“خصوصية الموت” … ترجمة مقطع من كتاب Homicide لديفيد سيمون

 

ديفيد سيمون يعتبر من أهم الصحفيين الذين تناولوا الجريمة في بالتيمور، وهو مبتكر السلسلة الشهيرة The Wire.

كتابه homicide: a year on the killing streets يعتبر من أهم التقريرات الصحفية التي شرّحت الجريمة والمخدرات في أمريكا، وتحديدا بالتيمور الشهيرة بالعصابات والحياة السفلية الفقيرة والعنيفة. يرصد فيه قصص محققي وحدة جرائم القتل، وتقاطعها مع تجارة المخدرات.

الجزء المترجم يعد مقطعا من أحد أيام أكتوبر.

 

————-

 

دونالد وولتماير يمسك الفتاة الميتة من ذراعيها، يستشعر إن كان هنالك أي انقباض في اليدين والأصابع. يدا الفتاة تتبعان يديه بسلاسة، مشكّلة مظهر رقصة أفقية غريبة.

“إنها رطبة” يقول المحقق وولتماير.

ميلتون، المدمن الذي يجلس على الأريكة، يومئ برأسه.

“ما الذي فعلته؟ وضعتها في ماء بارد؟”

يهز ميلتون رأسه مرة أخرى.

“وين؟ في البانيو؟”

“لا. رششتها بالماء بس”

“من وين؟ من هذا البانيو؟”

“إيه”

يسير وولتماير نحو الحمام، حيث يرضي نفسه برؤية أن البانيو لازال مغطى بالقطرات. إنها خرافة قديمة لدى المدمنين: الجرعة الزائدة يمكن إعادتها بوضعهم في ماء بارد، وكأن الماء يستطيع التخلص بطريقة ما من أيٍّ كان هذا الذي وضعوه في عروقهم.

“ميلتون، خليني أسألك” يقول وولتماير “هل استخدمت أنت وهي نفس الإبرة أو أنك أشعلت ما معك بشيء آخر؟”

ينهض ميلتون ويتجه نحو الخزانة.

“لا تريني إياها يا أحمق” يقول وولتماير “إذا أريتني إياها، يجب أن أقبض عليك”

“أوه”

“أنت بس أجب السؤال. هل استخدمتما نفس الإبرة؟”

“لا. عندي وحدة لي”

“طيب إذن. إجلس وقلي من جديد ما حدث”

يسرد ميلتون القصة مرة أخرى، دون أن يترك شيئا. وولتماير ينصت مرة أخرى كيف أتت الفتاة البيضاء إلى هنا لتتعاطى، كيف تأتي غالبا إلى هنا لأن زوجها لم يكن راضيا عن إدمانها.

“مثلما قلت، أحضرت لي كرتون الشعرية هذا، لأنها أكلت بعضه في المرة السابقة”

“هذه المعركونة هنا؟”

“إيه. أتت بهذا معها”

“كانت معها بضاعتها الخاصة بها؟”

“أها. كان معي تبعي وأتت بتبعها”

“أين كانت تجلس حينما تعاطت؟”

“هذا الكرسي هنا. تعاطت ثم نامت. راقبتها بعد مدة ولم تكن تتنفس”

وولتماير يومئ. القضية مباشرة، ولهذا السبب فقط يحس بارتياح. فبعد ثلاثة أشهر من تتبع جيرالدين باريش وأقربائها المفقودين، مجرد قضية جرعة زائدة بإمكانها أن تكون شيئا يشبه إرجاء العقوبة. وولتماير كان قد أخبر نفسه أنه في حالة عدم عودته إلى نظام المداورة في شيفت الليل، فإنه سيفقد عقله … (يسرد تفاصيل قضية جيرالدين الموغلة في الغرابة والتعقيد)

… هذا كله يجعل قضية الجرعة الزائدة البسيطة هذه مُرضية جدا. جثة واحدة، شاهد واحد، صفحة واحدة من تقرير الـ24 ساعة على طاولة مشرف الملازمين. “عمل” كما يتذكره وولتماير. تقنيُّ المختبر يعمل بجدية والطبيب الشرعي في الطريق، بل أن الشاهد متعاون وصادق فيما يبدو. كل شيء يتدفق بلطافة نحو قرار، إلى أن ظهر الشرطي الأول عند المدخل ليقول أن زوج الفتاة الميتة موجود في الطابق الأسفل.

“نحتاجه ليتعرف عليها؟” يسأله الشرطي.

“إيه” يقول وولتماير بخيبة “لكن ليس إن كان سيصعد هنا وينهبل علينا. لا أريد هذا”

“سأحذره بخصوص هذا”

الزوج يتقدم إلى أسفل الدرج، يلبس تعبيرا هائلا من الأسى. إنه رجل وسيم، في الثلاثين وفيها، فارعٌ بشعر رملي غامق وطويل.

“إذا كنت ستصعد إلى هناك، يجب أن تكون هادئا”

“فاهم”

وهو يسمع الخطوات على الدرج، التفت وولتماير عائدا نحو الشابة ولاحظ أن خيط الحمالة الأيسر وجزءا من الثدي مكشوف بسبب القميص المسحوب إلى أسفل الذراع بحثا عن العِـرق المناسب. منحنيا في اللحظة الأخيرة؛ يسحب وولتماير القميص بلطف إلى ما فوق الكتفين.

بالنسبة لمحقق، إنه فعلٌ صغير ولكن استثنائي، لأن فكرة الخصوصية تفقد معظم معناها بعد عدة أشهر من العمل في جرائم القتل. ما الذي – بعد كل هذا – من الممكن أن يكون أقل خصوصية من غريب متطفل يقيّم آخر لحظات إنسان على هذه الأرض؟ ما الذي يمكن أن يكون أقل خصوصية من جسد يتم تفكيكه في تشريح الجثة، أو غرفة نوم مفرغة من محتوياتها بأمر تفتيش رسمي، أو نوتة انتحار تُقرأ وتستنسخ وتدبَّس في ملف تقرير الشرطة؟ بعد سنة أو سنتين في الثغور، الخصوصية شيءٌ يتعلم كل محقق أن يسخر منه. أكثـرَ من الشفقة والإخلاص والتعاطف؛ الخصوصية هي أولى خسائر العمل في الشرطة ….

… المحقق يعرف أن عالما آخر يقطن في الخارج هناك، كونٌ آخر فيه أفكار مثل الخصوصية والكتمان لازال لها معنى. في مكان ما بعيدا عن بالتمور، يعلم المحقق هذا؛ هنالك دافعوا ضرائب لازالو يتمسكون بفكرة الموت الكريم المستور. حياةٌ تعاش بشكل طيب، وديعةٌ في نهايتها، منطفئةٌ في مكان ما مريحٍ وخاص بترتيبات متساوية من العزلة والبهاء. سمعوا كثيرا عن هذا النوع من الموت، ولكنهم يرونه نادرا. بالنسبة لهم، الموت هو العنف وسوء التقدير، الغفلة والقسوة. وماذا، يستطيع المحقق أن يسأل، تُـهمُّ الخصوصية وسط هذا النوع من المجزرة؟

قبل عدة أشهر، داني شاي من مناوبة سانتون قاد سيارته إلى عمارة سكنية شاهقة قريبا من حرم جامعة هوبكينز ليحقق في موت لم يشهده أحد. كانت معلمة موسيقى مسنة، متيبسة على سريرها النهاري، ونوتة كونشيرتو موزارت لازالت مفتوحة على البيانو. إذاعة الإف إم كانت تبث بهدوء في غرفة الجلوس، مثبتة على محطة كلاسيكية في مؤخرة القرص. يتعرف شاي على المعزوفة.

“عارف هذه؟” يسأل شرطيا شابا يكتب تقريره على طاولة المطبخ.

“إيش؟”

“المعزوفة التي في الراديو”
“لا”

“رافيل!” يقول شاي “بافان لأميرة ميتة Pavane to a Dead Princess

كان موتا، جميلا وطبيعيا، مذهلا إلى حد بعيد في كماله. أحس شاي فجأة أنه متطفل في شقة المرأة المسنة، منتهكٌ لحرمة فعل خاص وأصيل.

شعورٌ مشابه يسطو الآن على دونالد وولتماير وهو يرى الفتاة الميتة وينصت لزوجها يصعد الدرج. ليس هنالك أي شيء جميل أو شجي في موت “ليزا تيرنر” هنا: وولتماير يعلم أنها كانت في الثامنة والعشرين، أنها كانت من شمال كارولاينا وأنها كانت متزوجة. ولأسباب تتجاوز استيعابه، أتت إلى هذا البيت الخرائي ذي الطبقين لتتعاطى الهروين حتى قتلها. نهاية القصة.

ورغم ذلك، شيء ما ضرب في لحظة، جزء مفقود منذ مدة طويلة في عقل وولتماير التمع فجأة بقوة. ربما لأنها كانت صغيرة السن، لأنها تبدو جميلة في القميص الأزرق الشفاف. ربما لأن ثمناً لابد أن يدفع مقابل كل هذه الخصوصية المنهكة، لأنك لا تستطيع أن تكون متفرجا لمدة طويلة دون أن تدفع كلفة ذلك بنفسك.

وولتماير ينظر إلى الفتاة، ينصت للرجل يترنح على الدرج، وفجأة، دون تفكير تقريبا، يمد يده إلى قميص المرأة الميتة المسحوب عن كتفيها.

حينما ظهر الزوج عند الباب، سأله وولتماير مباشرة “هل هي هذه؟”

“يا لله!” قال الرجل “يا الله!”

“أوكي، خلاص” قال وولتماير مشيرا إلى الشرطي. “شكرا لك”

“من هذا واللعنة؟” قال الزوج محدقا بغضب في ميلتون “ما الذي يفعله هنا؟”

“أخرجوه من هنا” قال وولتماير وهو يسد مرأى الزوج “خذوه إلى الأسفل الآن”

“أخبرني فقط من هو واللعنة!”

الشرطيين يقبضان على الزوج ويبدآن بدفعه إلى خارج الشقة. بشويش، يخبرهم، لا تدفعون بقوة.

“أنا أوكي. أنا بخير” يقول لهما في الرواق “أنا بخير”

يقودانه إلى آخر الرواق، يقفان معه بينما يتكئ على اللوح الجصي ويلتقط أنفاسه.

“أريد أن أعرف فقط ما الذي كان هذا الرجل يفعله هناك معها”

“إنها شقته” يقول أحد الشرطيين.

الزوج يُظهر ألمه، والشرطي يتطوع بتقديم المعلومة الواضحة “لقد أتت هنا لتتعاطى فحسب. لم تكن تنيك الرجل أو أي شيء من هذا القبيل”

فعلٌ آخر من الصدقة، ولكن الزوج يدفعه بعيدا.

“أعلم هذا” يقول الزوج بسرعة “أريد فقط أن أعرف إن كان هو الرجل الذي جاءها بالمخدرات، هذا كل شيء”

“لا. لقد جلبت تبعها معها”

يومئ الزوج. “لم أستطع إيقافها” يخبر الشرطي “حبيتها، ولكنني لم أستطع إيقافها. لم تكن تنصت. لقد أخبرتني أين كانت ستذهب الليلة لأنها تعلم أنني لا أستطيع إيقافها …”

“إيه” يقول الشرطي، بلا ارتياح.

“كانت جميلة جدا”

الشرطي لا يقول شيئا.

“حبيتها”

“أها” يقول الشرطي.

وولتماير ينهي الإجراءات، ويتجه عائدا إلى المكتب بصمت، الحدث بأكمله مقيدٌ الآن في صفحة ونصف في مفكرته. يصيد كل الإشارات الخضراء في شارع سانت بول.

“وش حصّلت؟” يسأله مكلارني.

“لاشيء كثير. قضية جرعة زائدة بس”

“مدمن مشرد؟”

“كانت فتاة شابة”

“أها؟”

“حلوة”

حلوة جدا، يفكر وولتماير. تستطيع أن ترى أنها لو هذبت نفسها لصارت مميزة جدا. شعر داكن طويل، عينان واسعتان.

“كم عمرها؟” يسأل مكلارني.

“28. كانت متزوجة. ظننت أنها أصغر من ذلك بكثير في البداية”

يسير وولتماير إلى آلة كاتبة. خلال خمس دقائق، سيكون هذا فقط مجرد تقرير. خلال خمس دقائق، تستطيع أن تسأله عن القميص الأزرق الفضفاض ولن يعرف عن ماذا تتحدث. ولكن الآن، الآن بالضبط، إنه حقيقي!


ما نتحدث عنه حينما نتحدث عن الحب – ريموند كارفر

صديقي ميل مكجينيز كان يتحدث. ميل مكجينيز طبيب قلب، وأحيانا هذا يسوّغ له. كنا نجلس نحن الأربعة حول طاولة مطبخه نشرب الجين. ضوء الشمس ملأ المطبخ من النافذة الكبيرة وراء المجلى. كان هنالك ميل وأنا وزوجته الثانية تيريسا – كنا نناديها تيري – وزوجتي لورا. كنا نعيش في ألباكركي حينها. ولكن كنا جميعا من أماكن أخرى.

كان هنالك وعاء ثلج على الطاولة. ظللنا نشرب الجن وماء التونيك، وبشكل ما كنا قد وصلنا إلى موضوع الحب. ميل كان يظن أن الحب الحقيقي ليس سوى حب روحي. لقد قال أنه أمضى خمس سنوات في معهد لاهوتي قبل أن يتركه ليذهب إلى دراسة الطب. لقد قال أنه لازال ينظر إلى تلك السنوات في المعهد على أنها أهم سنوات حياته.

