزارا. أكمل في لندن 30 عاما. لم يتزوج، ولكن له ابنان بينهما فارق 15 عاما ولم يرهما بتاتا. حينما يقفل محله في الظهر، يخرج حتى هزيع الليل، يجوب شوارع المدينة وهو يحمل قطعا من اللحم لئلا يُقبض عليه، حيث كان هنالك قانون ينص على أن الذين يجوبون المدينة بلا عمل يتم جلدهم في السوق، فيما تُمنح للمشردين المعاقين وكبار السن رخصة للتسول. ولذا يجوب لندن. الشوارع الصغيرة القذرة حيث ترمى فيها الفواكه المتعفنة والماء القذر وأحشاء الحيوانات المذبوحة التي لا تستخدم في الأكل، ترمى جميعها على حواف الطرقات المندكة الضيقة، مترّسةٌ ببيوت مصنوعة من قوالب خشب داخلها أغصان رقيقة مجدولة مثل القش المخوَّص ومطليةٌ بالجصص الفاتح مثل الطوب. الجرذان والقمل والحشرات المتنوعة تجد طريقها في كل شق. يجوب شوارع بوتولف وبادينغ وكراينغ وورف وفليت على جانب نهر التايمز، يتجاوز كنيسة سانت ماري أوفري (كاتدرائية ساوثوارك) ليقطع الجسر الوحيد فوق النهر، حيث تصطك عمارات كثيرة فوق الجسر تتجاوز 200 مبنى، بعضها يتطاول لسبعة أدوار ويلتصق بما أمامه ليكون نفقا، ويقطعها مسار تملؤه العربات والكارات والأحصنة والمشاؤون، وتتخللها مراحيض جماعية على الطريقة الرومانية معلقة على الجسر لتسقط الفضلات عبر أنابيب في التايمز. ويظل يمشي خارجا منه إلى غيره. يدخل المسارح أحيانا، بل مثّل في واحدة منها، حينما توسل له كاتب يشتري منه اللحم أن يؤدي دور صنم، بأن يقف فوق الخشبة دون حركة. وهو ما فعله، وقف فوق الخشبة دون حركة، يحدق في الجمهور، يراقب ردات فعلهم، ضحكاتهم، انفعالاتهم. كانوا من العوام، قذرون وملطخون ومشوهون. حينما يضحكون تنفرج شفاههم عن أسنان متساقطة وصفراء، وحينما يتأثرون تتهدل ملامحهم بالقذارة المتكومة فوق الأسارير. يقف هناك دون حركة. يصيب القاعةَ ضحكٌ صاخب حينما يخاطبه البطل، حينما يخاطب الصنم، ويطالبه بالرد، بينما يقف هو، جامدا وصامتا، دون حركة، دون نتوء، يحدق في الناس التي ترج بالضحك، والممثل يصرخ فيه “أجبني”، ثم ينصرف مبتعدا، وتنسحب الأعين بعيدا عنه مثل الضوء، ويراقبهم، مثل الصنم. كانت تلك المرة الوحيدة التي مثّل فيها. في المساء حينما تظلم المدينة بشكل كامل، كان يستأجر طفلا مشردا يحمل مصباحا أمامه، وهي خدمة كانت منتشرة حينها، تجنبا لحفر الطرقات الخطرة. حاول لصوص سرقته أكثر من مرة، وقد سمح لهم في غالب الأحيان بذلك دون مقاومة، بينما طعن أحدهم ذات مرة في حلقه وتركه ينزف حتى الموت أمام مرأى الصبي الذي كان يراقب دون مبالاة واكتفى بالتعليق بعد لحظات حينما استكملا المسير “يستحق الوغد ما ناله”.. كانت هنالك امرأة في الأربعين من عمرها، ادعت الجنون لتُمنح رخصة تسول، تجيء كل أحد إلى شقته على شارع جاريد فوق مجزره، بعد أن تذهب للكنيسة. تلبس ملابس نظيفة، تغسل أرضيته وتنظف أثاثه، تشرب معه البيرة وينزلان إلى الشارع ليحضرا مسرحية أو يذهبا إلى حانة، ثم تضاجعه في المساء ويستلقيان سويا، تخبره بقصص من طفولتها وكيف تيتمت وتشردت، وينصت هو، ثم تقول له ضمني أكثر، فيضمها أكثر، وينامان. حينما أكمل أربعين عاما باع دكانه وجهز أغراضه للرحيل، شكت في أمره فواجهته، أنكر قائلا إنه سيذهب إلى بريستول لشأن ما، ولكنها أصرت بهدوء حازم فأخبرها أنه راحل، قالت له لا بأس، وطبخت له عشاء وضاجعته ثم ناما بجانب بعضهما، وفي منتصف الليل طعنته بسكين في أحشائه فتركها دون مقاومة حتى ظنت أنه مات. رقدت بجانبه وهي تبكي، تنام وتصحو من نومها الذي يشبه الإغماءة وهي تبكي، حتى إذا حان الفجر قامت وبحثت في الظلام عن السكين المضرجة بالدم في الظلام، تلقفتها بصعوبة وقد اضطرت أن تشعر نارا لتراها، ثم طعنت نفسها بجانبه وماتت. حينما أفاق كانت ترقد فوقه، ودماؤها المتخثرة تيبست فوق ملابسه. حملها إلى مجزره المغلق في الأسفل، حدق فيها لحظة بجمود، وهو يتأمل وجهها الشاخص المليء بالألم، ويمسّد بإبهامه وجنتها اليمنى، قبل أن يبدأ بتقطيعها إلى أجزاء صغيرة، ثم حملها إلى خنازير في زريبة مجاورة لتأكل قطع اللحم المسلوخة والمفتتة. أخذ أغراضه وانتقل ليفتتح دكانا جديدا على شارع بادينج ويسكن فوقه، وقرر أن يكون بائعا للصفيح والرصاص. لم يتغير الكثير في حياته، ظل كما هو. وحينما وقع الحريق الكبير بعد سنوات، كان محله قريبا من مخبز توماس فيرنر حيث بدأت شرارة النار. وبعد ساعات كان الشارع كله يشتعل ويضيء دُكنة الفجر مثل شروق جهنمي. يقف هناك في صف من البشر المذهولين. رجال يبكون منازلهم، وآخرون يتحركون وسط الفوضى في محاولة للمساعدة. يجلس على نتوء متكئا ويراقب النار تمتد وترتفع، الشروق الجهنمي في زرقة الفجر المعتمة. ثم رحل من لندن بملابسه التي على جسده فحسب.

 

―――――――――

 

كان الطريق ممتدا. يعبر السهول الكبرى وسط كانساس. البراري المرجية والسهوب المطنبة مثل ماء المحيط الهادئ في قدرته على تكرار نفسه، الأرض الممدودة على مطلق البصر إذْ تتخللها مروجٌ معشوشبة صفراء وخضراء فوق سماء صافية الزرقة، إلى السهول المرتفعة حيث براري العشب القصير مثل القمح المجزوز وشجيرات الصبار والأجمات القميئة، والبرودة التي تجرح العين في يوم ما لتعقبها حرارة جافة تكلّس الجلد في اليوم التالي. قبائل السكان الأصليين التي تعسكر على امتداد المساحات عند البحيرات ووراء الهضاب، تتبعك أو تقتلك أو تتركك في حال سبيلك. منها إلى مناطق الوجود الإسباني والقرى الرثة المبتناة في وسط الصحراء، الصناديق الخشبية، الروليت، العاهرات، التبغ، البارود، المسدسات على خواصر الرجال. يسير إلى غاية محددة وهو يطالع النجوم والسماء ويحسب المسافة على امتداد جبال الروكي. حتى وصل. وقف أمام جبل كبير في سلسلة مرتفعات ضخمة، في زاويته الغربية المطلة على السهل المنبسط كهفٌ صغير. ارتقى لأيام بين الصخور، حتى وصل إلى الكهف، دخله وقد أضاء شعلة ألقت صفرة مؤطرة في السواد، مر بها على الجدران، إلى أن وجد نحتا بدائيا، ثلاثة وحوش غريبة، تشبه الوعول ولكن بأجساد أضحم، ليس واضحا هل كانوا يرقصون، أم يلوحون. يحدق فيها برثاثة وهو يمر بيديه فوقها متفحصا ومتذكرا، بينما تملؤ صفرة النار وهسيسها فراغ المكان، وعلى حافة فمه ميلان ابتسامة راضية. بسط أغراضه، واعتزل دهرا في الكهف، يعتاش على صيد الأيائل والموظ والغزلان والظباء المتواجدة في الغابات والسهول الممتدة في الأسفل البعيد بين حيوانات الدب الغريزلي والوشق والقيوط واللينكس والشره الخطرة. تمتد أشجار الصنوبر والعرعر والسنديان في غابات تختلط على مسار المنحدرات والمرتفعات، تقطعها الأنهار الجارية الصافية مثل الكريستال النقي، بفضلها يترعرع الغطاء النباتي في المكان القاحل وترتادها الحيوانات بمختلف أطيافها لتقف على حافتها وتحدق في أوجهها المرسومة وسط انعكاس السماء المطبوع على سطح الماء، بين صخور الجرانيت النارية الأورثوكلازية التي تميل إلى الحمرة، والقمم التي تتطاول بيضاء وسط السحاب فوق السهول المعشوشبة المنبسطة. يعيش هناك دهرا، ما بين الكهف والطبيعة. يستيقظ ذات يوم وهو يشم رائحة معدن. خرج من الكهف، فرأى خيط دخان في السماء، يصعد من مكان بعيد. أخذ يحدق ساعة في الخيط، بوجه لا ملامح فيه. نزل ليصيد، طبخ اللحم، أكل. استيقظ في الصباح، الخيط يقترب، رائحة المعدن تزداد قوة. في صباح ما، لاحظ من مطل كهفه فوق الجبل مخيمات تنصب في منحدر المرتفعات. حجّاجُ حمى البحث عن الذهب وهم يتوافدون من بقاع كثيرة نحو جبال الروكي، وينصبون مدنا جديدة أسموها كولورادو ودينفر وأورييريا. يمر به الحجاج الذين يغرسون أقدامهم في ممرات الجبال وينحتون فيها مسارات جديدة، إذ يصل بعضهم إلى حواف التافا جبل الشمس (البايكس بيك)، وهم يحملون على أظهرهم معداتهم الثقيلة وأحلامهم الجريئة حد الوقاحة، فيظنون أنه واحد منهم قد سبقهم، يسألونه فيجيب إجابات متقطعة بوجه جامد، ويبدو غريبا بنظافته ومظهره ذي الشبه اليسوعي. في الكهف الذي يعيش فيه، هنالك ذهب مدفون في الجدران الجرانيتية، بدء يكسره لأسابيع حتى تساقط أمامه قطعا كبيرة، وخرج منه ليجوب الأنهار القريبة التي يعرفها جيدا لأسابيع أخرى. اعتزل في الكهف بعد ذلك ثلاثة أيام، وقد جمع الكثير من القطع الكبيرة والصغيرة، يجلس عاقدا يديه على ركبتيه المثنيتين، لا يتحرك. في اليوم الرابع، حلق لحيته بسكين، غسل شعره الطويل، وجمع ما يستحق من أغراضه وبعضا من الذهب، ونزل متوجها إلى مدينة كولورادو أولا، ثم إلى دينفر، ثم إلى أورييريا، متنقلا بينها، حيث المخيمات وأكواخ الخشب المتفرقة وسط الوحل. ابتنى له كوخا هناك، في دينفر على ضفة ملتقى نهري تشيري كريك وجنوبي بلات، وبدء ينزل الذهب يوميا من كهفه. عاش هناك منذ تأسيس ويليام ليرمر للمدينة وتكونها ونزوح المهاجرين العابرين بجبال الروكي والباحثين عن الذهب فيها ومن ثم انضمامها إلى أورييريا، اشترى الأراضي وأسس بعض محلات القمار ونأى بنفسه بمهارة سياسية عن الخوض في غمار الحرب الأهلية. تزوج امرأة وابتنى قصرا كبيرا وأنجب تسعة أبناء. وبعد أربعين سنة بدأ يصبغ شعره بالأبيض خلسة، بل وقام بخلع أحد أسنانه ذات مرة، وصار يضع مكياجا ليبرز تجعدات في أساريره. ولكن في ظهر يوم ما بعد سنوات من هذا، سمع حفيدته تسأل جدتها “لماذا جدي لا يكبر في السن؟”. جلس ثلاثة أيام محدقا في الحركة الحثيثة التي تدور في القصر استعدادا للاحتفال بعيد ميلاده الذي قال إنه في 9 مارس، يدور في المدينة التي تتعاظم مع مرور الوقت والأعين التي تلاحقه مذهولة من نزوله وتمشّيه بين العامة. سحب ما يستطيع حمله من أموال، بالإضافة إلى عدة قطع من الذهب لازال يخبئها، وخرج في الفجر، يختفي في الزرقة الداكنة على امتداد نهر البلات.

 

―――――――――

 

في امتداد طريق الملك فهد بالرياض، هنالك أعمال بناء حثيثة لمبنى عملاق يطلَق عليه برج المملكة. يقف أمام إشارة شارع العروبة ويحدق في الحركة الحثيثة للاسمنت والزجاج، وهي تتطاول في كدرة الغبار الطفيف. وثق كل ما يمكن كتابته عن فندق الفور سيزن بالفيصلية وتعرف على صناع القرار فيه، جرب السبا في البهو، وملاعب التنس، والخدمات الأخرى، وخرج منه إلى الشيراتون وحياة ريجنسي. والناس أثناء ذلك كله لا تتوقف عن التعليق على انهيار برجي التجارة العالمية في نيويورك. زار مكتبة الملك عبدالعزيز في المربع، مشى بين الكتب وهو يلعب لعبة طريفة في رأسه. حمل ديواني مسلم بن الوليد وأبي نواس المتجاوران فوق الرف، وأطلق ابتسامة فاترة قبل أن يعيدهما. حمل كتبا أخرى أيضا لكتّاب من أزمان متفرقة. يلبس ثوبا وشماغا وعقالا، ويتحدث بلكنة ساكن أصلي. استوقفه رجل عند محل مخبوزات وأهداه مطوية وقال له إن الأمة في حاجة له، وقفا طويلا وهو ينصت بجمود لحديثه الذي امتد لساعة تقريبا، حتى مل الرجل وحوقل ماضيا في سبيله. بعد أيام في أول العصر، وضب أغراضه بسرعة استعدادا للرحيل، يتميز بمهارة فائقة في ذلك، وتخدمه الحقائب الحديثة المصممة خصيصا لهذا الغرض. كان قد وقف في السونسيت بوليفارد في لوس أنجلوس قبل أشهر أمام محل حقائب، وشرح له البائع ما يمكن وضعه في حقيبة متوسطة الحجم، حيث حملها وهو يحدق فيها لبرهة، مشدوها. ولذا يهتم دائما بمتابعة أحدث ما يتم إصداره في مجال الحقائب. في المطار جلس عدة ساعات في انتظار الطائرة. كان قد اختار وجهته من الشاشة واشترى التذكرة. يجلس على الكرسي بصمت، ويحدق في الحركة، وهو يلبس بدلة دون ربطة عنق. يقرأ الجرائد في الطائرة. البرجان، القاعدة، نيكول كيدمان، بيكهام. ينام قليلا، يصحو، يحدق أمامه، ينصت لغرباء. في سيدني، حضر مسرحية لامرأة تنام أمام جمهور يملؤ ثلاث أرباع القاعة. تستلقي على أريكة طويلة فوق الخشبة، تغمض عينيها، وتنام. صمتٌ عميق لا نتوء فيه، الكل يتابع أمامه باهتمام متفحص. يحدق في الأوجه التي تحدق فيها، رجال ونساء من أعمار مختلفة، تنير أضواءُ الخشبة أجزاء مؤطرة من أوجههم، بينما تغرق القاعة في عتمة باهتة، وتكاد تسمع أصوات الأنفاس الرتيبة، وعدوى الخمول المتسلل وسط السكون. تستيقظ بعد ربع ساعة تقريبا، ثم تقف، بعينيها المتورمتين، وتروي ما رأته في الحلم. ثم تعيد الكرة مرة أخرى. وزع أيامه بين فنادق الفور سيزن والإنتركونتننتال والماريوت، سار في شارع بِـتّْ النحيل حيث تتلاصق البنايات الشاهقة مكوِّنةً خندقا وسط الاسمنت والزجاج المغشّي بانعكاس ضوء العصر والأشجار التي عراها الخريف، ونام مع فتاة قابلها في بار هناك وأخبرته أنه يشبه ممثلا شهيرا تحبه. في طوكيو، يقطع شارع كاباباتشي في الليل. بحر الأوجه الكثيرة المصطكة في مجرى الوادي الاسمنتي المشع بالضوء، حيث المحلات المختلفة بكافة الأشكال والأنواع. هنالك شخص يقف على خشبة صغيرة متنقلة، يلتف حوله مجموعة من الأشخاص، يخرج سكينا، يطعن بها صدره، وينفجر دم منه على شكل نافورة، ويسقط. تنبعث لهثات رعب مذهولة، ويندفع جمع من الواقفين، ويخرجون سكينا حقيقية من صدر الرجل، حيث هنالك فتحة جرح حقيقية. ولكنه بعد دقيقتين تقريبا يقفز واقفا، ممزقا قميصه عن دم يصبغ صدره، والواقفون يحدقون بذهول، ثم تنفجر موجة تصفيق حادة. يحدق فيه بجمود. يتابعه طوال الليلة، وهو يسير في الشارع. حتى سلك زقاقا ضيقا بعد متجر كتب صغير، ومشى حتى وقف ليراجع ورقة في يده عند الجهة الخلفية لمعبد بوذي، حيث يظهر من فوق جداره تمثال مرمي هناك في الخلف. اقترب منه وأخرج سكينا كان قد اشتراها وطعنه بها في صدره. حدق الرجل فيه مشدوها وهو يحاول التعرف عليه وسط العتمة الداكنة، ولكنه سقط أخيرا. وقف بجانبه ينتظر وقد جر الجثة وراء شجيرة في أصيص كبير. انتظر أكثر من دقيقتين، وتجاوز انتظاره 20 دقيقة، ووصل إلى ساعة كاملة وهو يقف في الزقاق الخاوي. أدخل رأسه من وراء الشجيرة، لازال الرجل فاغرا فمه وشاخصا ببصره، والسكين في صدره، فتركه. جرب فنادق الفور سيزن والريتز كارلتون والكونراد بالإضافة إلى عدد من فنادق الريوكان التقليدية. مر بدول أخرى وزار فنادقها وقد توقف عن الكتابة والتوثيق والتواصل مع صناع القرار فيها، حتى عاد إلى ميامي. كان شريكه قد أخبره حينما كان في لاوس أنه تم افتتاح الفرع التاسع لوكالتهم السياحية في بورتلاند، التي تتحول تدريجيا إلى إحدى الشركات الكبيرة في خدمات السفر. جلس في ميامي ثلاثة أيام، قبل أن يخبره بنيته في أن يبيع حصته، وأنه يمنحه الخيار الأول للشراء، وإلا فسيبيعها لآخر. وبعد موجة غضب وعدم فهم من شريكه أدت بهما إلى أن يطردا من مطعم أولد ليزبن على شارع كارول، وقفا هناك وأصوات الشارع تغلفهما، وهو لازال لم ينطق بحرف منذ أن أبلغه بقراره. أخبره أن يتريث وأنه سيجمع المال لشراء حصته. حينما تسلمه اشترى خمس شقق في باريس والرياض ونيروبي وفانكوفر وبوينوس آيرس. عاش متنقلا بين الأماكن الخمسة طوال السنوات الأخيرة. أنجب ابنين في نيروبي من أفريقية تعمل خادمة لديه، وارتبط بشكل متقطع في فانكوفر بامرأة متزوجة يعمل زوجها في قوات حفظ السلام جنوب السودان وأنجب منها ابنا نُسب للرجل. يضارب في البورصة، ويعمل مستشارا لعدة شركات تعمل في السياحة. كان قد وصل إلى الرياض من نيروبي وسط فبراير الجاري.

 

مطر

في السابع والعشرين من شهر رجب، كان قد استفاق في أول الصبح بشكل مفاجئ. لم ينم إلا ثلاث ساعات تقريبا، ولكنه استيقظ نشيطا رغم خشمه المتيبس بفعل انسداد الجيوب الأنفية. المطر ينهمر بخفة في الخارج ويرتطم بمكيف الشباك، وهناك رطوبة لزجة في المكان، وبقعة ضوء باهتة تدخل من النافذة وتنتشر مثل اللون. رقبة زوجته العارية وأعلى ظهرها تغطيه خصلات مبعثرة من شعرها وهي منبطحة على بطنها، وفي الفراش حرارة جسدين نائمين وعرق تقشر على الجلد. ظل مستلقيا للحظات وهو يشعر بكتلة المخاط متكومة في أقصى جيوبه، يسمع صوت الزخات الرتيبة على معدن المكيف. قام أخيرا، لبس ثيابه، ثم خرج. المطر ديمة خفيفة، وهناك برك ماء على حواف شارع فرعي بحي المرسلات، وحينما رأى ذلك لبس فروته وغطى رأسه بقبعته الصوفية وقرر المشي على قدميه. كان يكح ويحاول تنظيف مجرى حلقه، ولكن دون فائدة. الشارع ببيوته وامتداده يلوح زجاجيا بفعل الماء الذي صبغ أسطح كل شيء، والضوء غائم جزئيا بقزع سحاب مثل دخان البراكين الأبيض. يتكدس في فروته وقبعته فلا يلوح منه إلا أنفه وعيناه، وقطرات الديمة تزخ خفيفة عليه، بينما يقطع الحارة الزجاجية. لقد انتقل إلى هنا قبل شهرين بعد زواجه، مركز شرطة العليا قريب منه، هنالك مطعم وبقالات وبوفيهات معدودة على امتداد شارع مشهور بن عبدالعزيز. وقف عند بوفيه يبيع فيه سودانيون عمالقة، احتار بفعل الروائح المختلطة للعدس وفول القلابة والبيض والكبدة، ولكنه قرر أخيرا أن يأخذ فولا مشكلا كبيرا وصحن كبدة مع قرص التميس الكبير، ووقف ينتظر بين مجموعة من الأشخاص مثله يتكرنون في فرواتهم ولطمات شمغهم. أخذ طلبه أخيرا وعاد من الطريق، مارا بنفس الواجهات الزجاجية وزخات المطر الخفيفة ومظاهر الحارة الجديدة عليه بسياراتها المركونة في صباح يوم خميس ممطر وهادئ، وخُيل له أنه يكاد يشعر بحرارة دفايات قاز تشبه تلك التي تشعلها والدته تأتي من بعض البيوت التي تلوح قديمة وتذكره ببيت عائلته في السويدي. ابتسم وسط الفروة والقبعة، وهاجمه حينها سعال تفزر بفعله البلغم المخاطي العالق في حلقه فبصقه على طرف الطريق، وابتسم بانتصار وصدر أكثر انطلاقا. خلع فروته في البيت وهو يمشي مسرعا ورمى قبعته، صعد مباشرة إلى أعلى وهو يخلع ثوبه، نغز زوجته بأصبعه حتى استيقظت وهو يقول متجها للحمام: سوي زنجبيل على بال ما أسبح، بسرعة لا يبرد الفطور. تأوه طويلا وبصوت خشن عال يُسمع خارج الحمام حينما انهمر الماء الحار على جسده، ولم يتوقف إلا بعد دقيقة، وقدماه تكادان تخونانه من اللذة التي خدرت أعصابه. حينما خرج كانت تجلس على السرير، وعلى الطاولة الجانبية كوبان ينبعث منهما بخار شفيف. كانت قد لبست قميصا صيفيا فضفاضا، أما هو فقد تدثر مباشرة بالبطانية الثقيلة ولفها على جسده. جلسا متقابلين وأخذا يأكلان بصمت على السرير. قالت وهي تلتفت نحو النافذة ممسكة بالكوب الحار: قوى المطر، لازم نطلع اليوم. ابتلع لقمة كبيرة ورفع كوب الزنجبيل إلى فمه فاستنشق الرائحة القوية الحادة وملأ الدخان الحار أنفه، رد وهو يتمطق: يا حبتس للبرد، مهنا ألعن منه. كانت قد أخبرته البارحة وهما مستلقيان في السرير وديمة المطر قد بدأت تنهمر عن رحلاتها مع والدها وهي صغيرة إلى وادي حنيفة وقد امتلأ بمياه الأمطار، وقالت إنها من أسعد اللحظات في حياتها. يأكلان بصمت، أصوات المضغ والرشف تتداخل مع الزخات التي خفتت الآن. قامت لتغتسل، وقد تجمّع القميص الفضفاض المنكمش فوق مؤخرتها الصغيرة المدورة، ولكنه لم ينتبه لذلك، كان يمضغ آخر لقمة ويحدق برضى غامض أمامه، في نقطة محايدة من الجدار، ولا يفكر تقريبا في شيء. جمع بقايا الطعام في الكيسة، وفتح جزءا صغيرا من النافذة لطرد الرائحة فهبت لسعة برد نحوه ولعنها، ثم تحرك ليغتسل بجانبها. كانت قد انتهت من تفريش أسنانها، انتظرته، حتى انتهى، وحينها اقتربت منه وأخذت تقبله فالتفت نحوها وضمها. عكفت يديها فوق صدره، دفعها على حد المغسلة وقد انثنت عليها وفخذاها منفرجان حول فخذه الأيمن. ضغط ظهرها بيده ليلتصق بطنه ببطنها، فرفعت ساقيها حول خصره. حملها ومشى بها وهما لازالا يقبلان بعضهما نحو السرير. خلع ملابسه سريعا وخلعت ملابسها بسرعة. ولجها وهو يتحسس صدرها ويلثمه، وبدأ يضغط بشدة بينما تقبض هي بكل قوتها على العظام الناتئة في ظهره الخشن المشدود. توقف فجأة وهي تزفر باعتراض عصبي. تطاول ورمى على ظهره العاري المنحني فوقها البطانيةَ المخملية الثقيلة، لونها أسود متفحم عليه نقوش بيضاء، اشترتها له والدته، منسوجة بشعيرات طويلة وناعمة تتكسر فوق الجسد فتنثني برهافتها على كل مسامة جلد. يتحرك جسمه برشاقة ورتابة تحت البطانية الثقيلة، يرتفع وينخفض، وتبرز تحت سطحها يداها اللتان لازالتا تتحسان بقوة ظهره وعظمتي كتفيه. أصوات آهات خافتة نغمية، ثم صرختان متقاربتان في توقيتهما ومتباينتا الصوت والنغم في خشونتهما ونعومتهما، يتزامن معهما ركود لجسدين متلاصقين تماما وصمتٌ نومي وحركة تنفسية رتيبة. يستلقي بجانبها ويده اليمنى لاتزال خلف رقبتها، بينما تلتصق هي بجانب جسده الحار بالدم وتضع رأسها فوق إبطه، ويعودان للنوم، ثم تتغير وضعيتهما سريعا، يستلقي هو على جنبه الأيسر نحو حافة السرير، بينما تنبطح هي مادة يدها فوق رأسها، وتعود خصلات الشعر لتندلق على رقبتها.

في التاسع من ذي القعدة، استيقظ في حدود العاشرة صباحا. جلس على حافة السرير برهة كعادته، يحدق في الأرض، ثم قام بسرواله القطني الشتوي وفنيلته ذات الأكمام الطويلة. سار منهكا بحدبة في ظهره وتقوس في ساقيه. تبول واغتسل ولاحظ أن جزءا كبيرا من الشعر الأبيض الباقي على هامة رأسه قد تساقط. أكمل اغتساله بوجوم، ثم عاد إلى الفراش ليتحقق، فرأى شعرا كثيرا على المخدة. أنصت حينها لصوت المطر القوي في الخارج، وهو يضرب أسطح كل شيء. أحس بالبرد فلبس قميصه ورمى شماغه الثقيل على رأسه. ابتسم وهو ينزل للمطبخ لأنه تذكر والده وشماغه المهترئ الذي كان يرميه على رأسه في الشتاء وينزوي في زاوية بعيدة عن النوافذ تجنبا لأي لسعة هواء باردة. رمى بيضتان في الآلة وجهز شاي تلقيمة، وأخذ ينتظر نضج البيضتين المسلوقتين وخدرة الشاي، يقف أمام الفرن عند النافذة المطلة على ارتداد الحوش، حيث ينهمر المطر قويا، ويغمره ضوء باهت بيجي مؤطَّر. الشماغ على رأسه، وهو يتذكر والده، ويبتسم. عاد إلى الصالة ولم يشعل الضوء، جلس تحت النافذة الكبيرة المطلة على الحوش. بدء يقشر البيضتين وقد جاء باللابتوب وعليه ستيكر محل الإلكترونيات الذي أصلحه يوم أمس. فتحه فكان كل شيء يسير بشكل طبيعي. لقد طلب منه أن يسحب كل ملفات الهاردسك الداخلي قبل أن يقوم بفرمتة الجهاز، وجمعها له في ملف. فتحه وهو يرشف الشاي ويضع ملحا على البيضة ويبلعها بقطعة خبز وشرائح طماط. أمامه في الملف وثيقة تقاعده من الشرطة، رخصة محل العقار، عقد ملاك ابنتيه وابنه، شهادة وفاة زوجته، كل شيء يحتفظ به في جهازه على شكل صور. رأى بين الملفات ملفا غريبا، معنونا بـ “أسرار”. طالع فيه باستغراب، لم يره من قبل. فكر أنه يعود حتما لزوجته، وهو ما جعله يستغرب أكثر. فتحه وإذا به يحتوي كل كلمات السر الخاصة بزوجته. بطاقاتها البنكية وحساباتها على مواقع التواصل وجوالها. جلس يحدق برهة في الملف، ثم قام واتجه وهو يهرول تقريبا إلى الأعلى، فتح درجا وأخرج جهاز جوال، وعاد به. تركه يشحن واستغل الفرصة ليدخل موقعان من القائمة، أدخل اسم المستخدم والباسوورد فانفتح له الحساب. هنالك عدة تنبيهات في تويتر، أشخاص أعادوا نشر تويتة كتبتها قبل سنتين عن غلاء أسعار علاج للروماتيزم، وتغريدة تساءلت صاحبتها عن اختفاء هذه المغردة. في فيسبوك لم يكن هنالك تنبيهات، لم يلاحظ أحد من الـ33 صديقا غيابها، عدى تهنئتين آليتين بيوم ميلادها. أخذ يحدق في الشاشة بوجوم، والمطر ينهمر قويا ومكمما في الخارج، والضوء حوله لطخة غائمة مؤطَّرة توحي بالنوم، وحوافها تجعل خارجها معتما وغير واضح، مثل رواق المطبخ، والتلفاز، والطاولة التي عليها أغراض لم تتحرك منذ سنتين. أحس بلسعة برد من النافذة، فحمل لابتوبه وذهب إلى الزاوية البعيدة، وجلس هناك في حافة لطخة الضوء البيجية الباهتة. فتح جوالها، لقد جرب كلمتا مرور حينما توفيت قبل سنة ونصف ولم تنجحا، ولذا أجّل الأخيرة ونسيها حتى هذا اليوم. اشتغل الجوال، وخرج كل شيء مرتب أمامه كما تُرك. الشريحة ألغيت منذ مدة طويلة، ولكن وصلت رسائل من وقت ما قبل الإلغاء، رسائل ظلت معلقة في الفضاء لمدة سنة ونصف، تنتظر، وتصل الآن جديدة، وفوقها توقيت يقول “وصلت منذ دقيقة”. رسالة وتس أب من أم محمد تقول: “المحل على امتداد العليا” في سياق حديث عن نوع من البقلاوة الشامية، وأخرى من الاتصالات السعودية تقدم عرضا على باقة اسمها “وناسة”. ظل يحدق في الجوال، داخل الوتس، على اسم شقيقتها، ثم ضغط عليه أخيرا. آخر الرسائل كانت يومية، طبخات ومشاوير وكتب ومسلسلات، حتى وقع على واحدة قبل 8 أيام قبل سنة ونصف، وهي تقول بعد نقاش بينهما “والله مليت منه ذا العلة ليتني تطلقت ذيك الأيام الله يغثه غثني. للحين اذكر يوم اني اتهاوش معه واروح انام عند البنات كنت قسما بالله بتطلق بس مدري وش صار”. قرأ الجملة مرة أخرى، وجلس يتذكر ذلك اليوم، ولكنه لم يتذكر شيئا. وجد فوقها رسالة صوتية دون مناسبة، سجلت منفصلة ولوحدها ودون سياق وسط اليوم في تمام الساعة الـ4:05 عصرا. شغلها فخرج صوتها خافتا ومنهكا: “يختي صرت أكرهه والله. صرت أكرهه”. أغلق الجوال ووضعه على الطاولة، جلس يحدق عدة لحظات في الفراغ أمامه، ثم رمى بجسده على ظهر الكنب، وقد اندفن وجهه فقط في العتمة خارج بقعة الضوء، يحدق في الفراغ أمامه، والريح القوية تجعل المطر يرتطم بقوة في النافذة، ويمسح ارتطامها أثر اي صوت آخر.

في الخامس عشر من شهر ذي القعدة، كانت تقف في منتصف الظهر أمام الفرن القديم في بيت عائلتها، وتزلّ القهوة في الدلة، ومن الصالة يأتي ضجيج ابنها وابنتها مع أبناء وبنات أخواتها حادا. الجميع متواجد هذا اليوم، أخواتها الثلاثة وأخواها، كالعادة تقريبا. جلسوا جميعا على قهوة ما بعد الجمعة، وتعالى ضجيج سواليفهم وضحكهم وجدالهم على أصوات الأطفال. بعد ذهاب والدتهم للحمام، أخبرهم أخوها الأكبر فجأة: أمي خلاص بتجي عندي انشالله. وبركت الجملة مثل رائحة غريبة غامضة. ظلت صامتة وهي تمسك بدلة القهوة، وأخذت تحدق في الأرضية، الموكيت البني الذي فُرش قبل 4 سنوات. كان عمر والدها حينها 64 سنة تقريبا، وعمر والدتها ربما 60 سنة. كانت هي قد أنجبت طفلتها حينها، مشت أولى خطواتها فوق هذا الموكيت. والدها قال لها: أملح عيال عيالي هالجنية. وصدقته، رغم أنه يقول هذه الكلمة لكل طفل. أحست بيد تسحب الدلة من يدها وصوت أختها: وش فيتس؟ فتهز رأسها وتقول بصوت خافت: لا بس أفكر. في الغداء كان كل شيء قد عاد إلى طبيعته، تقريبا. لا أحد يطرح الأسئلة الخطأ، وكل شيء يسير طبيعيا. حينما صلّت العصر في الصالة التحتية بين الأطفال وبجانب أخواتها، جلست قليلا في جلالها المرقش وعلى سجادتها وهي تفكر. وجدت نفسها في المطبخ وهي تجهز صينية الشاي، ثم أتت أختها الكبرى وتحدثتا أخيرا عما يحدث، تسألها: تتوقعين وش بيصير لبيتنا؟ بنبيعه؟ فترد وهي تسكب الماء في ابريق الشاي: مدري، نشوف بعدين. تجد نفسها في الدور العلوي، وتبكي فجأة وهي ترى غرفة والدها وغرفتها مع أخواتها والمخزن الصغير وغرفتي أخويها، ثم تسكت وهو تمسح أنفها بطرف كمها. تفتح الغرف لتحدق فيها. غرفتهم القديمة الفارغة من كل شيء، هي وأخواتها اللاتي تناقصن راحلات عنها حتى بقيت هي لوحدها، حينما اختلى بها والدها فيها ليقول لها: اسمعي يا الدبشة، بيت أهلتس مهوب دايم وبيروح مثل غيره، الولد زين، وخريج أمنية، وحليل وطيب وسهل على العين، اتركي خرابيط الحريم من تحترين انت؟ الملك؟ الملك ما يقدر فيه رومايتيزم وسكر ويحب البدويات. فتحت غرفة والدها ووالدتها. كانت مظلمة بفعل النوافذ المسجاة بستائر المخمل التي خاطتها والدتها قبل سنوات حينما كانت يداها ثابتتان وقويتان، وفي المكان رائحة قلة الحركة، انعدام الحرارة التي يحدثها انقطاع الممارسة، فيها برودة تشبه فصول المدارس التي تدرّس فيها حينما يعودون لها من عطلة طويلة. فتحت غرفتي أخويها، لاشيء هناك، تم تفريغها على امتداد سنوات، ورميت مكان القديم أغراضٌ تافهة، تذكرها بتابوت دون جثة. فتحت الغرفة التي فيها المنشّف والمطارح، فتفاجأت بملابس داخلية وثياب كثيرة منشورة على حبل غسيل، أخذت تطالع لحظة بذهول، خرجت ونادت الشغالة، سألتها: وش ذا؟ لمن؟ فهزت الشغالة يديها وقالت إن أمها هي التي غسلت هذه الملابس. حركت قطعا منها، فنايل وسراويل وثياب، ملابس والدها، لقد عرفتها، ملابسه القديمة، منشورة كلها. وقفت مشدوهة بين حبلي الغسيل الممدودين من المكيف وحتى حافة الباب، والمطر ينهمر قويا ويضرب النافذة التي تلفظ ضوء غائما شديد البهوت، وتحس أنها داخل حلم، تقف وسط ملابس رجل ميت منذ أكثر من سنة. تعشوا جميعا، وقالت لأخيها الكبير إنها تريده أن يعيدها لبيتها على طريقه. خرجوا الساعة الـ11 ليلا، كانت تحمل طفلها الصغير وتنتظر ابنتها. وقفت عند الباب مع أخيها يتحدثان، تسأله عما سيحدث الآن فيجيب: ما ندري بس غالبا بنبيعه، وش نخليه كذا ما منه فايدة. سألته: طيب وين نتجمع؟ أطرق لحظة وهو يفكر: مدري نشوف، بيتي بيت عبدالله كله واحد، نشوف. يستطردان تحت حافة الباب الحديدي القديم الصدء، حتى جاء الطفل فركبوا. السيارة تمر في شوارع حي الربوة الصغيرة والضيقة. هنالك صبغة كريستالية على المكان بفعل المطر الذي توقف عن الانهمار والأضواء الصفراء المسكوبة على الأسطح الرطبة للمباني والاسفلت. كل شيء يلمع. نقع ماء على حواف الأرصفة العتيقة المكسرة، ومحلات رثة تستعد لتغلق دفاتها بعمال يقفون برتابة أمامها، ورائحة الرطوبة اللزجة تنطبع في كل شيء بقوة. قالت فجأة بصوت خافت: لقيتها تو غاسلة هدوم ابوي. التفت نحوها باستغراب: وشو؟ فكررت ما قالت بصوت خافت، وكأنها تخبر سرا. حدق أمامه والشيب المنتشر على صدغيه يومض أمامها، وبدا أنه لم يجد كلمة مناسبة غير: غريبة. ثم أضاف: عاد ما فيها شي ولا بان عليها شي، شفت عليها شي؟ فردت: لا. أطرقا لمدة بارتباك حتى بدا أن اللحظة الغريبة قد مرت. سألها أخيرا: وش أخبار عبدالعزيز؟ كانت تحدق في نقطة فارغة في الخارج، زفرت بامتعاض ثم قالت من طرف أنفها: عايش ومستانس. وصمتا عند الإشارة، حيث بدأ المطر يتساقط من جديد ولكن بشكل خفيف، يضرب في سطح الألمونيوم والزجاج مثل دقات الساعة الخراشية التي كانت عند والدها. قال: يقولون الوديان سايلة. التفتت نحوه بإنهاك: خل نروح لها. فرد: الحين؟! صاحية أنت. فقالت: بكرة أجل، تكفى، مرني وخل نروح. هز رأسه وقال: طيب بشوف.