تيري قالت أن الرجل الذي كانت تعيش معه قبل أن تعيش مع ميل كان يحبها كثيرا لدرجة أنه حاول قتلها. ثم قالت “ضربني ذات ليلة، جرني بكاحليّ في غرفة الجلوس. لقد ظل يقول أحبك، أحبك يا كلبة. واستمر يجرني في غرفة الجلوس. رأسي ظل يرتطم بالأشياء” حدقت تيري حول الطاولة “ماذا تفعل بحب مثل هذا؟”

كانت امرأة نحيلة العظام بوجه جميل، عينان سوداوان، وشعر بني يتدلى إلى الخلف. كانت تحب القلائد المصنوعة من الفيروز، والأقراط الطويلة المتدلية.

“بحق الله لا تكوني ساذجة. هذا ليس حبا، وأنت تعرفين ذلك” قال ميل “لا أعلم ماذا يمكن تسميته، ولكنني متأكد أنك لن تسميه حبا”

“قل ما تريد، ولكنني أعلم أنه كان حبا” قالت تيري “ربما يبدو جنونيا لك، ولكنه حقيقي أيضا. الناس مختلفون يا ميل. صحيح، أحيانا ربما كان قد تصرف بجنون. أوكي. ولكنه أحبني، بطريقته الخاصة ربما، ولكنه أحبني. كان هنالك حب يا ميل. لا تقل لم يكن هنالك حب”

أطلق ميل نَفَسا. أمسك كأسه والتفت إلينا أنا ولورا. “الرجل هدد أن يقتلني” قال ميل. شرب كأسه وتطاول إلى زجاجة الجن. “تيري رومانتيكية، تيري من مدرسة أضربني حتى أعرف أنك تحبني. تيري، حبي، لا تنظري إلي هكذا” تطاول ميل خلال الطاولة ولمس خد تيري بأصابعه. ابتسم لها ابتسامة عريضة.

“والآن يريد أن نتصالح” قالت تيري.

“نتصالح على ماذا؟” قال ميل “ما الذي هناك لنتصالح عليه؟ أعرف ما أعرفه، هذا كل شيء”

“كيف بدأنا في هذا الموضوع  أصلا؟” قالت تيري. رفعت كأسها وشربت منه. “ميل دائما يفكر في الحب. أليس كذلك يا عزيزي؟” ابتسمَت، وظننتُ أن هذا كان نهاية الموضوع.

“أنا فقط لن أسمي سلوك إد حبا. هذا كل ما أقوله” قال ميل “وماذا عنكما يا شباب؟” قال ميل لي وللورا. ” هل هذا يبدو لكما مثل حب؟”

“أنا الشخص الخطأ لتسأله” قلت “أنا لم أعرف الرجل حتى. سمعت اسمه فقط بشكل عابر. لن أعرف. ولكني أظن أن ما تقوله هو أن الحب مطلق”

قال ميل “نوعية الحب الذي أتكلم عنه هو. نوعية الحب الذي أتكلم عنه، أنك لا تحاول أن تقتل الناس”

قالت لورا “لست أعلم أي شيء عن إد، أو أي شيء عن الحالة. ولكن من يستطيع أن يحكم على حالة أي أحد؟”

لمستُ ظهر يد لورا. أعطتني ابتسامة سريعة. رفعتُ يد لورا. كانت دافئة، الأظافر مزينة بالمناكير، بدقة وكمال. طوقتُ الرسغ الواسع بأصابعي، وأمسكتها.

“حينما رحلتُ، شرب سم الفئران” قالت تيري، وقد شبكت ساعديها بيديها. “أخذوه إلى المستشفى في سانتا فاي. كنا نعيش هناك حينها، أبعد بمسافة عشرة أميال. أنقذوا حياته. ولكن لثته انعطبت بسبب السم. لقد انتزعوها من أسنانه. أسنانه بعد ذلك كانت تقف مثل الأنياب. يا إلهي” قالت تيري. انتظرَتْ دقيقة، ثم أطلقت ذراعيها ورفعت كأسها.

“هل يوجد شيء لن يفعله الناس!” قالت لورا.

“هو خارج اللعبة الآن” قال ميل “إنه ميت”

ناولني ميل طبق الليمون. أخذت قطعة، عصرتها فوق شرابي، وحركت مكعبات الثلج بأصابعي.

“ما حدث بعد ذلك أسوء” قالت تيري “لقد أطلق النار على نفسه من فمه. ولكنه أخفق في ذلك أيضا. إد المسكين” قالت وهي تهز رأسها.

“لا إد المسكين ولا هم يحزنون” قال ميل “لقد كان خطيرا”

ميل كان في الخامسة والأربعين من عمره. طويل وممشوق بشعر ناعم مجعد. على وجهه وذراعيه سمرة بسبب ممارسته التنس. حينما لا يكون ثملا، كانت إيماءاته، جميع حركاته؛ دقيقة، حذرة جدا.

“ورغم ذلك فقد أحبني يا ميل. إعترف لي بذلك” قالت تيري “هذا كل ما أسأله منك. إنه لم يحبني كما تحبني أنت. أنا لا أقول هذا. ولكنه أحبني. تستطيع أن تعترف لي بذلك، ألا تستطيع؟”

“ماذا تعنين بأخفق في ذلك؟” قلتُ.

مالت لورا إلى الأمام بكأسها. وضعت مرفقيها على الطاولة وأمسكت كأسها بكلتا يديها. أخذت تنقل ناظريها بين تيري وميل وترقبت بنظرة حيرة على وجهها المكشوف، وكأنها مذهولة من أن أشياء كهذه تحدث لأشخاص أنت على علاقة ودودة معهم.

“كيف أخفق في ذلك ما دام قد قتل نفسه؟” قلت.

“سأخبرك ماذا حدث” قال ميل “لقد أخذ المسدس عيار 22 الذي كان قد اشتراه ليهددني أنا وتيري به. أوه، أنا جاد، الرجل كان يهدد دائما. كان عليك أن ترى كيف كنا نعيش في تلك الأيام. مثل الهاربين. بل أنني اشتريت مسدسا، أنا، هل تصدق ذلك؟ شخص مثلي؟ ولكنني فعلت. اشتريت واحدا للدفاع عن النفس وحملته معي في درج السيارة. أحيانا كان يجب علي أن أترك الشقة في منتصف الليل لأذهب إلى المستشفى، عارف؟ تيري وأنا لم نكن متزوجان بعد، زوجتي الأولى تحصلت على البيت والأولاد، والكلب، وكل شيء، وأنا وتيري كنا نعيش في هذه الشقة هنا. أحيانا، كما قلت، كان يتم استدعائي في منتصف الليل ويجب علي أن أذهب إلى المستشفى في الساعة الثانية أو الثالثة فجرا. كانت مواقف السيارات مظلمة حينها، وكنت أتصبب عرقا قبل حتى أن أستطيع الوصول إلى سيارتي. لم أكن أعلم أبدا إن كان سيخرج من الشجيرات أو من وراء سيارة ويبدأ بإطلاق النار. أعني، الرجل كان مجنونا. كان مؤهلا ليركب قنبلة، أي شيء. كان قد اعتاد أن يتصل على رقم عيادتي ويقول أنه في حاجة للحديث مع الطبيب، وحينما أردُّ على المكالمة، كان يقول: يا ابن الكلب، أيامك معدودة. أشياء صغيرة مثل هذه. لقد كان مخيفا، صدقني”

“لازلتُ رغم ذلك أشعر بالشفقة عليه” قالت تيري.

“هذا يبدو مثل كابوس” قالت لورا “ولكن ماذا حدث بعدما أطلق النار على نفسه؟”

لورا سكرتيرة قانونية. كنا قد تقابلنا في مهمة عمل. وقبل أن ندرك ما حدث، كنا قد صرنا في مرحلة ما قبل الزواج. إنها في الخامسة والثلاثين من العمر، أصغر مني بثلاث سنوات. بالإضافة إلى أننا واقعان في الحب، فإننا أيضا معجبان ببعضنا ويستمتع كلانا بصحبة الآخر. إنها من السهل أن تكون معها.

“ماذا حدث؟” قالت لورا.

قال ميل “أطلق النار على نفسه من فمه في غرفته. أحدٌ ما سمع الطلقة وأخبر البواب. جاؤوا بالمفتاح العام الذي يفتح أقفال العمارة، رأوا ما حدث، واتصلوا بالإسعاف. لقد صادف أنني كنت هناك حينما أتوا به، حيٌّ ولكنه تجاوز الاستجابة. عاش الرجل ثلاثة أيام. رأسه تورم إلى ضِعفَي حجم الرأس الطبيعي. لم أرى شيئا شبيها بهذا، وآمل ألا أفعل أبدا. تيري أرادت أن تذهب وتجلس معه حينما علمت بالأمر. خضنا شجارا حول هذا. كنت أرى أنه لا يجدر بها رؤيته هكذا. كنت أرى أنه لا يجدر بها رؤيته، ولازلت أرى ذلك”

“من فاز بالشجار؟” قالت لورا.

“كنتُ معه في الغرفة حينما مات” قالت تيري “لم يستفق من غيبوبته أبدا، ولكنني جلست هناك معه. لم يكن لديه أحد آخر”

“لقد كان خطيرا” قال ميل “إذا كنت تسمين هذا حبا، فلن تستطيعين الحصول عليه”

“لقد كان حبا” قالت تيري “بالطبع، يبدو شاذا في أعين أكثر الناس. ولكنه كان مستعدا ليموت في سبيله. لقد مات في سبيله”

“أنا متأكد مثل تأكدي من الجحيم أنني لن أسميه حبا” قال ميل “أعني، لا أحد يعرف لأي شيء فعلها. لقد رأيت الكثير من حالات الانتحار، ولا أستطيع القول أن أحدا منهم عرف تماما لأي شيء فعلها”

وضع ميل يديه وراء رقبته ومال بكرسيه إلى الخلف. “أنا لست مهتما بهذا النوع من الحب” قال “إذا كان هذا حبا، فلن تستطيع الحصول عليه”

قالت تيري “لقد كنا خائفين. حتى أن ميل كتب وصية وراسل أخاه الذي كان من فرقة القبعات الخضر في قوات الجيش الخاصة. أخبره من الفاعلُ الذي يجدر به أن يبحث عنه إن حدث شيء له”

شربت تيري من كأسها. قالت “ولكن ميل صادق، لقد عشنا مثل الهاربين. كنا خائفين. ميل كان خائفا، أليس كذلك؟ بل أنني اتصلت على الشرطة ذات يوم، ولكنهم لم يقدموا أي مساعدة. لقد قالوا أنهم لا يستطيعون القيام بشيء حتى يقوم إد فعليا بشيء. أليست هذه نكتة؟” قالت تيري.

سكبَت آخر الجن في كأسها وهزّت الزجاجة. قام ميل من الطاولة واتجه إلى الصوان، وأخذ زجاجة أخرى.

“على أية حال، نيك وأنا نعرف ما هو الحب” قالت لورا “بالنسبة لنا، أعني” لكزَت ركبتي بركبتها. “يجب عليك أن تقول شيئا الآن” قالت لورا، وقد أدارت ابتسامتها نحوي.

كجواب، أخذتُ يد لورا ورفعتها إلى شفتي. لقد أدّيت حدثا مسرحيا بتقبيلي يدها. الجميع تسلى بذلك.

“نحن محظوظان”

“أنتما يا شباب” قالت تيري “توقفا عن هذا الآن. إنكما تصيباني بالغثيان. إنكما لازلتما في شهر العسل بحق الله. لازلتما متحمسان أحمقان واللعنة. فقط انتظرا. كم مضى عليكما مع بعضكما؟ كم؟ سنة؟ أطول من سنة؟”

” على حدود سنة ونصف” قالت لورا، متوردة مبتسمة.

“أوه، الآن” قالت تيري “إصبرا قليلا”

أمسكَت كأسها وتطلعت في لورا.

“أنا أمزح فقط” قالت تيري.

فتح ميل زجاجة الجن وحام بها حول الطاولة.

“هيا يا شباب. لنقترح نخبا. أريد أن أقترح نخبا. نخب للحب. للحب الحقيقي” قال ميل.

نقرنا كؤوسنا في بعضها.

“للحب” قلنا.

في الفناء الخلفي في الخارج، أحد الكلاب بدأ ينبح. أوراق شجرة حور الرجراج المنحنية على النافذة تتكتك على الزجاج. شمس الأصيل كانت وكأنها وجودٌ في هذه الغرفة، ضوء السكينة والأريحية الرحب. كنا من الممكن أن نكون في أي مكان، مكان ما سحري. رفعنا كؤوسنا من جديد وابتسمنا لبعضنا مثل الأطفال الذين اتفقوا على شيء ممنوع.

“سأخبركم ما هو الحب الحقيقي” قال ميل “أعني، سأعطيكم مثالا جيدا. وحينها تستطيعون أن ترسموا استنتاجاتكم الخاصة” سكب مزيدا من الجن في كأسه. أضاف مكعب ثلج وقطعة ليمون. انتظرنا ورشفنا شرابنا. أنا ولورا لمسنا ركب بعضنا مرة أخرى. وضعتُ يدا على فخذها الدافئ وتركتها هناك.