في التاسع عشر من شهر محرم، كان متوقفا على طريق الدائري الشمالي، وبرفقته ابنه الذي لم يتجاوز العاشرة. كانت الغيوم تكالبت سوداء كالحة أثناء خروجهم من خريص، ثم نزل المطر دفعة واحدة بعد خروجهم من طريق الملك فهد، مثل سيل انكسر السد الذي يحجزه فاندفع يجرف كل شيء، وحينما توقف كانت الشوارع مكدسة بالمياه، وفي الدائري الشمالي غرق كبري أبي بكر الصديق حتى وصل الماء إلى مستوى ابتلع فيه السيارات التي بدت من زاوية فوقية مثل الطحالب، وتوقف الطريق كاملا لما يزيد عن كيلومتر. فتح الباب لينزل ويستكشف الوضع فهتف ابنه: يبه لا تخليني. ولكنه نزره بعنف: اصبر بس خلك هنا. رأى والده يخترق السيارات بجثته الطويلة، ويختفي وراءها. وصل إلى مكان الغرق، ورأى أناسا تسبح لتنقذ آخرين عالقين، وأشخاصا متجمهرين، وأصواتا من كل جهة. التفت للمنظر خلفه، السيارات المتكدسة بجانب بعضها، والأوجه المتورطة داخلها، رجال ونساء وأطفال. عاد إلى سيارته التي كانت على آخر الجانب الأيمن، ركبها وانتبه لابنه الذي يجلس مرعوبا، ابتسم في وجهه وقال: شف وش بيسوي أبوك. استدار عكس الشارع وصعد الرادمية المتعالية قبيل الكبري حتى صارت السيارة وكأنها تسير على الجنب، وقد تشبث الطفل مرتعبا دون أن ينطق بحرف، حتى اعتدلت على امتداد الطريق، ورأى أناسا يحاول الرجوع منها، ولكنه نزل، وفتح شنطة سيارته، وأخرج مقص حديد كبير واتجه به نحو الشبك، وأخذ يقصه والناس تلتفت نحوه، حتى نزل بعضهم، وأخذوا يساعدونه. يرى والده يوجه الآخرين، حتى حملوا الشبك المقصوص بامتداد ما يزيد عن ثمانية أمتار، وطوحوا به بعيدا. يرى والده يحرك يديه، يصرخ في الجميع، ولكنه لا يسمعه، مجرد حركات لرجل ضخم يحرك يديه ويتحرك بخفة وسرعة. كان يوجههم أن يأتوا بأحجار لتخفف الطلوع من رصيف الدائري إلى رصيف مدخل الخدمة قبل مخرج طريق أبي بكر، وهو ما فعلوه، والسيارات قد بدأت تخرج من الدائري نحو الخدمة بهذه الطريقة. نزل أخيرا، بجاكيته الفضفاض الذي لم يكن يرغب في لبسه قبل أن تضربه أمه وتطالبه له ألا يضيّع وقتها في هذا الصباح اللعين. سار بخطوات مترددة بين السيارت المتداخلة فيما بينها وهي تتسابق نحو الخروج من هذا الجحيم المتراص، والأشخاص الواقفين وقد تركوا سياراتهم ليساعدوا أو يراقبوا أو يشتموا أو يرقصوا أو يمارسوا أي مظهر من الحركة الجسدية الصاخبة المتلاصقة. كان أبوه يتحرك في كل مكان وقد رفع ثوبه إلى خصره، يمد يديه موجها وموقِفا وصارخا ومصوبعا وضاحكا، والناس حوله تنصت له وتأخذ برأيه. كانت مثل حفلة غريبة تختلط فيها أشكال كثيرة من التعبير والمظاهر، هنالك قلق يناقضه لعب وقلة صبر يقابلها إحساس بالتنزه والتفرج. اقترب منه وهو يتلفت حوله. حينما رآه لم يغضب، ضحك في وجهه وقال: تعال. وقف بجانبه وهما يوجهان السيارات، يقول له: سو مثل ما اسوي. فيرفع يديه ليسمح للناس بالمرور أو التوقف. يأتي أشخاص من أعمار مختلفة نحو والده لينبهونه لشيء، ويخاطبونه بلغة تبدو وكأن معرفة قديمة تربطهم، فيرد عليهم ويوجههم، ثم ينتبهون للطفل الذي يقف بغرابة بجانبه فيقول لهم: ولدي. فيسلمون عليه ويمسحون على رأسه، ثم يختفون. ظلت السيارات تتتابع، والناس يتزايدون وهم ينزلون ليراقبوا أو يساعدوا أو يرقصوا أو يشتموا إلخ. حتى رأى والده يتحرك إلى الخلف، ويقول له تعال، فيلحقه. يقطعان طريق الخدمة والزحام المتكوم حوله، حيث تتجه السيارات المتخلصة من جحيم الدائري نحو الحارات ويقف المتبطلون والمتطوعون لمراقبة الحدث الفوضوي، ليجلسا على الرصيف خارج شقق بودل، حيث جاء من العمارة عامل بكأس شاي وشوكلاتة سنيكرز، فأخذهما وهو يرمي له بكلمتين ودودتين وقذرتين مصحوبتان بضحكتين صاخبتين ثم مد الشوكلاتة لابنه. وجلسا هناك يراقبان السيارات، يشرب هو من الشاي، ويأكل ابنه من لوح الشوكلاتة، والسيارات تتناقص في الدائري، حتى تبقى أقل من نصفها. ينتهيان فيقوم هو ويلحقه ابنه، يتجهان عائدين إلى السيارة، ويصعدان مع السيارات المتبقية، وحينما يقتربان متلاصقين ينتبه له اثنان من الواقفين، فيخليان الطريق له صارخين: ابو محمد يمر لا أحد يمر خلوا ابو محمد يمر. ويمر فعلا بيد مرفوعة للواقفين، ويدخل من الحارة وهو يلتفت لابنه ضاحكا: هاه وش رايك في ابوك؟

في السابع عشر من شهر جمادى الآخر، انشقت السماء، وتفتق من السحاب مطر بحجم الفناجين. كانوا في المقبرة، وقبلها بلحظات معدودة كان يرفع رأسه محدقا في السماء، بينما يُخرج الآخرون الجثمان من السيارة، حاملينه على أكتفاهم، ويقول لنفسه تقريبا ولكن بصوت مسموع: بتمطر الله يلعنهم. هنالك أشخاص كثر حول القبر، وابناه ممن يحملون الجثمان الملفوف من النعش، ويستعدان لإنزاله، وهو يقف هناك فقط، ويحدق في السماء. أنزل رأسه إلى الأرض، وطالع بتكشيرة ذاهلة في الناس الواقفة المحيطة به، وبدا أنه لا يفهم لماذا كل هؤلاء هنا ومن هم بالضبط، أغلبهم لا يعرفهم، وبعض الأوجه تبدو مألوفة من أماكن متفرقة، يقفون تحت الضوء المكتوم بفعل السحب السوداء مثل دخان الانفجارات النووية. وحينها انشقت السماء. هبط المطر قويا بشكل صنع ستارة مائية أمام الأعين، ولم يعد أحد يرى بشكل واضح، وفي لحظات معدودة ثقل التراب وتبللت الملابس وتشبث كل شخص بشماغه وعقاله. وفي وسط الفوضى البصرية هنالك سواعد قوية، أشخاص يتزاحمون حول حفرة، جثة تُدلى داخلها بسرعة مبالغ فيها، وماء ثقيل ومتلاحق مثل الرصاص يسقط عليهم، وأصوات متداخلة لأناس توجه وتنادي وتجادل، وهو يقف أمام الحفرة. وفي اللحظة التي اختفى الجثمان داخلها، وأُنزلت اللبنات المستطيلة التي تلقفها شخص يتحرك بسرعة واحترافية فائقة ثم خرج مثل الثعبان، بدء الناس يتوافدون ويساهمون في رمي ما أصبح الآن بين الرمل والطين في الحفرة، يدفعونه بمرافقهم وهو يطالع فيهم ولا يستطيع رؤيتهم بوضوح. والمطر لازال قويا مثل الرصاص، وأشخاص يمسكون مساحٍ ويسكبون نفس المادة المتطينة نحو الحفرة. ثم أشخاص يتوافدون في المطر، يصافحونه، ولا أحد يرى الآخر تقريبا. يمد يده، فيمر عليها الآخرون، يقبضون عليها، ثم يختفون، مثل أشباح، وهو الآن يحس بالماء طبقة متراكمة عليه مثل جلد آخر. ثم ينتهي الأمر، ويركب السيارة أخيرا وهو مبتل تماما ويقطر ماء من كل أنحاء جسده، ويرى قطرات المطر الكبيرة تتكسر على الزجاج، وكأنها ستحطمه، ويعودون من طريق مزدحم، ويرد على ابنه بهدوء لامبال تقريبا: إيه طيب ما فيني شي. ويحدق في الشوارع فلا يرى إلا الماء يتكسر على الزجاج، وهو بجانب ابنه، ويتذكر موقفا قديما، ويبتسم بغرابة. في مجلس العزاء، بعد ساعات من كل هذا، لازال المطر ينهمر قويا بشكل متقطع. كان يجلس وقد اتكأ بمرفقه الأيسر على ركبته اليسرى، وسمح ليده اليمنى أن تقوم بالإيماء. يقول بهدوء وكأنه يروي قصة غريبة: ربصنا وربصوا العالم وامتلا القبر مويه. فيتمتم الحاضرون الله يرحمها، بينما هو يحدق بنظرات حادة وهادئة في الفراغ، ثم يكمل باستفهام استغرابي: كله من ذا المناييك، ذا المناييك، أزعجونا بكّروا بالدفن بكروا بالدفن. صوت لأحدهم: يابو محمد استغفر. ولكنه يكمل بنفس الهدوء الاستغرابي وكأنه لم يسمع شيئا: أقولهم شوفوا السما بتمطر علينا، وذا المناييك أزعجوا أمنا بكروا بالدفن بكروا بالدفن. صمتٌ مرتبك في المجلس، أحد من الجالسين خمسيني يتشجع ويقول: الله يرحمها صار اللي صار. وآخر يسأل من بجانبه بصوت خافت: من يتكلم عنه؟ ولكنه يكمل وهو غير منتبه: قلت له طيب تراهني انها بتمطر؟ فقالي لا أنا ما اراهنك أنا اقولك اللي كاتبه الله يصير، قلت له طيب الله كاتب انك حمار، أنا أتحمل انك حمار وش دخلني؟ لكنه قعد يحوقل علي ولا رد. لم ينطق أحد في المجلس، كان يحدق أمامه، وكأنه يلتقط الكلمات من تلك النقطة الحيادية التي يطالعها. ثم قال أخيرا: تحب المطر كانت، هه خلها تنقع فيه، ربها عارف لها. فيرد الخمسيني: لا حول ولا قوة إلا بالله أستغفر الله أستغفر الله لا تراجم يابو محمد. يتكئ على الكنب أخيرا، وقد وضع مرفقه على المسند، ورفع يده إلى فمه، وأخذ يحدق بجمود في تلك النقطة الفارغة أمامه. بين حين وآخر ينتبه لصوت يقول له: الله يرحمها يبو محمد وأجبر الله عزاكم. فيرد رافعا عينيه بحدة باردة نحوه وعائدا بها للنقطة دون حركة: آمين انشالله.

في التاسع عشر من شهر صفر، كان قد وصل إلى الموقع في تمام الساعة الـ4 عصرا. منزل صغير في الجهة الغربية الشمالية من حي المصيف. يقفان في أطراف الصالة، قريبا من المدخل. البيت مطفأ الأنوار ومشرع الستائر، ولكن السماء داكنة بفعل السحاب والمطر، ولذا يبدو البيت من الداخل معتما وكأنه في آخر الفجر. أصوات المطر القوية تُسمع من باب المدخل المفتوح. بركتا الدم حول الجثتين متيبستان تقريبا. الأولى في أول الصالة لرجل في الثالثة والثلاثين من عمره حسبما تشير بطاقته التي وجداها في محفظته وفيها ثقوب لستّ رصاصات، والثانية في الزاوية القصية لامرأة في الأربعين بحسب بطاقتها التي وجداها في شنطتها الموضوعة على الطاولة وفيها ثقوب لثلاث رصاصات. كان يقف وقد وضع يديه على خصره مائلا نحو جنبه بملل، ممسكا بقبعته في يمينه، ويحدق أمامه في الفراغ، والمطر يملؤ فجوة الصمت. بعد دقيقة سأل زميله: طيب وبعدين، وينه؟ فرد الآخر وهو يقلب في جواله: وأنا وش يدريني، هذي عوايده. ثم عادا للصمت. الدم متيبس على السيراميك مثل الدهان، والجثتان شاحبتان. تحرك بملل. أخذ يسير بخطوات بطيئة متثاقلة. الصالة الأرضية يملؤها كنب على شكل L، رمادي اللون، أمامه تلفاز فوق طاولة على أطرافها مزهريتان يمينا ويسارا. في الوسط طاولتان صغيرتان، على إحداهما كتاب. حمله، كان اسم الكتاب “كيف تستيقظ سعيدا كل يوم”. أعاده وهو يبتسم. سار مبتعدا نحو الرواق المؤدي إلى المطبخ. البيت يزداد عتمة في الأماكن التي لا توجد فيها نوافذ مشرعة الستائر. في المطبخ أغراض كثيرة قُطع سياقها فجأة. قدر ضغط على الفرن وحبتا بصل وطماط على السيراميك وكرتون ماجي وقطعة لحم مغلفة بدأت تثير روائح عفنة. اقترب من البرادة ووضع يده تحت المحبس وأنزل رأسه وشرب قليلا من الماء. خرج من المطبخ إلى الرواق مرة أخرى. هنالك جورب مرمي، توقف عنده لحظة، رفعه بيده. كان جورب طفل. حدق فيه باستغراب، ثم أعاده وأكمل السير. صعد الدرج، ووقف أمام الصالة الفوقية. هنالك ثلاث غرف. لقد فتش زميله المنزل، ولم يجد شيئا. وقف يحدق في المكان وقد أعاد يديه إلى خصريه وتدلت القبعة من يده اليمنى وهو يضرب بها فخذه. أصوات المطر أقوى هنا، ترتطم بنافذة الصالة الفوقية، تملؤها حبيبات مغبِّشة تجعل شجرة السدر خارجها تبدو ضبابية وكأنها لطخات خضراء. حدق فيها للحظات، وظن أنه يرى فوق الغبش الأخضر طائرا، يقف هناك وهو يرفرف وينتفض تحت الماء المنهمر بقوة. أبعد عينيه وعاد ليحدق في المكان، بوجوم صامت. اتجه إلى غرفة النوم، ووقف يطالع. كل ما فيها قُطع سياقه فجأة أيضا. أغراض على الشوفنيرة وفوق السرير المبعثر وعلى الأرضية المغطاة بموكيت كحلي. شم رائحة غامضة تأتي من مكان ما في الغرفة حينما توسطها. اقترب من مصدرها وهي تزداد عفونة، حتى وقف عند إحدى دفات الدالوب. حدق فيها بتردد، رطب شفتيه وهو يتلفت حوله، وحينما فتحه كانت الرائحة الكريهة هنا، ولكنه لم يرى شيئا. كانت ثيابا رجالية طويلة، مثل ستارة مسرح، ولذا أدخل يديه بينها وفتح فرجة، وحينها برز له طفل من الظلام عند الزاوية، يجلس على ساقيه المطويتان ويداه على فخذيه، وكأنه في التشهد الأخير من الصلاة. وقف لحظة يحدق فيه مشدوها. تبين له الآن أنها رائحة براز وبول وعرق. اقترب بيده وهز الطفل. رفع الأخير رأسه. وجهه شاحب مثل الميت. لا يتجاوز السادسة من العمر. لم تظهر عليه أي علامات ردة فعل، كان جالسا في تلك الزاوية المعتمة يحدق بين ستارة الثياب، وعيناه تلمعان في وجهه الشاحب المنطفئ. لحظة صمت طويلة. لم يدري ماذا يقول بالضبط، تمتم بصوت منخفض واللعنة. ثم مد يديه وحمل الطفل وأخرجه. كانت الرائحة الكريهة باهتة ولكنه قوية ومقرفة. الطفل صامت دون أدنى ردة فعل، ويتحرك بين يديه مثل شيء لزج، ويكاد يشعر بالفضلات متحجرة تحت ساعده الذي يحمله. نزل به إلى الأسفل، وحينما اقترب من الصالة التحتية توقف. وضع يده على عيني الطفل الذي لم يعترض، وتجاوز الجثتين المتباعدتين ومر بجانب زميله وهو يقول له ببرود أجل فتشت المكان يالزق؟ وزميله يلاحقه بنظراته متفاجئا. خرج نحو الحوش، والمطر من فوقهما ينهمر قويا ويبللهما في لحظات، وسار نحو سيارة الشرطة المتوقفة أمام البيت. وضع الطفل في المرتبة الخلفية وأغلق الباب، ووقف لحظة تحت المطر يحدق في النافذة الزجاجية وعليها حبيبات مطر مغبِّشة تجعل وجه الطفل ضبابيا مثل لطخة سمراء، ويخيل له أنه يرى فوق رأسه طائرا يشبه طائر شجرة السدر، لازال يرفرفر وينتفض.

في الثلاثين من شهر رجب، كانت في غرفة أطفالها. ابنتها (في السادسة من عمرها) على سرير، وابنها (في الثالثة) على السرير الآخر، وبجانبها سرير رضيعها (في الشهر الـ7). تستلقي على مرتبة خفيفة سحبتها من غرفة المخزن. النافذة مشرعة الستارة بالكامل، وتدخل منها أضواء بيضاء قادمة من عواميد إضاءة على حافة شارع فرعي بحي المروج. المطر ديمة خفيفة تهطل منذ ساعات الليل الأولى، والرطوبة الندية تنقع في الجدران والمفارش ومجرى الهواء. تستلقي منذ ساعتين، منذ الثانية عشر ليلا، وتعجز عن النوم، وأصوات أطفالها الثلاثة المتحلقين حولها ترتفع وتنخفض نغمية في الظلام، وفي المكان رائحة ثقيلة ولطيفة. رفعت جوالها، لم يأتي رد من أخواتها وأخويها بخصوص ترتيب غداء الأسبوع القادم، كانت قد كتبت لهم وختمت شبه غاضبة “لنا شهرين تلحلحوا!”، ولكن لا رد. استيقظ رضيعها، وعلمت من صوته الذي بعثر حروف علة مكركبة وغامضة وكأنه يخاطب شبحا في الظلام أن الوقت حان لإرضاعه. كان يلتقم ثديها فور ولادته لمدة خمس ساعات أحيانا في الصباح، ويكرر مثلها في المساء، حتى أصيبت بإعياء شديد وبدأت تكره نفسها، بل وتكرهه في لحظات نادرة وتتخيل سيناريوهات خطيرة في رأسها، واكتشفت أنه ممن يحتاجون لما يسمى بالتغذية العنقودية، ولذا لم تكن تخرج أحيانا لأنه كان يبكي كل عشرين دقيقة، فاشترت تركيبة الرضاعة الصناعية، ثم استسلمت أخيرا وصارت تستخدم الحليب الصناعي. كانت العلبة جاهزة بجانبها. قامت من مطرحتها وسط الظلمة المخططة بالبياض الذي يتكسر على حواف الأسرة ويندلق على سطح الفرشة الخضراء. هنالك رقعة ضوء تلون الجزء السفلي من وجهه. لم يكن يبكي، كان يضحك، ويحرك يديه ورجليه بعنف وحيوية، ويلفظ حروف العلة تلك إلى ذلك الشبح الغامض الودود الذي يربض في الظلام. وحينما رآها بدا وأنه ابتسم. كانت تقف منهكة أمام السرير وفي يدها علبة الحليب. ابتسمت له وحملته. رائحته النظيفة تختلط بنداوة المطر الفواحة. كانت عيناه مثبتتان على النافذة، سألته: وش تشوف؟ تبي تشوف المطر؟ ولكنه يفرفش بيديه ورجليه ويتمطق بفمه الارتعاشي ويكتفي بابتسامة لا معنى لها. أخذته وصعدت الكرسي لتقف أمام النافذة المرفوعة في وسط الجدار. حدقا سويا في الخارج، وهي تقول له هامسة: شوف شوف. المحلات تقف برثاثة في صف طولي رتيب وسط البيوت المتراصة، والمطر زخاتٌ رقيقة متباعدة تهوي من السماء وتتكسر على أسطح عواميد الإضاءة المحدودبة وكأنها تبحث عن شيء في الأرض وعلى لوحات المحلات والإسفلت والسيارات المركونة. نوافذ البيوت والشقق أمامهما سوداء، ومن قضبانها الحديدية يقطر الماء العالق فيها مثل الندى، ويخيل لها أن الناس خلفها ينامون الآن برضى وهدوء في الظلام المسالم، ولم يخوضوا شجارات عنيفة لا معنى لها. على حواف الرصيف برك ماء تجمعت، ترتعش مع كل قطرة تسقط فوقها وتتوسع دائرة ارتعاشتها، وكأنها تبتسم. بدء يبكي فجأة ولكن بصوت منخفض، يشتكي تقريبا أو يهدد ربما بالبكاء بشكل حقيقي. عادت به وجلست على المرتبة، وضعت الحليب جانبا، أخرجت يدها من القميص وطوته تحت ابطها لتبرز ثديها، تلقفه بعد برهة، وكأنه لم يتذكره مباشرة، وضع شفتيه الطريتان والمترطبتان بلعابه على حلمتها، وضغط عليها بتحنن وإحكام ولزوجة اللحم النيء، ثم رفع يده اليمنى على حافة الثدي بأصابعه الشفيفة الناعمة، ترتاح على منحدر الجلد المكور. جلست هناك وهي تراوح التحديق بينه وبين النافذة المضيئة، وترى الزخات الرقيقة تهوي متباعدة من السماء في انعكاس الضوء، وترى فمه المرتعش وهو يسحب من الحويصلات الهوائية إلى القنوات الحليبية أمام قلبها غذاءه، وتنصت لكل شيء يتداخل بنعومة حلمية، وتحس بشيء يغمرها مثل الحنين، فيه لذعة كآبة ولكن لذيذة. استفاقت ابنتها، عركت عينيها، ثم قامت منومة وذهبت للحمام بنفسها، وعادت. لاحظت في غمرة نعاسها الثقيل أمها، وهي تجلس في مفرق الضوء أمام النافذة، ممسكة بأخيها. جاءت تجر قدميها، جلست بجانبها. قالت أمها بصوت هامس لا يريد تغيير نغمة الموقف: روحي حبيبتي لسريرك يالله. ولكن البنت استلقت على فخذ أمها ونامت. جلست مدة طويلة وهي على تلك الوضعية، حتى أحست بفم رضيعها ينطفئ، ورأته وقد أغلق عينيه، لازال مكورا حلمتها بشفتيه. قامت بعد أن أبعدت رأس ابنتها عن فخذها بحذر وحطته على وسادة المطرحة، ثم وضعت رضيعها على سريره، ورقعة الضوء تلون وجهه النائم. وقفت لحظة تحدق في المحيط حولها، وسط الضوء المندلق مثل الوشاح، وتحس بثديها المكشوف تتقشر حلمته الرطبة في الهواء، وذلك الشعور الغامض بالحنين الكئيب اللذيذ يرتفع بقوة أكبر. أعادت ابنتها إلى سريرها، ثم خرجت من الغرفة، وعادت إلى غرفتها. وقفت لحظة تحدق في السرير، حيث يستلقي هو في الظلمة. يبدو متكدسا في الطرف الأيمن، مثل حيوان مجروح ومنكمش على نفسه، بينما بقي الطرف الأيسر – طرفها – فارغا. ظلت على تلك الوقفة للحظات، وصوت المطر في الخارج ينهمر بخفة. لاحت على وجهها تكشيرة غريبة. تقدمت واستلقت على السرير، والتفتت نحوه تحدق في ظهره الذي لم يعد مشدودا وقويا مثلما كان، ثم استوت تحدق في السقف، وحينها انقلب إلى جهتها وصفقها دون قصد بكامل جنبه الأيمن فتداركته ودفعته متفاجئة وهي تقول وجع وش فيك أنت. فز من نومه متكئا على مرفقه، يحدق أمامه بعينين شبه مغلقتين وذهول غير مستوعب. من ذا؟ سأل. قالت: أمك. أطرقا لحظة ثم قال بنفس الذهول: وشو؟ ثم أكمل: أنت؟ متى جيتي؟ فردت: ليه تبيني أمشي يعني أخلي لك السرير ترمي جثتك على جهتي. فقال بسرعة: لا لا لاتروحين وش تروحين نومي بس جنبي ما صار شي. ثم ظل يحدق فيها بنفس نظرة الذهول غير المستوعبة، وبعد لحظات رمى بوجهه على المخدة وعاد للنوم. حدقت فيه لحظة وهي تقول الله يخلف بس، ثم ضحكت بسخرية وعادت تحدق في السقف. المطر صار يضرب بشكل أكثر قوة، والرطوبة تتصاعد. بدأت تشعر بالنعاس بعد لحظات، ثم نامت.


جدي الذي لم يمت إلا مرة واحدة

سأحاول أن أكون حياديا، ولكن من الصعب أن تبقى حياديا في مثل هذه المواضيع. وعموما هي قصة لا تصلح لكشتات بر في الربيع، أو تلك التي تقولها لتسلّي بها أطفالا. إنها قصة غير مريحة، ولكنها حقيقية وهي انعكاس لوقاحة هذا العالم بشكل عام، ولذا يجب أن تقال.

اليوم فقط، علمت أن محلا لبيع الهدايا سوف يفتتح في المكان الذي كان عليه بيت والد جدي. لقد هدمه جدي بمعول مثل المجنون كما يقال، ثم جلست الأرض فارغة، ثم بنى مسجدا فيها، ثم هدمه في واقعة أثارت جدلا كبيرا وكادت أن تؤدي به إلى أن يسجن في الإمارة. وعموما لجدي قصص شاطحة كثيرة، وهو كان رجلا فيه نزعة جنون نسبيا، ولا أحد يلومه. المهم، كان صغيرا حينها، لا يعرف عمره تحديدا، ولكن لنقل أنه في حدود العاشرة حينما حدث ما حدث. كان لديه أختان. أمه وأبوه على قيد الحياة حينها. لقد سمعتُ القصة عشرات المرات، أكثرها كانت في السر، حينما كنا لوحدنا أنا وهو. كان يصرخ عاليا أحيانا، وأحيانا يمنتج القصة بالصمت الطويل، وأحيانا يرويها بشكل حيادي وكأنها قصة الجني الذي ظهر له في وادي حنيفة. ولكنه لم يبكي ولو مرة. كان يقول إن رائحة غريبة بدأت تنتشر في المدينة حينها، رائحة عفن وتفسخ. صارت جلود الناس تتغير، تزرقّ وتصفرّ وتسودّ. ثم بدؤوا يتساقطون. يقول إن الموت شيء لا تخاف منه، فهو يحدث لك وتنتهي، ولكن ماذا لو كنت ميتا وأنت لم تمت بعد؟ ثم يقول هاه ويتطلع فيني مستفسرا بعينيه الممزوزتين الثاقبتين، فأهز كتفي بحدة وأقول وأنا وش يدريني، فيكشر في وجهي وينزرني أنت الحين رجال لازم تفهم. ولكنني لم أفهم، ما الذي يعنيه أن تكون ميتا وأنت لم تمت بعد. على أية حال. يقول إن أباه هو المجنون الحقيقي، مهوب أنا، ويقولها وهو يرفع سبابته في وجهي وكأنني أنا – وقد كنت أحيانا في السابعة من عمري فحسب – الذي اتهمته. هو المهبول مهوب أنا. يقول إنه استيقظ ذات يوم على صوت أذان أبو صالح فوق المئذنة المجاورة، وكان أيامها ينام في السطح. وحينما نزل رأى أخته لطيفة، ورأى في الضوء الخافت للفجر أن لونا غريبا بدأ ينقع في جلدها. كان يحدق أمامه حينما يقول هذا ويخيل لي أنه يراها أمامه، ثم يروي قصصا عن لطيفة وعلى فمه تكشيرة باردة. يقول إنها في مثل عمر خالي صالح (كان يشبّه الأعمار دائما بأعمار آخرين لأنه لا يعرف كيف يحسب الزمن)، وقد كان عمر خالي صالح 17 سنة حينها (هذا الكلام قبل 15 سنة). يقول إن لطيفة كانت تتقيأ، وعلى جلدها انطبع لون أصفر. ومن هنا تغير كل شيء تقريبا.

لا يهم ماذا كان، المهم أنه وباء، والناس تموت. تعرفون القصص، أكيد، القصص الشهيرة، العوائل التي يجدونها ميتة في بيتها دفعة واحدة، والقبور الكثيرة التي حُفرت لكل تلك الجثث. كلنا يعرف هذا الرعب الورقي والشفهي. يقول إنه خرج بعيدا عن أسوار البلدة، ووقف هناك أمام سفح جبلي يطل على واد مقفر، وقد نحت الجدب المتصحر مجاري الماء المتيبسة فيه مثل الشرايين. كل شيء جاف وقاحل. صخرٌ وحصىً وهضابٌ مدببة تسحب المدى إلى أبعد نقطة تصلها العين، حيث يلمع وترُ رطوبةٍ سرابيٍّ يرتعش ويُغشّي، وفوق هذا كله تبرك شمس أول العصر، مكورة بين قزع سحاب شديد البياض. يقول إن رائحة تأتيه من المزارع، حيث بدأ الناس يتقيحون ويموتون هناك دون أن يفهموا لماذا. ولكنها كانت رائحة رطوبة غريبة منقوعة في ورق الشجر، تُذكّر بالفجر، والبكور، والنقاء المألوف لساعة السَّحَر. يقول إنه سار طويلا في الامتداد الفارغ الأجرد، ترافقه صخور ووهاد وجروف وعقارب وخلاء وفراغ، وتزحف على جلده خطوط عرق وأشعة ضوء. يقول إنه رأى رجلا في الامتداد المجدب وسط الوتر الرطب المرتعش، يلوح بعيدا مثل ظل، وسط ثلاث خيام متناثرة حوله. كان يمسك مسحاة، ويحفر، يرفع ساعديه عاليا، يهبط بهما على الأرض، ويُسمع من بعيد صوت الضربة بعد لحظات، وكأنها تسافر عبر مسافات، وتقطع شعابا وتلالا وجروفا قبل أن تصل أخيرا إلى أذنيه. تك، تك، تك، مكتومة بالتراب والبُعْد. وقف يراقبه تحت الشمس التي تسقط ببطء في الأفق، تلك الحركة المنومة لرجل يرفع المسحاة، تصل إلى أعلى نقطة فوقه، ثم تهبط سريعا على الأرض، وتبقر برأسها التراب. تك تك تك. مرت أكثر من ساعة. كان الرجل قد لحَدَ أربعة حفر، ثم قام بسحب أربعة أجساد، وألقى كل واحدة منها في حفرة. ثم وقف أمامها، وقف فقط، ربما ليلتقط أنفاسه، أو ليحدق فيها في نظرة أخيرة، أو ليصلي، أو ليبصق عليها، ليس واضحا، ومن فوقه تبرد الشمس البرتقالية وراء جبل. يقول إن الرجل بدا وكأنه رفع رأسه، لقد كان بعيدا ولا يمكن أن يحدد هل رفع رأسه أم ماذا، لازال يبدو مثل ظل، ولكنه كان متأكدا أنه رفع رأسه نحوه، وحدق في المسافة كما يحدق هو في المسافة ويراه واقفا مثل ظل في المساحة الجدباء، حيث تختفي الشمس من بعدهما وراء جبل. يقول إنه عرف حينها، عرف كل ما سيحدث.

يقول إن البلدة لم يكن فيها رائحة الموت، وإنما النوم. الجميع في بيوتهم، والجميع بدأ يدرك أنه لم يعد للموت قيمة هنا، وأن أحدا لن يبكي على ميّته، وأن أكثر الناس حظا من مات في أول الأمر، حينما كان للموت قيمة. المكان في الخارج نائم، لا يوحي بالموت، كل شيء مختبئ في غموض أسواره المغلقة، والخارج نائم، مثل جني لا يُرى ولكنك تعلم أنه يختبئ أمامك في الظلام وأنه في أي لحظة سيقفز عليك ولن تكون قادرا على فعل شيء. هكذا كانت البلدة على حد تعبيره، بلدة جن. الصفرة على وجه لطيفة قد تحولت سوادا، وانتقلت إلى الآخرين، وكان كل شيء قد تقرر: سيموتون هنا. ولذا أقفلت الأبواب، وغرقوا في الغموض، والظلام، واستعدوا للجني الذي يربض فيه.

يقول إن والده جاء إليه وجلس بجانبه، وجهه متلون وعلى جلده لزوجة مثل المخاط. تفوح منه رائحة شجر وتراب ونخل، مختلطة برائحة نضج ذكوري لرجل قوي ومتقد. قال له كلاما، لم يخبرني به، يطرق طويلا حينما يروي هذه اللحظة، ثم يصف ظلام السماء الخالية من النجوم فوق الحوش المكشوف وجفاف المكان المتيبس الذي يغلفهما وشعيرات والده الطويلة التي تغطي يده الضخمة الخشنة، ويختم أنه مد ساعده على ظهره وضغطه إليه بقوة ففاحت تلك الرائحة الذكورية العنيفة أكثر، ثم قال له شيئا، ولكنه لا يخبرني به أيضا. تركه بعد لحظات، ورآه يذهب لغرفة الأختين، يقف أمام ضوء يصدر منها وينحت فجوة منيرة في الرواق، ثم يختفي داخلها، ويبقى الضوء في أثره. يصمت طويلا. ثم يكمل بفتور نزق أن الأمر لم يأخذ وقتا طويلا، لقد بدأ مع هزيع الليل. استلقى وقد بدأ يسمعهم في الظلام، ويصف الظلام بأنه مثل الكحل، وكأن أحدا ما سكب لونا أسود في المكان. أصوات تبدو ليست من هنا، مثل شياطين أو آلهة. ليس هم فقط، بل ربما ليس هم، ولكن من كل مكان، أصوات غريبة. لقد كان والده فلاحا، وهو سيكبر ليكون فلاحا، ولكن هذا الأنين الخافت لم يسمعه في حيوان من قبل. يقول إن الأمور تغيرت حينها إلى الأسوء، والنهاية تبدت حتمية.

تسلل من البيت مع مطلع الفجر. يقول إن والدته لازالت تقاوم وتطبب ابنتيها، أما والده فهوى سريعا، تبدلت رائحة النضج الذكوري المتقدة بأخرى تشبه رائحة بغل تعيس يوشك على الهلاك. عاد ليسير في القفر المجدب وراء البلدة، ورمى وراءه المزارع التي لازالت تفوح برائحة السَّحَر والرطوبة النباتية. في البعد المقفر حيث تستقر حفر الغريب الأربعة؛ لم يكن هنالك خيام، لقد اختفت، واختلطت تلك البقعة بالمساحة المجدبة الماحلة ومسحت بذلك أي أثر لمن كان هناك، ورغب في أن يقترب ويحدق في القبور، ولكنه لم يشعر بطاقة كافية لذلك، ورأى شجيرة سدر جامدة في انعدام الريح والنسمة، تقبع هناك وسط القفر، دون أدنى حركة، وكأنها جثة هامدة. يقول إنه بكى هناك، قليلا، ” ما طولت أصيح، شوي بس”، تحت الزرقة المصفرة للبكور، وأحس بالدمع الحار يتيبس على خديه، وهو يحدق في المسافات الشاسعة حوله، حيث لاشيء يتحرك، وحيث يبدو كل شيء متوقفا، مثل جثة هامدة. يروي أنه عاد ليسير في أزقة البلدة صباحا، يسب كل شيء وهو يروي ذلك، البيوت الطينية الصغيرة ونوافذها المسجى بعضها بستائر من القطن مثل اللحد، والسكك التي على حوافها حصى “سبع الحجر” بعد أن هجرها الأطفال الذين ماتوا أو يموتون أو انشغلوا بمن يموت من أهلهم. يسب كل الشيء، الناس والهواء والديرة بأكملها. وعموما هو هكذا، هذه شخصيته، حينما يكره شخصا فإنه يكره كل شيء، يكرهه ويكره أمه وأبوه وقبيلته وجماعته. في مرة من المرات، كنت معه وقد شارف الخامسة والتسعين، ولازال يقود سيارته بذات الجنون واللامبالاة، استفسر منه رجل عند إشارة عن مكان ما، فسأله جدي وقد تعرف على لهجته: أنت من الزلفي؟ فقال الرجل الله الله. هز جدي رأسه بخبث ثم أخذ يعطيه وصفا يوحي بالدقة، شارع كذا وكذا ومحل كذا وكذا وتمر من عند ذاك وذاك وتلف يمينا قبل المحل الفلاني وتواجه تقاطعا تسلك منه يسارا قبل المحل العلاني، والرجل يتابع بانتباه، حتى وصل جدي إلى النقطة الأخيرة: بتوصل لشينكو على يمينك، هاه؟ اذا مشيت جنبه وصار على يمينك، يعني باريته، إذا باريته دق علي وعلمني من يفوز، ثم فحط بالسيارة وترك الزلفاوي في دهشة بينما هو يضحك ويسبه، والسبب أنه تهاوش مع زلفاوي قبل سنوات، فكره أهل الزلفي كلهم. ولذا لك أن تتخيل كيف سيصف هذه البلدة حيث يموت كل شيء أحبه، يصفها وهو يسبها، يسب كل شيء، بحقد وعنف، ويصف بيتهم، الذي يقف عند زاوية بجانب المسجد، ويُطرق لحظة، ثم يصف النوافذ المحفورة في الطين، وهي تلوح معتمة، تستر ما يدور خلفها، نعم مثل لحد، تستر الوحوش الغامضة التي احتلت أجساد أهله. كله من هالديرة، يخبرني، كله منها الله يلعنها.