“ما الذي يعرفه أي منا فعلا عن الحب؟” قال ميل “يبدو لي أننا مبتدئون فقط في الحب. نقول أننا نحب بعضنا ونفعل ذلك، لا أشك في هذا. أحب تيري وتيري تحبني، وأنتما يا شباب تحبان بعضكما أيضا. أنتم تعرفون نوع الحب الذي أتكلم عنه الآن. الحب المحسوس، ذلك الدافع الذي يقودك إلى شخص مميز، مثلُه مثل حب وجود الشخص الآخر، جوهره أو جوهرها، كما هو. الحب الجسدي، وأيضا، لنسميه الحب الوجداني، الاهتمام اليومي بالشخص الآخر. ولكن أحيانا أجد صعوبة في اعتبار حقيقةِ أنني لابدّ قد أحببت زوجتي الأولى أيضا. ولكنني أحببتها، إنني أعلم ذلك. ولذا أفترض أنني مثل تيري في هذا الاعتبار. تيري وإد” فكر في ذلك ثم أكمل “كان هنالك وقت حينما ظننت أنني أحببت زوجتي الأولى أكثر من الحياة نفسها. ولكنني الآن أكره خلقتها. أكرهها. كيف تفسر هذا؟ ما الذي حدث لذلك الحب؟ ما الذي حدث له، هو ما أريد معرفته. أتمنى أن أحدا يخبرني. ثم هنالك إد. أوكي، ها قد عدنا إلى إد. إنه يحب تيري جدا لدرجة أنه يحاول أن يقتلها وينتهي به الأمر ليقتل نفسه” توقف ميل عن الكلام وابتلع من كأسه “أنتما يا شباب مع بعضكما منذ ثمانية عشرة شهرا وأنتما تحبان بعضكما. إنه ظاهر في كل مكان عليكما. أنتما تُشعّان به. ولكن كلاكما أحب أشخاصا آخرين قبل أن تلتقيان ببعضكما. كلاكما كان متزوجا من قبل، بالضبط مثلنا. وكذلك كلاكما في الغالب أحب أشخاصا آخرين قبل ذلك أيضا. تيري وأنا مع بعضنا منذ خمس سنوات، متزوجان لأربع منها. والشيء المخيف هنا، الشيء المخيف هو، ولكن الشيء الجيد أيضا، النعمة التعويضية، تقدر تقول، هو أنه إذا حدث شيء لأحدنا – المعذرة على قول هذا – ولكن إذا حدث شيء لأحدنا غدا، أظن أن الآخر، الشخص الآخر، سيتألم لمدة، عارف، ولكن حينها سيتحرر الطرف الباقي على قيد الحياة ويحب من جديد، يحظى بشخص آخر في أقرب فرصة. كل هذا، كل هذا الحب الذي نتكلم حوله، سيكون مجرد ذكرى. ربما ليس مجرد ذكرى حتى. هل أنا مخطئ؟ هل شطحت؟ لأنني أريدكم أن تصححوني إذا ظننتم أنني مخطئ. أريد أن أعرف. أعني، أنا لا اعرف شيئا، وأنا الأول الذي يعترف بذلك”

“ميل بحق الله” قالت تيري. تطاولت وقبضت على رسغه “عزيزي هل أنت سكران؟ هل أنت سكران؟”

“عزيزتي، أنا فقط أتكلم” قال ميل “طيب؟ لا يجب أن أكون سكرانا لأقول ما أفكر فيه. أعني، كلنا هنا نتحدث، صح؟” ثبّت عينيه عليها.

“حبيبي، أنا لست أنتقد” قالت تيري.

رفعت كأسها.

“أنا لست تحت الاستدعاء اليوم” قال ميل “دعيني أذكّرك بذلك. أنا لن يتم استدعائي للمستشفى”

“ميل، نحن نحبك” قالت لورا.

حدق ميل في لورا. حدق فيها وكأنه لا يستطيع تذكرها، وكأنها لم تكن هي المرأة التي هي فعلا.

“أحبك أيضا، يا لورا” قال ميل “وأنت أيضا يا نيك، أحبك كذلك. تدري؟” قال ميل “أنتما يا شباب أصحابنا”

رفع كأسه.

قال ميل “لقد كنت أريد أن أخبركم بشيء. أعني، كنت سوف أثبت وجهة نظر. شوف، هذا الشيء حدث قبل عدة أشهر، ولكن لازال يحدث الآن، ويجب أن يجعلنا نشعر بالخجل حينما نتكلم وكأننا نعرف ما نتكلم عنه حينما نتكلم عن الحب”

“خلاص يا ميل” قالت تيري “لا تتكلم وكأنك سكران إن لم تكن سكرانا”

“فقط اصمتي لمرة واحدة في حياتك” قال ميل هادئا جدا “هل من الممكن أن تقدمي لي هذا كخدمة لمدة دقيقة؟ إذاً، مثلما كنت أقول، هنالك هذا الزوجان العجوزان اللذان تعرضا لحادث سيارة على الطريق السريع. ضربهم فتى بسيارته وتمزقا إلى خراء ولم يكن أحد يراهن على أي فرصة أن ينجوان”

تطلعَت تيري نحونا ثم عائدة إلى ميل. لقد بدت قلقة، أو ربما تكون هذا كلمة قوية.

ميل كان يمدّ الزجاجة حول الطاولة.

“كنت تحت الاستدعاء تلك الليلة” قال ميل “كان مايو أو ربما يونيو، تيري وأنا كنا على وشك الجلوس للعشاء حينما اتصل المستشفى. كان هنالك هذا الحادث في الطريق السريع. فتى سكران، مراهق، جَـرَف شاحنة أبيه الصغيرة إلى عربة فيها هاذان العجوزان. كانا في منتصف السبعينات، هذان الزوجان. الفتى – ثمانية عشر، تسعة عشر، حول هذا – كان ميتا فور وصوله. شال الدركسون مخترقا عظم القَص الصدري. العجوزان، كانا على قيد الحياة، فاهم، أعني، حيان بالكاد. ولكنهما كانا مصابان بكل شيء. كسورٌ متعددة، إصابات داخلية، نزيف، كدمات، تمزقات، الشغل كله، وكلاهما كان واعيا. كانا في وضع سيء، صدقني. وطبعا، سنهما كان ضربة أخرى ضدهما. سأقول أنها كانت في حال أسوء منه. طحال ممزق مع كل شيء آخر. رضفتا ركبتيها مكسورتان. ولكنهما كانا يربطان حزام الأمان، والله يعلم أن هذا هو الذي أنقذهما حتى الآن”

“يا جماعة، هذا إعلان من مجلس السلامة الوطني” قالت تيري “هنا متحدثكم الرسمي د.ميلفين مكجينيز، يتحدث” ضحكت تيري “ميل. أحيانا أنت فقط أكثر من اللازم. ولكني أحبك يا عزيزي”

“يا عزيزتي، أنا أحبك” قال ميل.

انحنى فوق الطاولة. قابلته تيري في منتصف الطريق. قبّلا بعضهما.

“تيري محقة” قال ميل وهو يعاود الجلوس “ضعوا أحزمة الأمان تلك. ولكن جديا، لقد كانا في حالة عجيبة، هذان العجوزان. في الوقت الذي وصلتُ فيه إلى هناك، الفتى كان ميتا، كما قلت. كان منحّىً في زاوية، ملقىً على نقالة. ألقيت نظرة واحدة على العجوزين وأخبرت ممرضة الطوارئ أن تستدعي طبيبي أعصاب وعظام ومجموعة جراحين إلى هنا حالا”

شرب من كأسه. “سأحاول أن أبقي القصة قصيرة” قال “إذاً، أخذناهما كلاهما إلى غرفة العمليات وعملنا مثل الملاعين عليهما أغلب الليل. كان لديهما احتياطيُّ تحملٍ مذهل، هذان الاثنان. إنك ترى مثل هذا نادرا. ولذا فعلنا كل شيء يمكن فعله، وقبالة الصباح كنا قد أعطيناهما 50% احتمالية نجاة، ربما أقل من هذه النسبة لها. ثم هاهما، لازالا حيان في الصباح التالي. إذاً، أوكي، نقلناهما إلى وحدة العناية المركزة، حيث استمرا موصلان في الأجهزة طوال أسبوعين، يتحسنان أكثر وأكثر على كل الأصعدة. ولذا نقلناهما إلى غرفهما الخاصة”

توقف ميل عن الكلام “هيا” قال “لنشرب هذا الجن الرخيص كله. ثم سنذهب إلى العشاء، صح؟ أنا وتيري نعرف مطعما جديدا. إلى هناك سنذهب، إلى ذلك المطعم الجديد الذي نعرفه. ولكننا لن نذهب إلى أن ننهي هذا الجن المخفض التعيس”

قالت تيري “في الحقيقة لم نأكل هناك بعد. ولكنه يبدو جيدا. من الخارج أقصد”

“أحب الطعام” قال ميل “لو كان بوسعي القيام بالأمر من جديد، كنت سأصير طباخا، عارف؟ صح يا تيري؟”

ضحك. حرك الثلج في كأسه بأصابعه.

“تيري تعرف” قال “تيري تستطيع أن تخبركم. ولكن دعوني أقول هذا، لو أن بإمكاني أن أعود مرة أخرى إلى حياة مختلفة، إلى وقت وكل شيء مختلف، تدرون؟ سأريد أن أعود كفارس. كنتَ آمنا تماما وأنت تلبس كل تلك الدروع. كان جيدا أن تكون فارسا إلى أن جاء البارود والبنادق والمسدسات”

“ميل سيحب أن يركب خيلا وأن يحمل رمحا” قالت تيري.

“تحمل وشاح امرأة معك في كل مكان” قالت لورا.

“أو امرأة” قال ميل.

“عيب عليك” قالت لورا.

قالت تيري “طيب افترض أنك عدت كقِـن. الأقنان كانوا رايحين فيها في تلك الأيام”

“الأقنان رايحين فيها دائما” قال ميل “ولكن أظن أن الفرسان كانوا vessels/أدواة لأحد ما. ألم يكن الترتيب هكذا؟ ولكن الجميع دائما أداة لأحد ما. صح يا تيري؟ ولكن ما أحببته في الفرسان، بالإضافة إلى عشيقاتهم، هو أنهم كانوا يلبسون بدلة الدروع تلك، عارف، ولم يكن بالإمكان إيذاؤهم بسهولة. لا سيارات في ذلك الوقت، عارف؟ لا مراهقين سكرانين يشقون مؤخرتك”

” vassals/تابعون[1]” قالت تيري.

“ماذا؟” قال ميل.

” vassals” قالت تيري “كان يطلق عليهم vassals وليس vessels”

” vassals vessels وش الفرق المنيوك؟ أنت تعرفين ما كنت أقصد، طيب” قال ميل “إذاً أنا لست مثقفا. لقد تعلمت أشيائي فحسب. أنا طبيب قلب، صح، ولكنني فقط ميكانيكي. أذهب وأعبث وأحوس هنا وهناك وأصلح أشياء. والخرا”

“التواضع لا يناسبك” قالت تيري.

“إنه فقط جراح مسكين” قلت “ولكنهم أحيانا يختنقون في كل تلك الدروع يا ميل. بل أنهم قد يصابون بنوبات قلبية إذا ازدادت الحرارة هناك وكانوا متعبين ومستنزفين. قرأت في مكان ما أنهم قد يسقطون من خيولهم ولا يستطيعون النهوض لأنهم أكثر إرهاقا من أن ينهضوا بكل هذه الدروع حولهم. يتعرضون أحيانا للدهس من قِبل خيولهم نفسها”

“هذا مرعب” قال ميل “هذا شيء مرعب يا نيكي. أظن أنهم سيستلقون فقط هناك وينتظرون أن يأتي أحد ويصنع منهم شيش كباب”

” vessel آخر” قالت تيري.

“هذا صحيح” قال ميل “واحد vassal سوف يأتي ويرمح اللعين باسم الحب. أو أيا كان ذلك الشيء المنيوك الذي كانوا يحاربون من أجله في تلك الأيام”

“نفس الأشياء التي نحارب من أجلها هذه الأيام” قالت تيري.

قالت لورا “لاشيء تغير”

اللون لازال ممتقعا في خدَّي لورا. عيناها مشعتان. حملَت كأسها إلى شفتيها.

سكب ميل لنفسه شرابا آخر. حدق في ملصق الشركة عن قرب وكأنه يدرس صف أرقام طويل. ثم وضع الزجاجة ببطء على الطاولة وتطاول ببطء إلى ماء التونيك.

“وماذا عن الزوجين المسنين؟” قالت لورا “أنت لم تكمل القصة التي بدأتها”

كانت لورا تجد صعوبة في إشعال سيجارتها. عود الثقاب ظل ينطفئ.

ضوء الشمس في داخل الغرفة مختلفٌ الآن، يتغير، يزداد نحولا. ولكن أوراق الشجر خارج النافذة كانت لاتزال تومض، حدقتُ في أشكال انعكاسها على اللوح الزجاجي ومنضدة الفورميكا. لم تكن نفس الأشكال بالطبع.

“وماذا عن الزوجين المسنين؟” قلت.

“أسَنُّ ولكن أحكَم” قالت تيري.

حدق ميل فيها.

قالت تيري “هيا حبيبي أكمل القصة. كنت فقط أمزح، ثم ماذا حدث؟”

“تيري، أحيانا” قال ميل.

“أرجوك يا ميل” قالت تيري “لا تكن جادا دائما. ألا تستطيع تحمل نكتة؟”

“أين النكتة؟” قال ميل.

أمسك كأسه وحدق بثبات في زوجته.

“ماذا حدث؟” قالت لورا.

ثبّت ميل عينيه على لورا. قال “لورا، لو لم أكن مع تيري ولم أكن أحبها كثيرا، ولو لم يكن نيك صديقي المقرب، كنت سأقع في حبك. كنت سأخطفك يا عزيزتي” قال.

“إروي قصتك” قالت تيري “ثم سنذهب إلى ذلك المطعم الجديد، أوكي؟”

“أوكي” قال ميل “أين كنت؟” حدق في الطاولة ثم بدأ.