يقول إنهم بدؤوا بتخيل أشياء وهم يطفحون في عرقهم ومخاطهم وبولهم. كانوا يتبولون على أنفسهم بحسب قوله، كانت ملابسهم السفلية ناقعة بصفرة فاقعة، أبوه وأمه وأختيه، كلهم يتبولون على أنفسهم ولا يحسون، أو أنهم يحسون، لا يعلم. يتخيلون أشياء، يقولون أشياء غريبة. يقول إن والده كان يتلفظ بأشياء عصية على التصديق، أشياء بشعة، أشياء حتى هو الذي سيُتهم على امتداد حياته بالتجديف والدناءة والحقارة يتحرج من قولها. أشياء بشعة فحسب، لها علاقة بفعل أشياء محرمة الذكر بأطفال ونساء بل ودواب. يقول إنه رأى صدر أخته حصة مكشوفا وقد خلعت ملابسها لاواعية بما حولها من بشاعة الحرارة التي كانت تشعر بها وهي تسكب ماء على جسدها، لقد كان أول ثدي يراه في حياته، ورآه في أخته، عليه عرق متملح فوق المسامات الملونة ببقع احمرار ثخينة، يلمع مكورا ومدورا في انعكاس الضوء. يقول إنه رأى أمه تتبرز على نفسها، وإنّ هذا المنظر كان أبشع شيء رآه، لم تبدي خجلها منه، لأنها بحسب قوله لم تكن مدركة لما حولها. القذارة تندلق من فخذيها وتتفزر نحو قدميها سائلة مثل الطين، وهي تئن واقفة إذ كانت تحوال الذهاب للخلاء ثم تهوي مقعية مثل حيوان قبيح. يقول إنه تقيأ وبكى قليلا، ولكنه لم يرغب بالاقتراب منها، لم تكن هي أمه. كان يضحك أحيانا ويقول إنه فكر بالهرب، ولكن أين سيهرب؟ ذهب إلى بيت عمه في آخر البلدة فوجدهم أمواتا، وثلاثة أشخاص قد فتحوا الباب وهم يحوقلون ويحاولون إخراجهم. يسألون فيما بينهم وهو يقف خلفهم عمن من يعرف أقاربهم، فيصمت دون أن يقول شيئا، ويرى على أوجه الأشخاص الثلاثة اصفرارا ولزوجة حارقة، ويعلم أن الدور ربما سيمر عليهم قريبا، ولكنه يصمت ويحدق في جثة عمه وأبناء وبنات عمه داخل البيت المعتم. يقول إنه كان يعرف الموت، ليس غبيا، لقد شاهد أخته الصغيرة والجدري يقتلها ببطء قبل كم سنة، تموت أمامهم وفقاعاتٌ متقرحة تنحت وجهها الصغير الجميل وتجعله مثل صخرة نبتت لها ملامح إنسانية مشوهة. ولكن هذا شيء آخر. يبدأ بوصف أشياء غريبة، لا تمت لعوارض المرض، لا الطاعون ولا إنفلونزا الخنازير. يقول إن قروحا بدأت تظهر على أجسادهم، قروح تتقيح بصديد أصفر. ويقول إنهم يصرخون أحيانا، يصرخون صرخة ليست إنسية أو حيوانية، وإن هذه الصرخة تضرب نخاع عظمه فينتفض وتطير كل فكرة من عقله ولا يبقى إلا الذعر الخالص وسط الظلام. يقول إنه يستلقي في الظلام ويغلق عينيه بقوة، ويبدأ بملاحظة ألوان متكهربة في انعدام الرؤية الأسود، تختلط في بعضها بطريقة جنونية ثم فجأة تتكون منها صورة شنيعة لوجه مخيف أو جني مرعب فيفتح بفزع عينيه ولكنّ مزيدا من الظلمة يلحقه هناك تحت السماء الخالية من النجوم فيقفز ليتحرك فقط ولكنه يسمع أنينهم اللاإنسي ويرى والده يحاول المشي على قدميه وهو يترنح مثل وحش كسير. يقول إن الروائح لا توصف. روائح البراز والبول والمخاط والتقرح التي تتفرع في كل شق من البيت وتنطبع ثقيلة ولزجة ومتمططة على الجدارن وأسطح الأشياء، حتى أنه أحس بعدم قدرته على التنفس، وأحس بطعم البراز والقيء يخترق حلقه وينطبع بطعم شديد البشاعة في لسانه، لدرجة أنه سقط وهو يحاول الخروج من المنزل، وظن أنها النهاية وأنه سيموت مثلهم في اللحظة التي أظلمت عيناه فيها. ولم يفق إلا بعد ساعات. وهنا تنتهي القصة عدى القفلة. أبي يقول – نقلا عن شيبان لحق عليهم – إنهم دخلوا البيت بعد زمن، فضربتهم رائحة الموت والتفسخ والفضلات والتحلل، ولكنها لم تكن غريبة عليهم، فكل المدينة كانت هكذا كما يقولون، ووجدوا الجميع ميتا عداه، فحملوه وهو يحدق فيهم مشدوها ولا يبدو أنه يعرف أحدا أو أي شيء يراه. أما هو فيقول شيئا مختلفا، ويقسم بذلك، ويعدني وأنا في الثانية عشرة أن يأتي بشاهد يقال له أبو سعد ليخبر الحقيقة. يقول إنه حينما أفاق وتأكد من نجاته، رغم أنه كان ضعيفا جدا، “لكني دريت اني منيب ميت” على حد قوله، قام بغسل جثث عائلته الأربعة، ثم جرهم واحدا واحدا عند المدخل ووضعهم على بطانية وغطاهم بأخرى، ثم استجمع كل قوته ليجرها ثلاث خطوات من الباب إلى الخارج. لم يكن يعرف ما الوقت، ولكنه قدّر أنه الظهر. كانت السكة فاضية، ووقف ينتظر حتى مر به رجل، أبو سعد ما غيره، رفع يده له وطلب منه أن يساعده، ولكن الرجل ألقى نظرة على البطانية من بعيد وسأله: أهلك؟ فرد: إيه. فأطرق الرجل قليلا وقال: ما اقدر الحين، بروح أصلي على أخوي وبناته، أجيك وأجيب معي جماعة وأنا راجع. فهز رأسه موافقا وقال بنتظرك. وجلس بجانب البطانية التي تحمل الجثث المتكومة، ينتظر في الظهيرة.

عُـمّر ليعيش بعد ذلك قرابة 100 عام. إذا قالوا له في جملة ظرفية: الله يطول بعمرك، يرد جادا: ما يحتاج منيب ميت، الموت ما يدري وين يودي وجهه مني، خذ أهلي كلهم وعجز عني ما يسطي يوريني وجهه. وحينما قال له مسن من نفس البلدة زاره بعد غياب سنوات ذات يوم: تسننا متنا ذيك الايام ورجعنا يا. هزئ به وقال: أنت اللي مت، ما علي منك، أنا إذا مت منيب ميت إلا مرةٍ وحدة. ولأنه ابن فلاح، فقد عاش فلاحا، ولم يعرف شيئا غير الفلاحة. لحق على ما قبل النفط، وعاش أغلب عمره يتيما وفقيرا ومعدما. لازال يظن أن الفقر ينتظره عند الناصية ليقفز عليه ويقول “صدقت نفسك يا”. لا يؤمن بشيء غير الأدوية والسيارات، لا يؤمن بالمدنيات أو التعليب أو الناطحات أو الصناعات، يؤمن فقط بالسيارات التي لف بها شبه الجزيرة كلها فور دخولها المملكة من الساحل إلى الساحل ومن تلال دوقرة إلى صحراء الأحقاف، والأدوية والعلاجات التي تجسد الفكرة الإعجازية لإبرة تداوي وكبسولة تعالج كل شيء. ولذا لازال يظن أن في الموضوع خدعة ما، وأن أحدا لعينا منيوكا ابن كلب سوف يغلق “الزر” ذات يوم وستنتهي هذه المسرحية المريبة بأكملها وهو يضحك عليهم وسيكون عاجزا عن علاج نفسه وسيموت مثل كلب كما مات أبوه وأمه وأخواته الثلاثة. يقول دائما إن حربا ستقوم، لأنه لازال مقتنعا أن الحياة بئر ماء – بطريقة أو بأخرى – وأن الناس سوف يتقاتلون عليه. يعالج بهوس قدمه المتورمة بفعل الروماتيزم، لأنه لازال مقتنعا أنه سيحتاجها ليهرب ذات يوم وأنه لن يخدمه شيءٌ مثل نفسه. يخبئ كفنا في دالوب غرفته، كما يفعل كثيرون في مثل عمره على حد زعمه، ويشير إلى أنه من أهم ما يملك لأن الموت لا ينسق موعدا معك. يقول إنه لا يثق في حب الأمهات، لأنه شاهد في طفولته أما تقتل شخصا عابرا بقريتها وتسرق ما يملك لتطعم أطفالها. يصلي ويصوم ويزكي ويحج، لأن شيخا قال له “وش أنت خسران يا؟ اذا صح جنة، واذا لا كل اللي خسرته وقت وقرشين”. سمع طفلا يقول إن في الهند مليارا ونصف شخص، وجلس يومين يحاول فهم المليار، وحينما فهمه همس “وجع!!”، وقال إنها حتما المكان الذي يذهب إليه الموتى والمنسيون منذ بدء الخليقة، وإنه سيجد هناك أمه وأخته الصغيرة التي قتلها الجدري. يقول إنه تغدى بأناس كثر لأنه ظن فقط أنهم سيتعشون به، وإن أناسا آخرين سيتغدون به لأنهم يظنون فقط أنه يخطط أن يتعشى بهم. مات الرجل، قبل أشهر. بأناة على فراشه، وقبل انتهاء المسرحية، وفي جيبه خمسة أصفار بجانب الواحد، وفي هدوء فجر اثنيني آمن، وقبل أن يتغدى به أحد. مات وهو ينتظر، ولكن شيئا لم يحدث. وأيضا، لم يذهب للهند، ولم يرى أمه وأخته الصغيرة التي قتلها الجدري. دفن في مقبرة بجانب مسلخ. وسيظل هناك.


إنه يحدث (انطباع عاطفي وانفعالي وغير حيادي)

leo-messi-priceless

 

في أحد أقبية الملاهي الليلية التحتانية في نيويورك أوائل الستينيات، كان هنالك رجل يقف رافعا يديه ويصرخ للداخلين: “it’s happening – إنه يحدث” ويكررها، ملوحا فوقه وكأنه يصلي ويبتهل، ويصرخ: “it’s happening – إنه يحدث”.

ما هو الـ “إنه”؟

“إنه” سيتصح أنها الحياة التحتانية لنيويورك. تفتُّـق عصرٍ جديدٍ من أسفل المدينة يحملها إلى الربقة الأعلى حيث لم تصل من قبل. الفنون والتجريب والعنفوان والمخدرات والنشوة والجنس والتحرر والانتماء والانفتاح الكلي على مجتمع صاخب ومندفع وجريء وأحمق ووقح وغير مسؤول وممتلئ بالبوهيمية والانتشاءات اللامحدودة والمغامرات اللامحسوبة. إنه يحدث. كان ذلك الرجل يعرف، ولكن “إنه” كانت شيئا أكبر من أن يُعرّف. ولذا بقي إنه، وحينما اكتمل، صار “إنه” يُعرّف بـ “نيويورك”، فما إن تقول “نيويورك” حتى يفهم في ذلك الوقت أن المعنيّ هو موطن مكان مليء بمغامرات واحتمالات جديدة لم تكن من قبل.

وعليه. لابد أن يكون هنالك شخص ما، صرخ بنفس الطريقة “it’s happening – إنه يحدث”، حينما بدأ يبنى برج بابل وسط المدينة. وحينما بدأ الناس يتداولون قصائد أبي الطيب المتنبي. وحينما سُمع في جلسة ما لحن لشخص يقال له زرياب. وحينما بدأ الناس يتداولون البحث في الزمن الضائع لبروست. وحينما عُرضت للمشاهدين أفلام أوزو. وأخيرا، لابد أنه كان هنالك شخص ما في ملعب الكامب نو يوم 18 أبريل 2007، حينما سجل ليونيل ميسي هدفا على خيتافي، قفز من مكانه مع المشجعين الممسكين برؤوسهم وصرخ “it’s happening – إنه يحدث”.

حينما تجاوزت بغداد قرني بشار بن برد وأبي نواس والجاحظ والأصمعي وأبي تمام والبحتري، وحينما تجاوزت باريس قرن بلزاك وفيكتور هيجو وبودلير ومالارميه، وحينما تجاوزت أمريكا عصر فوكنر وهمنجواي وفيتزجرالد وشتاينباك. حينما مرت كل هذه النماذج وتجاوز ذلك الـ “إنه” الذي فيها أجيالٌ لم تلحق عليه أو أجيالٌ لم تفهمه حينها، وجدوا آثاره، مخلفاته، بقية ما تبقى من فتاته. ولم يكن هو فعلا ذلك المتبقي، وإنما ذكرى من حقيقته. عاشوا على تلك البقية، وتسلوا بها، ولكنّ ندما سخيفا تبدى في أدبيات العصور اللاحقة لهم، يشبه ندم الطرد من الجنة، لأنه مثّل ندمَ عدم اللحاق بشيء غريب ومميز ليس بالضرورة أن يكون محببا أو مفضلا ولكنه كان يبلغ من الفرادة أنه سيضع لذوقك وحياتك ومتعتك سمة خاصة لو لحقت به، شيء يميز أيامك التي راحت بلفتة خاصة جدا، ويلونها في ذاكرتك، وهو ما لا يحدث في الحياة إلا نادرا. باختصار: لقد فاتهم.

حينما يعتزل ليو، ستجيء أجيال تقف في مخلفات الـ “إنه” التي تركها مثل غيره، مقاطع الفيديو والحكايات والشواهد التي يرويها أشخاص عاشوها بكل قوتها وعنفوانها ويوميتها وتكرارها، وسيتضح لهم ذلك الندم بشكل أكبر لأنهم فوتوا شيئا عظيما كان سيلوّن ذكرياتهم وحياتهم بمتعته ولذته ونشوته. وسيكون أكثر ندما منهم من لحق على ذلك الـ “إنه” ولكنه لم يختبره بكل طاقته، لم يُلقِ له بالا كما يجب، لم يهتم به كما يليق به. وسيكون مثل شخص أمضى أيامه يلعب النرد وشيشرون يخطب في منصات روما، أو انضم إلى حلق الحديث بينما كان إبراهيم الموصلي يغني في مكان ما في بغداد، أو اكتفى بدراسة الخيمياء بينما كانت روايات مارك توين تباع على الأرصفة، أو شجع الهلال في وقت كان يلعب فيه ماجد عبدالله في النصر.

ذلك الـ “إنه” في صرخة الممسك برأسه في مباراة خيتافي كانت حينها أيضا شيئا أعظم من أن يعرّف. ولكن الآن، حينما اكتمل، صار ذلك الـ “إنه” هو “ميسي”،  فما إن تقول “ميسي” حتى يُفهم أن المعنيّ هو أقصى مراحل الكمال والجمال الكروي الذي لم تشهد اللعبة العريقة التي تتحكم بعقول وأفئدة الكثيرين حول العالم شيئا مشابها له. على الأقل كما يراه كثيرون.

يحكى أن إبراهيم الموصلي، أحد أعظم المغنين في العصر العباسي، حينما سمع ذات ليلة لحنا تغنيه قانية في مجلس لهو، استخفه الطرب لدرجة أنه قفز من مجلسه وركض في شوارع بغداد وأزقتها حتى وصل إلى منزل صديق له يجيد الطرب على مستوى قريب منه، وطرق الباب بقوة ففتح الرجل مرعوبا وهو يرى صاحبه يقف قبالة بابه. لم يقل الصولي شيئا عدا إنه سمع أحد أعظم الألحان في حياته وأراد أن يشارك ذلك مع شخص يفهم ما الذي يعنيه أن تسمع واحدا من أعظم الألحان في حياتك، ثم تراجع واختفى في الظلمة تاركا صاحبه عند الباب، وهو يفكر حتما في سماع ذلك اللحن في أقرب فرصة. وفي السياق نفسه، يحكى أن الروائي البريطاني العظيم أنتوني بورجس حينما شاهد هدف كارلوس ألبرتو مع البرازيل عام 1970 صرخ وهو يلوح بيديه “ليكتب جويس (وكان أستاذه المقدس) شيئا مثل هذا!”، وأمضى اليوم كله وهو يصف الهدف وكيف تم بناؤه بطريقة هندسية صبورة لكل شخص يقابله ويشرح كيف أن هذا شكل من أشكال الفن. ومنذ اللحظة الأول التي شاهد فيها المفكر الانفعالي إدوارد سعيد الراقصة تحية كاريوكا عام 1950 ظلت صورتها محفورة في خياله حتى كتب مقالا عنها لم يكتفي فيه بإبراز نشاطها السياسي والثقافي ولكن تسلل ليصف اللذة التي لم تنطفئ لذلك الشاب الذي رآها أول مرة ورأى فيها “تجسيدا لنوع من الإثارة بالغ الخصوصية” على حد تعبيره.