“مررتُ لأراهما كل يوم، أحيانا مرتان في اليوم إذا صادف أن كنت هناك. جبائرُ جبسٍ وضمادات، من الرأس إلى القدم، كلاهما، عارف؟ لقد رأيتَ هذا في الأفلام. هكذا كانا، بالضبط كما في الأفلام. ثقوب أعين صغيرة وثقوب أنف وثقوب فم. وهي كان يجب على قدميها أن تتدليا فوقها. بالطبع، الزوج كان مكتئبا جدا طوال الوقت. حتى بعد أن علم أن زوجته ستنجو، ظل مكتئبا. ولكن ليس بسبب الحادث. أعني، الحادث كان شيئا، ولكن لم يكن كل شيء. كنت أقترب من ثقب فمه، عارف، وكان يقول لا، لم يكن بسبب الحادث تماما ولكن بسبب أنه لم يستطع رؤيتها من خلال ثقبي عينيه. لقد قال أن هذا ما كان قد كان يجعله يشعر بالحزن. هل تستطيع أن تتخيل؟ إنني أخبركم، قلب الرجل كان يتحطم لأنه لم يكن قادرا على أن يدير رأسه اللعين ليرى زوجته اللعينة”

حدق ميل خلال الطاولة وهز رأسه على ما كان سيقوله “أعني، لقد كان يَـقتل هذا العجوز أنه ليس قادرا على أن يرى هذه المرأة الملعونة”

جميعنا حدقنا في ميل.

“هل تفهمون ما أقوله لكم؟” قال.

ربما كنا قد بدأنا نسكر حينها قليلا. أعلم أنه كان من الصعب إبقاء كل شيء مركزا. الضوء كان يُستنزف إلى خارج الغرفة، يعود من خلال النافذة حيث كان قد أتى. ورغم ذلك لا أحد أتى بحركة للنهوض من الطاولة وإشعال ضوء اللمبة السقفية.

“اسمعوا” قال ميل “لننهي هذا الجن الخرا. هنالك ما يكفي لكأس أخير للجميع. ثم حينها نذهب لنأكل. لنذهب إلى المطعم الجديد”

“إنه مكتئب” قالت تيري “ميل، لماذا لا تتعاطى حبة دواء؟”

هز ميل رأسه “تعاطيت كل شيء يمكن تعاطيه”

“كلنا نحتاج حبة بين حين وآخر” قلت.

“بعض الناس يولدون وهم في حاجة لها” قالت تيري.

كانت تستخدم أصابعها لتدعك شيئا على الطاولة. ثم توقفت عن الدعك.

“أظن أنني أريد أن أتصل على أطفالي” قال ميل “هل تسمحون بذلك؟ سأتصل بأطفالي”

قالت تيري “وماذا لو ردّت مارجريت على التليفون؟ يا شباب، هل سمعتمونا نتحدث في موضوع مارجريت؟ عزيزي، أنت تعلم أنك لا تريد أن تتكلم مع مارجريت. سيجعلك هذا تشعر أسوء وأسوء”

“لا أريد أن أتحدث مع مارجريت” قال ميل “ولكنني أريد أن أتحدث مع أطفالي”

“ليس هنالك يوم يمر دون أن يقول ميل أنه يتمنى منها أن تتزوج من جديد. أو أن تموت” قالت تيري “أولا، إنها تفلسنا. ميل يقول أنها ترفض الزواج مرة أخرى نكاية به ليس إلا. لديها صديق يعيش معها ومع الأطفال، ولذا فإن ميل يصرف على الصديق أيضا”

“إن لديها حساسية من النحل” قال ميل “إن لم أكن أصلي أن تتزوج من جديد، فأنا أصلي أن تتسبب لنفسها بأن تُلسع حتى الموت بواسطة سرب من نحل ملعون”

“عيب عليك” قالت لورا.

“بزززززز” قال ميل، محوِّلا أصابعه إلى نحل يبزُّ بها إلى حلق تيري. ثم جعل يديه تسقط تماما إلى جنبيه.

“إنها خبيثة” قال ميل “أحيانا أفكر أنني سأذهب إلى هناك في ملابس نحّال. عارف؟ تلك القبعة التي مثل خوذة والصفيحة التي تغلقها أمام وجهك والقفازان الكبيران والمعطف الفضفاض؟ سأدق الباب وأطلق عنان خلية نحل في المنزل. ولكن قبل ذلك سأتأكد أن الأطفال في الخارج، بالطبع”

عقد رجلا على رجل. بدا وكأن هذا أخذ منه كثيرا من الوقت. ثم مد كلا القدمين على الأرض وانحنى أماما، المرفقان على الطاولة، ذقنه مكوَّب بين يديه.

“ربما لن أتصل على الأطفال إذاً. ربما ليست فكرة جيدة فعلا. ربما علينا جميعا أن نذهب لنأكل فحسب. كيف يبدو هذا لكم؟”

“يبدو جيدا لي” قلت “نأكل أو لا نأكل. أو نستمر في الشرب. أستطيع أن أرتقي تماما إلى الخارج نحو الغروب”

“ماذا يعني هذا يا عزيزي؟” قالت لورا.

“إنه فقط يعني ما قلته” قلت “يعني أنني أستطيع أن أستمر. هذا كل ما يعنيه”

“أنا يمكنني أن آكل أيضا” قالت لورا “لا أظن أنني كنت بمثل هذا الجوع في حياتي. هل هنالك شيء لنتصبر به؟”

“سأضع بعضا من الجبن والمكسرات” قالت تيري.

ولكن تيري جلست هناك. لم تنهض لتأتي بأي شيء.

قلب ميل كأسه. سكب شرابه على الطاولة.

“الجن راح” قال ميل.

قالت تيري “والآن ماذا؟”

أكاد أسمع قلبي ينبض. أكاد أسمع قلب كل واحد منهم ينبض. أكاد أسمع الشوشرة الإنسانية التي جلسنا هناك نصدرها، لا أحد منا يتحرك، حتى حينما أظلمت الغرفة.

———————–

[1] – تلاعب بالكلمات، حيث أن كلمة vessels تعني الأداة أو الوعاء المجوف. بينما vassals تعني التابع الخاضع، وتعبّر عن فلاحي الأرض وبعض طبقات الفرسان.

.
.

ترجمة: كلايست في ثون – روبرت فالسر

فالسر روائي وقاص سويسري يكتب بالألمانية. ولد 1878 ومات 1956

كلايست شاعر وروائي ألماني ولد 1777 ومات منتحرا 1811 برفقة صديقته التي يذكر أنها كانت مصابة بالسرطان والاكتئاب.

ثون هي بلدة صغيرة في سويسرا، بقرب نهر الآر، عند مدخل جبال الألب البرنية. تعد وجهة لكثير من السياح.

الرابط

لماذا يكتب فالسر عن كلايست؟

فالسر عاش آخر سنوات حياته في اضطراب ذهني، قاده إلى دخول مصحّات عقلية كثيرة. فالسر الذي تصفه سوزان سونتاج بأنه الحلقة المفقودة بين كلايست وكافكا، حيث أن الأخير كان من أكثر المتأثرين به، اختلق سردا يقوم على تفكيك التراتبية السردية في خدمة الصورة واللغة والجرْس. فالسر الشاعري، ذو الحساسية الرومانتيكية. هذا الصنف يجب ألا يخدعكم، إنه دائما ينتج أكثر الناس كآبة وعرضة للألم. ولهذا فالسر يحب كلايست، ويكتب عن كلايست: الجمال في الألم، والألم في الجمال. لماذا انتحر كلايست؟ نظريات كثيرة، لا جدوى منها. المهم هو أن كلايست كان مهيئا للموت، حسب ما يكتب فالسر. الوحدة، لا شك عنصر أساسي. ولكن الأهم، هو الجمال. الجمال هو دافع كلايست لأن ينتحر، إن الجمال في حد ذاته ألم، تذكير بانعدام وشيك يورث نشوة صلاتية، بفراغ من الممكن أن يفيض على السطح. الجمال الذي لشدة ما يبدو جميلا يكاد يبدو مصطنعا، مزيفا، لاحقيقي، ” ألبوم رسمه هاوٍ حصيف “. يصف فالسر مراقبة كلايست لصورة جمالية “يجلس هناك، وجهه ينتَـأ إلى الأمام، وكأنه يجب أن يكون مستعدا لقفزة الموت في صورة ذلك العمق الفاتن. إنه يريد أن يفنى في تلك الصورة”. ولذا بالنسبة لكلايست، فالانتحار ليس موتا، وإنما فناء في الحياة المتلاشية، فناء في صورة الجمال الذي يهمُّ بالاندثار، الجمال الذي يعقبه دائما ضمور مشبع ببلادة رتيبة ويكاد يخالطه كمال يُشبه التأليف المتعمد. الأسباب المحسوسة التي تقف وراء انتحاره، هي مجرد الشكل، وهو مهم بلا شك، ولكن السبب الرئيسي هو الجمال، ولذا أي حياة كان سيعيشها كلايست وأي خيارات كان سيتخذها، كلها ستؤدي إلى انتحاره، عاجلا أما آجلا، حسب ما يكتب فالسر … مرحبا بك في عصر رومانتيكيي القرن الثامن عشر!

أسلوب فالسر

فالسر يلقب بالمراوغ، لا يُفهم دائما. أحيانا يمنحك جملا مكركبة لامفهومة، ولكن فيها كلمة واحدة كفيلة بالإيحاء – إما إلى شيء سابق أو شيء لاوجود له في النص – الذي يجعلك تفقد تركيزك وتتشتت. هذا كل ما يريده، أحيانا بالطبع، أن تتشتت، أن تشعر أنّ النص يذهب بك إلى مناطق غامضة، مكركبة، متداخلة، يتسرب من يديك وأنت تحاول الإمساك بتراتبية جمله. وغالبا، تصل تلقائيا وسريعا – لأن فاولسر كاتب جيد – إلى تركيب المعنى من الجملة المراوغة، ولكنه معنى إيحائي لغوي صوري. ولذا ستلاحظ عدة فجوات أحيانا، قفزات أو مناطق فراغ. هذه اللغة تشبه عملية المونتاج، حيث التقطيع والتداخل. وفالسر في هذا رائد أصيل، حيث أنه سبق كافكا وبروست وفوكنر. لغته فيها ذلك الغموض المكركب اللذيذ.

ولهذا قررتُ في ترجمته ألا أغيّر شيئا، ألا أحاول أحيانا وضع كلمة أو ترتيب قد يشرح الرابط أو يجعل الجملة أكثر تماسكا مع ما قبلها وبعدها، فمن المهم أن يأتي النص تماما كما أراده فالسر، مكركبا، متداخلا، تشتبك أفعاله وأسماؤه أحيانا، صفاته وضمائره، لتشكل هذا الجسد السردي الغامض اللاواعي الذي ينبض بجرس يتجاوز مطلب الفهم المجرد، إلى الشعور نفسه، الحدس نفسه، الذي تحسه بقدر ما تفهمه. ولهذا ففالسر في هذا النص حسي تماما، نصه العبقري يخاطب الجوارح بقدر ما يخاطب العقل، الأذن بقدر العين.

كما أن فالسر من أوائل من اعتمدوا “الميتا فيكشن”. وهي دخول الكاتب في قصته. إذ يخرج فالسر في نهاية القصة، وينهيها بطريقة مقطوعة وكأنها يوميات.

الترجمة: عبر الترجمة الإنجليزية للشاعر كريستوفر ميدلتون، المتخصص في الأدب الألماني، وتحديدا في أدب جوته وفالسر وهولدرلن وسيلان، وهو الذي اعتمدت عليه أكثر في الترجمة.

————–

وجد كلايست نزلا وخوانا في فيلا قريبة من ثون، على جزيرةٍ صغيرة عند نهر آر. من الممكن القول اليوم، بعد أكثر من مائة عام، دون قطعية بالطبع، أنه لابدّ قد مشى عبر جسر صغير، بطول عشرة أمتار، وسحب حبل جرس. حينها، لابد أن أحدا ما أقبل منزلقا من الدرج، مثل حية، ليرى من هناك. “هل لديك غرفة للإيجار؟” بعد برهة استرخى كلايست في الغرف الثلاثة – منخفضةِ السعر بشكل مفاجئ – التي كانت قد أُفردت له. “فتاة محلية برنيّة جذابة ترعى البيت لي” قصيدة جميلة، طفل، مَحمدة بطولية، هذه الأشياء الثلاثة تحتل تفكيره. علاوة على ذلك، إنه نوعا ما معتلّ. “الله وحده يعلم العلة. ما الذي حاق بي؟ كل شيء جميل جدا هنا”

يكتب، بالتأكيد. من وقت لآخر يتجه بالعربة إلى مدينة برن. يقابل أصدقاء أدب، ويقرأ لهم كل ما كان يكتبه. بالطبع، يشيدون به إلى السماوات، ولكن يجدون شخصيته بالأحرى غريبة الأطوار. يكتب “الإبريق المكسور”. ولكن لماذا كل هذا الاضطراب؟ الربيع قد أتى. الحقول حول ثون كثّة بالزهور، الأريج في كل مكان، طنين نحل، شُغْـل، أصواتٌ تهبط، أحدٌ يتبطل هائما. في حرارة الشمس من الممكن أن تُجن. كأن موجاتِ حُمرةٍ متوهجة مخدِّرة تثب عاليا في رأسه كلما جلس وراء طاولته وحاول الكتابة.

يلعن حرفته. كان قد عزم أن يكون فلاحا حينما أتى إلى سويسرا. فكرة لطيفة، كانت. سهلٌ أن تعتزم أمرا في مدينة بوتسدام. الشعراء عموما يعتزمون أشياء كهذه بسهولة كافية. غالبا يجلس قبالة النافذة.

الساعة العاشرة صباحا، تقريبا. إنه وحيد للغاية. يتمنى أنّ صوتا كان بجانبه، أي نوع من الصوت؟ يد، طيّب، وبعد؟ جسد؟ ولكن لمَ؟ هناك تستلقي البحيرة، محجّبة ومبددة في أريج أبيض، مؤطرة بالجبال الساحرة اللاطبيعية. كيف تُـغشِّي كلُّها وتُربك. الريف بأكمله – منحدرا إلى الماء – حديقةٌ نقية، تبدو أنها تفور وتتهدل في زرقة الهواء بجسور مليئة بالزهور وشُرفات مليئة بالأريج. طيورٌ تغني بوهن تحت كل هذه الشمس، كل هذا الضوء. إنها نشوانة، ومليئة بالنوم. مرفقه متكئ على حافة النافذة، يُسند كلايست رأسه على يده، يحدق ويحدق ويرغب في أن ينسى نفسه. صورة بيته الشماليّ النائي تدخل فكره، يستطيع رؤية وجه والدته بوضوح، أصواتٌ عتيقة. اللعنة على كل هذا — كان قد قفز وركض خارجا إلى الحديقة. يركب هناك زورقا ويجدف خارجا فوق صباح البحيرة الناصع. قبلةُ الشمس لا تتجزأ، لا تخمد. لا نسمة. لا حركة. الجبال تمويهٌ بارعٌ لرسامِ مناظر حذق، أو تبدو كذلك، وكأن الجهة بأكملها ألبوم، الجبال رسمها هاوٍ حصيف على صفحاتٍ فارغة لصالح السيدة التي تملك الألبوم، كتذكار، مرفقة بآية شعر. تغطي دفّتي الألبوم أغلفةٌ خضراء باهتة، وهو ما يبدو مناسبا. سفوح الجبال على حافة البحيرة شديدة الاخضرار من المنتصف السفلي، فارعة، عطرة جدا. لـا لـا لـا! كان قد تعرى وانغمس في الماء. كم هو جميل كل هذا بشكل يفوق الوصف. يسبح ويسمع ضحك النساء على الشاطئ. القارب يتجول بفتور على الماء المخضر المزرق. العالم حوله كعناق رحب. أيُّ نشوة هذه، ولكن أي كرب من الممكن أن تكونه أيضا.

أحيانا، وتحديدا في أمسيات رائقة، يشعر أن هذا المكان هو نهاية العالم. جبال الألب تبدو له بوبات لامدرَكة تفضي إلى فردوس متسنم فوق قنن الجبال المتسلسلة. يسير على جزيرته الصغيرة، يخطو متأنيا، يصعد ويهبط. الفتاة تستحم بين الأحراش، حيث يومض فيها ضوءٌ نغميّ، أصفر، جميلٌ بإيحاء عدمي. أوجهُ الجبال بقشرة الثلج ممتقعة جدا، الصفةُ المهيمنة في كل الأشياء جمالٌ نهائي لامحسوس. بجعاتٌ تسبح إلى ومِنْ، تبدو وسط تهافُـتها عالقةً في تعويذة الجمال وضياء الغسق. الهواء غثيانيّ. كلايست يريد حربا وحشية، أن يقاتل في معركة، يبدو لنفسه مسحة من شخص بائس وفائض.

يذهب ليتمشى. لماذا، يسأل نفسه بابتسامة، لماذا يجب أن يكون هو الذي بلا شيء يُـفعل، لاشيء يُضرب، لاشيء يُردى؟ يشعر أن عصارة وقوة جسده تشتكيان بخفوت. روحه بأكملها ترتجف رغبة في كدٍّ جسدي. يصّعّد ما بين جدرانٍ عتيقة فارعة، متجاوزا منحدر الجبل المحجّر بالحصى الرمادي حيث يتثنى اللبلاب الأخضر الداكن بحميمية. عاليا هنا، في كل المنافذ، يبدو ضوء المساء متقدا. على حافة واجهة الصخر يقف سرادقٌ بهيج، يجلس كلايست هناك، ويترك روحه تحلق، صعودا وهبوطا في المَطَـلّ الخامد القدسي البراق. سيكون متفاجئا إن هو أحس الآن بأنه معافى. تقرأ جريدة؟ كيف يفيد ذلك؟ تدير مناظرة سياسية حمقاء أو مفيدة بشكل عام مع مسؤول محترم ظريف نسبيا أو مع غيره؟ نعم؟ إنه ليس غير سعيد. فبشكل سري، يفترض أن السعيد لوحده هو الرجل الذي لا عزاء له: لا عزاء له غريزيا وعنفوانيا. الحالة بالنسبة له أسوء دائما بظلٍّ فاتر صغير. إنه أكثر حساسية من أن يكون سعيدا، ممسوسٌ بمشاعره المترددة المتحفظة اللاموثوقة. إنه يريد أن يصرخ عاليا، أن ينتحب. يا إله السماء، ما الخطب الذي يحيق بي، ويركض مسرعا إلى أسفل التل المعتم. الليل يناسبه. يجلس قافلا في غرفته، مصرا على أن يعمل إلى أن يعتريه السُعار، عند طاولة كتابته. ضوء المصباح يُغشّي رؤيته لمحيط جلوسه، ويُفرغ عقله، ويكتب الآن.

في الأيام الممطرة، الأشياء باردة وخاوية بشكل مخيف. المكان يقشعرّ فوقه. الشجيرات الخضراء تئنّ وتنشج وتريق دموع مطر في تمنّي لطخة شمس. فوق رؤوس الجبال تترسّب غيومٌ وحشية قذرة مثل أيادٍ ضخمة قاتلة وقحة تحوم فوق الجباه. الريف يبدو وكأنه يريد أن يزحف بعيدا ويختبئ عن هذا الطقس الشرير، أن ينكمش سريعا. البحيرة رصاصية وموحشة، لغةُ الأمواج غليظة. ريح العاصفة تترنح مثل توبيخ غريب، لا تجد تدفقا، تتحطم من جُرف إلى الآخر. إنه ظلام هنا، وضيق، ضيق. كل شيء ملتصق تماما بأنف الشخص. الشخص الذي سوف يرغب في أن يستحوذ على مطرقة ويضرب له منفذا وسط كل هذا. أُهرب من هنا، أهرب!

الشمس تُـشعّ من جديد، واليومُ هو الأحد. نواقيسٌ ترن. الناس يغادرون كنيسةَ قمة التل. الفتيات والنساء بصدريات سوداء ضيقة مخرمة مع تِرترات فضية، الرجال مهندمون ببساطة ووقار. يحملون كتب صلاة في أيديهم، أوجههم مطمئنة، جميلة، وكأن كل القلق قد تلاشى، كل تجعّدات الاضطراب والتنافر قد ترققت، كل المشاكل قد نُسيت. والنواقيس. كيف تدوّي عاليا، تقفز بجلجلاتِ وأمواج صوت. كيف تتلألأ وتتقد بزرقةٍ وجَرْسٍ فوق أحَـدِ القرية الصغيرة المتحممة بالشمس. الناس يتفرقون. كلايست، مُهَـوّاً بمشاعر غريبة، يقف فوق عتبات الكنيسة وعيناه تتابعان حركة الناس التي تنزل. يرى نسخا عديدة لطفلِ مزارعٍ يهبط من العتبات مثل أميرٍ بالولادة، الجلالةُ والانعتاق منحوتة بأصالة في العظم. يرى شبابا وسيمين عضِلين من الريف، وأيُّ ريف، ليست أرضا مسطحة تافهة، ليسوا سكان سهول صغار، ولكن فتيانٌ اندلعوا من وديان سحيقة مقوَّرة بدقة في الجبال، ضيّقة غالبا، مثل ذراعِ رجلٍ طويلٍ وحشي. إنهم فتيان الجبال حيث حقول الذرة والكلأ تهبط منحدرة إلى الأخاديد، حيث العشب العطريّ الحار ينمو في رُقعات مسطحة صغيرة على شفير الشِّعاب المرعبة، حيث المنازل عالقة مثل بقع على المروج حينما تقف بعيدا في الأسفل على الطريق الريفي الواسع وتحدق عاليا أمامك، لترى إن كان لا يزال ثمة منازل للناس هناك.

الآحاد يحبها كلايست، وأيام التسوق أيضا، حينما يتموّج كل شيء ويحتشد بتطريزات الرجال الزرقاء وأزياء الفلاحات، على الطريق، وفي الشارع الرئيسي الضيق. هناك، في ذلك الشارع الضيق، عند الممشى المرصوف، السلعُ مكدسة في أقباء حجرية وعلى أكشاك واهية. البقّالون ينادون لكنوزهم الرخيصة بهتافات ريفية مداهنة. وعادةً في مثل يوم التسوق هذا، تُشع أكثر شمس متألقة حارقة بليدة. كلايست، يحبّ أن يدفعه هنا وهناك أُنس الحشد الريفي المتوهج. في كل مكان تفوح رائحة الجبن. في الداخل، حيث الدكاكين الأفضل، تمر نساء الريف الجادات، الجميلات أحيانا، يتسوقن، بحذر. كثيرٌ من الرجال يحملون غلايين في أفواههم. خنازير، عجول، وأبقار مجرورة إلى الوراء. ثمة رجل واحد يقف هناك، يضحك ويضرب خِـنَّوصه المتورد بعصا ليجبره على السير، يرفض، ولذا يأخذه تحت ذراعه ويحمله صاعدا. روائح الأجساد البشرية ترشح من خلال ملابسهم، بينما تندلق هناك خارج الحوانيت أصوات العربدة. رقصٌ وأكل. كل هذا الاهتياج، كل حرية الأصوات هذه! العربات أحيانا لا تستطيع العبور. الخيول مطوقة تماما برجال متاجرين مثرثرين. والشمس تُشعّ وهّاجة بدقة فوق الأشياء، الأوجه، الملابس، السلّات، والبضائع. كل شيء يتحرك، ووهج الشمس لابد أن يتحرك أيضا إزاء كل شيء آخر. كلايست يريد أن يُصلّي. إنه لا يجد موسيقىً جلاليةً جملية للغاية ولا روحا دقيقة غامضة تماما مثل موسيقى وروح كل هذه الحركة الإنسانية. إنه يريد أن يجلس على إحدى العتبات المؤدية إلى الشارع الضيق. إنه يواصل السير، يتجاوز امرأة بتنورة مرفوعة عاليا، يتجاوز فتيات يحملن سلات فوق رؤوسهن، بهدوء، بنبل، مثل امرأة إيطالية تحمل أباريق كان قد رآها في لوحة، يتجاوز رجالا يهتفون ورجالا يسكرون، يتجاوز رجال شرطة، يتجاوز تلاميذ مدرسة يتجهون إلى ما يتجه إليه تلاميذ مدرسة، يتجاوز مظلاّتِ حديقة مجوفة تبعث رائحة منعشة، يتجاوز حبالا، قضبانا، موادا غذائية، مجوهرات مقلدة، أنوف، جباه، قبعات، خيول، خُـمُر، بطانيات، جوارب صوفية، نقانق، كراتُ زبدة، شرائح جبن، يتجاوز كل هذا خارجا من اللغط نحو جسرٍ على نهر آر، حيث يتوقف، وينحني فوق السياج ليحدق في الماء الأزرق العميق يتدفق بعيدا بشكل بديع. من فوقه أبراج القلعة تلمع وتتوهج مثل نار سائلة مُسمرَّة. هذه تكاد تكون إيطاليا.

أحيانا، في أيام أسبوع عادية، القرية الصغيرة بأكملها تبدو له ممسوسة بالشمس والسكون. يقف بلا حراك أمام مبنى دار البلدية القديم الغريب، بأرقامه المنحوتة بحوافٍّ حادة على لمعان الجدار الأبيض. إنه بأكمله يتعذر استرجاعه، مثل جَـرْس أغنية شعبية نسيها الناس. حيٌّ بالكاد. لا، ليس حيا بتاتا. يتسلق سلالمَ الخشب المسيَّجة إلى القلعة حيث عاش الإيرلات الغابرون، الخشب العتيق ينفث رائحة دهرٍ ومصائر بشرية مندرسة. يجلس هنا على مقعد أخضر مقوس ليستمتع بالمنظر، ولكنه يغلق عينيه. كله يبدو مرعبا جدا، وكأنه نائم، مدفونٌ تحت غبار، بحياة منزوعة منه. أقرب شيء له يلوح كأنه في ضبابِ بُعدٍ حلمي سحيق. كل شيء مُغـمدٌ في سحابة حارة. الصيف، ولكن أي نوع من الصيف؟ أنا لست حيا، يهتف، ولا يعرف أين يلتفت بعينيه، يديه، ساقيه، وأنفاسه. حلم. لا شيء هناك. لا أريد أحلاما. يخبر نفسه في النهاية أنه يعيش وحيدا أكثر من اللازم. يرتعد، مُكرهٌ على الإقرار بأن بلادة لامبالاته تمثل علاقته بالعالم حوله.

ثم تأتي أمسيات الصيف. كلايست يجلس على جدار مقبرة الكنيسة الفارع. كل شيء لزج، ولكن مالحٌ أيضا. يفتح قميصه ليتنفس بحرية. تتمدد تحته البحيرة عند الغروب، وكأن إلها قذفها إلى الأسفل بيده العظيمة، متأججةٌ بظلال صفراء وحمراء، كل أجيجها يبدو متقدا من أعماق الماء. إنها تبدو كبحيرة من نار. جبال الألب انبعثت للحياة لتغمس بإيماءة خرافية جباهها في الماء. بجعاتُه هناك في الأسفل يطوّفون بجزيرته الهادئة، حفيف الأشجار في العتمة، ببهجتها المترنمة العطرية تطفو فوق – فوق ماذا؟ لا شيء، لا شيء. كلايست يشرب كل هذا. بالنسبة له، البحيرة المتلألئة الظلالية هي عنقود الألماس على انحناءات جسد امرأة ناعسة غامضة. أشجار الليمون وأشجار الصنوبر والأزهار تمنح عطورها. ثمة أصوات ناعمة مُدركَة بندرة هناك في الأسفل، إنه يسمعها، ولكنه لا يستطيع أيضا رؤيتها. هذا شيء جديد. إنه يريد اللامُدرَك، المستغلق. على البحيرة قاربٌ يتأرجح، لا يراه كلايست، ولكنه يرى الفوانيس التي ترشده، تميس جيئة وذهابا. يجلس هناك، وجهه ينتَـأ إلى الأمام، وكأنه يجب أن يكون مستعدا لقفزة الموت في صورة ذلك العمق الفاتن. إنه يريد أن يفنى في تلك الصورة. إنه يريد أعينا لوحدها، أن تكون عينا واحدة مفردة فقط. لا، شيء مختلف تماما. الهواء يجب أن يكون جسرا، وصورةُ المنظر بأكمله كرسيا يسترخي عليه، سعيدا، حسيا، منهكا. الليل يحل، ولكنه لا يريد النزول. يرمي نفسه على قبر مختبئ تحت الدغل، الخفافيش تئزُّ حوله، الشجر المدبَّب يهمس إذ يتخلله الهواء الناعم. رائحة الزرع شهية جدا، تُـدثّر هياكل الرجال المقبورين. إنه سعيد بألم، سعيد للغاية، حيث منها يتكوّن اختناقه، قحطُه، أساه. وحيد للغاية. لماذا الأموات لا يمكنهم أن ينبعثوا ليتحدثوا نصف ساعة مع الرجل الوحيد؟ في أمسية صيفية يجب أن يكون للشخص امرأة تحبه. صورةُ شفتين ونهدين أبيضين براقين رشقت كلايست إلى أسفل التل نحو شاطئ البحيرة، ثم إلى الماء، بكامل ملابسه، يضحك، ينتحب.