لنعد بالذاكرة إلى اللحظات الفريدة من نوعها التي تعيشها كل أسبوع مع ليو ميسي. ستجد أن ذاكرتك مرهقة. والسبب أن الرجل يقوم في كل أسبوع بشيء مجنون. إنه لا يلعب الكرة، إنه يعيد خلقها من جديد. إنه يقوم بأشياء كانت تبدو مستحيلة أن يقوم بها شخص واحد، إنه يمسك الكرة بطريقة جسدية تبدو إعجازية فيزيائيا مثل لاعبي الجمباز المرعبة أجسادهم في مرونتها التي تكاد تكون مقززة لغرابتها، ويقرر في جزء من الثانية وبنظرة واحدة مواقع كل شيء أمامه ثم يتخذ قرارات عقلية أسرع من أن يستوعبها المشاهد الذي يرى كل شيء بنظرة بانورامية فيمر بالكرة أو يمرر أو يسدد كرات تخترق الجميع نحو الهدف وكأنها مربوطة بخيط. ويقوم بكل ذلك باتساق متواصل وطردي لدرجة أنها تصبح عادة، ولكنها رغم ذلك لا تفقد لذتها، لا تفقد قدرتها في كل مرة على أن تجعل أعصابك تتفاعل مع رؤيتها وتتضخم ثم تنفعل في حالة نشوة تدفعك لأن ترغب في أن تقطع شوارع المدينة التي أنت فيها مثل الموصلي لتخبر صديقا يعرف ما الذي يعنيه الإعجاز الجسدي عن ما شاهدته للتو، أو أن تصرخ مثل بورجس مطالبا كاتبك المفضل بإبداع شيء مثل هذا وتظل تشرح ما حدث لكل شخص تقابله وكيف أن ما حدث شيء يتجاوز مفهوم اللعبة إلى حالة تشبه خلق شيء من العدم، أو تحتفظ بكل ذلك في ذاكرتك لمدة 40 عاما مثل إدوارد سعيد ثم تعود لتكتب عنه وعن تلك اللذة التي نحتها فيك وكأنها حدثت للتو بنفس الجِدة والاستمتاع الذي لا يكبر ولا يتغير. إنها شيء في منتهى الخصوصية تلك اللذة، تلك اللذة في تجربة شيء في منتهى الكمال والجمال، مثل رعشة الجنس أو قراءة كتاب عظيم أو سماع أغنية مثالية أو تذوق أكلة رائعة أو حرارة الوجود بقرب شخص تحب الوجود معه.

 

 


الأموات

 

أعرف بيكيت شخصيا. هو الرئيس التنفيذي لشركة إلكترونيات متقدمة يستقر فرع الشرق الأوسط منها في دبي. لا يصرُّ فقط على أنه ليس بيكيت، بل أنه لم يكن هنالك بيكيت أصلا. وعموما لا يمكن تصديقهم، أعني الأموات، إنهم يكذبون كثيرا، وأبعد الناس موتا – أكثرهم موتا – هم أكبر اللامصدَّقين. النعمان بن منذر مثلا، يملك شركة هندسة معمارية ضخمة في طرابلس، ويصر أن النعمان بن منذر خرافة تاريخية، لدرجة أنه افتتح مركز أبحاث مخصص لهذا الغرض أسماه حرفيا “لم يكن هنالك النعمان بن منذر”، إذا توظفت في ذلك المركز سيُكتب على كرتك “موظف في مركز لم يكن هنالك النعمان بن منذر”. جدتي أيضا، توفيت ثلاث مرات حسبما أعلم، هي الآن مديرة محل نسائي لصيانة الجوالات في شارع التخصصي بالرياض، وتقول إنها لا تعرفني وإنها لم تنجب أبناء من قبل أصلا، ولا فائدة في محاولة إقناعها. الأموات يكذبون، أو أنهم ينسون فعلا، لا يمكن معرفة ذلك إلا حينما تموت وترى، ولكنك حينها لن ترى، لأنك ربما تنسى فعلا. المهم، بيكيت لم يكن بيكيت على حد قوله وربما لم يكن هنالك بيكيت فعلا ولكنه كان صحبة رائعة. إنه يتحدث عربية مكسرة، ويحب قراءة المنفلوطي، ولديه حساب انستجرام فعال، ويقول إننا نعيش أزهى العصور في ظل الانفتاح التكنولوجي العظيم، ثم يحاول بيعك حصة من أسهم شركته التي أشك – وأنا لست خبيرا ماليا – أنها في الطريق للإفلاس ولكن لا خوف على بيكيت لأنه يقول إنه اختلس أموالا كثيرة منها. يحتفظ بأغاني تايلور سويفت في هاتفه، ويتابع المصارعة الحرة، وقام مؤخرا بإجراء عملية لإطالة ذكره. والأهم، يحب حفظ كلمة جديدة كل يوم، ويقول إن كل كلمة جديدة يحفظها تفتح له بابا واسعا من القدرة على التعبير. تخيل؟! إحدى الكلمات الجديدة التي عرفها هي: أويلاه، يقولها حينما يعلم أن جنيفر لوبيز أصدرت فيديو كليب جديدا، وحينما تهبط أسهم شركته بعد فضيحة أخرى، وحينما يذوق كبابا مغربيا متقنا، وحينما يقول له الطبيب إن عملية إطالة ذكره خطرة قد تؤدى إلى استئصال رجولته. أويلاه. وبيكيت يعد حالة شبه اعتيادية بالنسبة للأموات الذين يناقضون الماضي، أو ينسونه كما يقال. هنالك أموات يستلهمون سلوكيات مشابهة لنسخ سابقة رغم تناقضهم في كل شيء آخر. فرعون مثلا، ما غيره، يعمل محاضرا وأكاديميا في جامعة عين شمس، وأظن أننا نتفق أن هذا لا يختلف عن فرعون الطاغية الذي كان يقول أنا ربكم الأعلى وما أريكم إلا ما أرى، بل ربما أفظع، لأن هذا الفرعون يجبرك على حضور 75% من محاضراته الترمية التي تمتد لساعة تقريبا بينما فرعون القديم لا أحد من العامة يراه إلا مرتين في السنة بالكثير.

ولكن عموما كن متأكدا أنك لن تتخلص تماما من كل ما جئت به من الموت، فبعض الأشياء لا سبيل أساسا للتخلص منها سواء كنت تنساها أو تتناساها. هل رأيت من ماتوا بفعل حادث أو كارثة أو حرب؟ أويلاه. تخيل وأنت تقف أمام حارة تم قصفها بصواريخ ومتفجرات ثقيلة، ومن بين الدخان والنثار المشتبكان في سحابة مغشية يخرج أطفال مثل لطخة في ضباب، يسيرون بهدوء رتيب، تضج خلفهم هسهسة البيوت المتهاوية وعثورة الاسمنت والتراب، ولكنهم لا يلتفتون، ينسلون من العثورة المُعمية الحجابية حتى يظهرون بأجساد ممزقة مغطاة بغبار اسمنتي، أحدهم اندكّ نصف وجهه منسحقا تحت السقف الذي تهاوى عليه، وآخر يبقرُ أحشاءَ بطنه حجرٌ كبير يشقُّه صيخٌ حديدي، وثالث لا وجه له مندفنٌ في رماد فسيفسائي بلا ملامح، يسيرون بأوتوماتيكية مبتعدين عما كان بيتهم، لا يلتفتون لبعضهم، لم يعد أحد منهم – وبعضهم إخوة من بيت واحد – يستشعر الآخر، كما يفرض الموت الذي يجعلك تنسى/تتناسى جميع من تعرف. يلتفت نحوك الطفل الذي سقط نصف وجهه، تبرز لطخة الدم بعظام الوجه والنخاع الصمغي الذي يتمطط في الجمجمة المختلطة ببودرة الخرسانة المطحونة، ويقف أمامك وقد تخلف عن المجموعة، يحدق فيك بعينه المعوجة الساقطة على جفنه. هؤلاء وأمثالهم لهم أمكنة خاصة، أمكنة عميقة وغامضة، لا أنصح بدخولها، فيها الحالات التي لا تبدو قابلة للتعديل، يعيش أكثرها أمواتا كثيرة بتلك الأوجه. بعضهم يقوده حظه إلى أن يصلح وجهه بعمليات جراحية معقدة وخطيرة، تندرج تحت ما صار يسمى شعبيا بـ “طب ما بعد الموت”، وهو طب ابتدأ أولا في العشوائيات والأزقة، بحكم أن الميت شخص لا يملك مالا حتى وإن كان ثريا قبل ذلك، ثم صارت بعض الدول – التي تتميز بنظام صحي مميز – تتكفل بعملية تعديل أوجه وأجساد الأموات الذين يحتاجون ذلك، ثم صار يمتهنه في السوق السوداء جراحون – فاشلون أو هاربون لسبب ما غالبا – يفتحون عيادات في مناطق يكثر فيها الموت المشوه، ويعتمدون في التسديد إما على أهل الميت السابقين إن كانت لديهم الرغبة في متابعة الشخص الذي كان ينتمي إليهم، أو على آلية الدفع الآجل، “نسمكر وجهك وتأتي بالأموال لاحقا في مدة لاتتجاوز ثلاثة أشهر” وفق ضمانات لازالت تعاني من خروقات قانونية. إسماعيل ياسين مثلا، هاجر إلى سوريا بعد وفاته الثالثة ودراسته طب ما بعد الموت، حيث افتتح عيادة شعبية في حمص وتخصص تحديدا في خياطة رؤوس الذين تم جز رقابهم في الحرب الأهلية. حينما تدخل في عيادته – وقد كانت محلا لبيع الآيسكريم ولذا ترى في الجدران صور فانيلا متموجة في قمع بسكويت – تقابل أشخاصا يجلسون ورؤوسهم في جحورهم، ينتظرون. وهي صورة غريبة لمن لم يعتد على ذلك. ولكن أيضا هنالك أشياء تذكرك بحالات الموت الاعتيادية في المكان، ففي الخارج هنالك أمهات وآباء وأزواج وزوجات وأبناء وبنات يعسكرون عند الباب الحديدي المقفل، وهو المنظر المألوف الذي ستجده في أغلب المستشفيات وبيوت الجنائز في مختلف بقاع العالم، أشخاص يائسون أو يبحثون عن “قفلة” يعسكرون لأيام خارجها، في انتظار أن يخرج من أتوا لأجله من المكان الذي دخله بعد موته، نساء ورجال وشباب وشابات وفتيان وفتيات وأطفال من طبقات مختلفة، ينتظرون. ولكن ما يحدث هو أن الشخص – والشخص مصطلح للرجل والمرأة – يخرج وينظر لهم – كما ينظر جميع الأموات بأجساد مشوهة أو سليمة – وكأنه لا يعرفهم، ببرود وحياد. تخيل أن يراك شخص كنت تحبه أكثر من نفسك بهذه الطريقة؟ سيقتلك هذا، ثم يقول لك بنبرة ارتيابية أنا لا أعرفك، من أنت، ويمشي. البعض يظل واقفا في المكان يراقبه، لأنه لم يأتي إلا ليراه أخيرا في لحظة الفراق الحيادي الأبدي هذا ويكتفي بتلك “القفلة” التي ستعذبه طويلا لأنه – ونحن جميعا هكذا – نحب الشعور بالألم، والبعض الآخر تغريه الصورة فيلحقه وهذا يهرب منه حتى يتوقف الشخص منهارا أو يتبعه آخرون ويوقفونه في الوقت الذي يمشي فيه الميت ويختفي في امتداد المكان وهو يحدق من خلف كتفيه مشدوها ولا يفهم. أفظع المنتظرين هم الأطفال، لا يتوقفون عن السير خلفك، مهما حاولت أن تقنعهم أنك لا تعرفهم، يسيرون وراءك وينادونك بابا ماما. كيف تقول إنهم لا ينسون فعلا؟ مستحيل، هنالك حد فيزيولوجي للتعبيرات الإنسانية، لا أحد يستطيع الادعاء بهذه الدرجة من الإتقان والإيمان.

وحتى لو أبعدنا الجانب التحليلي عن الموضوع، وركزنا على الجوانب الغبية، لأن الجوانب الغبية في موضوع ما بصراحة شديدة هي أكثر الأشياء المقنعة، قد تشك في مكذوبية حالات دراماتيكية لأن لها وقعا مربكا في بعض الأحيان، ولكن الغباء لديه قدرة باهرة على الإقناع. وعشان تفهمني، طلال مداح مثلا، يعمل الآن عازفا للكمنجة في فرقة أبو حنان! كرر هذه الجملة أكثر من مرة وستجد أن شيئا ميتافيزيقيا خاطئا في الموضوع. فمسألة النسيان هذه ليست اعتباطا، لأن هنالك ظواهر تبلغ من الغباء درجة لا يمكن فيها تصديق أن تكون خدعة، ولذا هنالك أشخاص يُقيمون حملاتهم بناء على هذه الفكرة. رئيس نادي الهلال المنتخب – بعد الخصخصة – قدم وعدا انتخابيا بانتظار وفاة ماجد عبدالله واستقدامه فورا ليكون مشجعا للهلال! هنا ينتهي الكلام.

الرأي بأن الميت ينسى فعلا ليس خدعة، ولكن حتى لو كان هذا الانفصال رغبة متولدة بطريقة أشبه ما تكون بالفيزيولوجية، هذا لا يعني أنهم ينسون ما يميزهم، فسيظل هذا – كما يبدو من شواهد حقيقية وليس من تنظير سايكولوجي برجوازي – محفورا في ذواتهم بعمق، ولذا يدفعهم هذا – الاستحضار؟ – لفعل أشياء غريبة بغرض مناقضته وإثبات أنهم لم يعودوا ذلك الشخص. بيكيت مثلا، الذي يصرُّ أنه لم يكن هنالك بيكيت، لماذا يريد إطالة ذكره؟ هذا غير منطقي. فهو بيكيت، حتى وإن كان ليس مقتنعا بذلك، المهم أن النتيجة هي أن أيّّ مغرمة بالقهوة وصور الكتّاب بالأبيض والأسود ستفتح قدميها له مهما كان طول ذكره، هذه حقيقة إحصائية، هنالك شركة متخصصة قامت بإحصائية في هذا الموضوع وخلصت إلى أن 83% منهنّ سيفعلن ذلك، والآن هو إضافة لذلك مدير تنفيذي لشركة إلكترونيات كبيرة في مدينة مثل دبي، يعني أن أي فاشينستا ستفتح الآن قدميها له أيضا، كثير من الأقدام المفتوحة للأخ بيكيت، فلماذا الإطالة؟ انفصال كلي؟ إعادة تخلق؟ غير منطقي. المهم أن الأموات تبعا لذلك – أيا كان هذا الذلك – يتخذون قرارات غريبة بشكل مستمر. فرعون مثلا، ما غيره، رغم تطابق مهنته الحالية – أكاديمي – كما اتفقنا بمهنته الأشهر- طاغية يدعي المعرفة المطلقة والألوهية – قام بإصدار دراسة – بحكم تخصصه في التاريخ القديم – ينفي فيها وجود شخص يسمى فرعون، ويثبت ذلك وفق أسس يزعم أنها علمية أركيولوجية قادته لأن يقوم بأشياء جنونية مثل اقتحام الأهرام ومحاولة سرقة عدد من المومياءات ومن ثم القبض عليه واتهامه بأنه شريك مع الإخوان في عملية التخابر مع الخارج. نسيان مبطن لاواع؟ ليس واضحا. أبو دلامة أيضا، هو الآن مذيع في قناة إم بي سي ويقدم برنامجا اسمه “كل ما نسنس” يعتمد على الستاند أب كوميدي والمقالب ويستضيف فيه ساسة ومسؤولين وصناع رأي. هو نفسه أبو دلامة رفيقنا القديم، ولكنه أيضا مثل بيكيت لا يقول إنه ليس أبو دلامة فقط بل يقول إنه لم يكن هنالك أبو دلامة أصلا. ولإثبات ذلك يقوم أيضا بأشياء غريبة مثل استضافة مفتي المملكة عبدالعزيز آل الشيخ والكاتب أحمد الحقيل والبروفيسور معمر القذافي – هو أستاذ أحياء نباتية الآن – في حوارات جادة جدا ومن أثقل ما يمكن مشاهدته على التلفاز. كل هذا كما قلت يقود دائما إلى نتائج غريبة، فهو ليس نسيانا قطعيا أبستومولوجيا وإنما أشبه ما يكون بنسيان مركب مرهق بتبعات تكون فادحة غالبا. فحينما أجرى بيكيت عملية إطالة الذكر وتحققت نبوءة الطبيب بأن خسر رجولته، قالوا له – وأنا لست طبيبا ولكنني أنقل ما حدث – إن استشعاراته الجنسية يمكن نقلها إلى أرنبة أنفه، لا أعلم لماذا، فأنا لست طبيبا كما قلت، إسألوا عبدالله الربيعة يمكن يعرف، ولأنه يعيش في دبي فلا يمر يوم دون أن يسلم عليه وغد – دون أن يستطيع بيكيت رده لئلا يهين العادات الاجتماعية – بطريقة حب الخشوم. تخيل أن شخصا يسلم عليكَ بأن يلمس ذكرك أو عليكِ بأن يلمس فرجك؟ تخيل كم سيكون هذا محرجا؟ ولذا الأموات لا يتخذون قرارات جيدة، إنهم مثقلون جدا بترسبات الماضي في الوقت الذي ينفصلون فيه عن ذلك الماضي، فهم في مرحلة انفصال وازدواج دائمين ومعقدين، وينتهي بهم الأمر إلى أن يسمحوا لغرباء بلمس أعضائهم التناسلية!

وعموما هذه ليست نكتا، إنها ضرائب مخزية للموت. ستجدها أمامك دائما وأنت تسير في الأزقة والطرقات، خصوصا حينما تكون راجلا على حافة رصيف في حارة شوارعها ضيقة ومُترّسة بالمحلات الجانبية التي تحوم حولها السابلة مثل خلية نحل. فقط راقب بدقة، وسترى وسط الزحام الذي هو خلوة عميقة جدا في إغرائه بأن تكون خفيا عن الرصد، سترى أوجها لأناس يتضح أنهم ماتوا مرات عديدة، يقفون هناك، وفي أعينهم سراب، فقاعات غير واضحة. ستصادف شيوخا ورجالا وأطفالا ونساء يهيمون، يسحبون خلفهم فراغا من الماضي الممسوح عدى نقاط بقيت على الحوافِّ بشحوب باهت له مظهر الأماكن القطبية الملفعة بالضباب والنثار، شيءٌ بارد وبعيد جدا جدا، أوجهٌ وصور واستشعارات ولذات وروائح، ستراها بوضوح إذا ركزت في أوجههم وحانت منهم لفتة طارفة. ستصادف رجلا يقف في سوق الزل عند بائع أقمشة، ترى مؤخرة رأسه البيضاء الحاسرة وقد انحفر في أعلاها دائرة صلع بسيطة، وستحس بقلبك تتصاعد نبضاته، وستشعر أن شمس العصر الشتائية الدافئة تسقط على جلديكما رقيقة وناعمة، وستعرف، ستعرف حتما أنه هو، وستبتسم وأنت تترقب، وأنت تتذكر طلعات عصر قديمة وأنت صغير مثل الأصبع في يده، ستتذكر، وأنت تسمعه يطلب السجادة الحمراء، ثم يأخذها، ستلاحظ التفاصيل، مدة اليد وانعكافة الثوب عند الإبط وميلان الرأس نحو اليسار وخط الشمس على عنقه المتجعد، وحينما يلتفت أخيرا سترى والدك، سينتبه لك كما ينتبه غريبٌ لرجل لم يكن يعلم أنه وراءه، وسيقول بارتباك وهو يبتسم معليش ثم يحاول أن يتجاوزك. ستحاول أن تقول شيئا ذكيا يجعله يقف، مثل لا يصير زاد عليك السعر تراهم حرمية، فيضحك ويقول لا كسرت راسه، وتقول أنت شيئا ويقول هو شيئا، ولأنك مكشوف وتفتقد للممارسة فستلمع في عينيك حميمية تتمثل في رطوبة أو ألق أو انطفاء أو انكسار، وسيشعر بذلك ويبدأ بالارتباك، لأنه يعلم، لابد أنه يعلم، يعلم أنه ربما مات مرات كثيرة، وأنه ربما خلّف وراءه مثلما خلّف آخرون فيه ألما وفقدا محفورا، كلنا نعرف، كلنا نعرف ذلك ونكرهه، كلنا نعرف أننا نرى أبناء لنا في أمكنة ما، نرى أمهاتا لنا، آباء لنا، زوجاتا وخليلاتا وأزواجا وأخلاء، نعرف أننا نسير في الطرقات صباحا ونحن نحمل طفلا نلاعبه ويضحك لنا ونضحك له، ثم يمر بنا أشخاص يقفون ويحدقون فينا بنظرة غريبة منتزعة من عمق لا يمكن التعبير عنه، ونعلم أن حياة سابقة جمعتنا ولكننا لا نتوقف، نمضي.