أسابيعٌ تمر. أتلف كلايست كتابا، اثنان، ثلاثة كتب. إنه يريد أرفع مراتب الإتقان، الامتياز، الامتياز. ما هذا؟ لست متأكدا؟ مزقه إذاً. شيء جديد، أكثر سُعارا، أكثر جمالا. يبدأ “معركة زيمباخ”، بطلها المركزيّ هو ليوبولد دوق النمسا، الذي يثير قدرُه الغريب فضول كلايست. وأثناء ذلك، يتذكر بطل مسرحيته الشعرية غير المكتملة “روبرت جيسكارد”. إنه يريده أن يكون باهرا. يرى حسن الحظ – في أن تكون رجلا متزنا بعقلانية ومشاعر هادئة –ينفجر إلى أشلاء، يتحطم ويتحشرج مثل جلاميد تتساقط في الانهيار الأرضي لحياته. يساعده ذلك على أية حال، الآن هو مصمم بوضوح أكثر. إنه يريد أن يتنازل عن نفسه لكارثةِ أن تكون شاعرا: أفضل خياراتي هو أن أُباد بأسرع وقت ممكن.

ما يكتبه يجعله متجهما: إبداعاته تُجهض.

قبل الخريف، يصاب بالمرض. إنه مشدوه من الرقة التي تتخلله الآن. تسافر أخته إلى ثون لتعيده إلى البيت. ثمة تغضنات عميقة في خديه. وجهه يحمل تعابيرَ وسحنةَ رجل تآكلت روحه. عيناه أكثر انعداما للحياة من حاجبيه المتهدلين. شعره يتدلى في خصلات كثيفة مسننة فوق صدغيه، متعرجة بفعل الأفكار التي تخيلها وهي تجرّه إلى بُؤَر قذرة وأشكال من الجحيم. آيات الشعر التي تجلجل في عقله تبدو له مثل نعيب الغِـربان. إنه يريد أن يجتـثَّ ذاكرته. إنه يريد أن يسفك حياته، ولكن يجب أولا أن يهشم قواقع حياته. سُخطه يحتدم تجاه صرير ألمه، إزدراؤه لأزيز شقائه. عزيزي، ما الأمر، تحتضنه أخته. لا شيء، لا شيء. هذا كان الضرر المطلق، أنه كان يجب أن يصرّح أي ضرر ألمّ به. على أرضية غرفته تتبعثر مخطوطاته، مثل أطفال نبذهم أبٌ وأم بفظاعة مرعبة. يضع يده على أخته، راضيا بأن ينظر فيها، طويلا، وبصمت. من الآن، هي تحديقةٌ خاوية لجمجمة متفسخة، فترتعد الفتاة.

ثم يرحلان. الفتاة التي رعت البيت لكلايست تقول وداعا. إنه صباحُ خريفٍ وضّاء، العربة تتدحرج فوق الجسر، تتجاوز المارّين، من خلال أزقة ثملة خشنة. الناس يتأملون من خلال النوافذ، السماء فوق الرؤوس، تحت الشجر يلوح اصفرار النباتات المزخرفة، كل شيء نظيف، خريفيّ، ماذا بعد؟ وقائد العربة يحمل غليونه في فمه. كل شيء كما كان. كلايست يجلس كئيبا في زاوية من العربة. أبراج قلعة ثون تتلاشى خلف تل. لاحقا، في البُعد القصي، أخت كلايست تستطيع أن ترى مرة أخرى البحيرة الجميلة. الجو يزداد برودة. تظهر منازل ريفية. تماما، تماما، يا لها من مقاطعات نبيلة كهذه في ريف جبلي كهذا؟ بلا انقطاع. كل شيء يحلق متجاوزا وأنت تنظر من الجانب، ثم ينحسر إلى الوراء، كل شيء يرقص، يحوم، يتلاشى. الكثير مختبئ أصلا تحت غطاء الخريف، بينما كل شيء مذهَّب قليلا تحت شعاع الشمس الناعم الذي يثقب الغيوم. يا له من ذهب ناصع، كيف يلمع هناك، وهو الذي يوجد فقط في التراب. تلال، منحدرات، وديان، كنائس، قرى، أناس يحدقون، أطفال، أشجار، ريح، غيوم، ممتلكات وتوافه — هل في كل هذا شيء مميز؟ أليس كله هراء، منظرٌ يوميّ، أشياء؟ كلايست لا يرى شيئا. إنه يحلم بغيوم وصور وأياد تواسيه وتلاطفه برفق. بماذا تشعر؟ تسأله أخته. فم كلايست يتجعد، يريد أن يمنحها ابتسامة صغيرة. ينجح، ولكن بجهد. وكأنّ في فمه حاجزُ حجارة عليه أن يرفعه ليبتسم.

أخته تستحضر الشجاعة الكافية لتتحدث عن إمكانية أدائه لمهام عملية قريبا. يومئ، إنه يتفق حقا مع هذا الرأي. تومض في حواسه موسيقى وأعمدةُ ضوءٍ مشعة. في الحقيقة، إذا اعترف لنفسه بصراحة، إنه يشعر بتحسن الآن، يتألم، ولكن يتحسن أيضا. شيء ما يرشقه، نعم، بالفعل، صحيح تماما، يرشقه، ولكن ليس في الصدر، ليس في الرئتين أيضا، أو في الرأس. إذاً أين؟ لا مكان محدد؟ ليس تماما، شيء قليل، في مكان ما مجهول، لئلا يستطيع الشخص معرفة أين بالضبط، وهو ما يعني: إنه شيء لا يمكن الحديث عنه. إنه يقول شيئا ما، وتحلّ لحظات يكون سعيدا تماما مثل طفل، ثم طبعا تقابله أخته بوجه متزمت عقابي، فقط لتريه كم هو غريب كيف يلهو مبددا حياته. الفتاة كلايستية وحظيت بتعليم جيد، التعليم ذاته الذي أراد أخوها أن يتخلص منه ويرميه جانبا. في قرارة نفسها هي سعيدة بالطبع لأنه يتحسن أكثر.

بغير انقطاع. باستمرار.

إذاً إذاً. يا لها من رحلة. ولكن أخيرا لابدّ للشخص أن يترجل من هذه المركبة. يستطيع بعد ذلك أن يجيز لنفسه ملاحظةَ أنّ في واجهة الفيلا، حيث عاش كلايست، تتدلى لوحةٌ رخامية توثّق من عاش وعمل في هذا المكان. المسافرون الذين ينوون التجوال في منطقة الألب يستطيعون قراءتها، أطفال ثون يقرؤونها ويتهجّونها، حرفا بحرف، ثم يحدقون بتساؤل في بعضهم. اليهودي يستطيعون قراءتها، والمسيحيّ أيضا، إذا كان لديه ما يكفي من الوقت وإذا كان قطاره لن يرحل هذه اللحظة، التركي كذلك، كاظما غيظه بقدر ما هو مستثار الاهتمام، وأنا أيضا، أستطيع قراءتها مرة أخرى إن أردت. ثون تقف في مدخل أوبرلاند الألب البرنية، ويرتادها سنويا آلاف السياح الأجانب. ربما أعرف المنطقة قليلا، لأنني عملت كموظف في مصنع للجعة هناك. المنطقة تعتبر أكثر جمالا مما استطعتُ وصفه هنا، البحيرة أكثر زرقة مما وصفت بمرتين، السماء أكثر جمالا مما وصفت بثلاث مرات. ثون كان فيها معرض تجاري، لا أستطيع تحديد متى ولكن أظن قبل أربع سنوات.

ترجمة: شارع التماسيح – برونو شولتز

 schulz autoportet sztokholm 2010_4245581

برونو شولتز: بولندي يهودي. وُلد عام 1892 وتوفي مقتولا 1942. قاص ورسام ومنظر. كان حاضرا في المشهد الأدبي البولندي، الذي كان وقتها يضج بأسماء مهمة، تشتت كثير منها إلى الخارج جراء الحرب العالمية الثانية واحتلال الألمان.

كثُر الاهتمام به تحديدا في النصف الثاني من القرن العشرين، رغم أنه لم يكتب سوى مجموعتين قصصيتين منشورتين، مع الحديث عن رواية بعنوان “المسيح” لم توجد لها نسخة، ويقال أنه أرسلها إلى توماس مان، كاتبه المفضل.

.
.

وفاته

هي مأساة ساخرة .. نوعا ما.

أثناء سيطرة الألمان على مدينة دروغوبيتش حيث يعيش شولتز (التي هي جزء من أوكرانيا حاليا)، كان اليهود يعيشون في خوف دائم. وشولتز ليس استثناء. ولكن بحكم موهبته في الرسم، فقد تكفل شرطي من الجستابو بحمايته نظير أن يقوم شولتز برسم جدارية لغرفة طفله، وهو المشروع الذي بدأه بالتوازي مع التخطيط السري للهرب. ما حدث هو أن الشرطي الذي تكفل بحمايته قتل يهوديا آخر يقع تحت حماية شرطي آخر في الجستابو، وهو الذي قرر منطلقا من عقلية انتقام قبلي أن يقتل شولتز في الشارع برصاصة في رأسه، ردا على مقتل يهوديّه، في ذات اليوم الذي كان شولتز قد قرر فيه الهرب أخيرا.

في عام 2001، قام المخرج الألماني الوثائقي Benjamin Geissler بالبحث عن الجدار. وبعد رحلة شاقة في مدينة دروغوبيتش، وفيما يشبه الخرافة السحرية وجد البيت الذي تحول إلى شقق سكنية، وبدأ يمسح الغبار المتراكم عن الجدار الذي ظل كما هو لتظهر جدارية شولتز اللامنتهية.

DSC_0005_male_0  Wand II - Zusammenführung aller Fragmente 2011

ولسبب ما شاطح تم نقل الجدرايات لتعرض في متحف في إسرائيل مخصص لضحايا الهولوكوست، بدل أن تبقى في  أوكرانيا أو تنقل إلى وطن شولتز الأصلي بولندا.

.
.

أدبه

الروائي والمنظر والرسام البولندي المعروف بـ Witkacy له نظرية مثيرة للاهتمام بعد الحرب العالمية الأولى: الشعر والرسم والدراما (مسرح/سينما) تنتج شكلا نقيا، بينما النثر (سرد/قصة) يقدم التجربة الفردية على أنها شكل نقي. ويستثني نثر صديقه برونو شولتز الشعري. ويقصد بالشعر ليس جانبه اللغوي فقط وإنما الكوني، التركيب المتناغم بين اللغة والدلالة والصورة، التي تعيد سلخ الواقع من قشرة الفردية وتعيد تقديمه من جديد. وهي من هذه الزاوية قد تبدو شبيهة بنظرية إضفاء الغرابة لدى مدرسة الشكلانيين الروس. ولذا فإن شولتز يدعم هذه الفكرة بنظريته المهمة “أسْـطَرة الواقع”. تلك الشبكة الأسطورية حيث تشتبك اللغة كأحرف وموسيقى بتركيبات صورية وانفعالية خاصة، فالواقع يجب إعادة خلقه من جديد، عبر اللغة والصورة، الصوت والشكل. ولذا قد يعتبر شولتز تطورا لغويا لكافكا، الذي أعاد خلق الواقع كتصور ومنطق. هذا التطبيق المتنوع للغة، الذي يحاول أن ينقذها من هذا اللانقاء، هي فكرة حداثية بامتياز. تي اس اليوت في الشعر ونظريته حول موسيقية اللفظ الصوتي بغض النظر عن دلالة الكلمة (وهي على فكرة نظرية لها نظير مقارب في الأدب العربي عند ابن جني). جويس وبروست وفوكنر وحتى كافكا، وقبلهم هنري جيمس في الرواية، يحتوي نثرهم قدرا كبيرا من هذا الشعر الميثولوجي، وإن كان بأشكال مختلفة. ما بعد الحداثيين، من بيكيت تحديدا، وبورخيس بشكل أقل، أعادوا السرد إلى تحرره اللغوي الأول، اعترافا بذلك اللانقاء والخلل في الوسيط اللغوي. ولذا بورخيس كان يرفض كتابة روايات لأنه لا يرى فائدتها، فالقصة القائمة على الفكرة تكفي. وبيكيت ظل يكرر أن اللغة الروائية وصلت إلى طريق مسدود، حيث أن حالة التعبير ورطةٌ من الدلالات والمفردات المعقدة. مدارس مابعد حداثية لاحقة احتفلت بهذا اللانقاء، وحولت الرواية لنوع من الدراسة. بيرنهارد وجاديس وبينشون وبيريك وكونديرا كروايات تحليلية هندسية. ومدارس أخرى كتبت روايات تسجيلية، بل أحدثت نوعا من الشعر في هذه التسجيلية، هاندكه وسيبالد كأمثلة. ولكن في المجمل، ظلت مسحة هذا النوع من الشعر التي استحدثتها الحداثة باقية في الأدب بقوة، روايات لكتاب مثل نابوكوف وتارجي فيساس وباتريك موديانو تعتمد في كثير من تراكيبها على الشعر، الشعر بمعناه المقارب للشعر الميثولوجي الذي قصده شولتز. ستلاحظ في هذا النص أن اللغة محرك أساسي في الشكل الصوتي واللفظي. العبارة لها مسار سمعي مهم جدا يوازي معناها الدلالي وتمتزج مع الصور الاستعارية مشكلة ذلك المناخ الغرائبي المكهرب، ولهذا ترجمته تبدو صعبة إلى حد بعيد، لا يكفي أن تنقل المعنى، ولكن أيضا الإيقاع والحركة الداخلية للنص. ومن هنا تكمن صعوبة قراءته أيضا.

.
.

شولتز والمازوخية

schulz-bestia

الكثير من النقاد يشير إلى أن سطوة المرأة في قصص ورسومات شولتز تتكون من منطلق رمزي. ولكنني أرى أن المسألة ببساطة تنبع من دافع جنسي أولا، وقد يكون مرمّزا. رجال شولتز مازوخيون بامتياز. المرأة لديه ليست مسيطرة فقط، ولكنها عنصر إهانة، عنصر تقديس. في أدبه ورسوماته يُقبّـل الرجال أقدام المرأة ليس عن اشتهاء فقط ولكن عن تذلل، يخضعون لسيطرتها، تضربهم أحيانا بالسياط، تطؤهم حيث يتم رسمهم كأقزام مشوهة. شولتز يرمز للمرأة كعنصر ميثولوجي متجلي، حيث الجمال والقدسية الطبيعية المؤلّهة، بينما الرجال أقرب إلى الحيوانات الممسوخة التي تستمتع بإهانة المرأة لهم، تجد لذة في التذلل والخضوع. ربما يرمز إلى أسطرة المرأة كنوع من القدسية. ولكن منبع الحالة له عمق جنسي حاد جدا، لا يمكن إنكاره أو تجاوزه.

.
.
.

الترجمة: عن طريق الترجمة الإنجليزية الممتازة للمتخصصة في أدب شولتز Celina Wieniewska

شارع التماسيح

احتفظ أبي في الدُّرج الأسفل من مكتبه الكبير بخارطة قديمة وجميلة لمدينتنا. كانت حزمة من ورق المخطوطات المعقود بشرائط كتان أصلية، شكّلت خريطة جدارية هائلة، تتبدى بمنظور عين الطائر البانورامية.

غطّت الخارطةُ المعلقةُ الجدارَ بالكامل تقريبا وكشفت المشهد الواسع لوادي نهر “التيشمينتسا-Tysmienica” الذي اجترح نفسه مثل وشاح متموج من الذهب الشاحب، على متاهة البَـحْرات والمستنقعات المنبسطة باتساعٍ فوق الهضبة الصاعدة باتجاه الجنوب، بتمهل في أولها، ثم في نطاقات متضامّة أكثر، في لوحة شطرنجية من التلال المكورة، تبدو أصغر وأشحب إذ تنحسر باتجاه ضباب الأفق المغشّى في صفرته. من هذا البُعد الباهت للهامش، أزهرت المدينة ونَـمَت باتجاه مركز الخارطة، كتلةٌ لامتمايزة أولا، مركّبٌ متراصٌّ من الأحياء المخططة والمنازل، مخدّدة بوديانِ شوارعَ عميقة، لتصبح في المخطط الأول مجموعة بيوت منفردة، منحوتة بالوضوح الحاد لمنظر يُرى عبر الدربيل. في هذا القسم من الخارطة، ركَّز النقاش على التعقيد والغزارة المتشعبة للشوارع والأزقة، الخطوط الحادة للأفاريز، والأُسْكُفَّات، ونقوش البوابات المقوسة، والأعمدة، موقدةٌ بالعتمة الذهبية لأصيلٍ غائم نقع كل الزوايا والارتدادات بكَـدْرةِ فيءٍ عميقة. الصُّلب والموشور الزجاجي لذلك الفيء شَـكَّل بعتمةٍ خلية نحل للشوارع الوديانية المخددة، حيث يغرق هنا في لونٍ دافئٍ نصفُ شارع، وهناك يغرق فراغٌ آخر بين المنازل. جميعها تُمسرِح وتلحن في تباين الضوء/الظل التعقيدَ المعماري البوليفوني.

على هذه الخارطة المصنوعة على طريقة الاستعراضات الباروكية، شعّت منطقة شارع التماسيح بالبياض المفرغ الذي يسِـمُ المناطق القطبية، أو الدول اللامكتشفة حيث لا يُعرف شيء منها. خطوطُ شوارع معدودة فقط كانت مرسومة بالسواد ومكتوبةً أسماؤها بحروف بسيطة لامزخرفة، مختلفة عن الخط الفخم في التعليقات الأخرى. لابدّ أن رسام الخارطة كان مشمئزا من إدراج هذا القطاع في المدينة، لتجد تحفظاتُه تعبيرا مناسبا في التطبيق الطباعي.

من أجل أن تُـفهم هذه التحفظات، لابد أن نلفت الانتباه إلى الشخصية المبهمة المريبة لتلك المنطقة الخصوصية، المختلفة كثيرا عن بقية المدينة.

لقد كانت منطقة صناعية وتجارية، جديةُ شخصيتها النفعية مُبرَزة بابتذال. روح العصر، ميكانيكية الاقتصاد، لم تنتشر في مدينتنا وإنما تجذرت في قطاعٍ من هامشها الذي تطور حينها إلى حارة دخيلة.

بينما سادت في المدينة القديمة تجارة ليلية متخفية، موسومة بتحفظ رسمي؛ ازدهرت دفعةً واحدة في المقاطعة الجديدة أشكالُ حداثة جدية من همة تجارية، الأمركة المزيفة، ملقحة في اللُّبّ القديم المنهار للمدينة، متعالية فيه بغابة حذلقة سوقية، ثرية ولكن خاويةٌ عديمة اللون. يستطيع أحدٌ أن يرى البيوت المشيدة على نحو رخيص بواجهات متنافرة، مغطّاة بزخرفةٍ جصية مشوهة فوق جبص متصدع. بيوتُ الضواحي القديمة المتزعزعة لها بوابات هائلة مركبة بعُجالةٍ مرقعة تكشف في حالة الفحص المقرب عن نفسها كتقليد تعيس لفخامة عاصمية. ألواحٌ زجاجية مختلة، رتيبة، قذرة، تنعكس فيها صور قاتمة متموجة للشارع، خشب الأبواب المركب على نحو رديء، هالة الهواء الداكنة في الداخل المقفر حيث الرفوف العالية مكسرة والجدران المتداعية مغطاة بخيوط عنكبوت وقشرة تراب كثيفة، صَبغت هذه الحوانيت بمسحة من براري الكلوندايك. صفٌّ تلو صف، تنتثر حوانيت خياطة، تجار ملابس، محلات خزف، صيدليات، صوالين حلاقة. نوافذ واجهاتها الرمادية جَـوّفت نقشا مائلا هلاليا بحروف مذهبة:

سكاكر، مانيكير، ملك إنجلترا.

سكان المدينة القدماءُ المؤسسون تنحّوا بعيدا عن المنطقة التي استقر بها الرعاع والطبقة المتدنية، مخلوقات بلا شخصية، بلا مرجعية، حثالة أخلاقية، ذلك الجنس السافل من البشر الذي ينشأ في مثل هذه المجتمعات سريعة الزوال. ولكن في أيام الرضوخ، في ساعات الأخلاق الواهنة، يحدث أن أحد قاطني المدينة سيتجاسر مدفوعا بنصف صدفة على ارتياد ذلك القسم المشبوه. أفضلهم لم يكونوا متحررين بالكامل من إغراء التهتك الاختياري، بتحطيم حواجز الهرمية، بالانغمار في ذلك الوحل السطحيّ للمخادنة، بالحميمية السهلة، بالاختلاط البذيء. القسم كان بمثابة “El Dorado” للمارقين أخلاقيا. كل شيء بدا مبهما وظنيا هناك، كل شيء موعود بغمزات سرية، إيماءات ساخرة مبرزة، حواجب مرفوعة، الشبع بآمال دنسة، كل شيء مهيأ ليطلق أرذل الغرائز من أصفادها.

مجموعة قليلة من الناس فقط لاحظت الخصوصية النوعية لذلك القسم: الافتقار المهلك للون، وكأن هذه المنطقة الرثة المتنامية لا تتحمل تكاليف رفاهية الألوان. كل شيء كان رماديا هناك، كصورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود أو كاتالوج مصور رخيص. هذا التشبيه كان حقيقيا أكثر من كونه مجازيا، لأنه في أوقات ما، أثناء التَّجوال في تلك الأماكن، يحدس الشخص انطباعا بأن أحدا يقلب صفحات نشرة، يعاين أعمدة الإعلانات التجارية المملة، حيث تعشعش وسطها أخبار مريبة كالطفيليات، مع ملاحظات ملتبسة ورسوم إيضاحية تحمل معنى مزدوج، تُـثبت أن تجوال الشخص عقيمٌ وتافه بقدر الانفعال الذي تحدثه مطالعة مقربة لأولبومات إباحية.

إذا دخل أحد، على سبيل المثال، حانوت خياطة ليطلب بدلة – بدلةُ طابع الأناقة الرخيصة لهذه المنطقة – سيجد أن الواجهة كبيرة وفارغة، وأن الغرف فارعة وعديمة اللون. رفوفٌ ضخمة حلقت في طبقات نحو الارتفاع المُـطلق للغرفة لتسحب نظرة الشخص إلى السقف الذي قد يكون السماء – السماء الرثة المتلاشية في هذا المكان. في الجانب الآخر، المخازنُ التي يمكن رؤيتها من الباب المفتوح، كانت مكدسة عاليا بالصناديق والكراتين – خزانة تضبير ضخمة تصعد إلى العُـلّية لتتفتت في هندسة الفراغ، في تخشيبات خواء. النافذة الرمادية الكبيرة، مخططة مثل صفحة من سجل حسابات، لم تُـدخل ضوء النهار بعد، الحانوت كان مليئا بضوء رمادي رطب مجهول لم يرمي ظلالا أو يُبرز شيئا. بعد قليل، ظهر البائع، شاب نحيل، متذلل على نحو مدهش، حَرِك، متعلل، ليرضي بهذا متطلبات ذلك الأحد ويغرقه بالتدفق اللطيف لأحاديث تسويق بضاعته. وأثناء حديثه طوال الوقت، بَسَط قطعة قماش ضخمة، يلائم ويطوي ويلف مجراها، يشكّلها على جسده إلى سترات وبناطيل متخيلة. كل هذا التلاعب بدا فجأة لاحقيقيا، كوميديا متكلفة، شاشةٌ مثبتة بمفارقة ساخرة لتخفي حقيقة معنى الأشياء.

البائعات الطويلات السمراوات، في كل واحدة منهن عيب في جمالها (على نحو ملائم لهذه المنطقة المكونة من فضْلة الموجودات) جئن وذهبن، وقفن عند المداخل ليراقبن إن كان العمل المنوط بالبائع الخبير قد بلغ نقطة ملائمة. تكلف البائع الابتسام واختال مثل متخنث. أراد الأحد أن يرفع ذقنه المنكفئ أو يقرص خده الباهت الممكيج بينما أشار هو بتروٍّ ونظرة مبطّنة جادة إلى العلامة التجارية على القماش، علامةُ رمزية واضحة.

اختيار البدلة أخيرا أفسح المجال للمرحلة الثانية من الخطة. الشاب المتأنث المنحل، محتوٍ لأكثر هيجانات الزبون الحميمية، توضع الآن أمامه تشكيلة من أكثر العلامات التجارية فرادة، مكتبة كاملة من ملصقات التصنيف، خزانة تعرض مختاراتِ متذوقٍ راقي. ففي حينها اتضح أن حانوت الأقمشة المستوردة هذا كان مجرد واجهة يوجد خلفها حانوت تراثٍ بمختاراتٍ من كتب مشبوهة وطبعات خاصة. فتح البائع المتذلل مخازن إضافية، ممتلئة حتى السقف بكتب، رسومات، صور فوتوغرافية، هذه النقوش والمنحوتات كانت تتجاوز أكثر توقعاتنا جرأة: لم نترقب ولو في أحلامنا هذا القدر من عمق الفساد، هذا القدر من تنوع الفجور.

البائعات الآن سرن صعودا وهبوطا بين طوابير الكتب، أوجههن، مثل الرِّق الرمادي، موسوم ببقع السَّـحْنة الداكنة الدهنية للسمراوات، أعينهن السوداء اللامعة تقذف فجأة نظرات حَـشَرية متعرجة. ولكن تورّدهن الداكن، بقع جمالهن اللاذع، آثار الزغَب على شفاههن الفوقية، تفضح دمهن الأسود الكث. انفعالهن المتلون، مثل قهوة فواحة، بدا أنه ينطبع في الكتب التي تلقفنها في أيديهن الزيتونية. لمستُهنَّ بدا أنها تمر على الصفحات وتترك في الهواء أثرا داكنا من النمش، لطخة من التبغ، كما تفعل كمأة برائحتها الحيوانية المهيجة.