وعموما، الموت في أكثره ليس عن الموتى، وإنما عن من حولهم، ليس من ناحية رومانتيكية عاطفية، ولكن من ناحية منطقية وعملية. فالموت بوصفه انتهاء لحياة هو انفصال عن ما كان في تلك الحياة، والميت ينفصل كليا – أو بترسبات كما أثبتنا – ولكن الحي لا ينفصل بتاتا، إنه الجزء الذي يبقى في عملية الموت، إنه الجزء الذي يجب أن يعالج أثر الانفصال، إنه المتورط الحقيقي بحالة الموت. ولذا الموت يعني الأحياء أكثر. هنالك أموات يعودون إلى أعمار بعيدة. بيكيت عاد وهو في آخر الأربعين، لماذا؟ لا أحد يعلم. بورخيس عاد كما هو أعمى وعاش قسا برهة من الزمن ثم توفي مرة أخرى وعاد شابا في مطلع العشرين. بعضهم يعود شابا، بعضهم يبقى كما هو. بعضهم يعود طفلا، تخيل؟ تجد امرأة تنتظر بعد وفاة زوجها في إحدى دور الجنائز، تجلس في الرواق السيراميكي الطويل الذي يؤدي إلى غرف كثيرة، يجلس خارجَ بعضها أشخاصٌ ينتظرون مثلها بينما لا أحد خارج بعضها الآخر، تجلس وتتذكر أشياء محددة، أشياء فضفاضة يغلب عليها الضوء مثل رحلات إلى حدائق ومطاعم وأنهارٍ والتفاتةَ الفم أثناء الضحك وطريقة الاستلقاء وقت الإرهاق وتدلي الساق العارية من تحت اللحاف الشتائي الثقيل، وتتذكر أشياء ذات طبيعة ظلالية فيها حميمية دافئة ومتلاصقة ومختبئة، ملمس ظهره ونتوءات العظم البارزة منه وهي مدببة في باطن كفها، ليالٍ شعرت به في داخلها كما لم تشعر به من قبل والظلام خارجهما يمد ستارا ثقيلا من الخلوة اللامخترقة الآمنة، تتذكر أشياء دقيقة ومقززة، لعابه في فمها ومنيه في فرجها وذكره في قبضة يدها وثديها في باطن كفه، وبعد انتهاء أيام ثلاثة – تزيد إلى شهر أو تنقص إلى دقيقة – يكون الميت مستعدا للتحول، فيخرج، وإذا به طفل في العاشرة من العمر، في نفس عمر ابنهما. يقف أمامها، ويحدق فيها وتحدق فيه مصدومة، ثم يتجاوزها ويمشي نحو الزاوية ويختفي وراءها.

ولكن تظل أسوء حالات الموت بالنسبة لمن حول الميت هم من يموتون في أماكن نائية أو في حالات غامضة غير مكتشفة. من يُقتلون في صحراء أو غابات، من تهوي سياراتهم في وديان، من يسجنون في معسكرات اعتقال، هؤلاء يختفون فجأة، يعودون إلى الحياة ويذهبون إلى مرحلة تالية وكأنك لم تكن، وتظل مهووسا بأنك ستراهم على الأقل يوما ما في محل مكسرات أو شارع مزدحم أو في لقطة من كاميرات جوجل. ولكن هذا غالبا لا يحدث. إنه أمر مؤلم.

ولكن، لا يجب أن يُفهم من هذا الكلام أن الميت مبرأ من ثقل الموت أيضا، طبعا لا. فذلك الطفل/الرجل مثلا، أين سيذهب؟ كيف سيعيش؟ ولذا يفشل كثير من الأموات، يترنحون في خط متواصل من التوهان. والأفظع من ذلك هي الأخطاء التقنية التي تحدث أحيانا للميت، أخطاء غبية وعجيبة. تخيل أن هنالك مثلا أشخاصا يستلهمون صفة أو صفتين فقط من ماضيهم ويظلون عالقين فيها في حالة عطل تقني غريب. تخيل حجم هذا الجحيم؟ ولتتضح الصورة لنأخذ هنري ميلر، وأقول مقدما إن هذه ليست نكتة، فهذا الرجل لا يفعل شيئا في الحياة بعد موته سوى أن يذهب لأغراب ويقول معلومته المفضلة من حياته السابقة: لدي ذكر طوله 9 إنش. بس. هذا كل ما يفعله. تراه في الشارع يلكز شخصا بكتفه ويقول له هيه لدي ذكر طوله 9 إنش، يرد الآخر باستغراب طيب وبعدين؟ ولكن ميلر يحدق فيه ببلاهة ويلكزه مرة أخرى ويقول معي ذكر طوله 9 إنش. تجلبه لجلسة مع أصدقائك على خلفية أنه كاتبك المفضل وتريد أن تحتويه اجتماعيا لأنك أحمق ولم تفهم اللعبة بعد، وبعد كل عشر دقائق بين لحظات الصمت أثناء السواليف يقفز ويقول هيه لدي ذكر طوله 9 إنش ويحدق في الآخرين ببرود وبلاهة. في الأخير قتله شخص ما رأى أنه بذلك سيحرره ليعود ميلر راديكاليا أرثوذكسيا يستهدف بشكل سياسي الأقليات في فرنسا، ورغم أنه صار مرفوضا أخلاقيا ولكن لنعترف أنه على الأقل مقبول اجتماعيا، أعني أن شخصا ما يقول إنك متخلف ويجب استهدافك لأسباب تافهة ربما أكثر قابلية من شخص لا تعرفه يلكزك فجأة على العشاء وأنت تحمل اللقمة إلى فمك ليقول لدي ذكر طوله 9 إنش ثم يصمت واللقمة على حافة فمك وأنت لا تعلم وش السالفة.

وعموما، رغم ندرتها بشكل عام؛ فإن أكثر الأخطاء التقنية تحدث لمن ماتوا مرات كثيرة لدرجة أنه لا يمكن عدها، تبدأ سمات معينة بالظهور عليهم. إقليدس مثلا، كم مات من مرة؟ لا أظن أن أحدا يعلم. منذ خمس ميتات تقريبا، في بداية القرن التاسع عشر، بدأ يظهر في جبينه نتوء غريب، ظل يتزايد بغموض في كل مرة يموت فيها، حتى تفتق واضحا في الميتة الأخيرة قبل أشهر، وكان هذا النتوء المتفتق عبارة عن ثدي، أعني ثدي نسائي متكامل بحلمة مدورة ومدببة. تخيل أن تجلس مع شخص يخرج من جبينه ثدي يتدلى على حاجبيه؟ هذا الرجل كان عالما في وقت ما وملأ الدنيا لغطا وهو الآن مجرد سفلة مسكين بثدي يبرز من جبهته! لا تضحك، هذا ليس نكتة.

وعلى أية حال، الذين ماتوا ميتات تكاد لا تعد يمثلون مع الوقت حالات خاصة، وخصوصيتها تتجاوز الأخطاء التقنية الغريبة والسخيفة إلى أشياء أعمق بكثير. فأكثرهم يكادون أن يتفقوا على سلوك متقارب، وهو قلة القناعة بوجود أجوبة. والسبب ليس اليأس، أو انعدام الإيمان، ولكنه أدق وأعقد من ذلك ويصعب شرحه بوضوح. مثلا هنالك جلجامش. لقد تنقل في حالات كثيرة جدا، من تاجر إلى ساعي بريد إلى راع إلى حاجب محكمة إلى سائق عربة إلى مساعد معمل عند فاراداي إلى شاعر رمزي إلى دبلوماسي في الأمم المتحدة إلى مدري إيش ومدري إيش ومدري إيش ثم أخيرا إلى راع مرة أخرى، لاحظت؟ لقد صار يكرر، فمع كل هذه التنقلات – بكل ترسبات انفصالها/اتصالها المزدوج كما أسلفنا – فإنه سيكون من المحتمل رياضيا أن تعيش تجربة مماثلة لأخرى سابقة. والآن، ما هو الشيء الذي يجمع بين هذه الحالات كلها؟ هنالك أشياء كثيرة بالطبع، كثير منها فيزيولوجي أوتوماتيكي أكثر، ولكن أقربها للوعي هو أنها تحدث للشخص نفسه، أنت، أنت العنصر المشترك، وأنت أكثر فكرة ملحة تتواتر بطريقة إنثروبولوجية عليك في كل مرة هي فكرة البحث عن معنى، حتى وإن كان بشكل ريفي قروي بسيط، البحث عن معنى هو شيء يكاد يكون مزروعا في تكوينك البيولوجي، البحث عن معنى يقود لأسئلة متعالية غالبا، مصدر تفسير خفي يبرر بعض الأمور العالقة، أي أنك دائما تبحث عن مصدر. وهنا وقف جلجامش وهو راع مرة أخرى أمام تجربة مماثلة لحياة سابقة نسيها أو تناساها المهم أن أثرها بقي فيه، وها هو يدعو آلهته – بحكم أنه في مكان ما في آسيا يعبد بوذا الذي جاء يا للسخرية بزمن طويل بعده – أن ينقذ غنمه من مرض حل بها، وهو هنا يستشعر أو يسترجع أو يتذكر أيا كان أنه سبق وأن دعى آلهات مختلفة في حيوات سابقة وتحديدا في حياة كان يلبس فيها لبسا مماثلا ويقوم بأفعال مماثلة، ولكن أحدا لم يجبه. ولذا، ادعى جلجامش الألوهية. لأنه سأل: ما الفرق بيني وبين بوذا؟ كلانا لم نقدر على منع الغنم من الهلاك، ولذا أنا بوذا وبوذا هو أنا! المسألة ليست يأسا أو تعاليا، هي باختصار من وجهة نظر جلجامش الراعي نتيجة منطقية لا غير، ولذا الوصول إلى النهاية لا يعني الوصول إلى المعنى، بل على العكس، هو يعني الوصول إلى اللامعنى، وبالتالي: بوذا. من مات لهذه الدرجة من الموت، لن يرى الأشياء بنفس الطريقة غالبا. إنه لن يسير في الطرقات ليرى أوجه أحباء ربما مر بهم في حيوات سابقة بنفس الطريقة التي يراها بهم الآخرون، لن يقف أمام طفل يلعب ضاحكا ومتقافزا بجنون مع كل حركة في حارة العليا بالرياض أو امرأة يلمع ساقها في انعكاس الشمس بشعيرات ذهبية مجزوزة حديثا عند الهايد بارك بلندن أو خمسينيٍّ يلعب النرد مع أصدقائه على أطراف سوق السمك الكبير بطوكيو بنفس الطريقة التي يراهم بها غيره الذي سيفكر أنه ربما يعرف هؤلاء وأن شيئا في داخله يستفزه ليقترب منهم ويقول لهم بابتسامة ألفة: أعرفكم. إنه بوذا الآن، وبوذا لا يرى الأمور بهذه الطريقة. إنه منفصل لدرجة أن كل شيء فقد معناه، كل شيء تجرد من قيمته المضافة إليه بفعل السياقات المفتعلة المعقدة، ولم يعد يبقى إلا هو، هو وحده، بوذا نفسِه، وهنا تكمن الحرية القصوى والانعتاق الأبدي، وحينها، منطقيا، يحدث الموت الحقيقي، لأنك تصل إلى آخر نقطة، حيث ينتهي كل شيء، ولا يبقى شيء سواك. وهنا تبدأ الأساطير عن أشخاص ماتوا فعلا، لمسوا آخر/أول قطعة في الوجود، وتلاشوا، تلاشوا فعلا.

 

الأشياء لا تبقى كما تركتها

 

حدث هذا حينما كنت صحفيا وكنت أريد أن أكون مثل نورمان مَـيْلر.

ركنت السيارة في مكان ما في حارة الملك فهد بالرياض، لن أقول أين بالضبط لئلا يعرف أحدٌ مكان المنزل. العصر في منتصفه، ولذا الشمس أخذت بالميلان وبدأ شعاعها يسيح على واجهات المباني وعلى أشجار الكافور. كان هنالك كافور كثير في تلك الحارة، ولا حركة تقريبا. كان اليوم جمعة ولابد أن الناس تستهلك إجازتها بالاسترخاء أو الخروج. ركنتُ سيارتي وأخذت أطالع في البيت. واجهته بيضاء، متوسط الحجم، لاتزود مساحته عن 450 مترا. جديد نسبيا، ربما مرت عليه أربع سنوات وفيها. جلست أنتظر. أحدق في امتداد الشارع المحوّط بالكافور الكبير الأخضر والشمس المشعة الصافية فوق البيوت والأسفلت. مر شيخ كبير على قدميه واختفى وسط زقاق جانبي. خرج من إحدى اللفات أطفال على سياكل وساروا سريعا حتى نهاية الشارع نحو طريق العليا. وبعد ربع ساعة جاء الرجل. نزلت وسلمت عليه. تحدثنا وابتسمنا بتورط، لا أحد يفهم فعلا ما يجب فعله الآن، ما يحدث كان غريبا، حتى بالنسبة لي. مد المفتاح أخيرا وقال: تفضل. ترددت قليلا وأنا أرى المفتاح في يده الممدودة، سألته: منتب داخل معي؟ حدق فيني وكأنه كان يخشى هذا السؤال وهز كتفيه ثم قال: ما له داعي أدخل وش أسوي. ثم أكمل وهو يحك جبينه بالمفتاح ويتلفت: أنا عموما بروح أخلص لي شغل إلى أذان المغرب. ثم سأل: تكفيك؟ فقلت إيه أكيد وأخذت المفتاح. راقبته يركب سيارته ويسير على أثر الأطفال بين أشجار الكافور ويخرج إلى طريق العليا. كنت قد حادثته قبل أيام حينما بدأ يهدأ أكثر، ولكنني رغم ذلك لم أتوقع أنه كان سيوافق. قال لي: اليوم آخر فرصة عقب كذا بيت أخوي بننفضه. فقلت له خلاص اليوم واتفقنا على هذا اللقاء.

فتحت الباب الحديدي الأسود المنحوت ببروز شجريّ أبيض. واجهةُ الحوش تمتد عدة أمتار نحو باب المدخل. على يميني باب الملحق المغلق، وعلى يساري مظلة السيارة الرمادية، وبيني وبين الباب بلاط محبحب بالسواد وعليه غشاء غبار طفيف يروح ويجيء مع الهواء. هنالك أصوات تأتي من الحارة، من عدة أمكنة، أصواتُ أطفال يلعبون ونساء يهتفن وتلفاز عال، تختلط مع أصوات السيارات البعيدة ثم تختفي في السكون، وأنا أقف هناك أمام باب المدخل وأفكر. فتحته أخيرا فانفرج عن عتمة يخالطها ضوء العصر الشتائي الذي يدخل من النوافذ المشرعة ستائرها بشكل جزئي. ضوء خافت يسيح على أسطح الأشياء، اللمعة الباهتة لنور غيميّ وحبريّ ثقيل، فيه عزلة الشتاء بدفئها أو وحشتها حسب الحالة التي تَشغلك. فيه انطباع الصباحات الباكرة التي تفتح فيها عينك والشمس تصعد للتو وأنت تحس أن المكان كله نوم، وأن هذا الضوء المختلط بالعتمة مجرد ومضةِ اليقظة الناعسة اللذيذة في عينك النائمة الظلالية وسط الدفئ والأغطية.

المكان كان يوحي بالنوم، ليس الموت، ولكن النوم.

 

——————–

 

خرجوا من عمارة الشقق المفروشة التي أمضوا فيها 7 أيام في الخبر. السيارة محملة بالشنط والأكياس. يجلس هو في الأمام بجانب زوجته، والأطفال في الخلف، فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، وابنان في التاسعة والسابعة. قالت الزوجة بعد ركوبهم بلحظات: كل واحد يربط حزامه. ففعل الجميع.

الوقت أول العصر، ولازالت كل المحلات في امتداد شارع السويكت والشوارع الجانبية مغلقة للصلاة. المسارات الإسفلتية الضيقة التي تحفها متاريس من المحلات واللوحات والألوان والأشكال.
طاولاتٌ على الأرصفة تبيع أشرطة فيديو وأقمشة واكسسوارات متعددة. يسير بينها ويحدق في كل شيء شاردا ويقول إن المكان يذكره بشوارع منفوحة قديما حينما عاش فيها وهو صغير. ولكن لا أحد يرد. العمالة يخرجون من بين شقوق اللفات الصغيرة، يتحركون في اتجاه المحلات. الحركة تدب في المكان الضيق مثل خلية نحل. الأبواب تُشرع والأصوات تعلو وزحام السيارات يرتفع، وشمس العصر الشتائي تهبط قوية على المكان.

توقفوا عند أحد المطاعم. نزلوا جميعا وسأل زوجته: منتيب نازلة. فقالت دون أن تلتفت: ما أشتهي لا تجيب لي شي. فزفر وأقفل الباب. دخلوا المطعم. العامل التركي الذي يجلس وراء الكاشير يتعرق رغم البرد، يجلس هناك سمينا ومبتسما وسعيدا. يقول للطفل الذي يبلغ من العمر تسع سنوات ويتطاول لينظر في المنيو الملصقة على الكاونتر: عندنا شاورما ديناصور، بدك شاورما ديناصور؟ ويبتسم الطفل بخوف وهو يختبئ خلف والده.