في غضون ذلك، ساد المجون. البائع، منهكا جرّاء إلحاحه اللجوج، انسحب ببطء إلى حالة خمود أنثوي. يستلقي الآن على إحدى الأرائك الكثيرة التي تتموضع بين أرفف الكتب، يلبس بجامة حريرية ضيقة. بعض البنات استعرضن لبعضهن الوضعيات والوقفات التي في رسومات أغلفة الكتب، بينما استقرت الأخريات لينمن على أسرة من الكراسي. الإلحاح على الزبون قد هدأ، يقف الآن متحررا من دائرة الانتهازيين الطماعين متروكا لوحده. البائعات، منشغلات بالكلام، توقفن عن الاهتمام به تماما. بظهورهن المدارة نحوه، إتبعن وضعيات متغطرسة، يراوحن اتكاء ثِـقلهن من قدم إلى قدم، يتلاعبن بأحذيتهن الخليعة، يطلقن أجسادهن النحيلة لحركات أطرافهن الأفعوانية، وبذلك يطوّقن حصارا على المتفرج المنفعل الذي يتصنّعن تجاهله خلف ادعاء وهمي من اللامبالاة. التنحّي كان مدبّرا لتوريط الضيف بطريقة أعمق، في حين يبدو وكأنهم تركوا له حرية التصرف ليبادر بنفسه.

ولكن دعُونا نستغل لحظة الغفلة تلك لنهرب من هذه النتائج اللامتوقعة لزيارة بريئة للخياط، ونتسلل عائدين إلى الشارع. لا أحد يوقفنا. من خلال أروقة الكتب، من بين الأرفف الطويلة الممتلئة بالمجلات والمطبوعات، نشق طريقنا لنخرج من المتجر ونجد أنفسنا في ناصية شارع التماسيح، حيث من خلال زاوية أعلى يستطيع أحدٌ رؤية امتداد الشارع بأكمله إلى المباني البعيدة لسكة القطار التي لم ينتهي بناؤها بعد. لقد كان، كما العادة، يوما رماديا، والمشهد بأكمله بدا كصورة فوتوغرافية في مجلة مصورة، رمادي جدا، المنازل والناس والمركبات أحاديةُ الأبعاد جدا. الواقع نحيلٌ مثل الورق، يفضح بكل فجواته شخصيته المزوّرة.

أحيانا يتكون انطباع لدى أحد أن الجزء المساريّ من الشارع قبالتنا تماما هو فقط الذي يهبط في اللوحة التنقيطية المفترضة لممر طريق مدني، بينما على جانبي الممر، قد بدأت الحفلة التنكرية الارتجالية من الآن بالتفسخ، غير قادرة على الصمود، تتقوّض خلفنا في كتلة جص ونشارة، في عنابر مسرحٍ ضخم فارغ. توتُّـر وضعية مصطنعة، جدّيةٌ متكلفة لقناع، مفارقة مثيرة للشفقة ترتجف في هذه الواجهة الشكلية.

ولكن مستبعدٌ منا أن نفضح هذا الزيف. فعلى الرغم من حكمنا القاطع، نظل متعلقين بالجاذبية الرخيصة لهذا القسم. وعلاوة على ذلك، هذا التظاهر المدني يحمل بعض صفاتِ محاكاةٍ ساخرة للنفس. صفوفٌ من بيوت الضواحي ذات الطابق الواحد تتناوب مع بيوت الطوابق المتعددة، حيث تبدو وكأنها مصنوعة من الكرتون، تُشكل مزيجا من نوافذ مكاتب معتمة، وزجاج واجهات رمادي، ولوحات إعلانات وعناوين. ضمن المنازل يتدفق الحشد. الشارع فسيح مثل جادّة مدينة، ولكنه معبّد مثل ساحات القرى بالطين المدكوك، مليء بالنقاع والعشب المتنامي. حركةُ سير الشارع مأثرة في المدينة، يتباهى بها جميع قاطنيه بكبرياء ونظرة فخورة. ذلك الحشد اللاذاتي الرمادي يبدو بالأحرى واعيا على نحو مفرط بدوره، متلهف ليرقى إلى حد طموحاته العاصمية. ومع ذلك، رغم العنفوان والإحساس بالقيمة، يتكون انطباع لدى أحد بأنه أمام حيوانات رتيبة تجول، قافلةُ دمىً ناعسة. هالةُ تفاهةٍ تغشى المشهد. ينضح الحشد بكسل، ومن الغريب القول أن أحدا لا يستطيع رؤيته إلا بضبابية، تعبر الهيئات بتشوش مرتخ، لا تقبض أبدا حوافّ المعالم. أحيانا فقط، نتلقف من بين لَجَب الرؤوس الكثيرة نظرة داكنة جذلة، قبعةَ بولنج سوداء ممالة إلى الجانب، نصف وجه منفرج بابتسامة على شفاه أنهت حديثها للتو، لكْزة قدم تخطو إلى الأمام وترسخ إلى الأبد في تلك الوضعية.

خصوصية ذلك القسم تتضح في مركبات الأجرة، بلا حوذيين، منقادة بلا قائد. لم يكن ذلك بسبب عدم وجود سائقي أجرة، ولكنهم مختلطون بالحشد ومنشغلون بآلاف الأعمال الخاصة بهم، لا يبالون بعرباتهم. في تلك المنطقة من الإيماءات الصورية الفارغة لا أحد يلقي بالا للقصد المحدد لجولة مركبة الأجرة، والركاب يُودِعون أنفسهم في عهدة تلك النقليات الجانحة باللااكتراث الذي يشخصن كل شيء هنا. من وقت لآخر، يستطيع أحد أن يراهم في زاوية خطرة، يتكئون بعيدا تحت السقف المحطم، ممسكين بالزمام في أيديهم، ويؤدون بشيء من الصعوبة مناورات معقدة لاستعادة السيطرة.

هنالك أيضا خطوط ترام هنا. تمثل أعظم انتصار لطموحات أعضاء المجالس الإدارية، رغم أن مظهر هذه الترامات بائس، بحكم أنها مصنوعة من الورق المعجّن بجوانب معوجّة بسبب سوء الاستخدام الطويل. لا تحتوي في الغالب على واجهة، لذا أثناء مرورها يستطيع أحد أن يرى الركاب، يجلسون بتصلب ويلُوحون بقدر كبير من الاحتشام. يدفع هذه الترامات حاجبوا المدينة. ومع ذلك، الشيء الأغرب من كل هذا، هو نظام سكة الحديد في شارع التماسيح. أحيانا، في أوقات مختلفة من اليوم باتجاه نهاية الأسبوع، يستطيع أحد أن يرى مجموعة من الناس ينتظرون قطارا في تقاطع طرق. لا أحد متأكدٌ مما إذا كان القطار سيأتي أساسا أو أين سيتوقف إن هو أتى. ولهذا، يحدث غالبا، أن الناس يقفون في مكانين مختلفين، عاجزين عن الاتفاق على أين سيقف القطار. ينتظرون لمدة طويلة، واقفين في حزمة سوداء صامتة بجانب خط السكة المرئي بالكاد، أوجههم جانبيا: صف من هيئات كرتونية شاحبة، مثبّـتة بتعبير من التطلع القلق.

أخيرا، يظهر القطار فجأة: يستطيع أحد أن يراه قادما من جهة الشارع المتوقعة، مسطّح مثل ثعبان، قطارٌ منمنم بقاطرة بخار رابضة فحيحيّة. يلِـجُ الدهليز الأسود فيكفهر الشارع بغبار الفحم المتناثر من صف العربات. لَهَثان المحرك الثقيل وتلويحات الجدية الغريبة الحزينة، التعجل والانفعال المكبوح يحوّل الشارع للحظة إلى ساحة محطة قطار، أثناء الهبوط السريع للغسق الشتائي.

السوق السوداء لتذاكر القطار، والرشوة، هما – بشكل عام – الوباءات الخاصة لمدينتنا.

في اللحظة الأخيرة، أثناء تواجد القطار في المحطة، مفاوضاتٌ تُعقد بعجلة عصبية مع مأموري السكة الفاسدين. قبل أن تكتمل هذه المفاوضات، يتحرك القطار، يتبعه ببطء حشدُ المسافرين المحبطين، يرافقونه طويلا على امتداد الخط قبل أن يتبددوا أخيرا.

الشارع، مقلَّصاً للحظة كي يشكّل محطة افتراضية مليئة بالقتامة وأنفاس السفر الطويل، يتمدد من جديد، يتخفف ليسمح للحشد الرخِيّ من المارة المهمهمين أن يعاودوا التمشّي، يعبرون أمام نوافذ الحوانيت – تلك المربعات الرمادية القذرة المليئة بسلع رثة، عرائس، دمى شمعية طويلة.

عاهرات، بفساتين مبهرجة من الدانتيل المقلم، بدأن بالحَوم. من الممكن أن يكنّ أزواج مصففي الشعر أو عازفي الموسيقى في المطاعم. يتقدمن بخطوة مشحونة شرهة، كل واحدة منهن بعيب صغير في وجهها الشيطاني المنحل: حَوَلٌ أسود منعقف في أعينهن، أو شفاه مشرمة، أو أرنبة أنف مفقودة.

قاطنوا المدينة فخورون تماما بنتانة الفساد المنبعثة من شارع التماسيح. “لا حاجة لأن ينقصنا شيء” يقولون بفخر لأنفسهم “حتى أن لدينا رذائلُ عاصمية بحق”. يصادقون على أن كل امرأة في ذلك القسم هي داعرة. في الواقع، يكفي أن تحدق في أي واحدة منهن، وفورا ستقابل نظرة ملحة متشبثة تُجمدك بتحقق الإشباع. حتى الطالبات الصغيرات يربطن بكلات الشعر بطريقة مشخصنة ويسرن على سيقانهن الهيفاء بخطوة مميزة، تعبيرٌ ملوث في أعينهن يكشف الظل عن مستقبلهن المنحل.

ورغم ذلك، ورغم ذلك – هل نحن على وشك أن نكشف آخر أسرار ذلك القسم، سر شارع التماسيح المخبأ بحذر؟

لعدة مرات خلال روايتنا، بعثنا إشارات تحذير، ألمحنا بحساسية إلى احتياطاتنا. ولذا فإن قارئا منتبها لن يكون غير مستعد لما سيتبع. تحدثنا عن شخصية المنطقة المزوِّرة الموهِمة، ولكن هذه الكلمات تحوي معنى أكثر دقة وقطعية من أن يصف واقعها المعلق اللاناضج.

لغتنا لا تحتوي تعريفات تزنُ، إن جاز التعبير، درجة الواقعية، أو تؤطر مرونتها. لنقلها بصراحة: آفة تلك المنطقة أنّ لا شيء ينجح فيها أبدا، لا شيء يستطيع أبدا أن يصل إلى نتيجة قطعية. إيماءات تتدلى في الهواء، حركات منهكة قبل الأوان لا تستطيع تجاوز نقطة محددة من الانطفاء. لقد لاحظنا من قبل عظمة الإتقان والخصب في المقاصد، والمشاريع، والترقب، التي هي إحدى خصال هذا القسم. إنه في الحقيقة ليس أكثر من أن يكون تخمّر رغباتٍ فار قبل أوانه، ولذا جاء عنّينا وخاويا. إنه مناخ من السلاسة المتطرفة، كل نزوة تحلق عاليا، اهتياجٌ عابر يتورّم إلى انتفاخ طفيلي فارغ، كساء نباتي رماديُّ اللون لأعشاب زغباء، بخشخاش عديم اللون يتبرعم صعدا، مصنوع من نسيجِ كوابيسٍ وحشيش لا وزن له.

على امتداد المنطقة كلها هناك، تطفو رائحة الخطيئة الخاملة الفاجرة، بينما المنازل، الحوانيت، الناس، تبدو أحيانا لا أكثر من ارتعاشة على جسدها المحموم، قشعريرة حمّى أحلامها. لا مكان أكثر من هناك سنشعر فيه أننا مهددون بالاحتمالات، مزعزعون بدنوّ الإشباع، شاحبٌ وواهن بالجمود العذب للإدراك. وهكذا سيظل إلى أبعد مُضيّه.

بتجاوزه نقطة معينة من التوتر، يتوقف المدّ ويبدأ بالانحسار، المناخ يصير مبهما ومشوشا، الاحتمالات تذوي وتنحلّ إلى الفراغ، خشخاش الإثارة المجنون الرمادي يتبدد إلى رماد.

سوف نندم دائما، في لحظة قادمة، على أننا تركنا حانوت الخياط الأقل إرابة. سوف لن نتمكن أبدا من العثور عليه مرة أخرى. سوف نطوف من لوحة حانوت إلى لوحة حانوت ونقترف آلاف الأخطاء. سوف نلج مداخل المتاجر ونرى أوجه الشبه. سوف نطوف بمحاذاة أرفف فوق أرفف من الكتب، نتصفح المجلات والمطبوعات، نتباحث طويلا على نحو حميمي مع شابة منقوصة الجمال باختضاب مفرط، ولن تكون قادرة رغم ذلك على فهم متطلباتنا. سوف نتورط في خلافاتِ سوء فهم إلى أن يستنزف اتقادُنا وانفعالنا نفسه في مثابرة غير ضرورية، في ملاحقة مهدرة.

آمالنا كانت مغالطة خاتلة، المظهر المشبوه للصرْح وطاقمه كان زيفا، الملابس كانت ملابس حقيقية، والبائعون لم يكن لديهم دوافع مخفية. نساء شارع التماسيح فاسدات إلى مدى معتدل، مختنقات بطبقات غليظة من التحامل الأخلاقي والتفاهات الاعتيادية. في تلك المدينة المكونة من مادة بشرية رخيصة لا يمكن لغريزة أن تزدهر، لا يمكن لشغف استثنائي مبهم أن يُثار.

شارع التماسيح كان ترخيص مدينتنا للحداثة والفساد العاصمي. بالتأكيد، لم نكن قادرين على تحمل تكاليف أي شيء أفضل من محاكاة ورقية، مونتاج من الرسوم التصويرية المقصوصة من جريدة العام الماضي المتفسخة.