يطلبون سندوتشات شاورما ويراقبون العامل يقطعها بتركيز حاد. ساقٌ ضخم من الدجاج على سيخ حديدي، يلمع وهو يدور بطريقة أوتوماتيكية، والعامل يقطع صفا من الدجاج ثم يفرقه بسكينه على سطح الاستيل بصوت نغمي منوم، والجميع يراقب بصمت، ويشم الرائحة القوية التي تغلف المكان. الطفل الآخر الذي يبلغ من العمر تسع سنوات يقول لوالده فجأة وكأنه يستكمل حديثا دار للتو: يعني بتجيب رمل للبيت؟ فيقول الأب: وش رمله؟! فيرد: أنت قلت أمس بتجيبه للبيت في الحوش. فيقول الوالد وهو يعود لينشغل بمتابعة الدجاج: إيه أبشر. ويستطرد الطفل: ومسبح جنبه؟ فيرد الأب: أبشر. ويوضح الابن: وكراسي مثل اللي جبناها عند البحر؟ فيرد الأب: ما تبي نجيب البحر بعد؟ ثم يتفحص العامل من بعيد وينبهه: يا معلم زود المخلل بالله في شندوتشتين من اللي عندك.

خرجوا وبدؤوا بأكل السندوتشات في السيارة. تأففت الزوجة وفتحت النافذة باشمئزاز وهي تقول أستغفر الله ما لقيتوا غير الشاورما. ولكن لا أحد يرد، الكل يأكل وعصارة الدجاج تتفزر على أطراف الفم. يخترقون الشوارع الضيقة التي اكتظت بالناس والأشكال واللوحات والألوان والأصوات والأوجه والسيارات والطاولات والاكسسوارات ولمعان الشمس في الزجاج والإسفلت والملامح والثياب، ومنها إلى الطريق الرئيسي ثم إلى مخرج المدينة نحو العودة إلى الرياض.

 

——————–

 

سريرٌ كبير بقاعدة خشبية في رأس غرفة النوم، مُسنَدا بطاولتين جانبيتين صغيرتين، على إحداهما أباجورة صغيرة، وعلى الأخرى جريدة الرياض يعود تاريخها إلى ما قبل 25 يوما ومفتوحة على صفحة الاقتصاد. الغرفة صغيرة نسبيا ومغطاة بفرشة بيجية مكحوتةِ الشعر بفعل الزمن. النافذة الكبيرة إحدى ستارتيها مشرعةٌ بفرجة مواربة تُسقط شمسا خافتة على السرير المقابل لها واللحاف الذي عليه، قطنٌ شتائي سكريُّ اللون ومنفوخ النسج، مبعثـرٌ ولم يرتب ولازال فيه أثر اليقظة المتلكئة من النوم. بين ثنيات اللحاف السكري الذي تسطع فيه الشمس، هنالك قميص كتاني أحمر، مثل نقطة دم ساحت وتفرقت فوق القطن. ملمسه يوحي بأنه لازال جديدا، وأنه ربما لُبس عدة مرات فقط، ضيّقٌ وململم ويغطي جسد امرأة صغيرة الحجم والطول. رفعته إلى وجهي، فيه رائحة غريبة، ليست عطرا أو عرقا، ولكنها تبدو مألوفة جدا. خلفي سلسلة أبواب متلاصقة لدولاب من ثلاث دفات يغطي نصف جدار الغرفة، خشبيٌّ غامق اللون ومنقوشٌ على سطحه بروزٌ مشجّر. إحدى الدفات مفتوحة على مصراعيها. صفٌّ من الثياب الرجالية ذات اللون الواحد، أربع ثياب مكوية ومعلقة، ثلاث شمغ، غترتان، وفنائل وسراويل على الرفوف الجانبية. الدفة الأخرى تحتوي صفا من الثياب النسائية المتنوعة الألوان والأشكال، فساتين وتنانير وبلوزات مرتبة بطريقة عشوائية وملابس داخلية مرتبة فوق الرفوف. على الشوفنيرة أصبع روج مفتوح تبرز منه تدويرة الرأس الأحمر المبروم، وبجانبه الغطاء الأسود ملقى على جانبه. فرشاةُ شعرٍ وأدوات مكياج وشمع جروح وبندول وحبوب مايدول لتخفيف آلام الدورة كما تشير الروشتة ومجلة هي وشال أسود متكوم على نفسه ومرآة مستطيلة بحواف خشبية مزركشة. جلست على كرسي الشوفنيرة. المكان يطوقه صمت كلي لا خدش فيه، تستطيع سماع انعدام الصوت الذي يشبه الوشيش بوضوح. السرير والألحفة والقميص الأحمر وأصبع الروج والدولاب المفتوح بدفته الوسطى. آخر لحظةٍ قبل الخروج، حيث تهمَل الأشياء في مكانها وتترك بقناعةِ وانطباعِ أنه سيتم العودة إليها، كل شيء في المكان يوحي أنه مكان ستتم العودة إليه في أقرب فرصة. في المطبخ مثلا لازالت قوارير السكّر والشاي والبهارات والملح والكمون تستقر بجانب الفرن على السطح السيراميكي الذي يمتد إلى المجلى حيث هنالك أوعية وُضعت على المنشّف ولم يتم إعادتها إلى دروجها. في الرواق الطويل الذي يربط الصالة الفوقية بغرفة الأطفال هنالك كأس بلاستيكي مرمي وفي قعره بقية عصير أصفر. في دورة المياه لازالت لمبة الصخانة تومض حمراء والماء ينسكب من الصنبور دافئا ومعطر الجو الليموني لازال يعمل. فوق أريكة الصالة التحتية هنالك لحاف صوفي مكوم بعشوائية بجانب طاولة الطعام التي يستقر عليها جهازا لابتوب مشبوكان بتوصيلة الكهرباء المفصولة. أشياء كثيرة في المنزل توحي أنه في أي لحظة سيتم فتح الباب والعودة إليه مرة أخرى.

 

——————–

 

قبل منتصف الطريق، ودون أن يتفوه بحرف واحد، أبطأ السيارة ليسلك مدخل قرية “جودة”. أول من انتبه كان الطفل ذو السبع سنوات، قال وهو يلصق رأسه في الزجاج: وين بنروح؟ حدقت الزوجة في المدخل ثم زفرت وقالت: لحّول يبي يودينا لذيك الديرة. فضحك باستمتاع متذاكٍ وهو يسلك المدخل. الطفلان كانا متحمسين، الابنة والزوجة لم يكونا كذلك. قال وهو يخترق الطريق: شوفوا ديرة أبوكم اللي عاش فيها أول ست سنين من حياته. كان متعلقا في الدركسون، ويبتسم طوال الوقت وهو يسير في مدخل القرية، يبتسم باستمتاع يجعل زوجته تضحك مستخفة به وهي تقول قسم بالله انك سقيم. فيضحك بكل قوته وهو يفتح فمه ويصدر صوتا حادا متقطعا من أقصى حلقه. تقول له بحيرة: يعني أنا ودي أفهم وش تبي من انك تدخل هنا؟ فيرد: أنتم يا حقين الرياض ما لكم جذور. فتسأله: كم لك ما جيت هنا؟ يتأوه بافتعال: أووووه عشرين سنة، أكثر، أكثر، مريته مع أخوي مرة.

يسير في القرية التي تتكون من مساحات فارغة ومسطحات خضراء ومخططاتِ بيوت متفرقة وعشوائية تتوزع في أرجائها مصانعُ عتيقة ورثة لإنتاج الأعلاف والقمح. في الشوارع حركة ناعسة في منتصف العصر. أناس تتحرك ببرود القرى الرتيب، وفضولهم الذي يتعلق بكل شيء يمر من أمامهم. بيوتٌ حديثة وقديمة متجانبة تستقر أمامها سيارات حديثة وقديمة أيضا. شوارع ضيقة وواسعة على حوافها أشتاتُ محلات يلوح منها أناس يبعثرون الوقت ويبدون على قدر من السعادة أو التعاسة ليس واضحا. يسألونه أسئلة متفرقة، خصوصا الطفلان، ولكنه غالبا لا ينتبه لها ويكتفي بإجابات كسولة يقطعها انتباهُه الكلي للمكان والبيوت والشوارع والأناس والرثاثة التي تبدو مألوفة. لقد سأله أخوه قبل أشهر إن كان يذكر القرية التي عمل فيها والدهما معلما لعدة سنوات، وسأله لأنه رأى حلما من ذكرى قديمة جمعتهم وهم ذاهبون إلى جبل “إبهام جودة” الذي يقف خلف القرية مربعا مثل إبهام حرفياً. فيخبره أنه يذكرها بشكل طفيف، وأنه يذكر صورا ضبابية، مثل كرسي في زاوية كانت تجلس عليه أمهما التي توفيت قبل عامين، وتظل القرية تراوده بين حين وآخر ويظل ذالك الكرسي الصباحي يأتيه أحيانا وتحديدا حينما يأتي ذكر أمه.

سلك عدة شوارع واخترق مساحات خضراء وأخرى ترابية وجارى منازل ومر من خلال سيارات حتى وصل إلى مكان ما في القرية، أوقف السيارة وهو يحدق فيه متفحصا. سألته زوجته: وش بعد؟ فأشار وهو يبتسم: ناه، هذا بيتنا. فحدقت في المكان وقالت: هذا بقالة! فرد: عارف، هذا بيتنا. فتح الباب ولم ينصت لاعتراض زوجته، سار عدة خطوات في منتصف العصر نحو البقالة الكبيرة المحفورة في بيت قديم تم تحويل دوره الأرضي إلى محلات. دخلها ووقف يتفحص المكان المبلط ببلاط قديم والمضاء بضوء مريض والضيق بشكل كاتم للنفس واختار زاوية منه واتجه نحوها. كان في الزاوية ثلاجة كبيرة لشركة المراعي، حدق فيها مبتسما ثم ضحك بكل قوته. أخذ منها ثلاث قوارير لبن واشترى أيضا شوكلاتة وشبسات واتجه ليحاسب عند العامل الهندي وهو يلتفت إلى الزاوية ويبتسم. أخرج المال وهو يسأله: هذا كان بيت صح؟ فهز الهندي كتفيه لامباليا. فأخذ الباقي وهو يقول إلا هذي الصالة. ثم ضحك بنفس الطريقة.

خرج من البقالة وسلم على رجل صادفه فرد السلام باستغراب. ركب السيارة فقالت له زوجته ساخرة: خلاص؟ فابتسم ضاحكا وهو يمد الكيسة لها وللأطفال: خلاص خلاص، مشينا. شغّل السيارة فقالت له وهو يبتعد عن صالة بيتهم القديمة: اربط الحزام. بدا وكأنه يتلكأ وهو يحدق في البقالة في المرآة العاكسة وهي تراقبه، قبل أن يقوم بربطه أخيرا.

 

——————–

 

غرفة الطفلين عبارة عن نقطة ضخمة من الأشياء التي تدل إما على نية الرجوع، أو بالنقيض على نية عدم الرجوع، ليس واضحا. فهنالك أشياء كثيرة مبعثرة في كل مكان تقريبا، توحي إما بأشخاص هربوا إلى الأبد أو أشخاص في معرض اختراع سياق مهم لا يجب العبث بفوضويته، ليس واضحا، ليس قابلا للتصنيف. ألعابٌ من أشكال متعددة، سيارات صغيرة وكبيرة ومكعبات وأوراق أونو وأموال مونوبولي وأغراض غير محددة مثل أصبع خشبي منتزع حتما من شيء ما ومشابكُ وفرشاة شعر وألحفة ومناديل وثياب داخلية على الأسرة ودواليب مفتوحة عن مجزرة قماش في الداخل. من الصعب تحديد عنصر مركزي يجمع كل شيء ليعطي إيحاء ما، فكل شيء مبعثر مثل مسرح جريمة انتقام، زحامٌ من الصور وانعدام لأي نقطة مركزية. جلستُ مقرفصا وأنا أريد بشدة أن أدخن، بينما يتصاعد صداع طفيف في مقدمة رأسي. الشمس الباهتة تهبط على الأشياء والألعاب والبقايا المهملة المتروكة أو الموضوعة بعناية ضمن سياق فوضوي، لازال الأمر ليس واضحا، وأحاول تصور لحظة ما قبل الرحيل، من الصعب اختزالها بسبب كثرة الصور، وهو ما يجعلها مثيرة للاهتمام. غرفة البنت كانت على عكس ذلك، على عكس البيت كله. لم يكن فيها شيء واحد متروك أو موضوع في مكان يوحي بنية الرجوع. سريرٌ مرتب جدا بطريقة شبه هندسية فوق فرشة بيجية نظيفة تغشّي الضوء. دفات دالوب مغلقة عن ثياب معلقة ومرتبة وفق الأحجام في بعضها والألوان في البعض الآخر. طاولة خشبية صغيرة وفارغةُ السطح تماما من أي شيء، فوقها مرآة مثبتة في الجدار بحواف مؤطرة بقلم أو روج أحمر، وفي دروجها أغراض مجمعة مع بعضها، أدوات تجميل وكتابان وسدادات قطنية نسائية وفارة كمبيوتر جديدة لم تفك. نبتة ميتة على حافة النافذة. أباجورة خربانة فيما يبدو فوق الدولاب.

 

——————–

 

يتجاوزون الكثير من المسطحات الخضراء والرمال الزاحفة والجِمال المتفرقة والمحطات التي تومض مثل قرى معزولة والمباني الغريبة لمعامل توليد أو غرف رعيٍ مهجورة. امتدادُ خط إسفلتي يختفي في مرأى البصر ويبدو في بعض الهضاب وكأنه يرتفع نحو السماء، إلى حيث بدأت الشمس في الانحدار، محوّطا بتلك المظاهر الغريبة الطارئة من تراب وصخر وحيوان.

يفك الطفل ذو السنوات التسع حزام الأمان ويسحب جسده ليجلس بين المرتبتين الأماميتين، ويحدق قدّامه في ذلك الخط الإسفلتي متكئا على مرتبة والدته. يحدق في الشمس تسقط فوق الإسفلت، ويرى الطريق من تحتها طويلا، ويسأل أمه متى سيصلون فلا ترد، ويلتفت متطاولا نحوها فيراها نائمة والجوال في يدها. ويسأل والده متى سيصلون فلا يرد، ويرى أنه يحدق أمامه ساهما بنصف إغماضة. ويشاركه التحديق برهة، ثم يعود ليرمي بجسده إلى الخلف، بين أخيه وأخته، الأول نائم، والثانية تلبس السماعات الموصولة بالجوال وتبدو نائمة أيضا. ويجلس هناك فوق حزام الأمان يحدق من بين المرتبتين في الشمس فوق خط الإسفلت، والصمت المطبق يخيّم على السيارة، ويترك كل المساحة لحفيف الهواء القوي الذي يضرب في الألمونيوم، صوتٌ مقعّر ومفخّم يشبه السقوط في هاوية عميقة جدا مثل هذا الطريق الممتد الطويل. ڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤ. يملؤ الأذن. ويشعر بالنعاس، ولكنه يقاوم، ويسحب جسده مرة أخرى إلى الفرجة بين المرتبتين، ويحدق في والده، لازال يطالع أمامه ساهما، ويرى في خده التماع خيط الشمس، ويرى خصلة من شعره منسدلة على امتداد صدغه، ويريد أن يسأله متى سيصلون، ولكن صوت الهواء يبدو قويا جدا ولا يترك مساحة لأي صوت آخر غيره، ڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤـڤ، ويكتفي بالصمت والتحديق في الخط الإسفلتي، والشمس الآن تلتصق به تقريبا، ويطالع السيارات المشابهة التي تمر مجاورة لهم بصمت، صناديقُ مسرعة تبرز منها هامات رؤوس غامضة بلا أجساد، ويعود ليلقي بجسده في المرتبة الخلفية، فوق حزامه، وينام.

 

——————–

 

جلستُ على كنب الصالة الفوقية. آخر العصر يتسلل من النافذة الكبيرة بنفس الضوء الظلالي الخافت الذي يوحي بغيم ومطر يوشك أن يحدث. المكان لازال يذكّر بيقظة الصباحات الباكرة الشتائية. جلست هناك أحدق حولي. الكنبُ السكري المدور والتلفازُ الكبير الذي لازال زر إطفائه الأحمر يومض على الحافة ورسيفرُ الجزيرة الرياضية المتروك على القناة السادسة كما تضيء شاشته والطاولةُ البيضاء الأنيقة والفرشةُ السوداء المزركشة ودولابُ الزجاج الطويل برفوفه المليئة بالأغراض والأدوات والأكياسِ والشجيرةُ الفارعة الواقفها في أصيصها عند الزاوية وكرتونُ الكوكيز المتروك على الطاولة الجانبية والمستلزماتُ البيتية المتفرقة فوق أسطح المكان. حينما أطفؤوا النار التي علقت في السيارة، كانوا جميعا باستثناء أحد الأطفال جالسين في أمكنتهم، وكأنهم جلسوا هناك باختيارهم واحترقوا. الطفل ذو السنوات التسع كان مرميا بين المرتبتين الأماميتين ووجهه ملتصق بطبلون المسجل، عدا ذلك، كل واحد منهم في مكانه. كانوا مثل فحم، تستطيع رؤية العظام المحترقة الى داخل النخاع. فحمٌ ملتصق بأسياخ المراتب المتمزقة. لم أرَ الحادث، كل ما شاهدته هو عثورة غبار كبير من مسافة عدة كيلومترات. حينما توقفت كان هنالك اثنان قبلي، يقفان أمام السيارة المحترقة بعجز وأحدهما ممسك برأسه، التفت نحوي حينما اقتربت وصرخ وكأنه يعرفني: شف شف! يحترقون! كنا نقف أمام السيارة، وليس باستطاعتنا فعل شيء. لا أصوات تصدر منها، ربما ماتوا من الانقلاب، ربما خنقهم الدخان، ربما قتلتهم النار سريعا. المهم أنه لم يكن هنالك صوت، وكنا نحن الثلاثة، نقف بذهول أمام حسيس النار ولهيبها الذي يتصاعد ومن ورائه السماء غائمة وصفراء. تش تش تش. تتردد بينما تخرج لسعاتٌ من أطراف النار وكأنها ألسنة ثعابين تصعد ثم تنطفئ، ونحن نقف أمام السيارة.

بعد دقائق رنّ هاتف البيت. كانت رنته مثل الهواتف القديمة، أشبه بجرس، ولذا اخترق الصمتَ والسكونَ مثل سكين. تْرن تْرن تْرن. من الذي يتصل؟ لم يعد هنالك أحد في هذا البيت. فكرت أنه ربما شخص لم يعلم، ولكن هذا بدا غريبا، فالحادثة لها أسبوعان والجميع لابد أنه علم بها. ربما التزامٌ وظيفي وحينما لم يُجب على جواله جرب الموظف المتورط الذي كان يتصل عليه طوال اليوم خط البيت للمرة الأخيرة. أو طلب – مثل كيكة أو غرفة فندق أو طرد بريد – حجزه في هذا الموعد لمناسبة ما ولجأ من يوفّـرُه للخط الثابت أيضا حينما لم يجب على جواله. تْرن تْرن تْرن، مثل سكين. قررتُ بعدما انقطع الخط أنني سأرفع السماعة حينما يتصل مرة أخرى، ولكنه لم يتصل. جلست قليلا في الصالة، وأنا أسمع أثر الجرس في أذني، وأراقب المكان وهو يتغلّف بالعتمة المزرقّة أكثر، ثم خرجت أخيرا، وأنا لا أنوي الكتابة عن أي من هذا.